في بحر من الرسائل المتناقضة التي يرسلها “حزب الله”، والأخبار الزائفة و”الملغومة” التي تتناقلها جيوشه الإلكترونية، يبرز اسم رئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام منذ أسابيع، كهدف أساسي وثابت لحملات تحريض ممنهجة، تتجاوز النقد السياسي لتدخل في منطق الشيطنة المجانية. حملات لا تهدف إلى الاعتراض على ممارسات سلطوية أو سياسات جائرة، ولا إلى تحطيم رموز زعاماتية مقابل إيجاد مشروع سياسي بديل، بل تسعى إلى صناعة عدوّ داخلي يشكّل تهديداً وجودياً، تارةً عبر التأجيج الطائفي، وتارةً أخرى عبر التخوين بالعمالة.
حتى صار لهذا “العدوّ” المفترض لقباً مقتبساً من شخصيّة وهمية في مسلسل “باب الحارة” تدعى “مأمون بيك”، وهو عميل فرنسي موكل بمهمّة التجسّس على “حارة الضبع”، أُعدِم لاحقاً على يد أهل الحارة. النوايا الكامنة خلف إصرار الجيوش الإلكترونية الحزبية على هذا التشبيه، بناءً على مصير “مأمون بيك”، تُثير التساؤلات حول ما يُحضَّر لتوجيه السلوك الجمعي، وردود فعل جزء من اللبنانيين تجاه استخدام القوّة المفرطة في المستقبل، اغتيالاً لشخصيات سياسية وأمنية كما حدث بين العامين 2004 و2012، أو هجمات لفرض السيطرة عبر القتل وإحراق المنازل والمتاجر كما حدث في عام 2008.
استنكر كثيرون بيان إدانة حملات الشيطنة التي تستهدف سلام من مواقع معارضة تقليدية للسلطة، ولهم كلّ الحقّ في ذلك، رغم أن البيان لا يبرّر للسلطة أي ممارسات بوليسية كما ادّعى البعض. فالدفاع عن رئيس سلطة تنفيذية، في أي ظرف كان، يطرح علامات استفهام أخرى حول ماهيّة المعارضة السياسية. لكنّ الأمر لا يتعلّق بأي سياق سياسي تقليدي تتصارع فيه سلطة ومعارضة تقليديتان، ولا يتعلّق حتى بشخص سلام نفسه، بل بالهدف السياسي غير المعلن وراء شيطنته، وترسيخ صورته “صهيونياً” في أذهان اللبنانيين، وجرّهم إلى وحول حرب طائفية تكثّف الحديث عنها، حتى وصل الأمر إلى التلويح بها على لسان الأمين العامّ لـ “حزب الله” نعيم قاسم.
لماذا يكون سلام صهيونياً، وهو المدافع عن الحقّ الفلسطيني طوال عقود حياته، سواء خلال حياته كيساري (غير حزبي) وكاتب في جريدة “السفير”، أو كقاضٍ في محكمة العدل الدولية، بعد أن وافق على تشكيل حكومة تبنّت تنفيذ اتّفاق ملزم لوقف إطلاق النار لم يكن هو طرفاً فيه، وعدم تنفيذه يعني عودة الحرب على أوسع نطاق، فيما يضع تنفيذه الحكومة اللبنانية في مأزق فعلي بسبب هشاشة الاتّفاق والثغرات الأمنية التي تعتريه. اتفاق أبرمه كلّ من رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ممثّلاً للأمين العامّ لـ “حزب الله” نعيم قاسم، فلِمَ لا يكون نجيب ميقاتي ونبيه برّي صهيونيين؟
بل أكثر من ذلك، لِمَ لا يكون رئيس الجمهورية جوزاف عون صهيونياً، وهو الذي أدّى خطاب القسم الدستوري الذي على أساسه صيغ البيان الوزاري لحكومة نوّاف سلام، وهو الذي يرعى شخصياً تنفيذ الاتّفاق نفسه، ويصرّح مراراً وتكراراً، ليلاً ونهاراً، بوجوب حصر السلاح بيد الدولة؟ في هذا السياق، يبدو أن استهداف نوّاف سلام لا يتعلّق بالاتّفاق، ولا بكيفيّة تنفيذه، بل حتى إنه لا يتعلّق بسلام نفسه.
في الحاجة إلى صناعة الأعداء
تتوالى الشواهد التي تُظهر كيف تُساق الادّعاءات من مصادر تقودها أجندة سياسية تحريضية، وكيف تُنشر أخبار ملفّقة أو مُفَسَّرة بطريقة تخدم هدفاً واحداً: تأليب الشارع الشيعي ضدّ حكومة سلام من جهة، وتأليب الشارع الطائفي ضدّ بعضه بعضاً من جهة أخرى. الملاحظ أن الحملة المستمرّة منذ شهور ليست عشوائية، رغم أنها انطلقت بشكل بدا عفوياً، في مقطع مصوّر لامرأة مناصرة لـ “حزب الله” تقود سيارتها وتهتف “صهيوني صهيوني نوّاف سلام صهيوني”، وتكمل “لعنة الله عليك صهيوني”، في شباط/ فبراير الماضي، بعد أسبوع واحد فقط على إعلان تشكيل الحكومة الجديدة.
إلا أن هتاف هذه المرأة تحوّل شيئاً فشيئاً إلى حملة شعبوية واسعة، تبدو منظّمة، بلغت أقصاها في 23 أيّار/ مايو الماضي، خلال مباراة لكرة القدم بين فريقي النجمة والأنصار في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية، حيث هتف المئات من مشجّعي نادي النجمة “صهيوني صهيوني نوّاف سلام صهيوني”.
أصدرت العلاقات الإعلامية في “حزب الله” حينذاك بياناً دانت فيه التعرّض لسلام بمثل هذه الهتافات: “إن الشعارات التي أُطلقت من على مدرّجات المدينة الرياضية، وتناولت رئيس الحكومة نوّاف سلام وتوجيه اتّهامات بحقّه مسألة مستنكرة ومرفوضة، وتتعارض مع المصالح الوطنية فضلاً عن الأخلاق الرياضية”.
لكنّ هذا البيان لم يغيّر شيئاً في واقع الأمر، لأنه يتضارب فعلاً مع الخطاب السياسي اليومي لـ “حزب الله”، رغم عدم تصويب سهامه مباشرة على سلام بهذا الشكل الحادّ. فالحزب يعتمد أساليب متقنة من التحريف والتلاعب بالسرد، وتضخيم حالة سلام السياسية الفردية، وتعميمها كاتّهام شامل عبر أذرعه الإعلامية المتنوّعة. فسلام في نظر الحزب يمثّل “الثغرة” أو نقطة الضعف التي يمكن التركيز عليها لضرب توازن النظام الحالي، وإعادة خلط الأوراق محلّياً، لعدم كونه زعيماً طائفياً يحظى بتأييد جمهور واسع من السنّة. لكنّ حسابات الحزب بشأن إزاحة هذا الرجل من موقعه عبر إجباره على تقديم الاستقالة، تبدو حتى الآن مخطئة.
اللافت أن مجموعات “الواتساب” التي تديرها الجيوش الإلكترونية التابعة للحزب، تعمل دون كلل ولا ملل على نكش ونشر مقاطع مصوّرة قديمة لبعض المغرّدين والمؤثّرين المتطرّفين يمينياً، ضمن أجواء حزبي “القوّات” و”الكتائب” اللبنانية، تحرّض على المسلمين عموماً. فبعد أن تمكّن الجيش اللبناني خلال النصف الأوّل من شهر آب/ أغسطس الحالي، من إفشال أهداف التصادم الطائفي بعد محاصرته ومنعه المَسيرات الدرّاجة الليلية للاحتجاج على قرار الحكومة حصر سلاح الحزب بيد الدولة، من الدخول إلى المناطق والأحياء البيروتية ذات الغالبية السنّية، ومناطق عين الرمانة وفرن الشباك والحدث ذات الغالبية المسيحية، تحوّل هدف الحملات إلى تحشيد الشارع الإٍسلامي كلّه، وخلق حالة انقسام إسلامية- مسيحية، بعد أن فشلت في خلق احتمالات سياسية وأمنية متعدّدة، عبر تحفيز حالات انقسام شيعية- سنّية وشيعية- مسيحية.
كان سلام هدفاً رئيسياً خلال هذه المَسيرات الدرّاجة أيضاً، حتى بلغ التحريض ذروته حين وُضعَت صور سلام على الأرض بجانب صور العلم الإسرائيلي، لتُداس بالأقدام. تكرّرت هذه الحادثة حتى وصل الأمر إلى طباعة لافتات موقّعة باسم “عشائر وعائلات الهرمل” تُبرز صورة لسلام وعلى جبينه نجمة داوود، وتعليقها في المنطقة، وكُتب عليها: “العميل لا طائفة له ولا ديانة”. استنكرت عشائر في بعلبك الهرمل واتّحاد جمعيات بعلبك الهرمل هذه الحادثة. فيما يستعدّ عدد من وجهاء العشائر لتقديم دعوى قضائية بحقّ الأشخاص المتورّطين في جرمي انتحال صفة والسعي إلى إشعال الفتنة، وذلك بحسب موقع “جنوبية”.
إقرأوا أيضاً:
التحريض الممنهج على سلام ليس حكراً على “حزب الله”
المضحك أن الحملة المستمرّة منذ شهور لـ”صهينة” نوّاف سلام وشيطنته، تزامنت مع انطلاق حملة أخرى من قِبل بعض القوى المسيحية اليمينية في نيسان/ أبريل الماضي. إذ شرعت الجيوش الإلكترونية لتلك الأحزاب في التحريض على سلام بسبب تاريخه اليساري، وكأن الانتماء إلى اليسار السياسي تهمة قائمة بذاتها تستدعي التشهير، بدلاً من أن يطال النقد طروحات معينة في مكان وزمان محدَّدين. كما ترافقت أيضاً مع محاولات لتأجيج الاحتقان والتحريض ضدّه داخل الطائفة السنّية عبر مؤثّرين وأشخاص مرتبطين بتيّار “المستقبل” سابقاً، ولفترة معيّنة عبر دار الإفتاء التي تعتبر سلام المناصر للقيم المدنية والعلمانية عائقاً أمام تدخّلاتها في النظام السياسي.
وفي يوم ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية في 13 نيسان/ أبريل 2025، نشر الأمين العامّ لـ”المؤتمر الدائم للفدرالية” ألفرد رياشي صورة، مدّعياً وقوف سلام بالزيّ العسكري خلف رئيس “منظّمة التحرير الفلسطينية” ياسر عرفات، كاتباً: “رفيق وزلمة محمّد الحسيني الملقّب بياسر عرفات، فتى فتح وفلسطين الأغر نوّاف سليم سلام”. علماً أن جريدة “النهار” تحقّقت من الصورة عن طريق ملتقطها، المصوّر رمزي حيدر، وتبيّن أن الشخص إلى جانب عرفات كان رئيس جهاز أمن الرئاسة الفلسطينية (قوّات الـ17) فيصل أبو شرخ. ورغم ذلك، لم يقدِّم رياشي الاعتذار، لأنه ببساطة كان مشاركاً في حملة سياسية منظّمة لشيطنة سلام، التي رغم استمرارها لفترة أقصر بكثير من الحملة التي ينظّمها “حزب الله” عبر جيوشه الإلكترونية ووجوهه الإعلامية، لكنّها لا تختلف في الجوهر: عملية شيطنة ممنهجة، بعيدة عن أدبيات الحياة السياسية الديمقراطية، وتمهّد لما هو نقيضها تماماً.
مناورة مزدوجة… ما الهدف منها؟
لستُ هنا في معرض استعراض التهم وسرد الأحداث، وسأتوقّف وأطرح سؤالاً مركزياً: ما هو هدف “حزب الله” من وراء الحملات ضدّ نوّاف سلام؟
الهدف الحقيقي بالطبع ليس نوّاف سلام شخصياً. الوسيلة المرئية حتى الآن هي تكثيف تعبئة الشارع الشيعي وإبقائه في حالة مستمرّة من التوتّر والاضطراب والتحشيد، وربما يلجأ الحزب إلى وسائل أخرى في المستقبل. أما الهدف الذي يتكشّف تدريجياً، فهو إسقاط حكومة سلام رغم قصر مدّة ولايتها، وهذا الهدف يتناسب مع مستوى الخطر التي تشكّله هذه الحكومة بالنسبة إلى الحزب، رغم أن الحزب نفسه، عبر حليفه برّي، هو الذي وضع الحجر الأساس لها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.
لا ترتكز مناورة “حزب الله” على معادلة “الشرطي الجيّد والشرطي السيّئ” فحسب، بل تمتدّ أيضاً إلى “المتّهم الجيّد والمتّهم السيّئ”. فعمليّة “خلق العدوّ” في منظور الحزب تطوّرت دينامياتها إلى درجة أنها لم تعد تكتفي بفرض تعقيدات ذاتية معيّنة، ثم إخضاع الخصوم على نحوٍ مباشر عبر استخدام القوّة مثلما حدث في العام 2008، بل تحاول أيضاً أن تصنع سياقاً موضوعياً متكاملاً، تُلقي القوّة الذاتية بثقلها عليه لتوجيهه في هذا الاتّجاه أو ذاك.
كما يتبادل “حزب الله” الأدوار مع حركة “أمل” في التصعيد والتفاوض، والتسخين والتبريد، فإنه يتعامل بمرونة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، مقابل تعامله برعونة مع رئيس الحكومة نوّاف سلام، رغم أن الرجلين يحملان الخطاب نفسه، ويتبنّيان الأهداف نفسها في السياسة والأمن في خطابي القسم الدستوري والبيان الوزاري، ويتناغمان في حركتهما السياسية إلى درجة لم يشهد لبنان مثيلاً لها بين الرئاستين الأولى والثانية منذ زمن بعيد.
لا تقتصر الإشارات المختلطة التي يرسلها الحزب على صناعة التناقضات على هذين المستويين فحسب، بل تشمل خطابه السياسي الذي يتناقض بشكل كبير مع سلوكه الأمني. خطاب الحزب المفعم بالتحريض على الرئيس سلام، الذي يمكن أن يولّد سياقاً أمنياً جديداً يتّسم بالعنف بدوره، في حال وصول جمهور الحزب المُعبّأ إلى نقطة الغليان، يقابله سلوك أمني بالغ المرونة وتعاون متزايد مع وزارة الدفاع وقيادة الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية. فالمعلومات الأمنية، من مصادر متعدّدة، تشير إلى تطوّر تعاون الحزب مع الدولة اللبنانية في مسألة تسليم السلاح.
رهان الحزب عبر إغراق الناس في الأوهام والأخبار الكاذبة من جهة، ورمي كرة النار التي صنعها وأشعلها بنفسه بين يدي سلام من جهة أخرى، يتمحور حول هدف إسقاط السلطة التنفيذية. في المقابل، هناك رهان آخر، يتّصل بمرحلة لاحقة متخيّلة، يعزّزه تعاون الحزب مع عون، الهدف منه إعادة تشكيل السلطة التنفيذية. وكأن العبث في زواريب وترتيبات السياسة المحلّية، واعتماد تكتيكات المماطلة وإعادة لبنان إلى دوّامة الفراغ التنفيذي، تُبطِل الخطر الإسرائيلي، أو تُلغي مفاعيل الاتّفاق الذي صاغه الحزب عبر حلفائه، أو تُعيد عقارب الساعة إلى الوراء عبر إقامة توازن دقيق جديد بين الهيمنتين الإيرانية والأميركية، وتحول دون هيمنة الولايات المتّحدة المباشرة والكلّية على لبنان.
“حزب الله” يلعب في الوقت الضائع، واللبنانيون لم يعد لديهم ترف الوقت.












