لا تغفو عينا جدّتي قبل مشاهدة حفلة لأمّ كلثوم، بات هذا روتينها منذ فترة. وفي حال تأخّرت عن ذلك، أسألها “شو ما في وصلة أمّ كلثوم اليوم؟”، فتجيب بابتسامة ساخرة منّي: “مبلى هلق بحطّوها”.
تهزأ منّي لأنها تعلم أني لم أحبّ “كوكب الشرق” يوماً، لأنني ببساطة لا أريد الانتظار قرابة خمس دقائق لتبدأ أغنية لا تنتهي، وبصراحة أكثر، لم أهتمّ يوماً بكلمات الأغنية، مجرّد الفكرة تزعجني. لذلك، عندما تبدأ هذه “الوصلة” المسائية مع موعد النوم، أدعو أن ينقطع التيّار الكهربائي بسرعة!
ومع ذلك، اندفعت إلى مشاهدة فيلم “الستّ” من بطولة الممثّلة المصرية منى زكي وإخراج مروان حامد، ربما بسبب الجدل الذي خلّفه قبل انطلاقه، وأن زكي لم تجد بالأداء لأنها لا تشبه أمّ كلثوم أبداً، وغيرها من التعليقات السلبية والإيجابية.
ساعتان ونصف الساعة من العرض والتشويق المتواصل، من دون الوقوع في فخّ السرد الكرونولوجي الذي قد يكون مملاً أحياناً، تعرّفت خلالها أيضاً على أمّ كلثوم كما لم أعرفها سابقاً. تحوّلت في ذهني من مغنّية على خشبة المسرح يطرب لها جيلان سابقان، إلى امرأة عنيدة وقوّية، متباهية ومكسورة في آن، ونسويّة أحياناً.
أمّ كلثوم “النسويّة”
تُظهر المشاهد الأولى الجانبَ الذي ظلّ مخفيّاً عن العلن من شخصيّة أمّ كلثوم. فقبيل حفلتها في باريس عقب نكسة العام 1967، حين هُزمت مصر وسوريا والأردن أمام إسرائيل، طلب منها مدير المسرح ضبط الهتافات السياسية لأن دار الأوبرا “يجب أن تبقى محايدة”.
التفتت إلى مدير أعمالها بهدوء، وقالت: “خلّي الفرقة تضبّضب… مش هغنّي”. أوقفت التحضيرات كلّها فوراً، رغم أن صوت الجمهور كان يخرق الجدران، إلى أن رضخ مدير المسرح. بعدها ظهرت أمام جمهورها الذي جاء من أنحاء العالم لمشاهدتها في باريس، بحسب الفيلم.
لم تكن مجرّد مطربة تقف أمام فرقة تعزف لها؛ كانت وحدها “مايسترو” فرقتها الموسيقية. تُصدر التعليمات بشيء من الفوقية، تصرخ في وجه العازفين إذا غضبت، وتُصرّ على أن يكون كلّ شيء وفق مزاجها وما تحبّ.
إقرأوا أيضاً:
أدركت أمّ كلثوم قدراتها ومكانتها مبكراً، منذ أوّل ظهور لها على مسرح كازينو في القاهرة، حين تحدّاها أحد “الأغنياء” أن تؤدّي أغنية بدلاً من النشيد الإسلامي، ثم رفع مسدّساً في وجهها، فواجهته. وكذلك حين تلقّت الصفعة الأولى من أبيها، وأخبرته أنها ستكون المرّة الأخيرة التي يمدّ فيها يده عليها.
توالت مواقف مشابهة، توّجها إصرارها على الترشّح لمنصب نقيبة الفنّانين في مواجهة الموسيقار محمّد عبد الوهّاب. ورغم أن فنّانين— من عازفين ومغنّين وغيرهم— حشدوا ضدّها لأنها امرأة، ولأن النقابة “بحلّتها الجديدة” تحتاج في نظرهم، إلى رجل يديرها. استخدمت حضورها وإمكاناتها، وقلبت الطاولة على عبد الوهّاب لتفوز بالمنصب بأغلبية الأصوات.
لذلك، رسخّت أمّ كلثوم وقتذاك ما يُعرف اليوم بـ”strong independent women”، ولكن ببعض من الحيلة أحياناً.
لماذا منى زكي؟
نعم، لا تشبه منى زكي أمّ كلثوم، لا شكلاً ولا مضموناً، ولم تدّعِ منى زكي ذلك يوماً. ومع ذلك، أثار موضوع الشبه موجة من من الانتقادات، إلى حدّ أنني دخلت صالة العرض وأنا أراقب الفارق بين الاثنتين، أكثر ممّا أراقب الفيلم نفسه.
لكنّ أداء منى زكي سرعان ما بدّد هذا الانشغال، وأوضح أنها تدرّبت كثيراً لاستنساخ الشخصيّة لا مجرّد تقليدها. بدا ذلك جليّاً في المرحلة المتقدّمة من عمر أمّ كلثوم تحديداً: تضخيمها للصوت حين يلزم، صرامتها في النظرات، ونبرة الأمر، نصف الابتسامة التي تُلمّح أكثر مما تقول، وتعابير وجه دقيقة تأتي في وقتها الصحيح، وكأنها مفاتيح للشخصيّة وليست زينة خارجية.
أوضح الفيلم أن شخصيّة أمّ كلثوم معقّدة ومركّبة، وهو جانب لم يدركه كثيرون من جمهورها عبر مقابلاتها أو على خشبة المسرح. فحياتها العاطفية المتأرجحة، وعلاقتها بوالدة الملك فاروق الأوّل (الملكة الأمّ)، وتجاهلها مرضاً مزمناً كان يهدّد صوتها، كلّها تفاصيل نادراً ما يتحدّث عنها محبّوها أو متابعوها، بخلاف فنّانات تداخلت حيواتهن الشخصيّة علناً مع مسيراتهن الفنّية.
لذلك كان لا بدّ من التوغّل في حياتها واصطحابنا إلى ما وراء الكواليس؛ هناك غلب الأداء التمثيلي على مظهر منى زكي الخارجي، حتى بدأنا تدريجياً نصدّق أننا أمام أمّ كلثوم نفسها.
ومع ذلك، تبقى “الخطوة الناقصة” في تجسيد مرحلة شباب أمّ كلثوم؛ ففي البدايات نشعر ببُعد الشبه أكثر، ويزداد الإحساس بالضياع لأن حضور منى زكي— بشخصيّتها وملامحها— كان طاغياً، قبل أن ينجح الفيلم لاحقاً في سحبنا تدريجياً إلى أمّ كلثوم نفسها.
حقبات مجتزأة
غابت الحقبة السياسية من حياة أمّ كلثوم عن الفيلم إلى حدّ لافت، واكتفى تقريباً بإبراز دورها النقابي وتبرّعاتها لمتضرّري حرب حزيران/ يونيو 1967. وفي الوقت نفسه، مرّر العمل رسالة مبطّنة تجاه الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، عبر مشهد حفلة أصرّ على إقامتها رغم اعتراضها، بحجّة عدم الجهوزية بعد انقطاع طويل عن المسرح، ثم في ختام اللقاء، حين سألها إن كانت ستعود إلى الغناء، جاءت إجابتها بما يوحي بأمل واضح في ألّا تُستبعد مرّة أخرى.
قد يبدو فيلم يمتدّ لساعتين ونصف الساعة تحدّياً في زمن جيل اعتاد فيديوهات لا تتجاوز الدقيقتين، لكنّ ذلك لا يبرّر القفز فوق محطّات أساسية كان يمكن أن تُثري الصورة: تفاصيل أوسع عن حياتها الشخصيّة واشتباكها مع السياسة، وكيف عاشت مرضها المزمن الذي كان يهدّد صوتها، وأين كانت والدتها من كلّ ذلك—إذ لم تظهر إلا لثوانٍ في البداية— وكيف كانت علاقتها بعائلتها؟ أسئلة كثيرة تركها الفيلم معلّقة، رغم المساحة التي كان يملكها.













