منذ سقوط نظام الأسد أواخر العام 2024، دخلت العلاقة بين دمشق والسويداء مساراً تصاعدياً من التوتّر السياسي، مقابل ضغط متنامٍ لحلّ الفصائل الدرزية وتسليم سلاحها. وبعد أوّل مواجهة عسكرية خاضها الطرفان في نهاية نيسان/ أبريل ومطلع أيّار/ مايو، توصّلا إلى “اتّفاق 1 أيّار”. لكن، خلال الأسبوع الأخير من حزيران/ يونيو، طرحت الإدارة الانتقالية تعديلات جوهرية على الاتّفاق، قوبلت برفض من الرئاسة الروحية للدروز.
بعد ذلك، بدأت إدارة دمشق التحضير لعمليّة عسكرية أريد لها أن تكون خاطفة وحاسمة، تضطرّ إثرها فصائل السويداء الدرزية فيها إلى الرضوخ لسلطة دمشق.
تبحث هذه المقالة، في كواليس اتّخاذ قرار “عمليّة تمّوز” العسكرية، والتحضيرات التي سبقتها، والقوّات المسلّحة التي حُشدت لها، ومحاور القتال التي اتّبعتها.
المسار السياسي المتعثّر
بعد سلسلة خطوات اتّخذتها الإدارة الانتقالية منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، من مؤتمر النصر وتعيين الحكومة الانتقالية، مروراً بمؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري، بدأت المسافة بين دمشق والسويداء تتّسع بشكل متسارع. ومع نهاية آذار/ مارس من ذلك العام، بدا وكأنّ دمشق لا تملك أيّ عرض سياسي جدّي يتعلّق بالمواطنة المتساوية، والديموقراطية، أو المشاركة في الحكم وصنع القرار. على العكس، كانت مطالبها تتزايد حول تسليم سلاح الفصائل الدرزية وحلّها، من دون تقديم أي ضمانات سياسية حقيقية، تخفّف مخاوف الدروز من طبيعة السلطة ذات الخلفية السلفية الجهادية.
في المقابل، كانت الإدارة الانتقالية تنظر إلى موقف السويداء، كتمرّد ورفض للانخراط في مشروعها المتمركز حول قيادات في “هيئة تحرير الشام” سابقاً، في ظلّ محاولات متكرّرة للالتفاف على المجتمع المحلّي الدرزي، سواء عبر التفاوض مع زعامات درزية غير سورية، أو عبر محاولات تصنيع قيادات جديدة داخل المحافظة لا تتمتّع بشرعية شعبية.
مع الوقت، بدا أن الإدارة الانتقالية توصّلت إلى انطباع بأن احتواء السويداء ومجتمعات الدروز في ريف دمشق لن يكون ممكناً إلا عبر العمل العسكري، خاصّة بعد أن بدا واضحاً أن الرئاسة الروحية للدروز ممثّلة بالشيخ حكمت الهجري، ترفض بوضوح مشروع الدولة الذي تحاول “هيئة تحرير الشام” فرضه من الأعلى.
وبعد حملات تحريض وتكفير الدروز وتخوينهم، نهاية نيسان/ أبريل نفّذت الإدارة الانتقالية حملة عسكرية ضدّ دروز ريف دمشق في جرمانا وصحنايا، وبعض القرى شمال السويداء وغربها، التي قاومتها الفصائل المحلّية. خلال العمليّة جرى التوصّل إلى أوّل اتّفاق تحت النار، الذي عُرِفَ بـ”اتّفاق 1 أيّار“، والذي نصّ على تفعيل الضابطة الأمنية والشرطية والأمن العامّ، داخل محافظة السويداء من أبناء المحافظة، وأن تتكفّل الدولة بحماية طريق دمشق- السويداء.
الإدارة الانتقالية لم تنفّذ أيّاً من الشروط، ولم تقم بتفعيل الضابطة العدلية والشرطية والأمن العامّ ضمن المحافظة، ولا دفع الرواتب وتجهيز المقرّات ولا توزيع المعدّات واللباس الموحّد، بحسب مصادر محلّية. على العكس، انتقلت الإدارة الانتقالية إلى تنفيذ خطّة بديلة، تقوم على دفع الدروز للتفاوض مجدّداً تحت الضغط لتسليم السلاح، وحلّ الفصائل، وأن يكون جزء من قوّات الأمن العامّ داخل المحافظة من غير أبنائها، عبر تشكيل كتلة ضغط درزية في مواجهة الشيخ الهجري.
المسار السابق الذي اتّبعته الإدارة الانتقالية، تضمّن أيضاً، تحويل طريق دمشق- السويداء، إلى أزمة يومية، يتمّ من خلالها فرض نوع من الحصار المتقطّع على المحافظة، عبر تسليم حاجز المسمية وكامل منطقة المطلّة في ريف دمشق، التي يمرّ فيها الطريق، إلى قوّة من الأمن العامّ، قوامها من عشائر بدو اللجاة. الحاجز مارس أنواعاً متعدّدة من الانتهاكات الطائفية ضدّ الدروز المسافرين، وتمّ قطع الطريق مراراً بالنار في منطقة المطلّة، ما تسبب بسقوط قتلى وجرحى، وحدوث اعتقالات وحالات خطف.
ترافق ذلك مع عمليّة تجفيف موارد محافظة السويداء المالية، وخفض الإنفاق الحكومي على المؤسّسات. إذ إن محافظ السويداء مصطفى بكّور، المعيّن من قِبل الإدارة الانتقالية ترك السويداء منذ 21 أيّار/ مايو، على خلفية تعرّض مبنى المحافظة لاقتحام مجموعة مسلّحة درزية محلّية، تطالب بالإفراج عن موقوف لها في دمشق.
ومنذ ذلك الوقت، لم يتمّ توقيع قرارات الصرف للمؤسّسات الخدمية من قِبل المحافظ، الذي كان يدفع لتلك المؤسّسات من حساب شخصي باسمه عبر تطبيق “شام كاش”، بحسب مصادر محلّية. واضطرّ المكتب التنفيذي في محافظة السويداء لعقد اجتماع في دمشق في 18 حزيران/ يونيو، لتوقيع قرارات متراكمة مرّة واحدة، بعدما وافق بكّور على الاجتماع بهم.
في الأسبوع الأخير من حزيران/ يونيو، زار وفد من الإدارة الانتقالية على رأسه مصطفى بكّور، الشيخ الهجري في دارته في بلدة قنوات، لطرح التعديلات الجديدة التي تطلبها الإدارة الانتقالية على “اتّفاق 1 أيّار”، وهي أن تكون نسبة من قوّات الأمن العامّ في المحافظة من المنتسبين إلى جهاز الأمن العامّ من غير أبناء السويداء، وأن تسلّم فصائل السويداء سلاحها الثقيل وتحلّ فصائلها المسلحة. الشيخ الهجري اعتبر ذلك نكوصاً عن “اتّفاق 1 أيّار”، ورفض المطالب المستجدّة.
اتّخاذ القرار وتحضيرات العمليّة
مصدر خاصّ أوضح للكاتب أن اجتماعاً في دمشق، عُقد مباشرة بعد زيارة البكّور قنوات، في حضور أبرز المسؤولين السياسيين والأمنيين والعسكريين في الإدارة الانتقالية، وكذلك رئيس اللجنة الأمنية في درعا أبو البراء، المسؤول الأمني في “هيئة تحرير الشام” عن ملفّ الدروز، والمسؤول الأمني عن محافظة السويداء أحمد الدالاتي، ومحافظ السويداء.
الاجتماع خلص إلى قرار نهائي، بتنفيذ عمليّة عسكرية- أمنية في السويداء، بغرض التخلّص من الشيخ حكمت الهجري، وفرض سيطرة وزارتي الداخلية والدفاع والأجهزة الأمنية على المحافظة، وسحب سلاح الفصائل وحلّها، وتكريس قيادات عسكرية وأمنية جديدة على رأسها بعض المتعاونين الدروز، وتعويم بعض الوجهاء والسياسيين الدروز.
بعد الاجتماع، بدأت مرحلة تهيئة الظروف المناسبة لتنفيذ العمليّة. إذ انتقل الدالاتي وأبو البراء، إلى منطقة اللجاة البركانية الوعرة بين محافظتي السويداء ودرعا، التي تقطنها عشائر بدوية منقسمة الولاء بين فرعين، أحدهما يتبع لعائلة الدوخي التي ينتمي إليها مسؤول رفيع في جهاز الاستخبارات السورية الحالي، والفرع الآخر يتبع لعائلة البيدر التي ينتمي إليها مسؤول الأمن العامّ جنوب اللجاة. وكان خلاف قد وقع بين الفرعين على خلفية نزاع للسيطرة على طريق السويداء- دمشق، لكن نجحت الوساطة في توحيد الفرعين، وتنسيب عدد كبير من أبناء عشائر اللجاة إلى مرتبات الأمن العامّ، وهم من سيشكّلون كتلة عسكرية ضاربة في العمليّة العسكرية ضدّ السويداء لاحقاً.
أوضحت مصادر مطّلعة على سير العمليّة أنه بعد نجاح المهمّة في اللجاة، بدأت عمليّة تجهيز فرقة درعا “الفرقة 40” التابعة لوزارة الدفاع وقوى الأمن العامّ فيها، تحضيراً للمعركة. يُذكر أن الأمن العامّ في درعا يتكوّن من كتلتين رئيسيتين؛ الكتلة الأكبر، هي الأشدّ عقائدية والأكثر تجييشاً لقتال الدروز بوصفهم مرتدّين، وتضمّ نازحين سابقين إلى إدلب من الرافضين لاتّفاق مصالحة العام 2018، وغالبيتهم من المنتسبين إلى “هيئة تحرير الشام” وأيضاً نسبة من المنتسبين السابقين لـ”جيش خالد بن الوليد” المبايع لتنظيم الدولة الإسلامية في حوض اليرموك بدرعا. الكتلة الثانية، وهي الأقلّ عدداً، هي من المنتسبين الجدد إلى الأمن العامّ، وأغلبهم من الشبّان صغار العمر، ومحرّكها الرئيسي للقتال اقتصادي، لتحصيل الغنائم.
التجهيز، لم يقتصر على وزارتي الدفاع والداخلية: والأمن العامّ والاستخبارات، بل شمل أيضاً عملاً مشتركاً من قِبل وزارات خدمية أخرى، توّلت التحضير لقطع الكهرباء والمياه (التهمة التي نفتها وزارة الطاقة) فرض التعتيم الألكتروني، قطع الاتّصالات. بدأ اختبار تلك العمليّات بشكل جزئي، خلال الأسبوع الأوّل من تمّوز/ يوليو، قبل أن تطبّق فعلياً بشكل كلّي خلال فترة تنفيذ العمليّة بين 13- 20 تمّوز/يوليو.
محاور القتال
لاقتحام محافظة السويداء تمّ اختيار محاور قتالية ينطلق أغلبها من ريف درعا الشرقي ومن منطقة اللجاة، باتّجاه ريف السويداء الشمالي (منطقة اللوا) وريف السويداء الغربي (المقرن الغربي). التجمّعات الرئيسية للقوّات المهاجمة تجهّزت في أربعة مواقع رئيسية: اللجاة، بلدة بصر الحرير، بلدة أم ولد، وخربة سمر بالقرب من مدينة بصرى الشام، وسلكت سبعة محاور رئيسية، تفرّع منها العديد من المحاور الفرعية، كلّ التحضيرات للمعركة كانت قد أُنجزت قبل 13 تمّوز/ يوليو، يوم الاقتحام الأوّل لريف السويداء الغربي.
أوّلاً: اللجاة
تمّ تقسيم منطقة اللجاة إلى قطاعين، انطلقت منهما قوّات الأمن العامّ من عشائر اللجاة.
القطاع الأوّل شمالي: تمركزت فيه القوّات في منطقة حوش الحماد، بقيادة قيادي يُعتقد أنه من المنتسبين إلى “تنظيم الدولة الإسلامية” سابقاً. ومن هذا القطاع تشكّل محور رئيسي تقدّمت فيه القوّات للسيطرة على قرى الصورة الكبيرة، خلخلة، ذكير، وصولاً إلى لاهثة، أي كامل منطقة اللوا شمال محافظة السويداء، على امتداد طريق دمشق- السويداء.

وفي محور فرعي سيطرت تلك القوّات على قرى الحقف والخالدية شرقاً. القوّات المتجمّعة في قرية لاهثة، تابعت طريقها على امتداد طريق دمشق- السويداء، واستولت على قريتي المتونة والسويمرة، وصولاً إلى قرية أمّ الزيتون شمال مدينة شهبا.
شاركت لتأمين هذا المحور، فرقة دمشق “الفرقة 70” التابعة لوزارة الدفاع، التي سيطرت بدورها على الصفا، قاع البنات وخربة الأمباشي في ريف السويداء الشرقي.
القطاع الثاني في اللجاة “الجنوبي”: انطلقت قوّات الأمن العامّ في محور رئيسي لاختراق السهل الفاصل بين كتلتي اللجاة الشمالية والجنوبية، واستولت في طريقها على قريتي داما وحتى مجادل، وعبر محاور فرعية استولت فيها على قرى جرين ولبين وحران، وصولاً إلى قرية عريقة التي لم تخضع لسيطرة الأمن العامّ رغم حصارها لأيّام طويلة.
ثانياً: ريف درعا الشرقي
قوّات الأمن العامّ من درعا، وقوّات فرقة درعا “الفرقة 40” التابعة لوزارة الدفاع، انطلقت من محاور متعدّدة من ريف درعا الشرقي.
أوّل تلك المحاور كان من بلدة بصر الحرير شرق درعا باتّجاه بلدة الدور في السويداء، ومنها انقسم هذا المحور إلى محاور فرعية: محور فرعي أوّل استولت فيه القوّات على قرى تعارة، وقراصة، ونجران، ومحور ثانٍ استولت فيه القوّات على قرى سميع، وصما الهنيدات، والطيرة، ومحور ثالث باتّجاه بلدة المزرعة.
في المزرعة، التي اتُخِذَت كمقرّ للعمليّات، التقت القوّات من المحاور الفرعية الثلاثة مجدداً، وانطلقت بمحورين فرعيين، الأوّل باتّجاه قريتي المجدل وكفر اللحف، والثاني باتجاه قريتي ريمة حازم، ولغا، ومنهما إلى دوار العمران في مدينة السويداء.
من ريف درعا الشرقي أيضاً، انطلقت قوّات من الأمن العامّ و”الفرقة 40″، من قرية أم ولد عبر محورين، استولت في أحدهما على بلدة الثعلة، وفي الثاني على قرية كناكر. ومنهما، توجّهت القوّات المهاجمة من محورين مباشرة إلى مدينة السويداء.
كذلك من ريف درعا الشرقي- الجنوبي، انطلقت مجموعات من خربة سمر بالقرب من مدينة بصرى الشام، باتّجاه بلدات وقرى المجيمر، وعرى، ورساس وسهوة بلاطة ودخلتها، لكنّها عادت وانسحبت منها، بخلاف بقيّة المحاور التي ما زالت تفرض سيطرتها عليها حتى اليوم.
محور رئيسي آخر شارك بالقتال، كان عبر مجموعات من مقاتلي عشائر بدو محافظة السويداء مجندة لصالح “تجمع عشائر الجنوب” الذي يترأسه الشيخ السوري-الأردني راكان الخضير، في قرى المنصورة والشقراوية، وأحياء المقوس والمشورب والحروبي ورجم الزيتون في محيط مدينة السويداء. قوات العشائر في تلك المناطق، قصفت المناطق المأهولة المجاورة لها، بما فيها مدينة السويداء، بقذائف الهاون والطيران المسير بشكل عشوائي بغرض إرباك الفصائل الدرزية وتشتيتها. مثلاً، من حي المشورب لوحده أطلقت تلك القوات 140 قذيفة هاون و18 مسيرة انتحارية على قرية قنوات حسب مراقبين لسير المعارك.
قوّات إضافية مشاركة
أشارت مصادر مطّلعة على سير العمليّات العسكرية، شاركت إلى جانب الفرقتين 40 و70، والأمن العامّ، قوّات متعدّدة أخرى لتنفيذ مهام محدّدة، مثل: “العصائب الحمراء” وهي من قوّات النخبة في “هيئة تحرير الشام”، “لواء الحارث”، “قوّات المهام الخاصّة”، “الحرس الجمهوري”، “اللواء الثاني”، “العمشات”، “الفرقة 76”.
سُجّل أيضاً بحسب مراقبين لسير المعارك، تحدّثوا للكاتب، مشاركة نوعيّة في يوم 14 تمّوز/ يوليو لقوّات من الفرق 44، 52، 62. في صبيحة 16 تمّوز/ يوليو، ومع بدء انقلاب المعادلة وانتقال فصائل السويداء المحلّية والمقاومة الأهلية، من طور امتصاص الصدمة إلى الدفع المعاكس، أدخلت الإدارة الانتقالية تعزيزات تضمّنت “أجانب” بينهم قوّات تركمانية.
في ظهيرة 16 تمّوز/ يوليو، مع الضربات الإسرائيلية على مبنى قيادة الأركان، وعلى بعض أرتال القوّات المهاجمة، اضطرّت “الإدارة الانتقالية” لقبول الهدنة التي طرحها المبعوث الأميركي إلى سوريا، وتبديل الخطّة، عبر سحب قوّات وزارتي الدفاع والداخلية إلى الخطوط الخلفية، والدفع بقوّات عشائرية إلى خطوط الاشتباك.
هذه القوّات العشائرية جاءت تلبية لنداءات الفزعة، عبر شبكة داخلية معقّدة قادها مسؤولون أمنيون وعسكريون. ومع هذه القوّات دخلت مجموعات من “الفرقة 80” التابعة لوزارة الدفاع، التي تضمّ كتلة كبيرة من الجهاديين السابقين، والتي سبق أن نشرت فيديوهات عن توجّه “أبطالها إلى الساحل السوري”.
مناورة مركّبة
تكشف العمليّة العسكرية أن هدفها كان مختلطاً بين الرغبة في الحسم الشامل، وأيضاً فرض التفاوض القسري . سبق الاقتحام تمهيد سياسي وإداري واقتصادي، شمل تجفيف الإنفاق العامّ وتعطيل طريق دمشق السويداء، ثم محاولة تعديل اتّفاق قائم لانتزاع تنازلات تتعلّق بتركيبة قوى الأمن العامّ المحلّية، والسلاح الثقيل، وتفكيك الفصائل المحلّية.
تُظهر بنية القوّة المهاجمة اعتماداً كثيفاً على كتل عشائرية من اللجاة، وأخرى متشدّدة، مع أدوار بارزة لفرق تضمّ جهاديين وأجانب. هذا الاعتماد منح العمليّة زخماً صادماً خاصّة في الأيّام الأولى، ومع تعدّد المحاور من اللجاة وشرق درعا. تكتيك المحاور المتزامنة حقّق اختراقات سريعة في ريف السويداء الشمالي والغربي، وما زالت القوّات العشائرية والأمن العامّ يسيطران على معظم تلك المناطق، ويمنعان عودة النازحين إليها.
من زاوية التخطيط، تبدو العمليّة مناورة مركّبة عالية التعقيد، ومرتفعة الكلفة البشرية واللوجستية، جرى تصميمها بمهنية عالية. تتابعت حلقاتها على نحو متدرّج، يبدأ بتهيئة الظروف، وتوحيد كتل مقاتلة وتجميعها في بؤر انطلاق محدّدة، وتوزيع الأدوار بين وزارات وأجهزة حكومية مختلفة، وصولاً إلى تعمية ألكترونية تقلّص القدرة على الاستجابة المقابلة. هذا البناء يشير إلى غرفة قيادة مشتركة قادرة على تنسيق نيران ومحاور متعدّدة، وربطها بزمن عمليّات واحد مع نقاط ارتكاز وبدائل جاهزة.
تعدّد المحاور استقصد تشتيت الدفاعات، وفتح ثغرات تدخلها وحدات صدمة تتحرّك سريعاً وتترك خلفها قوى تثبيت. عند نقطة التحوّل في 16 تمّوز/ يوليو ظهر البعد المرن في الخطّة. فقد فرضت الضربة الجوّية على دمشق، تعديلاً فورياً في طريقة التنفيذ عبر سحب كتلة القوّات النظامية إلى الخلف، والدفع بقوى عشائرية إلى خطوط التماس، بما يقلّل المخاطر السياسية والعسكرية على القوّة الأساسية، ويحافظ في الوقت نفسه على ضغط ميداني كافٍ لاستمرار التفاوض بالنار.
هذا التحوّل السريع يؤكّد أن العمليّة صُمّمت بسيناريوهات بديلة، وأن قيادة دمشق امتلكت هوامش مناورة زمنية ومكانية تسمح بتدوير الأدوار بين محاور وقوى متعدّدة، دون فقدان الهدف المركزي. أي أن العمليّة قامت على تتابع محسوب بين التمهيد غير المباشر والاختراق المتعدّد المحاور، مع قدرة على تغيير الإيقاع عند الضرورة.












