لطالما حيّرتني هذه البلاد! فعند كلّ منعطف أجدنا؛ نحن اللبنانيين، نهرع للاصطفاف في الزوايا، نتربّص ببعضنا بعضاً، ونتمترس خلف شعارات التعصّب البغيضة، ودائماً ما كنت أتساءل كيف لبلد على هذا القدر من الجمال أن ينتج أهله خطاباً كريهاً وعنصرياً بهذا الشكل؟ ألا يقال إن الإنسان ابن بيئته وإن جغرافية المكان تترك بصمتها على نفوس البشر؟ أين شعب لبنان من جماله؟
الآخرthe other, l’autre “”، هذا المفهوم الذي شغل الفلاسفة والأدباء والمفكّرين، وكتبوا عنه الكثير من النظريات الفلسفية والروايات والدراسات الأكاديمية، “الآخر” الذي وصفه جون بول سارتر بأنه “الجحيم”، كان دائماً لعبتنا ورفيق مواقفنا وتقييماتنا، ولكي لا تعتب علينا بقيّة الضمائر أضفنا إلى خطابنا “نحن” و”هم” و”أنتم”، وكأن النظرة الضيّقة لم تعد كافية، ليأتي هذا الانقسام اللغوي ليزيد حدّة الخلاف.
هل قدرنا أن نكون طائفيين؟ هل أصبحت هذه السمة من ضروريات الشخصيّة اللبنانية كونها مثبتة في إخراج القيد بشكل رسمي؟ وفي الوقت الذي لا نستطيع فيه إنكار التأثير الهائل لحرب أهلية مقيتة استمرّت خمسة عشر عاماً، وما تلاها من سيطرة أحزاب جذّرت وجودها من خلال سرديّات طائفية، في صنع حواجز نفسية بين اللبنانيين، قد تكون خريطة بلدنا الجغرافية هي التي أنتجت تفكيراً طائفياً متعصّباً، يظهر على شكل انقسام عمودي حادّ عند كلّ استحقاق مصيري.
نعم، التوزّع الطائفي المناطقي خلق لكلّ طائفة ظروف وجودها، وبالتالي قناعاتها وقيمها وانتماءاتها السياسية وعاداتها وتقاليدها المختلفة عن الطوائف الأخرى، وبما أن الحتمية الجغرافية تلعب دوراً أساسياً في رسم أقدار المجتمعات ومصائرها، لا أحد يمكنه أن يُنكر أن وجود إسرائيل على الحدود الجنوبية واعتداءاتها الأزلية على الجنوبيين، أدّت إلى اعتبارها العدوّ المطلق والأوحد في وعيهم الجمعي، والشيعي على الأخصّ، وجعلتهم كلّهم “مقاومين”، قد يتعاطف الكثير من اللبنانيين معهم ويشاركونهم هذا العداء، ولكن ليس على درجة التفاعل نفسها.
على المقلب الآخر، عانت شريحة واسعة من اللبنانين، بالأخصّ المسيحية، الأمرّين من الوجود السوري، وكانوا يسمّونه احتلالاً كالاحتلال الإسرائيلي، ويعتبرون انسحاب الجيش السوري من لبنان قضيّتهم الأولى، وفي الفترة السوداء التي كان يتعرّض فيها “المقاومون” لموجات من الخطف والاغتيالات، كانت الأطراف الأخرى غير معنيّة بهذه المعاناة.
إقرأوا أيضاً:
كان المشهد منقسماً إلى صورتين: أمّهات يبكين أبناءهن الذين استشهدوا وهم يقاومون إسرائيل، وأخريات يبكين أبناءهن الذين اختفوا في ظلام السجون السورية، وهنا تتجلّى نظرية “الآخر” بأبهى صورها، فلكلّ “آخر” عدوّ، ولكلّ “آخر” قضيّة، ولكلّ “آخر” احتلاله ومقاوموه وشهداؤه، فينعدم معها السبيل لبناء أرضية مشتركة للقاء!
حرب الإسناد الأولى فتحت طريقاً جديداً للانقسام، وحين حلّت حرب الإسناد الثانية، وصل اللبنانيون إلى قمّة الانقسام، وفيما تدمّر إسرائيل حياتهم، تراهم مختلفين على تقييم الأحداث وتفسيرها، البعض يدافع ويبرّر والبعض الآخر يرفض ويهاجم، وتنمو بينهما سرديّة تنميط جديدة بمعايير جديدة “لآخر” جديد…
والمعيار الأساسي هنا ليس مدى عدائنا لإسرائيل، بل مدى عدائنا لبعضنا بعضاً، فقد صُدمت بالانقلاب الفكري الذي أصاب بعض أصدقائي الذين كانوا على قدرٍ كبير من الانفتاح، والبُعد عن الطائفية، لكنّ العاطفة غلبتهم فأصبحوا يُصدرون أحكاماً طائفية على شركائنا في الوطن، ربما الخوف على المصير يدفع الكثيرين إلى التقوقع ضمن الطائفة أو الجماعة!
أنا لم أكن يوماً طائفية ولن أكون، أتذكّر عندما قُصِفت المدرسة الرسمية في ضيعتي عربصاليم في العام 1999، وأُصيب عدد من التلاميذ، كانت محطّة تلفزيونية لبنانية تبثّ الاحتفالات بفوز فريق “الحكمة” بكأس آسيا، وسمعت حينها بعض التعليقات الغاضبة عن طبيعة بلدنا، وكيف أنه في الوقت الذي يعاني فيه بعض اللبنانيين، نجد البعض الآخر يحتفل ويفرح وكأنه في كوكب آخر، وقتها فرحت بهذا الإنجاز الرياضي، وتساءلت بيني وبين نفسي “لماذا يجب أن يعاني اللبنانيون جميعاً؟ من يجد فرصةً للفرح فليفرح “.
هل كنت واهمة؟
لطالما كانت حسابات أصحاب القرار مختلفةً بشكلٍ كبير عن مشاعر الناس على أرض الواقع، فكانت الحاجة لاستمرار الحياة شعور طبيعي بالفطرة.
لذلك، أتمنّى على دولتنا الكريمة لو أنها تقوم ببعض الخطوات الأساسية للقضاء على الحواجز الوهمية بين اللبنانيين، مثل إحياء المدرسة الرسمية، وتوحيد كتاب التاريخ، وإعادة فتح أبواب دار المعلمين، أما الخطوة الأهمّ برأيي، فهي عودة خدمة العلم، فالمؤسّسة العسكرية أهمّ مظلّة وطنية، يجتمع تحت ظلّها اللبنانيون جميعاً، ولا وجود لسنّي أو شيعي أو مسيحي أو درزيّ، هناك اللبناني فقط.
وحتى تحقيق هذه الأمنيات، اتّخذت قراراً خطيراً، سأكون طائفية ولكن على طريقتي! فمنذ اندلاع الحرب الحالية، أسمع قصصاً عن غلاء الإيجارات والشروط التعجيزية التي يفرضها الملّاك على المهجّرين الشيعة، ورفض بعضهم استقبال سيّدات محجبّات، لكنّي قرّرت أن أرى الجمال كلّ الجمال ولا شيء غير الجمال…. فليساعدني الله على ذلك.
لن أرى إلا تلك المرأة السنيّة التي هُرعت مع أبنائها من بيتها في طريق جديدة إلى المستشفى كي يتبرّعوا بالدم لجرحى تفجيرات “البيجر” في ذلك اليوم المشؤوم، لن أرى إلا تلك العائلة المسيحية الكتائبية التي قدّمت بيتها في بلدة المتين لعائلة صديقتي الجنوبية المحجّبة، لن أرى إلا “أمّ غريب” التي تحضر كلّ يوم بلباسها الشرعي لتوصيل أولادها لمتابعة دراستهم في المدرسة الإنجيلية، لن أرى إلا صديقتي الدرزية التي خضت وإيّاها نقاشات وحوارات مثمرة أيّام الحراك المدني، وأملنا معاً في القضاء على الفساد والفاسدين في بلادنا.
لن أخضع للمنطق الطائفي أبداً، لأني وبالرغم من كلّ الأهوال التي مررت بها، حين بقيت في بيتي في عربصاليم وحين خرجت منه مؤخّراً، فوالله ما رأيت إلا جميلاً…












