بشنّها حرباً استباقية ضدّ إيران تكون إسرائيل في ذلك قد أغلقت، أو استكملت استهدافها الدائرة المتعلّقة بما عُرف في السنوات السابقة بمحور “المقاومة والممانعة”، الذي تألّف أساساً من قوى ميليشياوية لبنانية وسورية وفلسطينية وعراقية ويمنية بزعامتها.
هكذا، وبعد أن كانت إسرائيل خلال العشرين شهراً الماضية قوّضت، أو كسرت قدرات مختلف الأطراف الميليشياوية المذكورة ونفوذها، ها هي تتوجّه لاستهداف إيران مباشرة هذه المرّة، بعد أن كانت هذه تنأى بنفسها عن التورّط في أي اشتباك مباشر وكبير قد يضعها في مواجهة حربية مستمرّة مع إسرائيل.
على ذلك فإن الضربة الإسرائيلية، التي أودت بالصف الأول من القادة العسكريين في الجيش وفي الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب كبار العلماء الذين يشتغلون في المفاعلات النووية، لم تأتِ مفاجئة كونها أتت في السياق العامّ لحرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل منذ 20 شهراً في المنطقة، بدعوى أنها تدافع عن وجودها رداً على عمليّة “طوفان الأقصى”، بخاصّة أن إسرائيل ظلّت تعلن وتهدّد بأنها لن تتسامح مع دعم إيران لـ”حزب الله” في لبنان، وحركة “حماس” في فلسطين، و”الحوثيين” في اليمن، و”الحشد الشعبي” في العراق، ولا عن سعيها لحيازة قوّة نووية، أو قوّة صاروخية، أي أنها كانت تصرّح علانية عن سعيها لإضعاف إيران، وتقويض قدراتها النووية والصاروخية وإنهاء نفوذها في المشرق العربي واليمن.
يمكن تشبيه العمليّة الإسرائيلية في مرحلتها الأولى في 13 حزيران /يونيو الحالي، من ناحية الخبرة التكنولوجية واللوجستية والاستخباراتية، بعملية “البيجر” و”الووكي توكي” في لبنان في 17 و18 أيلول/ سبتمبر الماضي، وعملية اغتيال قيادة “قوّة الرضوان” في 19 أيلول/ سبتمبر الماضي أيضاً، التي هزّت “حزب الله” لاستهدافها نخبة قيادته العسكرية، كما يمكن تشبيهها بالعملية الكبيرة والمفاجئة التي شنّتها القوّات الأوكرانية ضدّ مطارات روسية في 2 حزيران/ يونيو الحالي.
ما تريده إسرائيل من تلك الحرب هو استعادة تموضعها كقوّة عظمى إقليمية وحيدة في الشرق الأوسط، بالمعنى الذي كانت عليه بعد كسرها عدّة جيوش عربية في حرب حزيران/يونيو 1967، بعد أن كانت إيران غدت بمثابة اللاعب الرئيس في الشرق الأوسط، إثر قيام الولايات المتّحدة بتمكينها من العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين في العراق في عام 2003.
معلوم أنه منذ ذلك التاريخ، وبعد انهيار الاتّحاد السوفييتي مطلع التسعينيات، توافقت الولايات المتّحدة وإسرائيل على انتهاج سياسة مفادها السكوت عن توسيع إيران نفوذها الإقليمي في الشرق الأوسط، لتوظيف هذا النفوذ في إثارة التناقضات في تلك المنطقة، بما يفيد بزعزعة بنى الدولة والمجتمع فيها، بما يخدم المصالح الإسرائيلية على المدى الاستراتيجي، وبما يؤمّن إخضاع المنطقة للسياسات الأميركية، بواقع الابتزاز الذي شكّله التحدّي الإيراني للنظام العربي، على نحو ما شهدناه طوال العقدين الماضيين.
المشكلة أن إيران لم تتفهّم هذا الواقع، وتصرّفت وكأنها ندّ للولايات المتّحدة ولإسرائيل، في مبالغة كبيرة بقدراتها العسكرية والاقتصادية، إلى درجة أن قياديين فيها باتوا يتحدّثون عن هيمنة إيران على عدّة عواصم عربية (بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء) وأن صواريخ إيران بإمكانها هزّ إسرائيل التي هي “أوهن من خيط العنكبوت”، وأن محور “المقاومة والممانعة” بإمكانه هزيمة إسرائيل في غضون دقائق أو ساعات أو أيّام.
إقرأوا أيضاً:
بعد عمليّة “طوفان الأقصى”، تغيّر الأمر تماماً، إذ إن إسرائيل التي باتت تحت قيادة يمينية مؤدلجة، تضمّ اليمين القومي والديني المتطرّف بزعامة نتانياهو، وجدت في تلك العمليّة فرصة سانحة لها لتغيير الصورة.
أولاً، من خلال حرب الإبادة التي شنّتها ضدّ فلسطينيي غزّة، لتكريس هيمنتها وتأبيدها على الفلسطينيين من النهر إلى البحر، مع وأد فكرة الدولة الفلسطينية المستقلّة. وثانياً، من خلال الحرب التي شنّتها على لبنان لتقويض قوّة “حزب الله” نهائياً، وهو ما حصل بخاصّة منذ أيلول/سبتمبر 2024. وثالثاً، من خلال الانتهاء من فكرة الاستثمار الأميركي والإسرائيلي بإيران، بعد أن انتهت مفاعيل توظيف سياساتها في المنطقة، كونها أدّت مهمّتها في تصديع بنى الدولة والمجتمع في سوريا ولبنان والعراق واليمن.
الآن، تذهب إسرائيل نحو حرب مفتوحة ومدمّرة ضدّ إيران، في ظرف باتت فيه هذه الدولة معزولة على الصعيدين الدولتي والمجتمعي عن محيطها العربي والدولي والإقليمي، وبعد أن قامت إسرائيل بتقويض كلّ القوى الميليشياوية التي تشتغل كأذرع إقليمية لها، بمعنى أن إيران التي لطالما حاولت النأي بنفسها عن حرب مع إسرائيل، باتت منخرطة في تلك الحرب التي انتقلت إلى داخلها.
بديهي أن حرب إسرائيل هذه ضدّ إيران، هي حرب إسرائيلية أميركية أولاً، وهي حرب إقليمية ودولية ثانياً، بواقع عزلة النظام الإيراني والتبرّم من سياساته دولياً وإقليمياً وعربياً. وهي تكتسب هذا البعد أيضاً، بواقع الابتزاز الذي شكّلته السياسات الإيرانية للأنظمة العربية لا سيّما في المشرق العربي والخليج. بيد أن النقطة الأهمّ هنا هو تصرّف الغرب بخاصّة الولايات المتّحدة، باعتبار إسرائيل بمثابة وضع دولي، أو امتداد دولي للغرب، وليست مجرّد دولة في الشرق الأوسط، ما يفسّر ضمان الغرب لأمن إسرائيل وتفوقّها النوعي في المنطقة، مهما اختلفت السياسات والخيارات.
الفكرة هنا، أن إسرائيل المتوحّشة اليوم، هي إسرائيل الأيديولوجية المتطرّفة إزاء الفلسطينيين وإزاء محيطها العربي، التي تريد فرض ذاتها كقوّة وحيدة إقليمية، لا إيران ولا تركيا ولا أي دولة في العالم العربي. وفي ذلك، فهي، أيضاً ترفض السلام والتطبيع مقابل الأرض، بفرض منطقها الخاصّ بتحقيق السلام بواسطة القوّة، وفرض مفهومها الخاصّ للتطبيع بتعميم خاصيتها كدولة يهودية، عبر إقامة كيانات طائفية وإثنية في المنطقة، من العراق إلى لبنان بحيث يشمل ذلك سوريا.
على ذلك، يمكن تفهّم مواقف البعض الغاضب من سياسات إيران، التي قتلت وشرّدت سوريين، وأثارت النزعة الطائفية في مجتمعات المشرق العربي، وخرّبت بنى الدولة والمجتمع في لبنان والعراق وسوريا، وتلاعبت أو وظّفت قضيّة فلسطين لصالح تعزيز نفوذها في المنطقة، ولتغطية سياساتها المضرّة بالمجتمعات العربية فيها. بيد أن ما يجب إدراكه أيضاً، أن إسرائيل الاستعمارية والعنصرية والاستيطانية والعدوانية والدينية والمصطنعة، تفعل ما تفعله لمصلحتها هي فقط، وبتوقيتها هي فقط. فهي التي استثمرت مع أميركا في سياسات إيران الحمقاء، لتخريب بنى الدولة والمجتمع في بلدان المشرق العربي، ثم قامت بما قامت به بعد أن رأت أن ذلك الاستثمار أتى أُكْلَه، وأنه بات يجب إيقاف إيران عند حدّها.
لذا فإن ما تفعله اسرائيل اليوم ضدّ إيران، التي تتحمّل قيادتها مسؤولة أفعالها طوال العقدين الماضيين، كانت فعلت مثله وأكثر ضدّ الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، وهي ستفعل ذلك مستقبلاً بحكم طبيعتها، فالجريمة جريمة، إذ لا جرائم إسرائيل تغطّي أو تبرّر جرائم إيران في سوريا ولبنان والعراق، ولا جرائم إيران تغطّي أو تبرّر جرائم إسرائيل الاستعمارية والعنصرية والعدوانية ضدّ الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين. فالتمييز والتبصّر مهمان أيضاً.
إقرأوا أيضاً:













