ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“نموذج غزة” في جنوب لبنان: الطريق السريع نحو التطبيع بالإكراه

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تستنسخ إسرائيل حالياً “نموذج غزة” في جنوب لبنان، وأيضاً في جنوب سوريا لكن على نطاقٍ أصغر، إذ تتعامل مع جنوب لبنان وسوريا كمنطقة أمنية واحدة، متبعةً سياسة القضم والتوغل التدريجي نفسها. فبعدما أعلن الجيش الإسرائيلي عن “الخط الأصفر” وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني، كـ “منطقة عازلة” يُمنع سكان البلدات الواقعة فيها من الدخول إليها، بدأت القوات الإسرائيلية بالتقدم تدريجياً لفرض واقع ميداني جديد يتجاوز هذا الخط، تمهيداً لترسيم حدود عسكرية جديدة على غرار “الخط البرتقالي” في غزة، ما يقلّص الآمال بانسحابٍ إسرائيلي محتمل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

توسِّع إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية يومياً وبشكلٍ متسارع، إذ وصلت قوات الاحتلال إلى مشارف مدينة النبطية، بعدما تقدّمت لتسيطر على بلدة ميفدون التي تشرف جغرافياً على مدينة النبطية ومحيطها. ويمثّل الوصول إلى ميفدون، بعد إحكام السيطرة على زوطر الشرقية، ومحاولة السيطرة على التلال المجاورة (كفرتبنيت، شوكين وحاروف)، توطئة لعزل مدينة النبطية وتكثيف القصف المدفعي والجوي عليها قبل غزوها، لتلقى مصير مدينتي بنت جبيل والخيام من التدمير الممنهج عبر عمليات التفخيخ والنسف والجرف.

في الوقت نفسه، توسّع إسرائيل نشاطها العسكري إلى مناطق البقاع الغربي ومدينتي صور وصيدا، وتتقدّم في اتجاه بلدتي دبّين وبلاط تحت غطاء ناري جوي ومدفعي كثيف من جهة الخيام ، متجاوزةً “الخط الأصفر” في أكثر من محور، فيما تهدِّد قياداتها العليا بقصف بيروت والضاحية الجنوبية على الرغم من الممانعة الأميركية التي تبدو جدية بنسبة مقبولة حتى الآن. وربما يكون مدى جدية الرفض الأميركي مرتبطاً بالمفاوضات مع إيران، إذ تواصل الولايات المتحدة رفع سقف المطالب، وكأنها تشتري الوقت لإسرائيل لتُكمِل تنفيذ مهماتها في جنوب لبنان وغزة على حد سواء.

يضخّم الخبراء العسكريون الإسرائيليون أثر مسيّرات “حزب الله” المفخّخة على القنوات وفي الصحف العبرية. فقد وصفها أحد هؤلاء الخبراء على القناة 12 بالـ “كارثة”، فيما قال يوسي يهوشواع على قناة i24News: “لا يوجد حل يلوح في الأفق للطائرات المسيّرة المفخخة”، وتوقّع أن يستغرق إيجاد الحل شهوراً. هذه التصريحات تتناقض مع الواقع العسكري الميداني، إذ تتعرّض القوات الإسرائيلية لأضرار، لكنها لا تقارن بأي شكل من الأشكال بما ينتج من التقدّم الإسرائيلي السريع شمال نهر الليطاني. فاستراتيجية الاستنزاف تتطلّب أكثر بكثير من المسيّرات المفخّخة، ولا يبدو التصدّي لهذا التقدم مكلفاً بالنسبة الى الجيش الإسرائيلي.

