شهدت نيبال في الثامن من أيلول/ سبتمبر 2025، إحدى أسرع الثورات السياسية وأكثرها إثارة للجدل في العصر الحديث. لم تكن مجرّد انتفاضة غاضبة، أو موجة عابرة من الاحتجاجات، بل كانت ثورةً خاطفة، شبه متكاملة المعالم، ذات بعدٍ سياسي مباشر، عبّرت عن نفسها بوضوح من خلال تنظيم عملية انتخابية مباشرة وتشكيل حكومة جديدة عبر تطبيق مخصّص لمجتمع لاعبي ألعاب الفيديو (Gaming Community) يسمى “ديسكورد” (Discord)، وحوّلته إلى أداةٍ تشبه أدوات التنظيم المجالسي في مواجهة الآليات الدولتية لإعادة إنتاج السلطة، وإلى وسيلة فعالة لممارسة الديمقراطية المباشرة في مواجهة الديمقراطية التمثيلية.
انتزعت أحداث نيبال مفهوم “العنف الثوري” من قبضة التيارات اليسارية الفئوية والفوضوية، وأعادته إلى الميدان الاجتماعي كفعلٍ متّصلٍ بالوعي الجمعي، يتخذ طابعاً جماهيرياً في لحظة تاريخية حاسمة، ويؤدي إلى تغييرات بنيوية هائلة بأقل خسائر بشرية ممكنة (72 قتيلًا و2113 جريحًا بحسب آخر إحصاء رسمي). فكلما اتّسع نطاق الحراك الثوري ليشمل صفوف القوات النظامية والأمنية وعائلاتها، قلّت الخسائر. ويرتبط هذا النوع من العنف في ممارسته بجوهر المجتمع ذاته، وليس بتصوّرات نخبوية أو إرادوية لأفراد أو تنظيمات، يثمر “نضالها العنفي” عادةً في تحفيز ديناميات الثورة المضادة، وإطلاق يد الدولة البوليسية على حساب ولادة أو نضج أو تثوير أي حراكٍ سياسي أو اجتماعي، بدلًا من تفعيل سلسلة متخيّلة من الأحداث الثورية.
تاريخ طويل من الاضطرابات السياسيّة
كانت حكومة خادجا براساد شارما أولي (المعروف باسم كيه بي شارما أولي، 73 سنة)، التي أسقطها شباب “الجيل زد” بعد أيام من إعلانها حظر 26 موقعاً ومنصة تواصل اجتماعي، هي الحكومة الرابعة عشرة في نيبال خلال ستة عشر عاماً فقط؛ في سلسلة متعاقبة من الأزمات التي حالت دون استقرار الحكم واستمراريته، إذ تعاقبت الحكومات بشكل متسارع من دون أن يتمكن أي منها من إكمال مدته الدستورية.
لم تكن ثورة “جيل زد” حدثاً معزولاً، بل كانت تتويجاً لتراكم تاريخي من الصراعات السياسية والاجتماعية في بلد يعاني من عدم الاستقرار منذ إسقاط نظام الحكم الملكي على مراحل، بعدما فرضت المعارضة الماوية نفسها على المشهد السياسي في عام 2006، وتمكنت من إنهاء الحرب الأهلية وتأسيس جمهورية نيبال عبر اتفاق سلام مع الأحزاب الحاكمة، انضمت على إثره إلى السلطة. وسلّم “جيش تحرير الشعوب الماوية” سلاحه ليتحوّل الماويون إلى العمل الحزبي السياسي السلمي، إلى حين أُعلِنت نيبال جمهورية اتحادية فدرالية في عام 2008.
ومذّاك، شهدت نيبال تحالفات مستمرة بين الخصوم (شيوعيون وملكيون دستوريون وليبراليون وقوميون هندوس) وانقسامات مستمرة بين الحلفاء، إلى درجة أن الشيوعيين أنفسهم بادروا إلى تأسيس الكثير من الأحزاب الشيوعية بعد انشقاقات عن الأحزاب الشيوعية الكبرى. فالكيانات السياسية التي تحمل اسم “شيوعي” أصبحت تُقدَّر بعشرات الأحزاب منذ عام 2006.
على رغم أن جميع القوى السياسية النيبالية تتبنى النظام الجمهوري الديمقراطي، ولا تتصارع حول السياسات الكبرى، فإن عدم وجود تقاليد ديمقراطية راسخة في نيبال منذ إسقاط نظام الحكم الملكي يدفع بها الى التنازع حول المناصب والسلطات بشتى الأساليب الانتهازية، متلطّيةً خلف شعارات أيديولوجية مختلفة، وناسجةً تحالفات هشّة لا تلبث أن تتلاشى بعد فترة قصيرة.
لا بد من تحليل الأحداث الأخيرة كنتاج صيرورة تاريخية تعكس التناقضات الكامنة في البنية السياسية-الاجتماعية النيبالية، حيث لا يمكن استبعاد عوامل البطالة والتضخم والتهميش الاجتماعي في إثارة الانفجار الشعبي، على رغم أن المحفّز المباشر كان حظر الحكومة مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت بدورها بمثابة ضرورة حياتية؛ إذ إن دورها يتعدى كونها أداة ترفيه أو تعبيرٍ أو تواصل أو بناء علاقات اجتماعية، بل أصبحت تشكّل مصدرًا للمعلومات والأخبار، ووسيلةً للتسويق والتجارة تستفيد منها الشركات الكبيرة والصغيرة على حد سواء، إضافة إلى الأفراد الذين يديرون الأعمال الصغيرة. قرار حظر تلك المنصات والمواقع حوّل ما لم يُحظَر منها بشكلٍ تلقائي إلى سلاحٍ للتغيير السياسي.
إقرأوا أيضاً:
الديمقراطيّة المباشرة تطلّ برأسها من نيبال
ما حدث في نيبال هو استعادةٌ للمعنى، على يد جيلٍ فقد المعنى، ليس في نيبال وحدها، بل حول العالم. يتنافس “الجيل زد” (المولود بين 1997-2012) مع “جيل الألفية” (المولود بين 1981-1996) على موقع أكثر الأجيال تحصيلاً للعلم في التاريخ، مع ارتفاع معدلات التخرج من المدرسة الثانوية ومعدلات الالتحاق بالجامعة مقارنة بالجيل الأسبق “إكس” (المولود بين 1965-1980).
في الوقت نفسه، هو الجيل الأقل استقراراً، في ظل معدلات البطالة المرتفعة، وظروف العمل التي تزداد صعوبة، وتراكم الديون، والعجز عن تحقيق الاستقلال المادي وشراء المنازل والتمتع بحياة شبه مستقرة، بالإضافة إلى وراثته عالماً يضجّ بالأزمات المتفاقمة على جميع المستويات، من الاقتصاد والسياسة والأمن وصولاً إلى التغيرات المناخية الحادة. لذلك، يجب التوقف عند هذا الحدث؛ فهو يحمل في ثناياه بذور مستقبل “جيل ألفا” (المولود بين 2013-2025) وكيف سترتسم ملامح الفعل السياسي الرقمي في العالم لعقود مقبلة.
نجح شباب “جيل زد” في إسقاط الحكومة النيبالية وإجبار رئيسها على الاستقالة بعد أيام من الاحتجاجات العنيفة. لكن الأكثر إثارة هو الطريقة التي استخدمها هؤلاء الشباب بعد الإطاحة بالحكومة، إذ لجأوا إلى تطبيق “ديسكورد” لتنظيم عملية انتخابية مباشرة وانتخاب الرئيسة السابقة للمحكمة العليا في نيبال شوشيلا كاركي (73 سنة) رئيسةً مؤقتة للوزراء، والتي تعهدت بتسليم الحكم بعد 6 أشهر، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ نيبال، في تجربة فريدة أعادت تعريف مفهوم الديمقراطية المباشرة في العصر الرقمي.
منذ تجربة الديمقراطية الأثينية في المجتمع اليوناني القديم، التي جسّدت أولى محاولات الحكم المباشر عبر تجمّع المواطنين في الساحة العامة (الأغورا) لمناقشة القرارات المصيرية، إلى نموذج كومونة باريس التي حاولت إعادة توزيع السلطة من الأسفل إلى الأعلى قبل تعرّضها للقمع الوحشي، وتجارب المجالس العمالية والمحلية في عددٍ من ثورات القرن العشرين، ظل حلم الديمقراطية المباشرة يطارد الأنظمة التمثيلية كنوع من ذاكرة الشعوب التاريخية.
هذه هي الذاكرة التي استحضرها “جيل زد” في نيبال على نحوٍ صادم، عبر محاكاة أساليب النضال الديمقراطي التاريخية من خلال تكييفها مع المنصات الرقمية. وفي لحظة تاريخية، تحوّل تطبيق “ديسكورد” إلى مساحةٍ للتنظيم والإدارة والتشاور الجماعي المباشر والاستفتاء الشعبي والتصويت الفوري، مساحة تتخطى آليات الديمقراطية التمثيلية البطيئة. إذًا، أثبت “جيل زد” أنه يملك أدواته الخاصة التي يستطيع من خلالها إعادة تعريف السياسة كممارسة جماعية، وإعادة تكوين السلطة من أسفل، على رغم أن الأداة نفسها كانت، قبل زمنٍ قصير، مجرّد منصة لتمضية الوقت في نشاطات غير هادفة وغير منتجة وغير مؤثرة في الواقع السياسي. وهنا بالذات تكمن قوة الإرادة السياسية الجماعية: في قدرتها على تحويل أداة محايدة إلى سلاح تغييرٍ جذري يخلق واقعاً جديداً.
إعادة تعريف العنف: نيبال نموذجاً
فتحت ثورة “الجيل زد” باباً حقيقياً للمرة الأولى في تاريخ نيبال الحديث لتجاوز بنية النظام النيبالي القديم، البنية التي تراكمت التناقضات الكامنة فيها ولم يتم تجاوزها بشكلٍ كامل منذ إعلان إسقاط الحكم الملكي. غير أن هذه التراكمات أدّت إلى انفجارٍ كبير غير متوقع، بخاصةً بعد استخدام العناصر الأمنية القوة المفرطة في موجة القمع الأولى ضد عشرات الآلاف من المتظاهرين في اليوم الأول من اندلاع الاحتجاجات، ما أسفر بحسب التقارير الرسمية عن مقتل 30 شخصاً وإصابة المئات بجروح.
كانت تلك اللحظة مفصليّة: إما اتساع موجة القمع ودخول نيبال في حالة من التجاذب الشديد، تسمح للنظام بصياغة سردية إعلامية تصوّر المحتجين كإرهابيين أو مجموعات من البلطجية، وتتيح له استخدام قوانين استثنائية مثل إعلان حالة الطوارئ لإطلاق حملات اعتقال واسعة كما حدث في احتجاجات “جيل زد” في كينيا في يوليو/ تموز الماضي، بالإضافة إلى إثارة النعرات وبث الأكاذيب لتقسيم صفوف المحتجين، وطلب التدخلات الخارجية الاقتصادية والأمنية من الأنظمة المجاورة؛ وإما استجماع المجتمع النيبالي كل قوته واكتساحه المشهد في موجة عنفٍ مضاد، اتخذ طابعاً ثورياً فعلياً، أي جماهيرياً، قادراً على الحسم الفوري ومنع البلاد من الانزلاق إلى فخ الحرب الداخلية، كما قطع الطريق أمام التدخلات الخارجية، بخاصة من الصين والهند حيث لنيبال أهمية جيوسياسية كبيرة لهما.
لم تكن موجة العنف المضاد، الثوري، وليدة مصادفة، أو استجابة لدعوات القيادات المنظِّمة للتحركات، بل كانت نتيجة حتمية لتفاقم التناقضات الداخلية ووصولها إلى ذروتها. فحتى لو لم تكن هناك دعوات لممارسة العنف، لم يكن أمام المجتمع النيبالي سوى الرد على موجة عنف النظام بموجة عنفٍ كاسحة، لم تقتصر على إضرام النيران في مبنى البرلمان والقصر الرئاسي والمقار الحكومية في العاصمة كاتماندو، بل امتدت إلى إحراق منازل الوزراء ومطاردتهم في الشوارع. ذلك بسبب اتساع نطاقها، حيث وقفت القوى الأمنية عاجزةً أمامها وسلّمت بأمرٍ واقعٍ جديد. وكذلك بسبب دروس كينيا التي لم يمض وقتٌ طويل عليها.
على رغم أن الكثير من المشاهد التي تواردت يمكن للمراقب من بعيد أن يعتبرها اعتداءات عنيفة من المتظاهرين، وخشونة لا ضرورة لممارستها، وهذا الأمر صحيح، وكان يجب تفاديه في حالات عدة، لكن أمواج التسونامي البشرية التي ضربت نيبال ولّدها زلزال تحت باطن المجتمع، ولم ترتفع بهذا الشكل من تلقاء نفسها. هذه الأمواج حرّكتها وقائع مادية، لا أفكار وتصوّرات أيديولوجية. ولهذا السبب بالذات، فإن ما حدث هو خلاصة ما جنته أيادي الحكومات النيبالية المتعاقبة، ومحفّزه الرئيسي في لحظة زمنية محددة كان القمع البوليسي غير المبرّر، وليس ما أراد المجتمع النيبالي فعله عن سابق تصميم.
هذا التغيير الحاسم لا يُقاس بسرعته الزمنية فقط، بل بمدى جوهريته. وكانت العملية الانتخابية المباشرة على تطبيق “ديسكورد” دليل على تجاوز الجيل النيبالي الشاب أزمة ثقافة الاحتجاج، وتلمّسه عبر الممارسة آفاق المستقبل وكيفية فرض فترة انتقالية سلمية لإعادة تشكيل البنية الاقتصادية-الاجتماعية من دون الوقوع في مأزق التصعيد أو المهادنة من دون برنامج، ومن دون انتظار قيادات حزبية لتقرير المصير، إذ تحوّلت المنصات الرقمية إلى أداة تنظيمٍ حزبي بحد ذاتها، على رغم أن فعاليتها غير مضمونة على المدى الطويل. على هذا الأساس جاء انتخاب كاركي لقيادة الفترة الانتقالية، لتوضع أمام اختبار مدته 6 أشهر.
هل نحن أمام تحوّل نوعي في أساليب النضال السياسي؟
بهذا، لا تمثّل أحداث نيبال الأخيرة مجرد صفحة أخرى في سجلّ الاحتجاجات العابرة، بل تُشكّل نقلةً نوعية في مفهوم النضال السياسي ذاته، ونقطة تحول مفصلية في التاريخ الحديث. لذلك، يجب إيلاؤها أهمية استثنائية؛ فهي تمثّل تحولاً طارئاً في كيفية تعامل “جيل زد” مع القضايا السياسية، وتحولاً آخر على مستوى أدوات العمل السياسي.
حوّل شباب “جيل زد” في نيبال شاشات هواتفهم إلى منصات للنضال، وأظهروا للعالم أن التغيير السياسي لم يعد حكراً على التنظيمات التقليدية أو القيادات التاريخية.
بالطبع، لا تزال هذه التجربة هشّة، إلا أنها ستترك بصمة لا تُمحى؛ إذ أثبتت أن التقاء الإرادة الصلبة والعفوية الجماهيرية مع الأدوات الرقمية يمكنه إحداث تغييرات عميقة في بنية العمل السياسي ذاتها، وليس فقط في بنية النظام السياسي: من التنظيم الهرمي إلى الشبكي، ومن الزعامات الكاريزمية إلى النضال الجماعي، ومن الصراعات الانتهازية على السلطة إلى إعادة تعريفها بشكلٍ جذري.
هذا المزج بين العفوية الجماهيرية والدقة التنظيمية الرقمية لانتزاع شرعية جديدة من قلب الفساد والفوضى، برهن أن الديمقراطية المباشرة قابلة للتطبيق على نطاق واسع. والتحدي القادم هو تحويل هذه اللحظة الثورية إلى تحوّلٍ دائم، وعدم الاكتفاء بنسخ التجارب، بل تعلّمها تزامناً مع فهم قواعد اللعبة في كل بلدٍ على حدة، فلكل بلدٍ ظروفه الخاصة، ولكل شعبٍ طرقه الخاصة.
إقرأوا أيضاً:












