ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ها أنا ذا حرة… فماذا أنا بفاعلة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

جلّ ما كنت أتشبّث به منذ نعومة أظفاري هو: “كيف أعيش حرة”، وها أنا ذا “حرّة”. لكن ثمن هذا القرار باهظ وبعيد عن “السهولة والفرفشات” أميالاً، بل سنوات ضوئية. يبدو المشهد سوداويّاً، لكنه ليس كذلك. هي حقيقة أن تكون موجوداً وحدك في عالم شاسع وخيارات وقرارات لا تعدْ ولا تحصى.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مضت سنوات خمس منذ خروجي من منزل أبي، كنت في نهاية الواحد والعشرين من عمري. بدأت بعدها ما سمّيته بـ”الحياة المستقلّة”، مدخول محدود ، تعب وإرهاق لا يُحتملان، لكن كنت في أوج سعادتي لتجربتي “الحرية”. 

لم أكن أدري هول المسؤولية التي سترتمي على عاتقي. أن تختاري المنزل والطعام، أن تختاري الملابس والكتب، أن تختاري الاختلاط مع البشر من عدمه، أن تختاري الخوض في مغامرة ما أم تبدئين مهنة جديدة، أن تبكي وما من أحد يسمعك، أن تعودي إلى المنزل متى تشائين، أن تشربي الكحول أو تسعفي نفسك بالمهدئات، أن تصلي أم لا.. كثير من القرارات التي لم أفكّر بها حتى واجهتها ولمستها. صفعات واحدة تلو الأخرى، من اختبار الوحدة، العزلة، الصمت والفراغ، جلّ ما كنت أتشبّث به منذ نعومة أظفاري هو: “كيف أعيش حرة”. وها أنا ذا “حرّة”. لكن ثمن هذا القرار باهظ وبعيد عن “السهولة والفرفشات” أميالاً، بل سنوات ضوئية. يبدو المشهد سوداويّاً، لكنه ليس كذلك. هي حقيقة أن تكون موجوداً وحدك في عالم شاسع وخيارات وقرارات لا تعدْ ولا تحصى. 

الاغتراب

عدتُ من بيروت منذ قرابة الأسبوعين، لم أستطع البقاء وحيدة تماماً بعيداً عمن قد يساندني وقت تعبي العظيم، اضطررت إلى الذهاب إلى المستشفى بسبب عوارض جانبية لدوائي الجديد، لكن في الرابعة صباحاً، لم يكن هنالك أحد لينتشلني سوى الصليب الأحمر. كم وجدت نفسي ضعيفة ووحيدة. هكذا أردت انتقالي إلى منطقة قريبة من عملي وبعيدة عن المحيط السابق، أخي في طرابلس، أي ساعة ونصف السعاة بعيداً إذا ما أملت بمساندته لي في الحركة. قررت العودة إلى طرابلس واستئجار مكان أقرب منه، عليّ قطع هذه الحقبة المريرة  مع الدواء الكريه الجديد. ما زلت لا أشعر أنني في “مكاني”، وهنا الياء للملكية، أن تكون لي، “مساحتي”. مساحة لي، أقوم فيها “بما يحلو لي” في وقت فراغي. حتى في بيروت لم أشعر “بمكاني”. أيسمّى هذا تشرّداً ضمنياً؟ أم عزلة عن المحيط والنفس؟ اغتراب عن الذات والمحيط؟

العزلة عن الذات وعن الآخر، تتجلّى معي في الجموع. أجدني معهم ولست معهم، وأتساءل: “أيشعرون بما أشعر به؟”. لكن حتى الاغتراب عن نفسي يتجلّى بشكل أوضح عندما أكون وحدي. أتوه في الوقت الذي لا أعمل فيه، أسئلة تتداخل بسرعة في مخي العفن لا أجوبة لها، أحاول اللحاق بها لأفكّها شيئاً فشيئاً، لكن تضيع مع كل لحظة، فلا تتيح لي الوقت للإجابة أو حتى كتابتها، فأذهب وأبتلع الفاليوم فتصبح الأسئلة بطيئة لكن ضبابية وغير واضحة. وهكذا تدور بي الحال. أحياناً حتى أستطيع أن أتشارك مع رأسي، أبدأ بالكتابة، علّي أفقه قليلاً من حالي، أقول “لديّ مقال لأكتبه”. حسناً، لا بأس. هذا ما يحدث الآن، سلّمت المفاتيح لأصابعي. أكتب. علّي أن أجد طريقة أفهم بها ماذا أشعر. الـ”ماذا” فقط حاليّاً، فهي تتطلب الوقت والجهد لفهمها، والـ”لماذا” تأتي بعدها، فهي تعزز من هذا الصراع الداخلي وفورة الشعور بعدم الانتماء. لكن حتى هذه، فيها غصّة، فصعوبة تجميع فتات المشاعر بأحرف متراصّة، علّي أراني فيها، جهد فردي جهيد. قلت: “لا بأس أيضاً. لنشترِ الوقت”. 

الفراغ 

استيقظت صباح اليوم بحال من القلق العظيم. هل أسمّيه هلعاً؟ لا يهم. لم أنم جيداً. تأتي هذه الحالات في بعض الأيام عند الاستيقاظ، وأيام أخرى في النهارات حيث لا تكون للنوم صلة به. اليوم الثالث في العمل بدوامين، أي 14 ساعة في 3 أيام متواصلة. هناك تعب لا شك. لكنه أكثر سهولة من الفراغ. كيف يواجه الناس فراغاً داخلهم؟ كيف يكون الشعور بالراحة، بالسكينة؟ الوقت الذي أعمل فيه دواماً واحداً، أي 8 ساعات، أظنه من أصعب الأوقات، فهنالك 8 ساعات غير النوم عليّ أن أملأها بشيء ما. شيء ما لي. هكذا يقول صديقي لي دائماً. ما هو “شيء لي”.

فراغ من الداخل واغتراب مع المحيط لا أستطيع الهروب منهما. معالجتي تراه سبباً من الأسباب أو نتيجة حتمية مؤقتة للمهدئات والحبوب التي أبتلعها 3 مرات يومياً، لكنني لا أظن ذلك. يشعرني روتين تناولها بالصلاة، ثلاث مرات. لكن لا راحة معها… في المدوّنة السابقة كانت الأمور سوداء، أظنها الآن رمادية، أحب اللون الرمادي، أيضاً تقع في منتصف الأشياء، أراني مرمية في عالم لم أُسأل عن قبولي بالمجيء إليه، رغم ذلك عليّ البقاء فيه، ويفعل الناس في غالبيتهم المستحيل للبقاء على قيد الحياة. لكن لماذا؟ 

طنين ذباب على طول مسافة الطريق الى المطبخ لتحضير القهوة، هذا الذباب هو “لماذا لا أزال هنا؟ ما هذا؟ اللعنة”، يوم روتيني يأتي بين خيارين دائماً، القفز أم البدء من جديد. وها نحن ذا يا صديقي نبدأ من جديد. 

في غربة حتمية بين جموع تتماشى بضبابية حولي وأنا في طريقي الى القهوة قرب منزلي، لا أرى أوجهاً، وكأن فراغي ينعكس ضباباً على أوجه الناس، أراهم صامتين وصارخين في الوقت نفسه.

المعنى

خضت في حديث قصير لكن عميق مع صديقي لدقائق عن “المعنى” و”الاغتراب” وبشكل أوتوماتيكي عن “الوحدة والفراغ” اللذين نتشاركهما، في محيط كلّ ما فيه غير “طبيعي” بالمعنى التقني.

صديقي، كرهت رائحة عفن المدن جمعاء، لا أشتم رائحة الحرية رغم انتفاضي من أجلها مذ كنت في التاسعة من عمري. صديقي، الرغبة في الحرية لا تزال، كانت سابقاً أن أخرج من المنزل وأن أرتدي ملابس أختارها أنا وأن أعاشر الناس الذين أريد أنا أن أعاشرهم، لكن الحرية الآن يا صديقي هي نفسي. أريد أن أتحرر من نفسي وأخرج من ذاتي التي لا أستطيع إيجادها. صديقي أنا خائفة من اللاشيء الذي أشعر به تجاه الخارج. أريد الانتفاض ولا أعرف من أين أبدأ. في هذا الواقع القذر، يحتاج المرء إلى آليات معينة يدافع فيها عن نفسه إزاءها، لكن قذارته في هذه الأزمة تحديداً، تريد جلداً سميكاً وعملاً دؤوباً، وشتّان ما بيني وبينهما.

العالم قاس، صديقي إن كان الله موجوداً فهل يرى ويسمع حقاً؟ هل يشعر بكل ما فينا من يأس وقلق وخوف ووحدة واغتراب؟ صديقي تعبت من الانتفاض لفترة، وما زلت متعبة. لم يكن خلعي الحجاب انتفاضة على الأديان جمعاء، بل على نفسي. أردت نفساً جديدة بعيدة عمّا صُقلتُ لأكونه. صديقي هل أنا سائحة في هذا العالم فقط؟ أزوّارٌ مرغوبون أم غير مرغوبين؟ فبصدق لا أشعر بأنني مرغوبة هنا. 

إلهي إن كنت معي فماذا أنا بفاعلة؟ إلهي الساعة الثانية صباحاً الآن وجلّ ما فيّ الألم. الألم طاغٍ. قليل من القلق والخوف والغضب، لكن الألم وحده طاغٍ على كل ما سبق. تذكرت دعاء كان يقوله والدي: “إلهي أنت تعلم كيف حالي، فهل يا سيّدي فرج قريب؟ فيا ديّان يوم الدين فرّج، هموماً في الفؤاد لها دبيب…”. أراني أتذكّره وأبكي حالي. فمن أناجي؟ فها أنا الآن “حرّة” لأناجي من أشاء، لكن ما الذي يعنيه أن تكون حرّاً؟ لا أرى سوى الفوضى، أن تقف وحيداً أمام اللامعنى، أن تبني معنى خاصاً بك نوعاً ما. أن تختار مواجهة الوجود في كل ثانية، أن تواجه قسوة الواقع وسوداويته، أن تبقى عالقاً في معارك لا تنتهي مع نفسك ومع هذا العالم المقزز. الحرية هي رحلة شاقة من محاولة فهم ماهية الذات، وفي نهاية المطاف هي مسؤولية تامة عن “نفسك”.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

لماذا تربكني الراحة؟

أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
02.11.2024
زمن القراءة: 5 minutes

جلّ ما كنت أتشبّث به منذ نعومة أظفاري هو: “كيف أعيش حرة”، وها أنا ذا “حرّة”. لكن ثمن هذا القرار باهظ وبعيد عن “السهولة والفرفشات” أميالاً، بل سنوات ضوئية. يبدو المشهد سوداويّاً، لكنه ليس كذلك. هي حقيقة أن تكون موجوداً وحدك في عالم شاسع وخيارات وقرارات لا تعدْ ولا تحصى.

مضت سنوات خمس منذ خروجي من منزل أبي، كنت في نهاية الواحد والعشرين من عمري. بدأت بعدها ما سمّيته بـ”الحياة المستقلّة”، مدخول محدود ، تعب وإرهاق لا يُحتملان، لكن كنت في أوج سعادتي لتجربتي “الحرية”. 

لم أكن أدري هول المسؤولية التي سترتمي على عاتقي. أن تختاري المنزل والطعام، أن تختاري الملابس والكتب، أن تختاري الاختلاط مع البشر من عدمه، أن تختاري الخوض في مغامرة ما أم تبدئين مهنة جديدة، أن تبكي وما من أحد يسمعك، أن تعودي إلى المنزل متى تشائين، أن تشربي الكحول أو تسعفي نفسك بالمهدئات، أن تصلي أم لا.. كثير من القرارات التي لم أفكّر بها حتى واجهتها ولمستها. صفعات واحدة تلو الأخرى، من اختبار الوحدة، العزلة، الصمت والفراغ، جلّ ما كنت أتشبّث به منذ نعومة أظفاري هو: “كيف أعيش حرة”. وها أنا ذا “حرّة”. لكن ثمن هذا القرار باهظ وبعيد عن “السهولة والفرفشات” أميالاً، بل سنوات ضوئية. يبدو المشهد سوداويّاً، لكنه ليس كذلك. هي حقيقة أن تكون موجوداً وحدك في عالم شاسع وخيارات وقرارات لا تعدْ ولا تحصى. 

الاغتراب

عدتُ من بيروت منذ قرابة الأسبوعين، لم أستطع البقاء وحيدة تماماً بعيداً عمن قد يساندني وقت تعبي العظيم، اضطررت إلى الذهاب إلى المستشفى بسبب عوارض جانبية لدوائي الجديد، لكن في الرابعة صباحاً، لم يكن هنالك أحد لينتشلني سوى الصليب الأحمر. كم وجدت نفسي ضعيفة ووحيدة. هكذا أردت انتقالي إلى منطقة قريبة من عملي وبعيدة عن المحيط السابق، أخي في طرابلس، أي ساعة ونصف السعاة بعيداً إذا ما أملت بمساندته لي في الحركة. قررت العودة إلى طرابلس واستئجار مكان أقرب منه، عليّ قطع هذه الحقبة المريرة  مع الدواء الكريه الجديد. ما زلت لا أشعر أنني في “مكاني”، وهنا الياء للملكية، أن تكون لي، “مساحتي”. مساحة لي، أقوم فيها “بما يحلو لي” في وقت فراغي. حتى في بيروت لم أشعر “بمكاني”. أيسمّى هذا تشرّداً ضمنياً؟ أم عزلة عن المحيط والنفس؟ اغتراب عن الذات والمحيط؟

العزلة عن الذات وعن الآخر، تتجلّى معي في الجموع. أجدني معهم ولست معهم، وأتساءل: “أيشعرون بما أشعر به؟”. لكن حتى الاغتراب عن نفسي يتجلّى بشكل أوضح عندما أكون وحدي. أتوه في الوقت الذي لا أعمل فيه، أسئلة تتداخل بسرعة في مخي العفن لا أجوبة لها، أحاول اللحاق بها لأفكّها شيئاً فشيئاً، لكن تضيع مع كل لحظة، فلا تتيح لي الوقت للإجابة أو حتى كتابتها، فأذهب وأبتلع الفاليوم فتصبح الأسئلة بطيئة لكن ضبابية وغير واضحة. وهكذا تدور بي الحال. أحياناً حتى أستطيع أن أتشارك مع رأسي، أبدأ بالكتابة، علّي أفقه قليلاً من حالي، أقول “لديّ مقال لأكتبه”. حسناً، لا بأس. هذا ما يحدث الآن، سلّمت المفاتيح لأصابعي. أكتب. علّي أن أجد طريقة أفهم بها ماذا أشعر. الـ”ماذا” فقط حاليّاً، فهي تتطلب الوقت والجهد لفهمها، والـ”لماذا” تأتي بعدها، فهي تعزز من هذا الصراع الداخلي وفورة الشعور بعدم الانتماء. لكن حتى هذه، فيها غصّة، فصعوبة تجميع فتات المشاعر بأحرف متراصّة، علّي أراني فيها، جهد فردي جهيد. قلت: “لا بأس أيضاً. لنشترِ الوقت”. 

الفراغ 

استيقظت صباح اليوم بحال من القلق العظيم. هل أسمّيه هلعاً؟ لا يهم. لم أنم جيداً. تأتي هذه الحالات في بعض الأيام عند الاستيقاظ، وأيام أخرى في النهارات حيث لا تكون للنوم صلة به. اليوم الثالث في العمل بدوامين، أي 14 ساعة في 3 أيام متواصلة. هناك تعب لا شك. لكنه أكثر سهولة من الفراغ. كيف يواجه الناس فراغاً داخلهم؟ كيف يكون الشعور بالراحة، بالسكينة؟ الوقت الذي أعمل فيه دواماً واحداً، أي 8 ساعات، أظنه من أصعب الأوقات، فهنالك 8 ساعات غير النوم عليّ أن أملأها بشيء ما. شيء ما لي. هكذا يقول صديقي لي دائماً. ما هو “شيء لي”.

فراغ من الداخل واغتراب مع المحيط لا أستطيع الهروب منهما. معالجتي تراه سبباً من الأسباب أو نتيجة حتمية مؤقتة للمهدئات والحبوب التي أبتلعها 3 مرات يومياً، لكنني لا أظن ذلك. يشعرني روتين تناولها بالصلاة، ثلاث مرات. لكن لا راحة معها… في المدوّنة السابقة كانت الأمور سوداء، أظنها الآن رمادية، أحب اللون الرمادي، أيضاً تقع في منتصف الأشياء، أراني مرمية في عالم لم أُسأل عن قبولي بالمجيء إليه، رغم ذلك عليّ البقاء فيه، ويفعل الناس في غالبيتهم المستحيل للبقاء على قيد الحياة. لكن لماذا؟ 

طنين ذباب على طول مسافة الطريق الى المطبخ لتحضير القهوة، هذا الذباب هو “لماذا لا أزال هنا؟ ما هذا؟ اللعنة”، يوم روتيني يأتي بين خيارين دائماً، القفز أم البدء من جديد. وها نحن ذا يا صديقي نبدأ من جديد. 

في غربة حتمية بين جموع تتماشى بضبابية حولي وأنا في طريقي الى القهوة قرب منزلي، لا أرى أوجهاً، وكأن فراغي ينعكس ضباباً على أوجه الناس، أراهم صامتين وصارخين في الوقت نفسه.

المعنى

خضت في حديث قصير لكن عميق مع صديقي لدقائق عن “المعنى” و”الاغتراب” وبشكل أوتوماتيكي عن “الوحدة والفراغ” اللذين نتشاركهما، في محيط كلّ ما فيه غير “طبيعي” بالمعنى التقني.

صديقي، كرهت رائحة عفن المدن جمعاء، لا أشتم رائحة الحرية رغم انتفاضي من أجلها مذ كنت في التاسعة من عمري. صديقي، الرغبة في الحرية لا تزال، كانت سابقاً أن أخرج من المنزل وأن أرتدي ملابس أختارها أنا وأن أعاشر الناس الذين أريد أنا أن أعاشرهم، لكن الحرية الآن يا صديقي هي نفسي. أريد أن أتحرر من نفسي وأخرج من ذاتي التي لا أستطيع إيجادها. صديقي أنا خائفة من اللاشيء الذي أشعر به تجاه الخارج. أريد الانتفاض ولا أعرف من أين أبدأ. في هذا الواقع القذر، يحتاج المرء إلى آليات معينة يدافع فيها عن نفسه إزاءها، لكن قذارته في هذه الأزمة تحديداً، تريد جلداً سميكاً وعملاً دؤوباً، وشتّان ما بيني وبينهما.

العالم قاس، صديقي إن كان الله موجوداً فهل يرى ويسمع حقاً؟ هل يشعر بكل ما فينا من يأس وقلق وخوف ووحدة واغتراب؟ صديقي تعبت من الانتفاض لفترة، وما زلت متعبة. لم يكن خلعي الحجاب انتفاضة على الأديان جمعاء، بل على نفسي. أردت نفساً جديدة بعيدة عمّا صُقلتُ لأكونه. صديقي هل أنا سائحة في هذا العالم فقط؟ أزوّارٌ مرغوبون أم غير مرغوبين؟ فبصدق لا أشعر بأنني مرغوبة هنا. 

إلهي إن كنت معي فماذا أنا بفاعلة؟ إلهي الساعة الثانية صباحاً الآن وجلّ ما فيّ الألم. الألم طاغٍ. قليل من القلق والخوف والغضب، لكن الألم وحده طاغٍ على كل ما سبق. تذكرت دعاء كان يقوله والدي: “إلهي أنت تعلم كيف حالي، فهل يا سيّدي فرج قريب؟ فيا ديّان يوم الدين فرّج، هموماً في الفؤاد لها دبيب…”. أراني أتذكّره وأبكي حالي. فمن أناجي؟ فها أنا الآن “حرّة” لأناجي من أشاء، لكن ما الذي يعنيه أن تكون حرّاً؟ لا أرى سوى الفوضى، أن تقف وحيداً أمام اللامعنى، أن تبني معنى خاصاً بك نوعاً ما. أن تختار مواجهة الوجود في كل ثانية، أن تواجه قسوة الواقع وسوداويته، أن تبقى عالقاً في معارك لا تنتهي مع نفسك ومع هذا العالم المقزز. الحرية هي رحلة شاقة من محاولة فهم ماهية الذات، وفي نهاية المطاف هي مسؤولية تامة عن “نفسك”.