لم يكن الوضع الميداني بهذا السوء منذ ثمانينات القرن الماضي، حيث دخلت قوات الاحتلال إلى مدينة النبطية في عام 1982، قبل أن تغادرها إلى ما عُرف بـ “الحزام الأمني” في 1985. لكن ما يجعل الوضع الحالي أكثر سوءاً بأضعاف المرات، هو أن هدف إسرائيل الرئيسي لم يعد احتلال الأرض بوجود سكّانها أو جزء منهم، وبالتالي تأسيس جيشٍ رديف من قوى محلية، بل التدمير الشامل والتهجير الكامل لكل قرية ومدينة تطأها أقدام الجنود الإسرائيليين، عبر استخدام القوة المفرطة. أي أن الهدف ليس “ردع حزب الله” كما يدّعي الخطاب الرسمي الإسرائيلي، بل عقاب مجتمع جنوب لبنان، وإبادة وجوده.

يتطابق ما ترتكبه إسرائيل في جنوب لبنان اليوم، مع ما ارتكبته ولا تزال ترتكبه يومياً في قطاع غزة، حيث تستمرّ باقتطاع المزيد من الأراضي على رغم تحديد “الخط الأصفر” الذي يضمن سيطرة إسرائيلية على 53 في المئة من أراضي القطاع وفقاً لما يسمى “خطة السلام لإنهاء حرب غزة” التي أعلنها البيت الأبيض في أيلول/ سبتمبر 2025، وبحسب الخرائط المبدئية للاتفاق في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 كحدود لسيطرة الجيش الإسرائيلي. قبل أن يتّضح لاحقاً، بعد تحليل الخرائط، أن هذا الخط يقتطع 58 في المئة من أراضي القطاع، وقبل أن تستمر عملية القضم التدريجي لتصل إلى 63 في المئة من أراضي القطاع، وليرتسم خطٌّ جديد سمّي “الخط البرتقالي”، مع عدم وجود أي نيّة إسرائيلية للانسحاب، وفي حين يتكدّس أكثر من مليوني نسمة من سكان القطاع في المساحة المتبقية من الجانب الغربي للقطاع، والتي تبلغ قرابة الـ37 في المئة من مساحته الإجمالية.

تستنسخ إسرائيل حالياً “نموذج غزة” في جنوب لبنان، وأيضاً في جنوب سوريا لكن على نطاقٍ أصغر، إذ تتعامل مع جنوب لبنان وسوريا كمنطقة أمنية واحدة، متبعةً سياسة القضم والتوغل التدريجي نفسها. فبعدما أعلن الجيش الإسرائيلي عن “الخط الأصفر” وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني، كـ “منطقة عازلة” يُمنع سكان البلدات الواقعة فيها من الدخول إليها، بدأت القوات الإسرائيلية بالتقدم تدريجياً لفرض واقع ميداني جديد يتجاوز هذا الخط، تمهيداً لترسيم حدود عسكرية جديدة على غرار “الخط البرتقالي” في غزة، ما يقلّص الآمال بانسحابٍ إسرائيلي محتمل خلافاً لكل الوعود الأميركية المرتكزة على “إعلان النيّات” اللبناني-الإسرائيلي.

وتتقلّص الآمال بانسحابٍ إسرائيلي أكثر فأكثر، إذ يصرّ الوفد الإسرائيلي المفاوض في واشنطن على “حرية الحركة”، وتجاوز مفاعيل القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. هذا بالإضافة إلى طرح إسرائيل لإنهاء بعثة “اليونيفيل” بالكامل في مجلس الأمن، ومحوها العملي لـ “الخط الأزرق” الذي حدّدته الأمم المتحدة في عام 2000، ما يفرض إعادة تشكيل حدود لبنان الجغرافية، بما أن الحدود البرية الحالية غير معترفٍ بها دولياً بسبب عدم ترسيمها، واكتفاء حكومة نجيب ميقاتي بترسيم الحدود البحرية في عام 2022، وذلك بمباركة “حزب الله” وحركة “أمل” وبرعاية رئيس الجمهورية السابق ميشال عون وتوقيعه. فترسيم الحدود البحرية التي ضمنت “حق إسرائيل” باستخراج الغاز من البحر – على حساب لبنان أولاً – لم تكن تنازلاً في نظر سلطة الممانعة آنذاك، أما ترسيم الحدود البرية التي تضمن حق لبنان بحدوده الجغرافية فمسألة تُؤجَّل.

ولعلّ ما يساهم في تسريع الإيقاع الإسرائيلي هو استغلال التهديد النسبي المتمثّل بالمسيّرات المفخّخة كغطاءٍ إعلامي وسياسي لمواصلة التقدم، في حين تبدو الطريق معبّدة (نسبياً أيضاً) أمام القوات الإسرائيلية بسبب ضعف خطوط الإمداد وتقادم بنية الحزب الدفاعية الأساسية. إذ يروّج القادة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون لصورة “الجيش العاجز” أمام المسيّرات المفخخة، بهدف حشد المزيد من التأييد الداخلي، وتوظيف المزيد من الصمت الدولي، لاقتحام وتدمير أكبر مساحة جغرافية ممكنة في جنوب لبنان من جهة، وتحويل أنظار شعوب العالم، المتأثرة بنسبة أكبر بالسردية الإعلامية الإسرائيلية، عن حقيقة الإبادة العمرانية واقتلاع سكّان جنوب لبنان من أرضهم من جهة أخرى. فتبقى تلك الأنظار موجَّهة نحو الأضرار المحدودة التي تسببها المسيّرات المفخَّخة، بينما تُنفَّذ عمليات التفخيخ الفعلية على أكبر نطاقٍ جغرافي ممكن في الجنوب اللبناني.

وكلما زاد التركيز الإعلامي على “كارثة” المسيّرات، قلّ التدقيق في سرعة التقدم الإسرائيلي. ومن المرجّح أن يضيف الوفد الإسرائيلي مطلباً جديداً في مفاوضات واشنطن، وهو المطالبة بـ “حق إسرائيل” في تحييد مسيّرات “حزب الله”، وهو مطلب يستحيل تحقيقه عسكرياً من دون احتلال لبنان بكامله حتى أقصى شماله، وليس فقط جنوب لبنان، إذ سيستمرّ الحزب بإطلاق المسيّرات من مناطق جديدة. فإسرائيل تعمد إلى تعميم نموذج المسيّرات التي لا تصدُّ هجوماً ولا تمنع تدمير البلدات والبنى التحتية كتهديد وجودي لتبرير تمدّد عملياتها، وبالتالي تحويلها من سلاح استنزاف بيد “حزب الله” إلى ورقة ضغط لتسريع وتيرة الاحتلال.

ولم يكن هذا التحويل ليكون ممكناً لو امتلك الحزب منظومةً متكاملة لإدارة المسيّرات تشمل أنظمة وبنى تحتية دفاعية وصواريخ نوعية ودقيقة، فضلاً عن خطوط إمداد آمنة. فغياب هذه المنظومة يحوّل المسيّرات من سلاحٍ تكتيكي فعّال إلى سلاحٍ محدود التأثير على رغم الأضرار التي يتسبّب بها، على عكس ما نراه في أوكرانيا، حيث يمتلك الجيش الأوكراني منظومة دفاعية متكاملة، بل وبدأ بتعويض النقص البشري بالروبوتات المقاتلة، إلى جانب دعمٍ أميركي وأوروبي عسكري ومالي وسياسي كبير. وفيما ينشغل الخبراء الإسرائيليون بتضخيم قدرات “حزب الله” التكتيكية، يتغافل العالم بأسره عن الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على توسيع الاحتلال، ويتغافل جمهور “حزب الله” بدوره عن إعادة طرح سؤال جوهري يجب أن يستمر طرحه حتى النهاية: لماذا بادر “حزب الله” إلى إسناد طهران بحجة تصحيح المسار في لبنان، وقد ثبت بالملموس أنه لم يعد يملك منظومة دفاعية متكاملة؟

استدراج الجيش الإسرائيلي ليهاجم ويحتلّ المزيد من المناطق بسرعة أكبر بحجة إيقاف مصادر إطلاق المسيّرات، يُظهِر خللاً حقيقياً في الاستراتيجية التي يعتمدها “حزب الله”. إلا إذا كان الحزب يخبّئ مفاجآت كبيرة ويقوم بشكل متعمّد بعملية الاستدراج هذه. لكن حتى في هذه الحالة، فإن الفاتورة كبيرة جداً، ولا أعتقد أنّ المناطق التي وقعت تحت الاحتلال العسكري يمكن استرجاعها في المدى المنظور. وهذا قد يقود لبنان، في حال أراد استرجاع تلك الأراضي، وعدم تحوّلها إلى مستوطنات إسرائيلية مستقبلاً، إلى عملية تطبيعٍ بالإكراه مع إسرائيل، عملية يمكن أن تشمل “حزب الله” نفسه تحت ضغط قسمٍ كبيرٍ من قاعدته الجماهيرية التي خسرت كل شيء، ويمكن أن تشهد تحوّلاً متطرّفاً في وعيها الجمعي – وهو ليس بالأمر الإيجابي تماماً بالضرورة.

فلو افترضنا احتمال حدوث هجوم مضاد واسع من الحزب، وهو احتمال ضئيل لكن لا يمكن إلغاؤه حتماً، فما هو الثمن بالمقابل، بعدما توغّلت القوات الإسرائيلية بهذا العمق؟ وما هو الإطار السياسي الذي يمكن عبره ترجمة مثل هذا الهجوم المضاد مكاسبَ محققة في السياسة لمصلحة لبنان، في ظل الشرخ الحاد داخلياً، ومسار التفاوض الأميركي – الإيراني خارجياً، إذ يُترجَم التقدم الإسرائيلي في الجنوب ورقة ضغطٍ أميركية، فيما يُترجم إبطاء (وليس صدّ أو إيقاف!) هذا الهجوم ورقة ضغطٍ إيرانية، لتحقيق أهداف لا تمت الى مصلحة الجنوبيين بصِلة، مهما حاول المستوى السياسي في “حزب الله” التوفيق بين أهداف إيران ومصير جنوب لبنان؟

يعمل معظم خصوم “حزب الله” على قتل الآمال باسترجاع الأراضي المحتلة في جنوب لبنان بجميع الوسائل الممكنة، بينما يعمل معظم مناصري الحزب على بيع وهم “العبرة في الخواتيم” والإمعان في التضليل السياسي وتخدير المتضرّرين من الفاجعة بالوعود والمبالغات التي لا وجود لها على أرض الواقع. لكن ما هي محدِّدات الحد الفاصل بين الأمل والوهم، وأين يتحوّل الوهم إلى أملٍ حقيقي، وأين يظهر الأمل على حقيقته وهماً؟ هنا يجب أن يُقال إن العبرة في النتائج التي نلمسها ونراها كل يوم. فـ “الخواتيم” التي تمرُّ بتعبيد الطريق لمن يريد تدمير قرى الجنوب واحتلالها واقتلاع أهاليها منها تحت مسمّى “عدم التشبث بالجغرافيا”، وتمرُّ أيضاً بتقويض الدولة (على علّاتها وضعفها) وتثبيط كل جهدٍ ديبلوماسي (بدلاً من دعمه) عبر تصعيد العمليات بشكلٍ غير مفهوم وغير مجدٍ بالتزامن مع كل جولة تفاوضية، إلى جانب الخطاب المتطرِّف الذي لا صدى له على أرض الواقع مع كل محاولة للتقدم خطوةً واحدة إلى الأمام، كما تمرُّ بتأكيد الولاء لطهران في كل خطاب وعند كل اختبارٍ إقليمي، هي “الخواتيم” التي تُخفي جميع العوامل المؤسِّسة لأسوأ وأقذر عملية تطبيعٍ في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
29.05.2026
زمن القراءة: 7 minutes

