صباح كلّ يوم، نستعدّ لحفر قبور بأيدينا. لا يهمّ إن كنّا ما زلنا أحياءً أم أمواتًا. في الحالتين، فقدنا القدرة على العيش والأمل، أو على التفكير في اللحظات المقبلة. الغد بات بعيدًا جدًا، كأنه لن يأتي، وحلوله يعني مزيدًا من القبور والقهر. لا نعرف إن كنّا نحزن على الآخرين أم على أنفسنا، نحن الذين لم نترك بيوتنا بعد، وما زلنا قادرين على النوم على أَسِرّة دافئة. نعدّ الشهداء ولا نحفظ أسماءهم، لكن الأكيد أن الحياة كانت تليق بهم، وأن الأحلام كانت تنتظرهم.
ننعي أنفسنا من دون أوراق تُلصق على الجدران. لماذا نُلصقها، وقد يُقصف مبنى في أية لحظة، مع أو من دون إنذارات؟
نحاول النوم ليلًا، ولا نعرف إن كنّا سنتلقّى اتصالًا بالإخلاء. ماذا لو غفونا ولم نعرف بالإنذار؟ وإذا استيقظنا، نسأل بعضنا البعض: “هل سمعتم القصف؟ نعم. ارتجفتُ ولم أستطع النوم. هرعتُ لأتفقّد أبنائي. لحسن الحظ، لم يستيقظوا”. فقدنا الحياة والرغبة فيها. نعيش منتظرين الموت.
لا يتراجع القلق إن خفّت وتيرة القصف. ماذا ينتظرنا؟ لم تعد أجسادنا قادرة على الاسترخاء حتى أثناء النوم. كأن هناك اتفاقًا غير معلن بين الجيران على أن يبقى أحدهم مستيقظًا ليلًا، للإنذار أو لحماية بقية السكان. إحدى محاولاتنا البائسة للنجاة. لكن مِمّا تحديدًا؟
كيف تكون الحياة، وقد بتنا نتحاشى الاستحمام خشية الاستهداف من دون إنذار؟ نخشى أن نموت عراة. يا لسخافة هذه الفكرة. الموت سيأخذ منا أجسادنا إلى الأبد. في المنزل والمقهى وكل الأماكن، لا حديث إلا عن كيفية الاستمرار، والقصف، وماذا بعد. ننظر إلى أبنائنا الذين نجوا من انفجار مرفأ بيروت وكوفيد-19 والحرب الإسرائيلية الأولى، وننتظر مصيرهم في الثانية. لو أننا نستطيع إعادتهم إلى أرحامنا حتى ينتهي هذا كله، إن كان من احتمال أن ينتهي.
كل يوم، أنظر إلى الصورة التي رسمنا فيها ابني ونحن نمشي على الكورنيش البحري. أخشى أن أزيلها عن الحائط لأضعها في حقيبة الهرب، كأنني أعلن شيئًا ما. أنظر إليها، وكل ما أحلم به هو أن نسير مجددًا على الشاطئ ونأكل الآيس كريم، بل “نلحسها” ونضحك.
أخبرني أنه فهم، للمرة الأولى، لماذا أشجّعه على الدراسة خارجًا وبناء مستقبلٍ لنفسه هناك. لم تكن الحرب هي الدافع لقوله هذا، بل بات قادرًا، ببساطة، على رؤية أن هذه المساحة الصغيرة التي نعيش فيها، ونسميها بلدًا، لن تكون كذلك بعد الآن، ولن نتمكن من الحفاظ على تلك البقايا التي كنا لا نزال نأمل بلملمتها.
ما بعد العدوان تنتظرنا حرب أهلية، على الأرجح. تقول مواقع التواصل الاجتماعي، والتحليلات، وخطابات الناس التي لم تعد بحاجة إلى أقنعة واقية. ذكرى الـ75 ستتجدّد بشكل مختلف، وأعداء مختلفين. الإيمان قضية لم تعد تغريني. قضيتي الوحيدة هي عائلتي وأصدقائي. ما معنى الأرض من دون ناسها؟ والأشجار، والزرع، والحيوانات، والبيوت، والذكريات… لماذا عليّ أن أرى إحدى قريباتي تبكي شقيقها وعائلتها؟ لماذا ينجو طفلهم ليعيش صدمة الخسارة وانتشاله من تحت الأنقاض؟ لا آبه للسياسات، والمزاج الإقليمي والاستعماري، والصراعات، والاتهامات.
نعيش “قصة موت معلن” كما في أجواء رواية “قصة موت معلن”، حيث الموت ليس مفاجئًا، بل ينتظر دوره، ونحن مثله. شوارع بيروت تفرغ ليلًا. يختبئ الناس في منازلهم، ولا يعرفون إن كان أحد طوابق المبنى قد يُقصف. تصبح السعادة المطلقة هي النجاة من احتمال كهذا.
أخرج إلى الشرفة الصغيرة التي أحضّرها للربيع، ولشرب فنجان القهوة بين نباتاتي القليلة. لماذا المقارنة دائمًا بين أرواح لا بأس أن تموت، أو أن موتها يقتصر على الذبول، وبين أرواح لا يجب أن تُقتل؟ أقارن بين روح الإنسان وأرواح النباتات. أسقيها، وأخشى أن تكون المياه التي أستخدمها ليست من حقها. تُشغّل السردية في رأسي: هل من الإنسانية أن أحرص على عدم موت النباتات في الحرب، بينما هناك أشخاص يفتقدون المياه في مراكز النزوح؟
غريبة هذه اليوميات. ليست حياة، وليست موتًا. شيء ما في الوسط يجعلك عاجزًا عن الحراك. حتى الطبخ يصبح غريبًا. هل نطهو بمنطق تخزين ما يمكن تخزينه لأيام أكثر قتامة؟ أم نطهو مثل الذين يعيشون وسط الحرب، لكنهم يُصنَّفون في مناطق آمنة؟ نسأل ونرتبك، ثم نجيب أنفسنا، ثم نختار الاستمتاع بالطعام، طالما أنه قد يكون وجبتنا الأخيرة.
حتى التهديدات النووية لا تخيفني. أنتظر ذلك المصير الذي تحدّده مجموعة من الأشخاص ومجموعة من المصالح، ليخبروني عن الحياة التي تنتظرني. أعطيهم كل الوقت. لا طاقة لي على الاستفسار، والجدال، والتحليل، والحماسة، والخوف. بتُّ حريصة على تفاصيل منزلي فقط، ذلك المكان الذي بات يشبهني. أرتّب البهارات التي لا أستخدمها إلا نادرًا، وكأنها جزء أساسي من يومي. أضيء شمعة في الغرفة، تمنحني شعورًا باحتمال حياة… أو بالحياة التي أحب.
لم أعد أستمع إلى الموسيقى. أخشى ذلك النبض الذي قد يقودني إلى مكان لم يعد موجودًا في لبنان. تعبتُ من ذلك الدور الذي أؤديه في بيروت، حين نخترع ونختلق لأنفسنا عوالم نعيش فيها، بحثًا عن حماية ما من أمر قد يحدث، أو تفاصيل لا تشبهنا.
التحليلات السياسية اليومية تُنهك أدمغتنا، نحن الصحافيين والصحافيات، وحتى حين نتحول إلى مواطنين ومواطنات. لا أريد العيش في قمقم وأنتظر المارد. أصلًا، لم يعد المارد رحيمًا. نعم، موتنا رخيص. لا بأس إن حزنّا أو غمر التراب من نحبّ. لا بأس أن تهزّنا جميع الأصوات: إغلاق المحال التجارية، إزاحة جيراننا في الطابق الأعلى للأثاث، الدراجات النارية، المفرقعات، إغلاق الأبواب… كل ما يمكن أن يُصدر صوتًا.
ننام وندسّ أجسادنا كاملة تحت البطانيات، لعلّها تحمينا. سخافة أخرى. ثم نتفقد المجموعات الكثيرة على “واتسآب”: هل من خبر جديد؟ قصف أم رعد؟ نحاول النوم، لعلّنا نحلم بما هو مختلف. على الأقل، نستأهل أن نأخذ وقتًا مستقطعًا لنرمّم ما بقي من أنفسنا. لكن الاحتمال ضئيل. مجددًا: جدار أو قصف أو رعد. والمدارس؟ حضوري أم أونلاين؟ الصوت وحده يحدّد خياراتنا خلال الدقائق القليلة المقبلة.
إقرأوا أيضاً:










