ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“نزلة السمّان” في مصر: إشكالية التعاطف مع “الهجّانة” وذاكرة “موقعة الجمل”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مشروع تطوير خدمات منطقة الأهرامات يُعدّ له منذ سنوات، ويعتمد في الأساس على نقل “أصحاب الدواب” إلى منطقة تريّض خاصّة بهم، تمّ تطويرها ضمن منظومة المحطّات السبعة التي تشملها الزيارة، بهدف تنظيم ركوب الخيول والجمال من دون الإخلال بطريق النقل الرئيسي داخل المنطقة، هذا التعديل أدّى إلى قطع الطريق من قِبل عدد من “أصحاب الدوابّ”، ومن دون تدخّل حاسم من الجهات الأمنية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بدأت مرحلة تجريب تطوير خدمات منطقة الأهرامات في مدينة الجيزة. ومنذ اليوم الأول، بدأ التكدّس والزحام عند المدخل الجديد على طريق الفيّوم، وامتدّا إلى أماكن انتظار المجموعات السياحية، التي تستعدّ لركوب الباصات للخروج من المنطقة.

 هذا الارتباك و”اللخبطة” في نقل السائحين سواء في الدخول أو الخروج من المنطقة، سببه تجمّعات لـ”هجّانة” الخيول والجمال التي تخدم السياح، في أماكن غير مخصّصة لهم، فالمفترض بعد تطوير الخدمة أن يلتزموا بمنطقة التريّض التي تبلغ 18 كيلو متراً مربعاً، ولكنّهم قطعوا الطريق على أتوبيسات خاصّة بمشروع التطوير التابع لشركة “أوراسكوم بيراميدز”، المملوكة للملياردير المصري نجيب ساويرس، مما أدّى إلى انتظار العشرات من الزوّار لنقلهم، أو اختيار المشي في صحراء الأهرامات للوصول إلى المخرج.

مشروع تطوير خدمات منطقة الأهرامات يُعدّ له منذ سنوات، ويعتمد في الأساس على نقل “أصحاب الدواب” إلى منطقة تريّض خاصّة بهم، تمّ تطويرها ضمن منظومة المحطّات السبعة التي تشملها الزيارة، بهدف تنظيم ركوب الخيول والجمال من دون الإخلال بطريق النقل الرئيسي داخل المنطقة.

قالت شركة “أوراسكوم” في بيان بشأن ما حدث، إنها “وفّرت أكثر من 45 أتوبيساً لنقل الزوّار، تعمل بشكل دقيق كلّ 3 دقائق، ولكن بشكل مفاجئ تلقّت الشركة تعليمات من المحافظة، تقضي بتغيير المسار المتّفق عليه، واقتراح حلّ مؤقت باستخدام المسارات القديمة”.

هذا التعديل أدّى إلى قطع الطريق من قِبل عدد من “أصحاب الدوابّ”، ومن دون تدخّل حاسم من الجهات الأمنية، مما أدّى إلى تكرار ذلك في أكثر من موقع، وبالتالي توقّف حركة الأتوبيسات، كما تمّ التعدّي على موظّفي الشركة بالسبّ والقذف، ومحاولة تكسير السياّرات الخاصّة بنقل موظّفي الشركة داخل هضبة أهرامات الجيزة، على مرئى ومسمع من الجهات الأمنية ومن دون تدخّل حاسم.

هذه المشاهد التي تداولها المرشدون السياحيون والزوّار أثناء قطع الطريق أمام الأتوبيسات، استدعت المشاهد القديمة لبعض  أهالي نزلة السمّان، الذين اعتلوا خيولهم وجمالهم متجمهرين  في ميدان التحرير أثناء الثورة،  ضمن ما عُرف بـ”موقعة الجمل”، التي قادها “بلطجية” محسوبين على نزلة السمّان، التي أصبحت تُلاحقها وصمة “موقعة الجمل”، مما هدّد تعاطف البعض مع “هجّانة” الخيول والجمال الذين يحاولون الدفاع عن لقمة عيشهم!

“الهجّانة” وتهمة “مأجوري الحزب الوطني”

في صباح يوم 2 شباط/ فبراير من العام 2011، في اليوم التاسع من أيّام ثورة “25 يناير”، ومع تظاهر الثوّار واعتصامهم في ميدان التحرير، كنت أتحرّك من بيتي في حيّ الهرم، إلى عملي في جريدة محلّية في حيّ الدقّي، وأثناء تنقّلي في المواصلات شاهدت مجموعات كبيرة من خيّالة وجمّالة على دوابهم، يتحرّكون بدءاً من شارع الهرم باتّجاه ميدان الجيزة، بعدها بساعات عرفت أن وُجهتهم كانت عبور النيل إلى ميدان التحرير، وشاهدنا فيديوهات من زملائنا المراسلين لهجوم هؤلاء على المتظاهرين المعتصمين في الميدان، وفي الشوارع المفضية إليه وسط القاهرة.

“موقعة الجمل” هي تسمية أطلقها الإعلام المصري على هجوم مجموعة من “الهجّانة” على المتظاهرين في ميدان التحرير، لإرغامهم على إخلاء الميدان، كما هاجم عدد من “البلطجية” المتظاهرين في الميدان بالحجارة والعصي والسكاكين، وألقوا عليهم قنابل “مولوتوف” من على أسطح المباني المطلّة على الميدان، وتزامناً هجم الجمّالة والخيّالة من المدخل الشمالي للميدان، ومن هنا جاء اسم “موقعة الجمل”.

مع انتصاف ذلك النهار، قال التلفزيون المصري الرسمي إن “عناصر” من مثيري الشغب، توجّهت إلى ميدان التحرير لقذف المتظاهرين بكرات من اللهب (قنابل المولوتوف) ثم خرجت مظاهرات من ميدان مصطفى محمود في حيّ المهندسين مؤيّدة لللرئيس حسني مبارك، متّجهة إلى ميدان التحرير، داعية إلى اقتحامه وطرد المتظاهرين المعتصمين، ثم تحوّل الأمر إلى اشتباكات عنيفة بالحجارة استمرّت لساعات، ما دفع بالمعتصمين إلى إقامة مستشفى ميداني لعلاج المصابين، الذين قُدّروا بالمئات، ولقي 7 أشخاص مصرعهم وفق وزارة الصحّة.

تجدّدت الاشتباكات مرّة أخرى في اليوم التالي 3 شباط/ فبراير، بين “البلطجية” والمتظاهرين العزّل، مما أدّى إلى سقوط بعض القتلى بالرصاص الحيّ وجرح المئات، بيد قنّاصة اعتلوا أسطح المباني المطلّة على الميدان، وبلغ عدد ضحايا اليومين من المتظاهرين وفق وزارة الصحّة المصرية 14 قتيلاً و1500 مصاب.

أنهت أحداث “موقعة الجمل” التعاطف الذي اكتسبه مبارك قبلها بيوم واحد، حين ألقى خطاباً مساء 1 شباط/ فبراير، قال فيه جملته الشهيرة: “لم أكن أنوي الترشّح مجدداً”، ولكن مع الهجوم والمصابين والقتلى زاد التعاطف مع المعتصمين، فنزلت أعداد أكبر إلى الميدان، وخفتت التظاهرات المؤيّدة لمبارك، وتظاهر مئات الآلاف في الميدان مطالبين مبارك بالتنحّي، في ما عُرف بـ”جمعة الرحيل”.

التهمة طالت عدداً من رموز نظام مبارك من أبرزهم: صفوت الشريف، وفتحي سرور، وعائشة عبد الهادي، وحسين مجاور، ومرتضى منصور، ومحمد أبو العينين. وفي أيلول/ سبتمبر من العام نفسه بدأت محاكمة المتّهمين، وانتهت بعد عام ببراءة الجميع، ثم أغلقت محكمة النقض ملفّ القضيّة، ورُفض طعن النيابة في البراءة، وأمر النائب العامّ حينها هشام بركات بحفظ التحقيق في الأحداث. 

ولكنّ مشهد هجوم مجموعات من “الهجّانة” بدوابهم على المعتصمين، لم يُفارق ذاكرة الثوّار الذين نزلوا إلى الميادين، ولا المتعاطفين معهم الذين كانوا في بيوتهم، وظلّ أهل نزلة السمّان موصومين بعار مساندة “الحزب الوطني” المنحلّ مقابل بضعة جنيهات.

بعد مرور عام، أُنتج فيلم “بعد الموقعة”، يدور حول ناشطة حقوقية تحاول كشف الأسباب الحقيقة وراء “موقعة الجمل”، وتتوجّه إلى منطقة نزلة السمّان، لتقابل محمود، أحد المتورطين في أحداث الواقعة وترتبط به عاطفياً. الفيلم تمّ تصويره في نزلة السمّان المتاخمة لمنطقة الأهرامات الأثرية، واحتوى الكثير من المشاهد الارتجالية ظهر فيها أهالي المنطقة، وكان مزيجاً من العمل السينمائي والتسجيلي، وتحدّث أيضاً عن الأزمة التي عانى منها سكّان المنطقة، وتوقّف حركة السياحة في أوّل عام للثورة، مما أثّر على معيشتهم وحتى إطعام دوابهم ورعايتها.

الكثيرون شمتوا بما أصاب خيّالة وجمّالة المنطقة جرّاء الأزمة المادية، واعتبروها جزاء لهم على ما فعلوه بالمتظاهرين في الميدان من ضرب وقتل، متناسين أنهم قلّة قليلة لا تعبّر عن جموع الأهالي والعائلات، التي رفضت النزول بأوامر من “الحزب الوطني” المنحلّ.

إخلاء بهدف التطوير

نزلة السمّان هي أحد النطاقات الواقعة داخل الحيّز الجغرافي لمحافظة الجيزة، والمجاورة مباشرة للأهرامات، ومعظم سكّانها يعملون في الخدمات السياحية، وهي مصدر دخل رئيسي للكثيرين، وترجع عمليات تطوير منطقة نزلة السمّان إلى أواخر عهد مبارك. ففي عام 2002 أُقيم سور يبلغ طوله نحو 18 كيلومتراً لعزل نزلة السمّان عن هضبة الأهرامات،  وفي عام 2009 ومع تقديم مخطّط القاهرة 2050 من جانب الهيئة العامّة للتخطيط العمراني، التي كان يتولّى رئاستها آنذاك المهندس مصطفي مدبولي رئيس مجلس الوزراء الحالي، قامت الهيئة بعرض مخطّط تنمية نزلة السمّان والتخطيط لإزالة جميع العقارات العشوائية المحيطة بمنطقة الأهرامات، حيث شملت خطّة التطوير تحويل نزلة السمّان إلى مزار سياحي كبير، نظراً لموقعها الاستراتيجي الواقع بين الأهرامات والمتحف المصري الكبير. 

وعليه تمّ التخطيط لنقل  53392 مواطناً من سكّان نزلة السمّان على مدى 6 سنوات إلى نطاقات أخرى، بتكلفة 1.5 مليار جنيه، ولم يتمّ تحديد تلك الأماكن التي بالطبع يجب أن يراعى فيها معايير السكن الملائم، وتوفير فرص العمل، بخاصّة العمل في الخدمات السياحية، نظراً لطبيعة عمل سكّان المنطقة. 

وبدا أنه من الملحوظ هو عدم أخذ رأي السكّان في الاعتبار، على الرغم من أنهم العامل الرئيسي في عملية التطوير. ففي حزيران/ يونيو 2014، تمّ عقد اجتماع من قِبل مجموعة البيئة والتنمية لمناقشة تطوير نتائج الخطّة التنموية، وشارك في الجلسة ممثّلو الهيئة العامة للتخطيط العمراني، وممثّلون حكوميون وعاملون في الآثار والسياحة، واقتصرت دعوة الأهالي على كبار العائلات أصحاب النفوذ، الذين قاطعوا الاجتماع وانسحبوا بعد علمهم أن الحكومة تخطّط لإزالة جميع المباني في نزلة السمّان.

وفي 2019 بدأت محافظة الجيزة في هدم بعض المنازل كبداية لتنفيذ إجلاء السكان، ما أدّى إلى تجمهر الأهالي وتظاهرهم، وقام الأمن باعتقال 12 مواطناً حينها.

لم يكن مشروع إجلاء أهالي نزلة السمّان وكفر الجبل من أجل التطوير، هو أوّل مشروع يُبنى على ترحيل الأهالي بغرض التطوير والتنظيم، فقد قامت الحكومة بإجلاء أهالي منطقة المدابغ في منطقة مصر القديمة في 2019، وأيضاً أهالي مثلث ماسبيرو، وهي منطقة  تطلّ على نيل القاهرة خلف مبنى ماسبيرو، ليحلّ بدلاً من بيوت السكاّن عمارات غريبة التصميم.

في هذه الأوقات، عادت موجة التضامن مع حقوق الأهالي في البقاء في سكنهم، أو تعويضهم بأماكن قريبة من عملهم، كما كانت حركة  السياحة قد عادت مرّة أخرى إلى المنطقة، وأيضاً  – على استحياء – الشكاوى الكثيرة من مقدّمي الخدمات، سواء البائعين أو الخيّالة بفرض أنفسهم وإلحاحهم على البيع أو ركوب دوابهم، وعمليات نصب، وأيضاً تحرّش بعض شبّان المنطقة بالسائحات.

هل “الصالح العامّ أهم من 2000 شخص”؟

مشروع تطوير منطقة الأهرامات الأثرية ينقسم إلى ثلاث نطاقات، الأوّل يضمّ كلّ الآثار المبنية والظاهرة والخاضعة للتنقيب المحتمل، الثاني منطقة عازلة، والثالث منطقة انتقالية، وتطوير المداخل، وبناء سور كاميرات مراقبة، ومبنى للتفتيش، وتأهيل الطرق، ومنطقة للتريّض خارج السور الأمني بمساحة 18 كيلومتراً مخصّصة لركوب الخيل والجمال، ويسمح فيها بتواجد الباعة الجائلين في “بواكي” مخصّصة ومنظّمة، وتطوير منطقة الصوت والضوء، ومبنى للشرطة والدفاع المدني، ومبنى لخدمات “الهجّانة” والخدمات البيطرية، وتوفير أتوبيسات كهربائية لنقل السائحين من المدخل إلى المنطقة الأثرية، وتكلفة هذا المشروع 326 مليون جنيه.

حسب سيد إبراهيم وهو مرشد سياحي تحدّث لـ “درج” أن “تنظيم الدخول وتطوير الحمّامات العامّة جيّد جدّاً، وشكل المدخل ونظام التذاكر يُعطي صورة مشرّفة، ولكن مسألة نقل السياح من المدخل من أتوبيسات شركات السياحة لأتوبيسات “أوراسكوم” خطوة غير مدروسة، وغير مراعية لجدول المرشد السياحي الزمني، الذي يلتزم بوقت معيّن لجولته مع المجموعة، فعدم دخول باصات شركات السياحة والتنقّل لباصات أخرى يُعطّل الوقت، كما أن السائح سيفتقد رفاهية الجلوس بنظام، ليجد نفسه واقفاً وكأنه في أتوبيس نقل عامّ، ومن الممكن أن يتعرّض بعض السائحين للتحرّش من بقيّة الزوّار، أو من السكّان المحلّيين”.

وزارة السياحة والآثار لم تعترف أن هناك بعض الأخطاء التي حدثت في أوّل يوم، بل تباهت باستقبال 12 ألف زائر في اليوم الأول، بزيادة 120% عن المعتاد، وأشارت – من بعيد – إلى حادث التكدّس وقطع الطريق، على أنه لم يستمرّ طويلاً، وقد تمّ التعامل مع المشكلة وفُتح الطريق مرّة أخرى، ووجّهت الوزارة “الهجّانة” بالعودة إلى منطقتهم المخصّصة.

يقول سيّد لـ “درج”: “إحنا كمرشدين سياحيين مصدر دخلنا من السياحة، وفاهمين يعني إيه أكل عيش، وكلّ اللي عايزينه إلتزام الخيّالة بالتنظيم، وعدم فرض نفسهم على السائحين، لأن ده بيدّي صورة سلبية عن البلد والناس”.

فهل تمّ التخطيط للتطوير من دون الأخذ في الاعتبار رزق “الهجّانة” والبائعين؟ أم أن تنظيم المنطقة وتحديد أماكن لهم داخل المنطقة في صالحهم؟ النائبة مها عبد الناصر تقدّمت بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء ووزيري الآثار والسياحة، جاء في طلبها المقارنة مع تجربة وادي الملوك الناجحة في الأقصر، أوضحت عبد الناصر أن “تطوير الأهرامات أغفل إجراء استبيانات شاملة لأصحاب المصلحة، كالمرشدين والسكّان المحلّيين”، وهو ما يُعدّ “خرقًا لأساسيات إدارة المواقع الأثرية”، ودعت إلى فتح تحقيق عاجل لمحاسبة المتسبّبين في “تشويه صورة مصر السياحية”، وإعادة النظر في خطّة التطوير، لضمان احترام حقوق العاملين ودراسة المخاطر الأثرية.

تغيّر ردود الفعل تجاه أهالي نزلة السمّان منذ أحداث الثورة وحتى الآن، يُترجم الحالة العاطفية لدى غالبية المصريين، فهي غير مستقرّة وانفعالية متطرّفة،  نتعرّض للضرب ويُقتَل زملاؤنا، فنشعر بالظلم والرغبة في الانتقام والشماتة، ثم نجد هؤلاء أنفسهم يتعرّضون للظلم من طرف ثالث يظلمنا جميعاً، فننفعل ونتسامح أو نتغافل عن الماضي، وندعمهم ولو بدعوة من القلب، ثم في لحظة أخرى نراهم همج، بلطجية، متحرّشون، ونتذكّر حالات النصب والسماجة في زياراتنا القديمة للمنطقة، فنصبح قساة ونطالب بإزالة بيوتهم ومحالّهم تماماً، أو حتى قطع عيشهم، كما قال ساويرس: “الصالح العامّ أهمّ من 2000 شخص”، ثم ترقّ قلوبنا. 

لا نخلو من رجاء بالنظام، النظام الذي نفتقر إليه جميعاً، ونعيش على الجانب الآخر منه، ونعرف أن الفوضى هي أكل عيش للكثير في الشوارع الخلفية للمدينة الكبيرة، ولكننا لا نعترف.