تستنسخ إسرائيل حالياً “نموذج غزة” في جنوب لبنان، وأيضاً في جنوب سوريا لكن على نطاقٍ أصغر، إذ تتعامل مع جنوب لبنان وسوريا كمنطقة أمنية واحدة، متبعةً سياسة القضم والتوغل التدريجي نفسها. فبعدما أعلن الجيش الإسرائيلي عن “الخط الأصفر” وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني، كـ “منطقة عازلة” يُمنع سكان البلدات الواقعة فيها من الدخول إليها، بدأت القوات الإسرائيلية بالتقدم تدريجياً لفرض واقع ميداني جديد يتجاوز هذا الخط، تمهيداً لترسيم حدود عسكرية جديدة على غرار “الخط البرتقالي” في غزة، ما يقلّص الآمال بانسحابٍ إسرائيلي محتمل.


توسِّع إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية يومياً وبشكلٍ متسارع، إذ وصلت قوات الاحتلال إلى مشارف مدينة النبطية، بعدما تقدّمت لتسيطر على بلدة ميفدون التي تشرف جغرافياً على مدينة النبطية ومحيطها. ويمثّل الوصول إلى ميفدون، بعد إحكام السيطرة على زوطر الشرقية، ومحاولة السيطرة على التلال المجاورة (كفرتبنيت، شوكين وحاروف)، توطئة لعزل مدينة النبطية وتكثيف القصف المدفعي والجوي عليها قبل غزوها، لتلقى مصير مدينتي بنت جبيل والخيام من التدمير الممنهج عبر عمليات التفخيخ والنسف والجرف.

في الوقت نفسه، توسّع إسرائيل نشاطها العسكري إلى مناطق البقاع الغربي ومدينتي صور وصيدا، وتتقدّم في اتجاه بلدتي دبّين وبلاط تحت غطاء ناري جوي ومدفعي كثيف من جهة الخيام ، متجاوزةً “الخط الأصفر” في أكثر من محور، فيما تهدِّد قياداتها العليا بقصف بيروت والضاحية الجنوبية على الرغم من الممانعة الأميركية التي تبدو جدية بنسبة مقبولة حتى الآن. وربما يكون مدى جدية الرفض الأميركي مرتبطاً بالمفاوضات مع إيران، إذ تواصل الولايات المتحدة رفع سقف المطالب، وكأنها تشتري الوقت لإسرائيل لتُكمِل تنفيذ مهماتها في جنوب لبنان وغزة على حد سواء.

يضخّم الخبراء العسكريون الإسرائيليون أثر مسيّرات “حزب الله” المفخّخة على القنوات وفي الصحف العبرية. فقد وصفها أحد هؤلاء الخبراء على القناة 12 بالـ “كارثة”، فيما قال يوسي يهوشواع على قناة i24News: “لا يوجد حل يلوح في الأفق للطائرات المسيّرة المفخخة”، وتوقّع أن يستغرق إيجاد الحل شهوراً. هذه التصريحات تتناقض مع الواقع العسكري الميداني، إذ تتعرّض القوات الإسرائيلية لأضرار، لكنها لا تقارن بأي شكل من الأشكال بما ينتج من التقدّم الإسرائيلي السريع شمال نهر الليطاني. فاستراتيجية الاستنزاف تتطلّب أكثر بكثير من المسيّرات المفخّخة، ولا يبدو التصدّي لهذا التقدم مكلفاً بالنسبة الى الجيش الإسرائيلي.

لم يكن الوضع الميداني بهذا السوء منذ ثمانينات القرن الماضي، حيث دخلت قوات الاحتلال إلى مدينة النبطية في عام 1982، قبل أن تغادرها إلى ما عُرف بـ “الحزام الأمني” في 1985. لكن ما يجعل الوضع الحالي أكثر سوءاً بأضعاف المرات، هو أن هدف إسرائيل الرئيسي لم يعد احتلال الأرض بوجود سكّانها أو جزء منهم، وبالتالي تأسيس جيشٍ رديف من قوى محلية، بل التدمير الشامل والتهجير الكامل لكل قرية ومدينة تطأها أقدام الجنود الإسرائيليين، عبر استخدام القوة المفرطة. أي أن الهدف ليس “ردع حزب الله” كما يدّعي الخطاب الرسمي الإسرائيلي، بل عقاب مجتمع جنوب لبنان، وإبادة وجوده.

يتطابق ما ترتكبه إسرائيل في جنوب لبنان اليوم، مع ما ارتكبته ولا تزال ترتكبه يومياً في قطاع غزة، حيث تستمرّ باقتطاع المزيد من الأراضي على رغم تحديد “الخط الأصفر” الذي يضمن سيطرة إسرائيلية على 53 في المئة من أراضي القطاع وفقاً لما يسمى “خطة السلام لإنهاء حرب غزة” التي أعلنها البيت الأبيض في أيلول/ سبتمبر 2025، وبحسب الخرائط المبدئية للاتفاق في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 كحدود لسيطرة الجيش الإسرائيلي. قبل أن يتّضح لاحقاً، بعد تحليل الخرائط، أن هذا الخط يقتطع 58 في المئة من أراضي القطاع، وقبل أن تستمر عملية القضم التدريجي لتصل إلى 63 في المئة من أراضي القطاع، وليرتسم خطٌّ جديد سمّي “الخط البرتقالي”، مع عدم وجود أي نيّة إسرائيلية للانسحاب، وفي حين يتكدّس أكثر من مليوني نسمة من سكان القطاع في المساحة المتبقية من الجانب الغربي للقطاع، والتي تبلغ قرابة الـ37 في المئة من مساحته الإجمالية.

تستنسخ إسرائيل حالياً “نموذج غزة” في جنوب لبنان، وأيضاً في جنوب سوريا لكن على نطاقٍ أصغر، إذ تتعامل مع جنوب لبنان وسوريا كمنطقة أمنية واحدة، متبعةً سياسة القضم والتوغل التدريجي نفسها. فبعدما أعلن الجيش الإسرائيلي عن “الخط الأصفر” وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني، كـ “منطقة عازلة” يُمنع سكان البلدات الواقعة فيها من الدخول إليها، بدأت القوات الإسرائيلية بالتقدم تدريجياً لفرض واقع ميداني جديد يتجاوز هذا الخط، تمهيداً لترسيم حدود عسكرية جديدة على غرار “الخط البرتقالي” في غزة، ما يقلّص الآمال بانسحابٍ إسرائيلي محتمل خلافاً لكل الوعود الأميركية المرتكزة على “إعلان النيّات” اللبناني-الإسرائيلي.

وتتقلّص الآمال بانسحابٍ إسرائيلي أكثر فأكثر، إذ يصرّ الوفد الإسرائيلي المفاوض في واشنطن على “حرية الحركة”، وتجاوز مفاعيل القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. هذا بالإضافة إلى طرح إسرائيل لإنهاء بعثة “اليونيفيل” بالكامل في مجلس الأمن، ومحوها العملي لـ “الخط الأزرق” الذي حدّدته الأمم المتحدة في عام 2000، ما يفرض إعادة تشكيل حدود لبنان الجغرافية، بما أن الحدود البرية الحالية غير معترفٍ بها دولياً بسبب عدم ترسيمها، واكتفاء حكومة نجيب ميقاتي بترسيم الحدود البحرية في عام 2022، وذلك بمباركة “حزب الله” وحركة “أمل” وبرعاية رئيس الجمهورية السابق ميشال عون وتوقيعه. فترسيم الحدود البحرية التي ضمنت “حق إسرائيل” باستخراج الغاز من البحر – على حساب لبنان أولاً – لم تكن تنازلاً في نظر سلطة الممانعة آنذاك، أما ترسيم الحدود البرية التي تضمن حق لبنان بحدوده الجغرافية فمسألة تُؤجَّل.

ولعلّ ما يساهم في تسريع الإيقاع الإسرائيلي هو استغلال التهديد النسبي المتمثّل بالمسيّرات المفخّخة كغطاءٍ إعلامي وسياسي لمواصلة التقدم، في حين تبدو الطريق معبّدة (نسبياً أيضاً) أمام القوات الإسرائيلية بسبب ضعف خطوط الإمداد وتقادم بنية الحزب الدفاعية الأساسية. إذ يروّج القادة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون لصورة “الجيش العاجز” أمام المسيّرات المفخخة، بهدف حشد المزيد من التأييد الداخلي، وتوظيف المزيد من الصمت الدولي، لاقتحام وتدمير أكبر مساحة جغرافية ممكنة في جنوب لبنان من جهة، وتحويل أنظار شعوب العالم، المتأثرة بنسبة أكبر بالسردية الإعلامية الإسرائيلية، عن حقيقة الإبادة العمرانية واقتلاع سكّان جنوب لبنان من أرضهم من جهة أخرى. فتبقى تلك الأنظار موجَّهة نحو الأضرار المحدودة التي تسببها المسيّرات المفخَّخة، بينما تُنفَّذ عمليات التفخيخ الفعلية على أكبر نطاقٍ جغرافي ممكن في الجنوب اللبناني.

وكلما زاد التركيز الإعلامي على “كارثة” المسيّرات، قلّ التدقيق في سرعة التقدم الإسرائيلي. ومن المرجّح أن يضيف الوفد الإسرائيلي مطلباً جديداً في مفاوضات واشنطن، وهو المطالبة بـ “حق إسرائيل” في تحييد مسيّرات “حزب الله”، وهو مطلب يستحيل تحقيقه عسكرياً من دون احتلال لبنان بكامله حتى أقصى شماله، وليس فقط جنوب لبنان، إذ سيستمرّ الحزب بإطلاق المسيّرات من مناطق جديدة. فإسرائيل تعمد إلى تعميم نموذج المسيّرات التي لا تصدُّ هجوماً ولا تمنع تدمير البلدات والبنى التحتية كتهديد وجودي لتبرير تمدّد عملياتها، وبالتالي تحويلها من سلاح استنزاف بيد “حزب الله” إلى ورقة ضغط لتسريع وتيرة الاحتلال.

ولم يكن هذا التحويل ليكون ممكناً لو امتلك الحزب منظومةً متكاملة لإدارة المسيّرات تشمل أنظمة وبنى تحتية دفاعية وصواريخ نوعية ودقيقة، فضلاً عن خطوط إمداد آمنة. فغياب هذه المنظومة يحوّل المسيّرات من سلاحٍ تكتيكي فعّال إلى سلاحٍ محدود التأثير على رغم الأضرار التي يتسبّب بها، على عكس ما نراه في أوكرانيا، حيث يمتلك الجيش الأوكراني منظومة دفاعية متكاملة، بل وبدأ بتعويض النقص البشري بالروبوتات المقاتلة، إلى جانب دعمٍ أميركي وأوروبي عسكري ومالي وسياسي كبير. وفيما ينشغل الخبراء الإسرائيليون بتضخيم قدرات “حزب الله” التكتيكية، يتغافل العالم بأسره عن الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على توسيع الاحتلال، ويتغافل جمهور “حزب الله” بدوره عن إعادة طرح سؤال جوهري يجب أن يستمر طرحه حتى النهاية: لماذا بادر “حزب الله” إلى إسناد طهران بحجة تصحيح المسار في لبنان، وقد ثبت بالملموس أنه لم يعد يملك منظومة دفاعية متكاملة؟

استدراج الجيش الإسرائيلي ليهاجم ويحتلّ المزيد من المناطق بسرعة أكبر بحجة إيقاف مصادر إطلاق المسيّرات، يُظهِر خللاً حقيقياً في الاستراتيجية التي يعتمدها “حزب الله”. إلا إذا كان الحزب يخبّئ مفاجآت كبيرة ويقوم بشكل متعمّد بعملية الاستدراج هذه. لكن حتى في هذه الحالة، فإن الفاتورة كبيرة جداً، ولا أعتقد أنّ المناطق التي وقعت تحت الاحتلال العسكري يمكن استرجاعها في المدى المنظور. وهذا قد يقود لبنان، في حال أراد استرجاع تلك الأراضي، وعدم تحوّلها إلى مستوطنات إسرائيلية مستقبلاً، إلى عملية تطبيعٍ بالإكراه مع إسرائيل، عملية يمكن أن تشمل “حزب الله” نفسه تحت ضغط قسمٍ كبيرٍ من قاعدته الجماهيرية التي خسرت كل شيء، ويمكن أن تشهد تحوّلاً متطرّفاً في وعيها الجمعي – وهو ليس بالأمر الإيجابي تماماً بالضرورة.

فلو افترضنا احتمال حدوث هجوم مضاد واسع من الحزب، وهو احتمال ضئيل لكن لا يمكن إلغاؤه حتماً، فما هو الثمن بالمقابل، بعدما توغّلت القوات الإسرائيلية بهذا العمق؟ وما هو الإطار السياسي الذي يمكن عبره ترجمة مثل هذا الهجوم المضاد مكاسبَ محققة في السياسة لمصلحة لبنان، في ظل الشرخ الحاد داخلياً، ومسار التفاوض الأميركي – الإيراني خارجياً، إذ يُترجَم التقدم الإسرائيلي في الجنوب ورقة ضغطٍ أميركية، فيما يُترجم إبطاء (وليس صدّ أو إيقاف!) هذا الهجوم ورقة ضغطٍ إيرانية، لتحقيق أهداف لا تمت الى مصلحة الجنوبيين بصِلة، مهما حاول المستوى السياسي في “حزب الله” التوفيق بين أهداف إيران ومصير جنوب لبنان؟

يعمل معظم خصوم “حزب الله” على قتل الآمال باسترجاع الأراضي المحتلة في جنوب لبنان بجميع الوسائل الممكنة، بينما يعمل معظم مناصري الحزب على بيع وهم “العبرة في الخواتيم” والإمعان في التضليل السياسي وتخدير المتضرّرين من الفاجعة بالوعود والمبالغات التي لا وجود لها على أرض الواقع. لكن ما هي محدِّدات الحد الفاصل بين الأمل والوهم، وأين يتحوّل الوهم إلى أملٍ حقيقي، وأين يظهر الأمل على حقيقته وهماً؟ هنا يجب أن يُقال إن العبرة في النتائج التي نلمسها ونراها كل يوم. فـ “الخواتيم” التي تمرُّ بتعبيد الطريق لمن يريد تدمير قرى الجنوب واحتلالها واقتلاع أهاليها منها تحت مسمّى “عدم التشبث بالجغرافيا”، وتمرُّ أيضاً بتقويض الدولة (على علّاتها وضعفها) وتثبيط كل جهدٍ ديبلوماسي (بدلاً من دعمه) عبر تصعيد العمليات بشكلٍ غير مفهوم وغير مجدٍ بالتزامن مع كل جولة تفاوضية، إلى جانب الخطاب المتطرِّف الذي لا صدى له على أرض الواقع مع كل محاولة للتقدم خطوةً واحدة إلى الأمام، كما تمرُّ بتأكيد الولاء لطهران في كل خطاب وعند كل اختبارٍ إقليمي، هي “الخواتيم” التي تُخفي جميع العوامل المؤسِّسة لأسوأ وأقذر عملية تطبيعٍ في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي.