ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت منزل جارَينا أبو محمد وأم محمد ويزاني. يصلني الفيديو فلا أستطيع التأكد، فالمنزل بنسخته الجديدة بُني في غيابي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

 بدأت تصلنا، نحن أبناء قرى “العصف المأكول”، فيديوات من قرانا، التقطها أفراد من الدفاع المدني ممن لم يغادروا القرى. فيديوات لمنازل وأحياء استهدفها القصف الإسرائيلي. 

في أحد الفيديوات التي وصلتني، يظهر شاب من كشافة الرسالة الإسلامية (حركة أمل) يتفقد منزلاً بعد استهدافه بغارة إسرائيلية. الشاب يظهر واقفاً بين الجدران المدمرة وفي مقابل منزل آخر يحترق، ويصرخ: “في حدن هون”، ويكرر نداءه أكثر من مرة. 

قد تكون المرة الأولى التي أشعر فيها أن لحركة أمل وظيفة في بلاد الخراب هذه! شعرت بعاطفة حيال هذا الشاب الذي لا أعرفه. قال لي صديق إن المنزل فُقِد فيه شابان من البلدة. شابان ليسا من “حزب الله”. 

الفيديوات كثيرة، لكنها لم تسعفني في تحديد المواقع التي صُورت فيها، ذاك أنني لم أعد وثيق العلاقة بأماكن قريتي. أعرف بيتنا والطريق إليه، ومنازل أخرى لأقارب وأصدقاء، لكن شقرا، بلدتي، شرعت تتسع في غيابي، وصارت مدينة صغيرة، ففقدت سيطرتي على خريطتها.

شعرت أن الفيديوات قناة عاطفية بيني وبين ما تبقى من البلدة. وشقرا التي تشهد هذه الأيام موجة الدمار الثانية، كان تدمّر فيها نحو 400 منزل في حرب الإسناد الأولى، وفقدنا نحو 120 ضحية من أبنائها. ويقول لي صديقي حسن أن عداد الموت عاد وفُتح، فانضم إلى الـ120 خمسة جدد. الرقم يمثل جيلاً كاملاً من أبناء البلدة. 

كثر من أقاربي تدمرت منازلهم للمرة الثانية والثالثة. بيت أبو رضوان كانت نسفته إسرائيل قبل انسحابها من البلدة في العام 1986، وأعادت العائلة بناءه وأضافت إليه طوابق أخرى، ثم عادت غارة إسرائيلية ودمرته بالكامل في العام 2024.

وللمناسبة، كنا نستعمل عبارة “نسف” للدلالة على فعل أقدمت عليه وحدة كوماندوس إسرائيلية عندما كانت تتسلل إلى البلدة وتقصد منزلاً تُخرج سكانه منه وتُفجره.  

وفي مقابل منزل أبو رضوان، تقع دارة جد العائلة المرجع الشيعي محسن الأمين، هذه الدار آلت ملكيتها إلى فراس، حفيد السيد محسن، وهي أصيبت بالغارة التي استهدفت منزل أبو رضوان، وتهاوت جدران المنزل الذي يفوق عمره القرن. فراس أعاد ترميم المنزل وأرسل لي صورة بعد إنجاز الترميم وكتب تحتها: “عمرنا”. اليوم أحاول الاطمئنان على فراس الذي يقيم في البحرين، ولا أتجرأ على سؤاله عن منزله الذي أعاد ترميمه في شقرا، فحرب واحدة تكفيه، ولا داعٍ لتذكيره بحرب ثانية. 

هذه حال بيت أبو طريف الذي نسفه الإسرائيليون في نفس يوم نسفهم منزل بيت أبو رضوان في العام 1986، ثم أعادت العائلة بناءه ليعود ويتدمر في العام 2024، ومنزل عمتي أم محمد أيضاً نُسف ثم أعيد بناؤه ثم قُصف ثم أعيد بناؤه. هذا كله حدث قبل الحرب الأخيرة، وقبل أن يفتح أهل القرية مجدداً عداد قتلاهم ومنازلهم المدمرة.

منزل خالي علي صمد حتى الحرب الأخيرة وقضى فيها، وإلى اليوم لم أدخله إلى ذاكرتي بوصفه مكاناً فانياً، وحين مررت بجواره، أشحت بوجهي عنه. 

إنها شقرا، التي تبعد عن الحدود مع إسرائيل أقل من 7 كيلومترات. المسافة أقصر من تلك التي أشار إليها إعلام إسرائيلي بأنها ستكون عمق المنطقة العازلة التي سيقيمها الجيش الإسرائيلي. أقربائي يستبعدون أن تكون شقرا داخلها، ويقولون إن وادي السلوقي الذي يفصل شقرا عن بلدة حولا سيكون حدود المنطقة العازلة! “يا حرام يا حولا” قال قريبي الذي ربطت عائلته بحولا علاقات تسبب بها الحزب الشيوعي الذي انتمى إليه والده وانتمت إليه أيضاً غالبية أهل حولا في ستينات القرن الفائت وسبعيناته. 

وحولا التي يفصلنا عنها، نحن أهل شقرا، وادي السلوقي، بقيت محتلة إلى العام 2000.  ولطالما أقامت عائلات نازحة منها في بلدتنا. ابنة جارنا أبو محمد ويزاني تزوجت من رجل من حولا لا أذكر اسمه. وكان للمنتقلين من حولا للعيش في شقرا اسم يحيلهم إلى حولا على رغم مضيّهم عقوداً طويلة في ربوعنا، هو “أهل حولا”. علماً أن مأساة حولا بدأت قبل احتلالها الرسمي، ذاك أن البلدة شهدت في العام 1948 المجزرة الشهيرة التي ارتكبتها منظمة الأراغون الصهيونية التي تسلل عناصر منها إلى البلدة وأعدموا عشرات من أبنائها رمياً بالرصاص. وكانت لشقرا حصة في المجزرة، ذاك أن قريباً لي كان من بين من أُعدموا.

لطالما رافقت سيَرنا القروية قصص عن منازلنا المدمرة والمُعَاد بناؤها. كنا نجري مقارنات بين نسختي المنزل الواحد. فنحن كبرنا على قصص منازل علينا أن نستأنفها هي نفسها ولكن بمنازل تمت هندستها على نحو مختلف. منزل عمي عدنان أمضينا في طابقه السفلي (الأرضية) جزءاً من أعمارنا وشقاواتنا. نسفه الإسرائيليون في العام 1981 وأعيد بناؤه على نحو مختلف، ولم يعد مقصدنا. هذه تماماً حال منزل أبو طريف الذي شعرت عندما زرته بعدما أعيد بناؤه، أنه غير المنزل الذي أمضيت فيه أوقاتاً طويلة في طفولتي ومراهقتي.

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت منزل جارَينا أبو محمد وأم محمد ويزاني. يصلني الفيديو فلا أستطيع التأكد، فالمنزل بنسخته الجديدة بُني في غيابي.               

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت منزل جارَينا أبو محمد وأم محمد ويزاني. يصلني الفيديو فلا أستطيع التأكد، فالمنزل بنسخته الجديدة بُني في غيابي.

 بدأت تصلنا، نحن أبناء قرى “العصف المأكول”، فيديوات من قرانا، التقطها أفراد من الدفاع المدني ممن لم يغادروا القرى. فيديوات لمنازل وأحياء استهدفها القصف الإسرائيلي. 

في أحد الفيديوات التي وصلتني، يظهر شاب من كشافة الرسالة الإسلامية (حركة أمل) يتفقد منزلاً بعد استهدافه بغارة إسرائيلية. الشاب يظهر واقفاً بين الجدران المدمرة وفي مقابل منزل آخر يحترق، ويصرخ: “في حدن هون”، ويكرر نداءه أكثر من مرة. 

قد تكون المرة الأولى التي أشعر فيها أن لحركة أمل وظيفة في بلاد الخراب هذه! شعرت بعاطفة حيال هذا الشاب الذي لا أعرفه. قال لي صديق إن المنزل فُقِد فيه شابان من البلدة. شابان ليسا من “حزب الله”. 

الفيديوات كثيرة، لكنها لم تسعفني في تحديد المواقع التي صُورت فيها، ذاك أنني لم أعد وثيق العلاقة بأماكن قريتي. أعرف بيتنا والطريق إليه، ومنازل أخرى لأقارب وأصدقاء، لكن شقرا، بلدتي، شرعت تتسع في غيابي، وصارت مدينة صغيرة، ففقدت سيطرتي على خريطتها.

شعرت أن الفيديوات قناة عاطفية بيني وبين ما تبقى من البلدة. وشقرا التي تشهد هذه الأيام موجة الدمار الثانية، كان تدمّر فيها نحو 400 منزل في حرب الإسناد الأولى، وفقدنا نحو 120 ضحية من أبنائها. ويقول لي صديقي حسن أن عداد الموت عاد وفُتح، فانضم إلى الـ120 خمسة جدد. الرقم يمثل جيلاً كاملاً من أبناء البلدة. 

كثر من أقاربي تدمرت منازلهم للمرة الثانية والثالثة. بيت أبو رضوان كانت نسفته إسرائيل قبل انسحابها من البلدة في العام 1986، وأعادت العائلة بناءه وأضافت إليه طوابق أخرى، ثم عادت غارة إسرائيلية ودمرته بالكامل في العام 2024.

وللمناسبة، كنا نستعمل عبارة “نسف” للدلالة على فعل أقدمت عليه وحدة كوماندوس إسرائيلية عندما كانت تتسلل إلى البلدة وتقصد منزلاً تُخرج سكانه منه وتُفجره.  

وفي مقابل منزل أبو رضوان، تقع دارة جد العائلة المرجع الشيعي محسن الأمين، هذه الدار آلت ملكيتها إلى فراس، حفيد السيد محسن، وهي أصيبت بالغارة التي استهدفت منزل أبو رضوان، وتهاوت جدران المنزل الذي يفوق عمره القرن. فراس أعاد ترميم المنزل وأرسل لي صورة بعد إنجاز الترميم وكتب تحتها: “عمرنا”. اليوم أحاول الاطمئنان على فراس الذي يقيم في البحرين، ولا أتجرأ على سؤاله عن منزله الذي أعاد ترميمه في شقرا، فحرب واحدة تكفيه، ولا داعٍ لتذكيره بحرب ثانية. 

هذه حال بيت أبو طريف الذي نسفه الإسرائيليون في نفس يوم نسفهم منزل بيت أبو رضوان في العام 1986، ثم أعادت العائلة بناءه ليعود ويتدمر في العام 2024، ومنزل عمتي أم محمد أيضاً نُسف ثم أعيد بناؤه ثم قُصف ثم أعيد بناؤه. هذا كله حدث قبل الحرب الأخيرة، وقبل أن يفتح أهل القرية مجدداً عداد قتلاهم ومنازلهم المدمرة.

منزل خالي علي صمد حتى الحرب الأخيرة وقضى فيها، وإلى اليوم لم أدخله إلى ذاكرتي بوصفه مكاناً فانياً، وحين مررت بجواره، أشحت بوجهي عنه. 

إنها شقرا، التي تبعد عن الحدود مع إسرائيل أقل من 7 كيلومترات. المسافة أقصر من تلك التي أشار إليها إعلام إسرائيلي بأنها ستكون عمق المنطقة العازلة التي سيقيمها الجيش الإسرائيلي. أقربائي يستبعدون أن تكون شقرا داخلها، ويقولون إن وادي السلوقي الذي يفصل شقرا عن بلدة حولا سيكون حدود المنطقة العازلة! “يا حرام يا حولا” قال قريبي الذي ربطت عائلته بحولا علاقات تسبب بها الحزب الشيوعي الذي انتمى إليه والده وانتمت إليه أيضاً غالبية أهل حولا في ستينات القرن الفائت وسبعيناته. 

وحولا التي يفصلنا عنها، نحن أهل شقرا، وادي السلوقي، بقيت محتلة إلى العام 2000.  ولطالما أقامت عائلات نازحة منها في بلدتنا. ابنة جارنا أبو محمد ويزاني تزوجت من رجل من حولا لا أذكر اسمه. وكان للمنتقلين من حولا للعيش في شقرا اسم يحيلهم إلى حولا على رغم مضيّهم عقوداً طويلة في ربوعنا، هو “أهل حولا”. علماً أن مأساة حولا بدأت قبل احتلالها الرسمي، ذاك أن البلدة شهدت في العام 1948 المجزرة الشهيرة التي ارتكبتها منظمة الأراغون الصهيونية التي تسلل عناصر منها إلى البلدة وأعدموا عشرات من أبنائها رمياً بالرصاص. وكانت لشقرا حصة في المجزرة، ذاك أن قريباً لي كان من بين من أُعدموا.

لطالما رافقت سيَرنا القروية قصص عن منازلنا المدمرة والمُعَاد بناؤها. كنا نجري مقارنات بين نسختي المنزل الواحد. فنحن كبرنا على قصص منازل علينا أن نستأنفها هي نفسها ولكن بمنازل تمت هندستها على نحو مختلف. منزل عمي عدنان أمضينا في طابقه السفلي (الأرضية) جزءاً من أعمارنا وشقاواتنا. نسفه الإسرائيليون في العام 1981 وأعيد بناؤه على نحو مختلف، ولم يعد مقصدنا. هذه تماماً حال منزل أبو طريف الذي شعرت عندما زرته بعدما أعيد بناؤه، أنه غير المنزل الذي أمضيت فيه أوقاتاً طويلة في طفولتي ومراهقتي.

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت منزل جارَينا أبو محمد وأم محمد ويزاني. يصلني الفيديو فلا أستطيع التأكد، فالمنزل بنسخته الجديدة بُني في غيابي.