نفى “حزب الله” علاقته باللائحة التي نشرها موقع “أيّوب”، وقال إنها متداولة من محسوبين على “حزب الله”، تخوّن بعض الشخصيّات المعروفة بنقدها له. المفارقة أن الحزب لم يكتفِ بنفي إصداره لوائح بأسماء يتّهمها بالعمالة، بل قال إنه “لم يكن يوماً في موقع تصنيف الناس أو تخوينهم!”.
أيّ متابع للحقل المعجمي لنوّاب “حزب الله” ووزرائه وناشطيه وإعلامييه، يعلم جيداً أن لغة التخوين والاتّهام بالعمالة ركن أساس في خطابهم العامّ، بل ربما هي السلاح الثاني بعد الصواريخ الإيرانية التي كدّسها الحزب في الخنادق والأنفاق في الجنوب.
العمالة والتخوين
في لبنان، وبالمعنى القانوني فإن كلمة “عمالة” لا تكفي لوصف فعل جرمي. هناك جرائم محدّدة مثل الخيانة والتجسّس، ولكل منها عقوبته وفق قانون العقوبات اللبناني. لكن في منطق “حزب الله” وتحديداً في لغة مسؤوليه ومن يناصره من إعلاميين وناشطين أو حسابات نشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، توسّعت معاني التخوين والعمالة لتشمل مواقف لا تُعدّ جرائم بموجب القانون، مثل معارضة سلاح الحزب، والمطالبة بحصرية السلاح بيد الدولة، ودعم قرار دولي، ولقاء دبلوماسي أميركي، والحصول على تمويل دولي، والكتابة في وسائل إعلام أجنبية، وانتقاد الحرب، والدعوة للتفاوض، أو مخالفة الموقف السائد داخل الطائفة الشيعية.
كيف يبدأ الاتّهام؟
شهد اللبنانيون مسيرة طويلة من التخوين في الخطاب السياسي، لكنّ هذه اللغة أخذت منحى أكثر حدّة عقب اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في عام 2005، وأصبح التخوين أداة أكثر انتظاماً وحضوراً في خطاب الحزب وحلفائه.
واستمرّ اعتماد التخوين حتى اليوم، حيث لا تزال هذه المقاربة التحريضية تُستخدم كأداة سياسية مع تغيّر الأسماء وتنوّعها، لكنّ الأسلوب ظلّ ثابتاً. فعادةً لا يبدأ التخوين بكلمة “عميل” مباشرة، بل يبدأ بموقف سياسي يتعارض مع مزاج “حزب الله”، ثم يُقال إن هذا الموقف يخدم إسرائيل أو يتوافق مع السفارة الأميركية في بيروت. بعدها، يُثار الجدل حول التمويل والعلاقات الخارجية، ويُوصف المتّهم بأنه أداة في مشروع خارجي. عندها ينتقل الاتّهام من الموقف إلى الشخص، فيصبح في الخطاب العامّ عميلاً أو خائناً.
ومن الأسماء التي طالتها هذه التهم، شخصيّات حكومية ونيابية وصحافية. مثلاً، ومن دون الحصر، ما تمّ تكريسه تحت تسمية “شيعة السفارة”؛ وهو تعبير أطلقته صحيفة “الأخبار” المحسوبة على “حزب الله”.
ناشر الصحيفة ابراهيم الأمين اشتهر بمقال بعنوان “لا مكان بيننا للخونة”، قائلاً: “ألا يتحسّس هؤلاء رقابهم وهم يخرجون يومياً من منازلهم النجسة؟ ألا يرون وصمات العار وهي ترتسم فوق جباههم، فيما الناس يرمقونهم بنظرة الحقارة؟ أم هم يعتقدون بأنهم سوف ينجون بفعلتهم إن هم قرّروا أن عمالتهم هي مجرّد وجهة نظر، أو مجرّد رأي، يمكن، بل يجوز منطقياً ووطنياً وأخلاقياً إشهاره في وجه المقاومة؟”.
وكان للكاتب اللبناني علي الأمين ناشر موقع “جنوبية” المعارض لـ”حزب الله”، ردّ على مقال الأمين في “الأخبار”، بعنوان: “ردّاً على إبراهيم الأمين… الذي أهدر دمي”، فكتب: “ثمّة متعاملون كثر مع أميركا لا تدعوهم إلى تحسّس رقابهم. بعضهم يدفع المعلوم، وآخرون يهزّون لك العصا. الرئيس نبيه برّي يُخيفك، الرئيس نجيب ميقاتي، كيف طارت ويكيليكسياته؟ بكم من الدولارات يصير المتعامل وطنياً؟ بكم من الدولارات الأميركية تطير أسماء من لوائح شطب الويكيليكس وتغطّ على الصفحات الأولى؟”.
والمرحلة الأحدث من التخوين تُعتبر الأخطر، إذ تبدأ الدعوات لملاحقة المتّهم أو عزله وإسقاط حصانته سواء على الإنترنت أو في الواقع، وقد تتطوّر هذه الحملة إلى تحريض اجتماعي أو تهديد مباشر.
في هذا السياق، لا يُطرح السؤال بعد ذلك حول صحّة موقف هذا الشخص، بل يُصبح السؤال: لمن يعمل؟ ممّا يبرّر اغتياله معنوياً وشخصياً أمام جمهور “حزب الله”، وهذا ما حصل فعلياً مع الكاتب والناشر اللبناني لقمان سليم، الذي تعرّض لحملة تشهير وتخوين وصلت لحدّ استهداف جدران منزله وصولاً إلى اغتياله. الحملة لاحقاً وصلت إلى قاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار، الذي تمّ استهدافه شخصياً بتهم التخوين من قِبل الأمين العامّ السابق حسن نصرالله.
المعاني السياسية للتخوين
سياسة التخوين التي يعتمدها “حزب الله” ومناصروه، ليست من فراغ، بل تأتي كأبرز أداة سياسية يستخدمها لشدّ عصب جمهوره، وليس بالضرورة أن يكون هنا التهديد كما هو ظاهر للمتّهم فقط، بل أيضاً تحذير مبطّن لجمهور المقاومة في حال تغيّر مزاجه السياسي ليعلم ما ينتظره.
هذا الهجوم يحمل العديد من المصطلحات والمعاني السياسية، منها محاولة تحويل الشخص من خصم سياسي إلى مجرم وخائن، مع التأكيد أن القرار السياسي لا يعبّر عن خلاف في الرأي، بل يعتبر خيانة للبنان. كما يربطون هويّة الشخص ومسيرته السياسية بإسرائيل، كما فعلوا مع فؤاد السنيورة رئيس وزراء لبنان السابق في عام 2006.
بالإضافة إلى تحويل أثر موقف سياسي إلى دليل على نيّة صاحبه وولائه، أو تصوير العلاقة بدول أجنبية أو التواصل الدبلوماسي معها كدليل تبعيّة، أيضاً يمكن استخدامه لنزع الشرعية الطائفية عن المعارض، كما يحصل هذه الأيّام مع الأكاديمي والناشط السياسي على مراد من قِبل مناصرين لـ”حزب الله”، وغيره من الشيعة الذين يعترضون على منطق “حزب الله”. فيكون هدف الحملة التخوينية اعتبار هذا الشخص خائناً داخل الشيعة، المثل الأشهر في هذا المشهد، قائمة شيعة السفارة.
طبعاً، يمكن أن يذهب الأمر إلى خلط التواصل السياسي، أو الإعلامي، أو الأكاديمي، بجرائم التجسّس والتعامل. كما جعل الحزب هو معيار الوطنية، بحيث يصبح نقده اعتداء على لبنان، أو خدمة لإسرائيل، خصوصا في زمن الحرب. وعندها ينقل النقاش حول احتكار الدولة للسلاح من الدستور والسياسة إلى الشرف والدم، كما هو الحال الآن في الحرب الإعلامية بين محلّلي الممانعة وموالي السيادة، إذ يتمّ تصوير أيّ دعم دولي أو مطالبة بتنفيذ قرار دولي كاستدعاء لعدوان خارجي.
أنواع التخوين
التخوين هنا هو غالباً برعاية “حزب الله”، ولكن يمكن أن يكون من أعوانه ومناصريه، من دون أن يخرج من فمه حرفياً، وسنرى في هذا النصّ بعضاً من الروابط التي تُظهر تخوين “حزب الله” المتكرّر لشخصيّات عدّة، ولكل هذه الأهداف السياسية التي ذُكرت أعلاه، مصطلحات مستخدمة من قِبله ضد فئات مختلفة.
مثلاً ضد الاحزاب: عميل، خائن، إسرائيلي، وصل على دبابة إسرائيلية، كما قالها النائب نوّاف الموسوي تحت قبّة البرلمان لزميله النائب في الندوة البرلمانية نديم الجميل. أو اتّهامات من نوع تبرّر التعامل مع إسرائيل، وهنا الهدف هنا ليس الردّ على موقف سياسي محدّد، إنما ضرب التاريخ الشخصي والحزبي للخصم، كما فعلت صحيفة “الأخبار” مع لقمان سليم.
وإن كان الهجوم على شكل الدولة وأركانها من رئيس جمهورية أو حكومة، فالأمثلة عديدة، منها مثلاً: “يخدم العدو”، “صهيوني”، مثل ما وصفت المحامية بشرى الخليل رئيس الحكومة الحالي نوّاف سلام في مقابلة مصورة، ومن المصطلحات الأخرى: تبرير العدوان، يفرّط بالسيادة، خائن وسيخون، ينفّذ المشروع الأميركي الصهيوني، وآخرها ما قاله النائب إيهاب حمادة: “كُتب اسم جوزاف عون بأحرف إسرائيلية في تفاهم 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وكنّا نعلم أنه خائن وسيخون… لم يجد ممثّلاً مسيحياً واحداً في مجلس النوّاب قبل أن يفرضه المشروع الأميركي الصهيوني رئيساً للبنان”.
ونتذكّر أيضاً، عندما اتّهم نائب “حزب الله” علي عمّار، وزير الخارجية يوسف رجّي بأنه منح إسرائيل “الحقّ في الاعتداء على لبنان”، وبرّر جرائمها بحقّ اللبنانيين، ووصف كلامه بأنه “سقوط سياسي ووطني وأخلاقي مدوٍ”.
وإن عدنا إلى العام 2011، خلال جلسة مناقشة البيان الوزاري، خاطب النائب نوّاف الموسوي النائب نهاد المشنوق قائلاً: “إنت عميل للمخابرات وإنت معروف أديش سعرك”، وبالحديث عن الموسوي، فهو الأبرز في التخوين، ومثل آخر له في العام 2007، وصف الموسوي فريق 14 آذار بـ”العملاء الأميركيين”، وسمّى سعد الحريري وفؤاد السنيورة ووليد جنبلاط في الخطاب نفسه، ثم وصف دوري شمعون بأنه “إسرائيلي القلب والهوى واللسان”.
وفي حال كان الهجوم يستهدف المعارضين الشيعة حصراً، فقوالب الهجوم جاهزة وتبدأ بالعبارات التالية: “شيعة السفارة، أصوات أميركا داخل الطائفة، أدوات السفارات، مموّلون لضرب المقاومة، جماعة الفتنة”، وفي حال كانت الشخصيّة المستهدفة امرأة، فلا بدّ من تلفيق تهم الدعارة والطعن في السمعة والحياة الشخصية والتشهير الجنسي بدلاً من النقاش السياسي للموقف، كما هي حال حملات الكراهية والتخوين والتهديد التي تستهدف الإعلامية ديما صادق.
في النهاية، عبارات مثل: “أداة أميركية”، و”يخدم إسرائيل”، و”عميل صحافي”، و”ينفّذ أجندة أميركية صهيونية”، أصبحت جزءاً ثابتاً من السجال السياسي والإعلامي لدى “حزب الله”، وعندما تنتقل هذه اللغة إلى الحسابات المجهولة لتصبح جيشاً ألكترونياً يصعب تفاديه، مقابل ضعف في السرد السيادي من الفريق الآخر، ينتصر “حزب الله” حتماً.
فحبّذا يا “حزب الله” لو أنك لا تتخلّى عن انتصارك الوحيد في الداخل؛ وهو التخوين، في بيان مقتضب تكذّب نفسك فيه.