10.05.2025
زمن القراءة: 8 minutes

مشروع تطوير خدمات منطقة الأهرامات يُعدّ له منذ سنوات، ويعتمد في الأساس على نقل “أصحاب الدواب” إلى منطقة تريّض خاصّة بهم، تمّ تطويرها ضمن منظومة المحطّات السبعة التي تشملها الزيارة، بهدف تنظيم ركوب الخيول والجمال من دون الإخلال بطريق النقل الرئيسي داخل المنطقة، هذا التعديل أدّى إلى قطع الطريق من قِبل عدد من “أصحاب الدوابّ”، ومن دون تدخّل حاسم من الجهات الأمنية.

بدأت مرحلة تجريب تطوير خدمات منطقة الأهرامات في مدينة الجيزة. ومنذ اليوم الأول، بدأ التكدّس والزحام عند المدخل الجديد على طريق الفيّوم، وامتدّا إلى أماكن انتظار المجموعات السياحية، التي تستعدّ لركوب الباصات للخروج من المنطقة.

 هذا الارتباك و”اللخبطة” في نقل السائحين سواء في الدخول أو الخروج من المنطقة، سببه تجمّعات لـ”هجّانة” الخيول والجمال التي تخدم السياح، في أماكن غير مخصّصة لهم، فالمفترض بعد تطوير الخدمة أن يلتزموا بمنطقة التريّض التي تبلغ 18 كيلو متراً مربعاً، ولكنّهم قطعوا الطريق على أتوبيسات خاصّة بمشروع التطوير التابع لشركة “أوراسكوم بيراميدز”، المملوكة للملياردير المصري نجيب ساويرس، مما أدّى إلى انتظار العشرات من الزوّار لنقلهم، أو اختيار المشي في صحراء الأهرامات للوصول إلى المخرج.

مشروع تطوير خدمات منطقة الأهرامات يُعدّ له منذ سنوات، ويعتمد في الأساس على نقل “أصحاب الدواب” إلى منطقة تريّض خاصّة بهم، تمّ تطويرها ضمن منظومة المحطّات السبعة التي تشملها الزيارة، بهدف تنظيم ركوب الخيول والجمال من دون الإخلال بطريق النقل الرئيسي داخل المنطقة.

قالت شركة “أوراسكوم” في بيان بشأن ما حدث، إنها “وفّرت أكثر من 45 أتوبيساً لنقل الزوّار، تعمل بشكل دقيق كلّ 3 دقائق، ولكن بشكل مفاجئ تلقّت الشركة تعليمات من المحافظة، تقضي بتغيير المسار المتّفق عليه، واقتراح حلّ مؤقت باستخدام المسارات القديمة”.

هذا التعديل أدّى إلى قطع الطريق من قِبل عدد من “أصحاب الدوابّ”، ومن دون تدخّل حاسم من الجهات الأمنية، مما أدّى إلى تكرار ذلك في أكثر من موقع، وبالتالي توقّف حركة الأتوبيسات، كما تمّ التعدّي على موظّفي الشركة بالسبّ والقذف، ومحاولة تكسير السياّرات الخاصّة بنقل موظّفي الشركة داخل هضبة أهرامات الجيزة، على مرئى ومسمع من الجهات الأمنية ومن دون تدخّل حاسم.

هذه المشاهد التي تداولها المرشدون السياحيون والزوّار أثناء قطع الطريق أمام الأتوبيسات، استدعت المشاهد القديمة لبعض  أهالي نزلة السمّان، الذين اعتلوا خيولهم وجمالهم متجمهرين  في ميدان التحرير أثناء الثورة،  ضمن ما عُرف بـ”موقعة الجمل”، التي قادها “بلطجية” محسوبين على نزلة السمّان، التي أصبحت تُلاحقها وصمة “موقعة الجمل”، مما هدّد تعاطف البعض مع “هجّانة” الخيول والجمال الذين يحاولون الدفاع عن لقمة عيشهم!

“الهجّانة” وتهمة “مأجوري الحزب الوطني”

في صباح يوم 2 شباط/ فبراير من العام 2011، في اليوم التاسع من أيّام ثورة “25 يناير”، ومع تظاهر الثوّار واعتصامهم في ميدان التحرير، كنت أتحرّك من بيتي في حيّ الهرم، إلى عملي في جريدة محلّية في حيّ الدقّي، وأثناء تنقّلي في المواصلات شاهدت مجموعات كبيرة من خيّالة وجمّالة على دوابهم، يتحرّكون بدءاً من شارع الهرم باتّجاه ميدان الجيزة، بعدها بساعات عرفت أن وُجهتهم كانت عبور النيل إلى ميدان التحرير، وشاهدنا فيديوهات من زملائنا المراسلين لهجوم هؤلاء على المتظاهرين المعتصمين في الميدان، وفي الشوارع المفضية إليه وسط القاهرة.

“موقعة الجمل” هي تسمية أطلقها الإعلام المصري على هجوم مجموعة من “الهجّانة” على المتظاهرين في ميدان التحرير، لإرغامهم على إخلاء الميدان، كما هاجم عدد من “البلطجية” المتظاهرين في الميدان بالحجارة والعصي والسكاكين، وألقوا عليهم قنابل “مولوتوف” من على أسطح المباني المطلّة على الميدان، وتزامناً هجم الجمّالة والخيّالة من المدخل الشمالي للميدان، ومن هنا جاء اسم “موقعة الجمل”.

مع انتصاف ذلك النهار، قال التلفزيون المصري الرسمي إن “عناصر” من مثيري الشغب، توجّهت إلى ميدان التحرير لقذف المتظاهرين بكرات من اللهب (قنابل المولوتوف) ثم خرجت مظاهرات من ميدان مصطفى محمود في حيّ المهندسين مؤيّدة لللرئيس حسني مبارك، متّجهة إلى ميدان التحرير، داعية إلى اقتحامه وطرد المتظاهرين المعتصمين، ثم تحوّل الأمر إلى اشتباكات عنيفة بالحجارة استمرّت لساعات، ما دفع بالمعتصمين إلى إقامة مستشفى ميداني لعلاج المصابين، الذين قُدّروا بالمئات، ولقي 7 أشخاص مصرعهم وفق وزارة الصحّة.

تجدّدت الاشتباكات مرّة أخرى في اليوم التالي 3 شباط/ فبراير، بين “البلطجية” والمتظاهرين العزّل، مما أدّى إلى سقوط بعض القتلى بالرصاص الحيّ وجرح المئات، بيد قنّاصة اعتلوا أسطح المباني المطلّة على الميدان، وبلغ عدد ضحايا اليومين من المتظاهرين وفق وزارة الصحّة المصرية 14 قتيلاً و1500 مصاب.

أنهت أحداث “موقعة الجمل” التعاطف الذي اكتسبه مبارك قبلها بيوم واحد، حين ألقى خطاباً مساء 1 شباط/ فبراير، قال فيه جملته الشهيرة: “لم أكن أنوي الترشّح مجدداً”، ولكن مع الهجوم والمصابين والقتلى زاد التعاطف مع المعتصمين، فنزلت أعداد أكبر إلى الميدان، وخفتت التظاهرات المؤيّدة لمبارك، وتظاهر مئات الآلاف في الميدان مطالبين مبارك بالتنحّي، في ما عُرف بـ”جمعة الرحيل”.

التهمة طالت عدداً من رموز نظام مبارك من أبرزهم: صفوت الشريف، وفتحي سرور، وعائشة عبد الهادي، وحسين مجاور، ومرتضى منصور، ومحمد أبو العينين. وفي أيلول/ سبتمبر من العام نفسه بدأت محاكمة المتّهمين، وانتهت بعد عام ببراءة الجميع، ثم أغلقت محكمة النقض ملفّ القضيّة، ورُفض طعن النيابة في البراءة، وأمر النائب العامّ حينها هشام بركات بحفظ التحقيق في الأحداث. 

ولكنّ مشهد هجوم مجموعات من “الهجّانة” بدوابهم على المعتصمين، لم يُفارق ذاكرة الثوّار الذين نزلوا إلى الميادين، ولا المتعاطفين معهم الذين كانوا في بيوتهم، وظلّ أهل نزلة السمّان موصومين بعار مساندة “الحزب الوطني” المنحلّ مقابل بضعة جنيهات.

بعد مرور عام، أُنتج فيلم “بعد الموقعة”، يدور حول ناشطة حقوقية تحاول كشف الأسباب الحقيقة وراء “موقعة الجمل”، وتتوجّه إلى منطقة نزلة السمّان، لتقابل محمود، أحد المتورطين في أحداث الواقعة وترتبط به عاطفياً. الفيلم تمّ تصويره في نزلة السمّان المتاخمة لمنطقة الأهرامات الأثرية، واحتوى الكثير من المشاهد الارتجالية ظهر فيها أهالي المنطقة، وكان مزيجاً من العمل السينمائي والتسجيلي، وتحدّث أيضاً عن الأزمة التي عانى منها سكّان المنطقة، وتوقّف حركة السياحة في أوّل عام للثورة، مما أثّر على معيشتهم وحتى إطعام دوابهم ورعايتها.

الكثيرون شمتوا بما أصاب خيّالة وجمّالة المنطقة جرّاء الأزمة المادية، واعتبروها جزاء لهم على ما فعلوه بالمتظاهرين في الميدان من ضرب وقتل، متناسين أنهم قلّة قليلة لا تعبّر عن جموع الأهالي والعائلات، التي رفضت النزول بأوامر من “الحزب الوطني” المنحلّ.

إخلاء بهدف التطوير

نزلة السمّان هي أحد النطاقات الواقعة داخل الحيّز الجغرافي لمحافظة الجيزة، والمجاورة مباشرة للأهرامات، ومعظم سكّانها يعملون في الخدمات السياحية، وهي مصدر دخل رئيسي للكثيرين، وترجع عمليات تطوير منطقة نزلة السمّان إلى أواخر عهد مبارك. ففي عام 2002 أُقيم سور يبلغ طوله نحو 18 كيلومتراً لعزل نزلة السمّان عن هضبة الأهرامات،  وفي عام 2009 ومع تقديم مخطّط القاهرة 2050 من جانب الهيئة العامّة للتخطيط العمراني، التي كان يتولّى رئاستها آنذاك المهندس مصطفي مدبولي رئيس مجلس الوزراء الحالي، قامت الهيئة بعرض مخطّط تنمية نزلة السمّان والتخطيط لإزالة جميع العقارات العشوائية المحيطة بمنطقة الأهرامات، حيث شملت خطّة التطوير تحويل نزلة السمّان إلى مزار سياحي كبير، نظراً لموقعها الاستراتيجي الواقع بين الأهرامات والمتحف المصري الكبير. 

وعليه تمّ التخطيط لنقل  53392 مواطناً من سكّان نزلة السمّان على مدى 6 سنوات إلى نطاقات أخرى، بتكلفة 1.5 مليار جنيه، ولم يتمّ تحديد تلك الأماكن التي بالطبع يجب أن يراعى فيها معايير السكن الملائم، وتوفير فرص العمل، بخاصّة العمل في الخدمات السياحية، نظراً لطبيعة عمل سكّان المنطقة. 

وبدا أنه من الملحوظ هو عدم أخذ رأي السكّان في الاعتبار، على الرغم من أنهم العامل الرئيسي في عملية التطوير. ففي حزيران/ يونيو 2014، تمّ عقد اجتماع من قِبل مجموعة البيئة والتنمية لمناقشة تطوير نتائج الخطّة التنموية، وشارك في الجلسة ممثّلو الهيئة العامة للتخطيط العمراني، وممثّلون حكوميون وعاملون في الآثار والسياحة، واقتصرت دعوة الأهالي على كبار العائلات أصحاب النفوذ، الذين قاطعوا الاجتماع وانسحبوا بعد علمهم أن الحكومة تخطّط لإزالة جميع المباني في نزلة السمّان.

وفي 2019 بدأت محافظة الجيزة في هدم بعض المنازل كبداية لتنفيذ إجلاء السكان، ما أدّى إلى تجمهر الأهالي وتظاهرهم، وقام الأمن باعتقال 12 مواطناً حينها.

لم يكن مشروع إجلاء أهالي نزلة السمّان وكفر الجبل من أجل التطوير، هو أوّل مشروع يُبنى على ترحيل الأهالي بغرض التطوير والتنظيم، فقد قامت الحكومة بإجلاء أهالي منطقة المدابغ في منطقة مصر القديمة في 2019، وأيضاً أهالي مثلث ماسبيرو، وهي منطقة  تطلّ على نيل القاهرة خلف مبنى ماسبيرو، ليحلّ بدلاً من بيوت السكاّن عمارات غريبة التصميم.

في هذه الأوقات، عادت موجة التضامن مع حقوق الأهالي في البقاء في سكنهم، أو تعويضهم بأماكن قريبة من عملهم، كما كانت حركة  السياحة قد عادت مرّة أخرى إلى المنطقة، وأيضاً  – على استحياء – الشكاوى الكثيرة من مقدّمي الخدمات، سواء البائعين أو الخيّالة بفرض أنفسهم وإلحاحهم على البيع أو ركوب دوابهم، وعمليات نصب، وأيضاً تحرّش بعض شبّان المنطقة بالسائحات.

هل “الصالح العامّ أهم من 2000 شخص”؟

مشروع تطوير منطقة الأهرامات الأثرية ينقسم إلى ثلاث نطاقات، الأوّل يضمّ كلّ الآثار المبنية والظاهرة والخاضعة للتنقيب المحتمل، الثاني منطقة عازلة، والثالث منطقة انتقالية، وتطوير المداخل، وبناء سور كاميرات مراقبة، ومبنى للتفتيش، وتأهيل الطرق، ومنطقة للتريّض خارج السور الأمني بمساحة 18 كيلومتراً مخصّصة لركوب الخيل والجمال، ويسمح فيها بتواجد الباعة الجائلين في “بواكي” مخصّصة ومنظّمة، وتطوير منطقة الصوت والضوء، ومبنى للشرطة والدفاع المدني، ومبنى لخدمات “الهجّانة” والخدمات البيطرية، وتوفير أتوبيسات كهربائية لنقل السائحين من المدخل إلى المنطقة الأثرية، وتكلفة هذا المشروع 326 مليون جنيه.

حسب سيد إبراهيم وهو مرشد سياحي تحدّث لـ “درج” أن “تنظيم الدخول وتطوير الحمّامات العامّة جيّد جدّاً، وشكل المدخل ونظام التذاكر يُعطي صورة مشرّفة، ولكن مسألة نقل السياح من المدخل من أتوبيسات شركات السياحة لأتوبيسات “أوراسكوم” خطوة غير مدروسة، وغير مراعية لجدول المرشد السياحي الزمني، الذي يلتزم بوقت معيّن لجولته مع المجموعة، فعدم دخول باصات شركات السياحة والتنقّل لباصات أخرى يُعطّل الوقت، كما أن السائح سيفتقد رفاهية الجلوس بنظام، ليجد نفسه واقفاً وكأنه في أتوبيس نقل عامّ، ومن الممكن أن يتعرّض بعض السائحين للتحرّش من بقيّة الزوّار، أو من السكّان المحلّيين”.

وزارة السياحة والآثار لم تعترف أن هناك بعض الأخطاء التي حدثت في أوّل يوم، بل تباهت باستقبال 12 ألف زائر في اليوم الأول، بزيادة 120% عن المعتاد، وأشارت – من بعيد – إلى حادث التكدّس وقطع الطريق، على أنه لم يستمرّ طويلاً، وقد تمّ التعامل مع المشكلة وفُتح الطريق مرّة أخرى، ووجّهت الوزارة “الهجّانة” بالعودة إلى منطقتهم المخصّصة.

يقول سيّد لـ “درج”: “إحنا كمرشدين سياحيين مصدر دخلنا من السياحة، وفاهمين يعني إيه أكل عيش، وكلّ اللي عايزينه إلتزام الخيّالة بالتنظيم، وعدم فرض نفسهم على السائحين، لأن ده بيدّي صورة سلبية عن البلد والناس”.

فهل تمّ التخطيط للتطوير من دون الأخذ في الاعتبار رزق “الهجّانة” والبائعين؟ أم أن تنظيم المنطقة وتحديد أماكن لهم داخل المنطقة في صالحهم؟ النائبة مها عبد الناصر تقدّمت بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء ووزيري الآثار والسياحة، جاء في طلبها المقارنة مع تجربة وادي الملوك الناجحة في الأقصر، أوضحت عبد الناصر أن “تطوير الأهرامات أغفل إجراء استبيانات شاملة لأصحاب المصلحة، كالمرشدين والسكّان المحلّيين”، وهو ما يُعدّ “خرقًا لأساسيات إدارة المواقع الأثرية”، ودعت إلى فتح تحقيق عاجل لمحاسبة المتسبّبين في “تشويه صورة مصر السياحية”، وإعادة النظر في خطّة التطوير، لضمان احترام حقوق العاملين ودراسة المخاطر الأثرية.

تغيّر ردود الفعل تجاه أهالي نزلة السمّان منذ أحداث الثورة وحتى الآن، يُترجم الحالة العاطفية لدى غالبية المصريين، فهي غير مستقرّة وانفعالية متطرّفة،  نتعرّض للضرب ويُقتَل زملاؤنا، فنشعر بالظلم والرغبة في الانتقام والشماتة، ثم نجد هؤلاء أنفسهم يتعرّضون للظلم من طرف ثالث يظلمنا جميعاً، فننفعل ونتسامح أو نتغافل عن الماضي، وندعمهم ولو بدعوة من القلب، ثم في لحظة أخرى نراهم همج، بلطجية، متحرّشون، ونتذكّر حالات النصب والسماجة في زياراتنا القديمة للمنطقة، فنصبح قساة ونطالب بإزالة بيوتهم ومحالّهم تماماً، أو حتى قطع عيشهم، كما قال ساويرس: “الصالح العامّ أهمّ من 2000 شخص”، ثم ترقّ قلوبنا. 

لا نخلو من رجاء بالنظام، النظام الذي نفتقر إليه جميعاً، ونعيش على الجانب الآخر منه، ونعرف أن الفوضى هي أكل عيش للكثير في الشوارع الخلفية للمدينة الكبيرة، ولكننا لا نعترف.