يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هجائيات “اليسار”!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الصورة التي يرسمها نقد اليسار لليسار خرافية بالتأكيد، سواء كان مصدر النقد داخلياً أو خارجياً. فاليسار ليس بهذه القوّة الهائلة، وأحزابه وتنظيماته ومثقّفيه ينازعون للبقاء والتأثير.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يشيع هجاء اليسار في الصحف والمنابر وحتى وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن هذا الهجاء يثير عدداً من المفارقات الطريفة، ليس أوّلها عدم التناسب بين حجم الهجاء المُمارس لليسار والوزن السياسي المفترض لليسار، وليس آخرها بالطبع أن هذا الهجاء عابر للطيف الأيديولوجي بكامله ويمارسه الكثير من اليساريين أنفسهم.

تتنوّع مصادر الحنق و”الهجاء اليساري” لليسار، حيث يهجوه يساريون لتحالفه مع الإسلاميين، فيما يهجو يساريون آخرون اليسار لتحالفه مع السلطات المستبدّة أو الاستعمار. بتعبير آخر، يُهجى اليسار لإسلاميته، مثلما يُهجى لتنويريته. بالطبع يمكن فهم جانب من هذا النقد الداخلي على أساس معارك انتزاع الشرعية، شرعية الحديث باسم اليسار نفسه بين اليساريين. لكن مثل هذا النزاع على شرعية الكلام باسم اليسار، لا يفسّر الحالة المتمادية للنزاعات اليسارية.

وفيما يتجاوز الهجاء الذاتي، تظهر مصادر أخرى لهجاء اليسار، فالإسلاميون يهجونه لدوره في التغريب ودعم الاستبداد وإفساد أخلاق الأمّة ولأنه طليعة المؤامرة عليها، مثلما يهجوه الليبراليون لدوره في صعود الإسلاميين والتراجع في قيم الحداثة والليبرالية، بسبب ما قام به من تمهيد الأرض للقوميات والأصوليات بذريعة المقاومة ومواجهة الاستعمار.

المثير أن الهجوم على اليسار يتمّ من أطراف متناقضة أيديولوجياً ولأسباب متناقضة أيديولوجياً في الوقت ذاته، فلا تعرف هل لعب اليسار دوراً في إفساد أخلاق الأمّة بدعواته الفاجرة باعتباره طليعة الغزو الفكري؟ أم أنه أفسد الحداثة والتنوير بتمهيده الدرب للأصوليات ودعوات الأصلانية ورفضه للقيم الكونية والعقل باعتبارها أدوات السلطة للمركزية الغربية الاستعمارية؟ وهكذا يبدو اليسار سبب في مصائب الجميع دون أن يكون مصدر فوائد لأحد، مثلما يفترض المثل الشائع “مصائب قوم عند قوم فوائد”.

لا تقتصر الغرابة على هذا، إنما مثل هذا الهجاء يفترض دوراً هائلاً يلعبه اليسار باعتباره قوّة جبّارة، بحيث يمكن له أن يكون سبب كل هذه الابتلاءات، وهذا بدوره يضيف بعداً غرائبياً إلى المشهد الغريب أصلاً.

اليسار في كل مكان وسبب كل بلاء، هكذا تبدو الصورة التي يخرج بها المرء من كل هذا النقد.

الصورة التي يرسمها نقد اليسار لليسار خرافية بالتأكيد، سواء كان مصدر النقد داخلياً أو خارجياً. فاليسار ليس بهذه القوّة الهائلة، وأحزابه وتنظيماته ومثقّفيه ينازعون للبقاء والتأثير. وبالتأكيد، لا يمكن لليسار أن يكون حاضراً في كل مكان؛ أن يشرح في الوقت عينه فساد الأخلاق عند الأمّة لدى المحافظين والتراجع عن التنوير والعقلانية لدى الحداثيين والليبراليين، لا يمكنه -مثلما لا يمكن لغيره أيضاً- أن يلعب أدواراً متناقضة في الوقت ذاته.

غير أن صورة اليسار هذه تقول لنا أشياء أخرى حول اليسار بطريقة غير مباشرة. مثلاً، الأدوار المتناقضة التي يربطها النقّاد باليسار، ومرّة أخرى نقّاده الداخليين والخارجيين في الآن ذاته، تشير إلى حالة الإبهام والسيولة – لنستعرها من زيجمونت باومان – التي تحيط باليسار نفسه. ماذا يعني اليسار وماذا يعني أن نصف موقفاً سياسياً بأنه يساري أو نصف حزباً بأنه يساري؟ ما هي الرؤية التي يقدّمها اليسار بما يمكن تمييزها بهذه الصفة عن غيرها، والمكان الذي يشغله على الخريطة السياسية والفكرية بشكل يخصّه هو؟

لا توجد إجابة عن هذه الأسئلة، وربما هذا ما يقوله لنا النقد حقاً وإن بطريقة مواربة ودون قصد.

اليسار تقريباً بلا وزن سياسي، لكنّه وبحسب هذا النقد يتمتّع بسطوة هائلة. لكن، ومرّة أخرى، علينا أن نتذكّر أن الثقافة العربية لعقود طويلة هي ثقافة يسارية. منذ النصف الثاني من القرن العشرين، كان المثقّف العربي يسارياً حصراً، كانت الأعمال الثقافية لمثقّفين يساريين -في الفكر والنقد والأدب والفنّ- هي السائدة والمدخل شبه الحصري إلى عالم الثقافة، سواء العربية أو حتى العالمية التي تولّى يساريون تقديمها إلى العالم العربي، بما رافق هذا التقديم من انتقائية المعرفة بالثقافة العالمية وقتها. 

حتى الثقافة التراثية، التي يُفترض أنها ميدان الإسلاميين والتراثيين، اخترقها اليساريون وكانت الأعمال النقدية والثقافية الكبرى التي قامت بمراجعات للتراث على أساس نقدي وفكري حديث ومرتبط بالمنتج العلمي المعاصر أعمالاً قام بها مثقّفون يساريون، من حسين مروّة وطيّب تيزيني إلى عابد الجابري وجورج طرابيشي، وهي مجرّد أمثلة لا غير من حقل الدراسات التراثية والتاريخية الذي تسيّده اليساريون تماماً، إن تحدّثنا عن علم التاريخ والتاريخ الاجتماعي وتاريخ الأفكار. التراثيون بقوا في عوالم تراجم الرجال وهم يظنّونه علم تاريخ، وعوالم شرح القصائد وهم يظنّونه نقداً أدبياً!

صورة اليسار الهائل القوّة ليست صورة معاصرة، لكنّها صورة صادقة على المستوى التاريخي، في ما يتعلّق بتاريخ الثقافة العربية على الأقلّ في الربع الثالث من القرن العشرين، وهو الربع الذي حصلت فيه القفزة الكبرى في نسب التعليم ومحو الأمّية وصعود الطبقة الوسطى العربية الحديثة المرتبطة بالتعليم الواسع بفئاته المختلفة وصولاً إلى الجامعي منها. فالهويّة اليسارية للثقافة العربية لم تكن محصورة في نخب، إنما كانت هويّة الثقافة العامة نفسها بوصفها ثقافة الطبقات الوسطى الحديثة. لقد كان اليسار المحتوى الافتراضي للثقافة العربية نفسها، ولأن تكون مثقّفاً أو متعلّماً.

القيمة المُعطاة لليسار ليست وهماً صرفاً، لكنّها ليست صورة معاصرة، إنما انعكاس لصورة تاريخية للثقافة العربية. ويبدو أن هيمنة هذه الصورة للثقافة العربية مرتبطة أيضاً بأيقونية وانفتاح إنساني لا تحظى بها الثقافة العربية اليوم. فما بالك إن كانت العودة إلى الإسلام ثقافياً اليوم تتمّ عبر أدوات مقترضة إلى حدّ بعيد من اليسار الغربي نفسه وتطوّراته، من مدرسة فرانكفورت إلى ما بعد الحداثة والتفكيك وما بعد الاستعمار؟ وهي كلها مدراس تطوّرت من داخل عوالم اليسار الغربي واقترضها كثير من العائدين إلى الإسلام والأصلانية لدينا، مثلما اقترض آخرون منهم أيضاً تراثاً غربياً مضاداً للتنوير (الأصالة الثقافية لدينا ليست إلا كذبة يروّجها الأصلانيون). هذه الملاحظة المتعلّقة بغياب ثقافة إسلامية بما يشبه المعنى الذي حضر لدى اليسار يوماً ليست جديدة، فقد سبق واشار إرنست غيلنر إلى هذه المسألة لدى تناوله القومية، فرغم انتشار وسطوة الأفكار القومية، لا يوجد مفكّر قومي واحد عالمي ومهمّ، بل إن فكرة مفكّر قومي وعالمي هي تناقض ذاتي.

ومرّة أخرى، نقد اليسار بهذا الشكل هو لحدّ كبير تصفية حساب مع هيمنة تاريخية مضت، ولكنّها هيمنة قدّمت أيضاً مثالاً لا يمكن أن يُطال، وهذا أمر يمكن لليساريين بالطبع أن يُثنوا فيه على أنفسهم دون تواضع زائف.

تبقى هناك نقطة تستحقّ الالتفاف حقاً في خضمّ نقد اليسار الشائع وتتعلّق بمنتج يساري قحّ أُخرج تماماً من التداول، “البترودولار”. اجترح اليسار في عهده المجيد هذا المصطلح في خضمّ مواجهته مع الرجعية العربية التي انتهت بهزيمة تامّة. وقتها أمسك اليسار بالمسألة حقاً، دور البترودولار في صياغة الهيمنة الثقافية والسياسية والدور الوظيفي التابع للامبريالية. والبترودولار لا يقتصر على ضفّة واحدة من الخليج كما يظنّ بعض اليساريين الممانعين اليوم.

وقتها كان البترودولار يتقدّم بقوّة في المشهد العربي، لكنّه اليوم هو المشهد فقط. الهيمنة الخليجية مطلقة، لا يوجد منابر وساحات ثقافية عربية إلا والبترودولار خلفها (في ما عدا المنابر الرسمية التابعة للدول العربية التي بدورها تعتاش حالياً على مساعدات الدول الخليجية بما يجعلها أيضاً بترودولار بطريقة غير مباشرة)، سواء كانت منابر داعية للتنوير أو داعية للإسلام السياسي أو داعية لليبرالية أو داعية للمحافظة، فقط عليك أن تبحث عن الإماراتي أو القطري أو السعودي أو الإيراني في ما يخصّ القوميين العرب (والأخيرة مفارقة واقعية وليست خيالاً تهكّمياً).

في العصر الخليجي يشيع نقد اليسار، لكن يختفي تماماً من الصورة اللحظة التي كان فيها اليسار أكثر إدراكاً وإمساكاً بالخطر المحدق بالعالم العربي والسلاح الأكثر فتكاً به، البترودولار.

الهجاء ليس فقط ضد مثال لا يمكن أن يُطال في ما يتعلّق بالثقافة، لكنّها أيضاً اغتيال الشاهد الأخير على الجريمة.

 خارج عوالم هجاء اليسار أو النزاع على يافطته، هناك تركة ثمينة تستحقّ الالتفات من خلال النقد والبحث والأسئلة انطلاقاً من البداية، من لحظة الحطام الحالية.

03.10.2026
زمن القراءة: 5 minutes

الصورة التي يرسمها نقد اليسار لليسار خرافية بالتأكيد، سواء كان مصدر النقد داخلياً أو خارجياً. فاليسار ليس بهذه القوّة الهائلة، وأحزابه وتنظيماته ومثقّفيه ينازعون للبقاء والتأثير.

يشيع هجاء اليسار في الصحف والمنابر وحتى وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن هذا الهجاء يثير عدداً من المفارقات الطريفة، ليس أوّلها عدم التناسب بين حجم الهجاء المُمارس لليسار والوزن السياسي المفترض لليسار، وليس آخرها بالطبع أن هذا الهجاء عابر للطيف الأيديولوجي بكامله ويمارسه الكثير من اليساريين أنفسهم.

تتنوّع مصادر الحنق و”الهجاء اليساري” لليسار، حيث يهجوه يساريون لتحالفه مع الإسلاميين، فيما يهجو يساريون آخرون اليسار لتحالفه مع السلطات المستبدّة أو الاستعمار. بتعبير آخر، يُهجى اليسار لإسلاميته، مثلما يُهجى لتنويريته. بالطبع يمكن فهم جانب من هذا النقد الداخلي على أساس معارك انتزاع الشرعية، شرعية الحديث باسم اليسار نفسه بين اليساريين. لكن مثل هذا النزاع على شرعية الكلام باسم اليسار، لا يفسّر الحالة المتمادية للنزاعات اليسارية.

وفيما يتجاوز الهجاء الذاتي، تظهر مصادر أخرى لهجاء اليسار، فالإسلاميون يهجونه لدوره في التغريب ودعم الاستبداد وإفساد أخلاق الأمّة ولأنه طليعة المؤامرة عليها، مثلما يهجوه الليبراليون لدوره في صعود الإسلاميين والتراجع في قيم الحداثة والليبرالية، بسبب ما قام به من تمهيد الأرض للقوميات والأصوليات بذريعة المقاومة ومواجهة الاستعمار.

المثير أن الهجوم على اليسار يتمّ من أطراف متناقضة أيديولوجياً ولأسباب متناقضة أيديولوجياً في الوقت ذاته، فلا تعرف هل لعب اليسار دوراً في إفساد أخلاق الأمّة بدعواته الفاجرة باعتباره طليعة الغزو الفكري؟ أم أنه أفسد الحداثة والتنوير بتمهيده الدرب للأصوليات ودعوات الأصلانية ورفضه للقيم الكونية والعقل باعتبارها أدوات السلطة للمركزية الغربية الاستعمارية؟ وهكذا يبدو اليسار سبب في مصائب الجميع دون أن يكون مصدر فوائد لأحد، مثلما يفترض المثل الشائع “مصائب قوم عند قوم فوائد”.

لا تقتصر الغرابة على هذا، إنما مثل هذا الهجاء يفترض دوراً هائلاً يلعبه اليسار باعتباره قوّة جبّارة، بحيث يمكن له أن يكون سبب كل هذه الابتلاءات، وهذا بدوره يضيف بعداً غرائبياً إلى المشهد الغريب أصلاً.

اليسار في كل مكان وسبب كل بلاء، هكذا تبدو الصورة التي يخرج بها المرء من كل هذا النقد.

الصورة التي يرسمها نقد اليسار لليسار خرافية بالتأكيد، سواء كان مصدر النقد داخلياً أو خارجياً. فاليسار ليس بهذه القوّة الهائلة، وأحزابه وتنظيماته ومثقّفيه ينازعون للبقاء والتأثير. وبالتأكيد، لا يمكن لليسار أن يكون حاضراً في كل مكان؛ أن يشرح في الوقت عينه فساد الأخلاق عند الأمّة لدى المحافظين والتراجع عن التنوير والعقلانية لدى الحداثيين والليبراليين، لا يمكنه -مثلما لا يمكن لغيره أيضاً- أن يلعب أدواراً متناقضة في الوقت ذاته.

غير أن صورة اليسار هذه تقول لنا أشياء أخرى حول اليسار بطريقة غير مباشرة. مثلاً، الأدوار المتناقضة التي يربطها النقّاد باليسار، ومرّة أخرى نقّاده الداخليين والخارجيين في الآن ذاته، تشير إلى حالة الإبهام والسيولة – لنستعرها من زيجمونت باومان – التي تحيط باليسار نفسه. ماذا يعني اليسار وماذا يعني أن نصف موقفاً سياسياً بأنه يساري أو نصف حزباً بأنه يساري؟ ما هي الرؤية التي يقدّمها اليسار بما يمكن تمييزها بهذه الصفة عن غيرها، والمكان الذي يشغله على الخريطة السياسية والفكرية بشكل يخصّه هو؟

لا توجد إجابة عن هذه الأسئلة، وربما هذا ما يقوله لنا النقد حقاً وإن بطريقة مواربة ودون قصد.

اليسار تقريباً بلا وزن سياسي، لكنّه وبحسب هذا النقد يتمتّع بسطوة هائلة. لكن، ومرّة أخرى، علينا أن نتذكّر أن الثقافة العربية لعقود طويلة هي ثقافة يسارية. منذ النصف الثاني من القرن العشرين، كان المثقّف العربي يسارياً حصراً، كانت الأعمال الثقافية لمثقّفين يساريين -في الفكر والنقد والأدب والفنّ- هي السائدة والمدخل شبه الحصري إلى عالم الثقافة، سواء العربية أو حتى العالمية التي تولّى يساريون تقديمها إلى العالم العربي، بما رافق هذا التقديم من انتقائية المعرفة بالثقافة العالمية وقتها. 

حتى الثقافة التراثية، التي يُفترض أنها ميدان الإسلاميين والتراثيين، اخترقها اليساريون وكانت الأعمال النقدية والثقافية الكبرى التي قامت بمراجعات للتراث على أساس نقدي وفكري حديث ومرتبط بالمنتج العلمي المعاصر أعمالاً قام بها مثقّفون يساريون، من حسين مروّة وطيّب تيزيني إلى عابد الجابري وجورج طرابيشي، وهي مجرّد أمثلة لا غير من حقل الدراسات التراثية والتاريخية الذي تسيّده اليساريون تماماً، إن تحدّثنا عن علم التاريخ والتاريخ الاجتماعي وتاريخ الأفكار. التراثيون بقوا في عوالم تراجم الرجال وهم يظنّونه علم تاريخ، وعوالم شرح القصائد وهم يظنّونه نقداً أدبياً!

صورة اليسار الهائل القوّة ليست صورة معاصرة، لكنّها صورة صادقة على المستوى التاريخي، في ما يتعلّق بتاريخ الثقافة العربية على الأقلّ في الربع الثالث من القرن العشرين، وهو الربع الذي حصلت فيه القفزة الكبرى في نسب التعليم ومحو الأمّية وصعود الطبقة الوسطى العربية الحديثة المرتبطة بالتعليم الواسع بفئاته المختلفة وصولاً إلى الجامعي منها. فالهويّة اليسارية للثقافة العربية لم تكن محصورة في نخب، إنما كانت هويّة الثقافة العامة نفسها بوصفها ثقافة الطبقات الوسطى الحديثة. لقد كان اليسار المحتوى الافتراضي للثقافة العربية نفسها، ولأن تكون مثقّفاً أو متعلّماً.

القيمة المُعطاة لليسار ليست وهماً صرفاً، لكنّها ليست صورة معاصرة، إنما انعكاس لصورة تاريخية للثقافة العربية. ويبدو أن هيمنة هذه الصورة للثقافة العربية مرتبطة أيضاً بأيقونية وانفتاح إنساني لا تحظى بها الثقافة العربية اليوم. فما بالك إن كانت العودة إلى الإسلام ثقافياً اليوم تتمّ عبر أدوات مقترضة إلى حدّ بعيد من اليسار الغربي نفسه وتطوّراته، من مدرسة فرانكفورت إلى ما بعد الحداثة والتفكيك وما بعد الاستعمار؟ وهي كلها مدراس تطوّرت من داخل عوالم اليسار الغربي واقترضها كثير من العائدين إلى الإسلام والأصلانية لدينا، مثلما اقترض آخرون منهم أيضاً تراثاً غربياً مضاداً للتنوير (الأصالة الثقافية لدينا ليست إلا كذبة يروّجها الأصلانيون). هذه الملاحظة المتعلّقة بغياب ثقافة إسلامية بما يشبه المعنى الذي حضر لدى اليسار يوماً ليست جديدة، فقد سبق واشار إرنست غيلنر إلى هذه المسألة لدى تناوله القومية، فرغم انتشار وسطوة الأفكار القومية، لا يوجد مفكّر قومي واحد عالمي ومهمّ، بل إن فكرة مفكّر قومي وعالمي هي تناقض ذاتي.

ومرّة أخرى، نقد اليسار بهذا الشكل هو لحدّ كبير تصفية حساب مع هيمنة تاريخية مضت، ولكنّها هيمنة قدّمت أيضاً مثالاً لا يمكن أن يُطال، وهذا أمر يمكن لليساريين بالطبع أن يُثنوا فيه على أنفسهم دون تواضع زائف.

تبقى هناك نقطة تستحقّ الالتفاف حقاً في خضمّ نقد اليسار الشائع وتتعلّق بمنتج يساري قحّ أُخرج تماماً من التداول، “البترودولار”. اجترح اليسار في عهده المجيد هذا المصطلح في خضمّ مواجهته مع الرجعية العربية التي انتهت بهزيمة تامّة. وقتها أمسك اليسار بالمسألة حقاً، دور البترودولار في صياغة الهيمنة الثقافية والسياسية والدور الوظيفي التابع للامبريالية. والبترودولار لا يقتصر على ضفّة واحدة من الخليج كما يظنّ بعض اليساريين الممانعين اليوم.

وقتها كان البترودولار يتقدّم بقوّة في المشهد العربي، لكنّه اليوم هو المشهد فقط. الهيمنة الخليجية مطلقة، لا يوجد منابر وساحات ثقافية عربية إلا والبترودولار خلفها (في ما عدا المنابر الرسمية التابعة للدول العربية التي بدورها تعتاش حالياً على مساعدات الدول الخليجية بما يجعلها أيضاً بترودولار بطريقة غير مباشرة)، سواء كانت منابر داعية للتنوير أو داعية للإسلام السياسي أو داعية لليبرالية أو داعية للمحافظة، فقط عليك أن تبحث عن الإماراتي أو القطري أو السعودي أو الإيراني في ما يخصّ القوميين العرب (والأخيرة مفارقة واقعية وليست خيالاً تهكّمياً).

في العصر الخليجي يشيع نقد اليسار، لكن يختفي تماماً من الصورة اللحظة التي كان فيها اليسار أكثر إدراكاً وإمساكاً بالخطر المحدق بالعالم العربي والسلاح الأكثر فتكاً به، البترودولار.

الهجاء ليس فقط ضد مثال لا يمكن أن يُطال في ما يتعلّق بالثقافة، لكنّها أيضاً اغتيال الشاهد الأخير على الجريمة.

 خارج عوالم هجاء اليسار أو النزاع على يافطته، هناك تركة ثمينة تستحقّ الالتفات من خلال النقد والبحث والأسئلة انطلاقاً من البداية، من لحظة الحطام الحالية.

03.10.2026
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية