ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هدم الجدار المفتعل بين الدولة والشيعة مدخل أساسيّ لإنقاذ الطائفة ولبنان

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

عندما تستطيع الدولة فرض السلطة والأمن ومحاسبة المعتدين على الجنوبيين من التابعين للقوى المهيمنة، سيفتح الأمر المجال أمام حرّية الترشّح وممارسة العمل السياسي، ما سيُنتج ممارسات صحّية وسيحدّ من حوادث القمع والاعتداءات التي تُجرى بغطاء من الأحزاب، عندها سيندفع الناس باتّجاه حضن الدولة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

دفعت الطائفة الشيعية في لبنان ثمناً كبيراً كلفة إبعادها عن الدولة. إذ أصرّ الثنائي الشيعي، “حزب الله” وحركة “أمل”، على حكم الطائفة بقبضة مشدّدة، وبناء سدّ بينها وبين المؤسّسات الرسمية، كي لا تمرّ علاقة الفرد الشيعي بدولته إلا عبرهما. وأتت نتائج الحرب المدمّرة في عام 2024 لتطرح مسألة إصلاح هذه العلاقة كحاجة ملحّة لإخراج الشيعة ومعهم لبنان، من المأزق الذي ورّطهم فيه الاستئثار بالقرارات المصيرية، وأبرزها قرار الحرب والسلم. لذا فإنّ السؤال الملحّ اليوم: ما السبيل لإصلاح هذه العلاقة؟ 

بالعودة إلى الوراء، خرجت الدولة اللبنانية ضعيفة من الحرب الأهلية، التي بدأت في عام 1975 واستمرّت حتى 1990. وبحجّة ضعف الدولة وعجزها عن الدفاع عن لبنان صعد “حزب الله”، ونجح مع الوقت في كسب تأييد نسبة كبيرة من الشيعة، وذلك عبر تمكّنه من محاكاة مخاوفهم والسيطرة على مفاصل حياتهم. كما استغلّ هذه المخاوف وحرص على إضعاف الدولة بمقابل تقوية نفوذه فيها والهيمنة على أجهزتها ومؤسّساتها، بالتوازي مع بناء أجهزته ومؤسّساته التي عمل على ربط مصالح شريحة واسعة من الشيعة بها. كما بنى مؤسّساته التربوية واقتصاده الموازي، فأفرز طبقة من رجال الأعمال ذوي الامتيازات التي سمحت لهم بمراكمة الثروات وإنشاء المشاريع.

هكذا بات من الصعب على المواطن الشيعي اللجوء إلى الدولة، حتى لو رغب في ذلك. فالدولة هي البلديات والمخافر والمؤسّسات التعليمية والوظائف التي أمسك بها الثنائي، خصوصاً “حزب الله”، وبات عناصر الحزب أصحاب النفوذ على الأرض وأصحاب حصانة لدى الدولة، نظراً الى الاستثناء الذي مُنح لهم بحجّة “المقاومة”.

 استراتيجيّة وطنيّة

اليوم توجد حاجة لتغيير الواقع، وهدم الجدار الذي بُني بين الشيعة والدولة. وتقتضي مهمّة جميع المعنيّين بالشأن العامّ، الانتقال من التشخيص إلى خطوات عمليّة لتحقيق ذلك. وعلى رغم أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة أساسية لإصلاح علاقتها بمواطنيها، يمكن أن يبدأ الحل أيضاً من خلال خطوات أخرى، لا سيّما سعي الدولة، بالتوازي، الى إصلاح أجهزتها وفرض سلطتها ، ولإلغاء الامتيازات التي جعلت من عناصر حزبية حاكماً فعلياً على الأرض. 

في حديث إلى “درج”، يؤكّد الباحث في معهد “كارنيغي” مهنّد الحاج علي وجود فرصة لإصلاح هذه العلاقة في هذه “المرحلة المفصلية”، لكنّه يشير إلى أن الفرصة تتطلّب وضع “استراتيجية على المستوى السلمي”، إذ يرى أن الدولة تلعب دور الحرب في زمن السلم عبر تنفيذ الورقة التي أقرّتها بمقترح أميركي لمنع تجدّد الحرب. 

ويشير الحاج علي إلى وجود مسارين متعارضين الآن: “مسار حزب الله الذي يعبّئ الشيعة للاصطدام مع الدولة… ومسار الدولة اللبنانية باتّجاه تحقيق استقلالية في الداخل”، وهو مسار يرى أن دونه أيضاً “عقبات لا علاقة للحزب بها، ما يجعل المشهد معقّداً”، ويلفت إلى أن “مسار حزب الله في التعبئة أسرع من مسار الدولة”. 

بالنسبة إلى الحاج علي، ينبغي على الدولة “إظهار حضور مدني جنوب لبنان، واهتماماً ضمن استراتيجية وطنية، وتقديم مقاربة تتطابق مع ما أعلنه رئيس الحكومة نوّاف سلام في البيان الوزاري لجهة إعادة الإعمار”، ويدعو الدولة إلى “إظهار اهتمامها بما يحدث في الجنوب، ووضعه ضمن أولويّاتها لتعزيز صمود السكّان هناك، ومنع إسرائيل من إقامة منطقة عازلة”، ويرى أن “هذه الحكومة لا تملك مقاربة تنموية تأخد بالاعتبار المناطق المهمّشة، وهي مقاربة أساسية لكسب ثقة المواطنين”.

ويشدّد الحاج على الحاجة إلى وضع مناهج تعليمية وطنية وفرضها على سلسلة المؤسّسات التربوية التي يملكها الحزب “لتحرير العقل الجمعي الشيعي”، خصوصا وأن “حزب الله هو اليوم أكبر ناشر على الأراضي اللبنانية ويُنتج الكثير من الكتب، ما يستدعي فرض ضوابط”.

إضافة إلى ذلك، يعيش معظم الشيعة في مناطقهم تحت الهيمنة الأمنية والبصرية للحزب، التي تعمل بدورها على محاولة ترسيخ انتمائهم لغير الدولة، ما يتطلّب العمل على رفع هذه الهيمنة. 

“الضحايا الأقوياء” 

تنطلق الصحافية نور حطيط في رؤيتها للحلول من البعد التاريخي للعلاقة بين الشيعة والدولة، وتقول لـ”درج” إن الشيعة تاريخياً اعتبروا أنفسهم مهمّشين، ورأوا أن الدولة لم تقدّم لهم أي نوع من الخدمات، وأن الطوائف الأخرى كانت المهيمنة “لذلك عند وصول السيّد موسى الصدر إلى لبنان، حملوا خطاب المظلوميّة الشيعية، وكرّسوه كي يتمكّنوا من تحصيل حقوقهم بطريقة ما، ولاحقاً سعوا إلى ذلك عبر أجندات خارجية من خلال إيران بعد نجاح الثورة الإيرانية”. 

وترى حطيط أن هذه المسألة “تكرّست مع خطاب حزب الله الذي دار حول فكرة المظلوميّة”، وتلفت إلى استمرار استخدام الحزب خطاب المظلوميّة هذا “رغم الامتيازات التي تمتّعوا بها حتى ما قبل اغتيال الأمين العامّ السابق حسن نصرالله. إذ سُيّس هذا الخطاب في أذهان شيعة حزب الله واسُتخدم لصالح سيطرة الحزب”. 

وهنا تتحدّث حطيط عن “فكرة الضحايا الأقوياء التي انطبقت على حزب الله، بمعنى أن يتصرّف وهو المسيطر، على أنه الضحيّة في الداخل اللبناني. وقد عمل خلال 40 عاماً على تعزيز هذه العقليّة وتربية الأجيال عليها”.

تلفت حطيط إلى ما تسمّيه “اقتصاد الظلّ”، أو ما يسمّيه آخرون “الاقتصاد الموازي”، الذي ساهم في سيطرة “حزب الله”، وتشير إلى أن المؤسّسات الرديفة التي بناها الحزب؛ وهي مؤسّسات خدمية وصحّية وإعلامية وتعليمية، أدّت إلى نشوء “الدويلة ضمن الدولة”. وترى أن إصلاح العلاقة بين الشيعة كجماعة والدولة، يعتمد على قدرة هذه الدولة “على دمج الذين انتفعوا من هذه الخدمات، وعلى تأمين بديل عن اقتصاد الظلّ، كما وقدرتها على تفكيك هذا الاقتصاد وبسط سلطتها من الناحية الخدمية والتعليمية، وتأمين ما كان يؤمّنه الحزب للطبقة الشيعية الفقيرة، التي لا يمكن أن تتخلّى عن ولائها إلا ببديل جيّد”.

وتعتبر حطيط أنه “حتى الأثرياء الجدد الذين أثروا بعد حرب تمّوز/ يوليو 2006، لن يتخلّوا عن امتيازاتهم”، لكن رغم شبكة المصالح التي رسّخها الحزب والتي لم تنهر بعد، تعتقد حطيط أن ولاء هؤلاء العقدي سيتراجع من بعد اغتيال نصرالله، “فلا أحد من القاعدة يستمع إلى خطاب الأمين العامّ الحالي نعيم قاسم، كما كان يستمع إلى خطابات نصرالله، وهذا مؤشّر إلى تراجع الولاء”. 

“إعادة بناء الدولة”

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية التي عادة ما تُجرى تحت سطوة نفوذ الثنائي، يعتقد الباحث مهنّد الحاج علي أن هامش الحرّية سيبقى محدوداً بحكم الواقع اللبناني، لكنّه يرى أنه يمكن توسعته من خلال حصر السلاح  بيد الدولة، وتعزيز وجود القوى الأمنية وسلطة القانون وسيادته في مناطق سيطرة “حزب الله”، ومساءلة من يعتدي على الناس. 

وربما تحتاج جميع هذه الطروحات إلى العمل على ما أسماه “إعادة بناء الدولة”، وهي عمليّة تمرّ إجبارياً بمسار تأمين استقلاليّة القضاء وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتفعيل محاسبة العناصر الأمنية التي تتهاون بل حتى تتواطأ مع الحزبيين، وتشديد العقوبات على من يخالف القانون، وحثّها على القيام بمهامّها وأخذ شكاوى المواطنين على محمل الجدّ.

ويرى الحاج علي تطبيق هذه الطروحات ضرورياً كي لا يظلّ الشيعة عرضة للترهيب والابتزاز، وكي يتوسّع هامش الحرّية في العمل السياسي في مناطق هيمنة الثنائي الشيعي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن رفع الحصانة الممنوحة لعناصر “حزب الله”، وإجبارهم على الخضوع للمساءلة والتحقيق كغيرهم من المواطنين، من شأنهما أن يقوّيا سلطة الدولة ويُضعفا سلطة قوى الأمر الواقع. إذ إن الامتيازات التي مُنحت لهم أدّت إلى إخضاع المواطنين لنفوذهم، كما شكّلت عامل استقطاب لصالح الحزب والحركة، بحثاً عن الأمان والامتيازات والحصانات، ما همّش سلطة الدولة. بالتالي، من شأن إصلاح الأجهزة الأمنية أن يُعيد قدرة الدولة على بسط سيادتها في مناطق هيمنة الثنائي، وقدرتها على التحرّك فيها من دون حاجة إلى الإذن والتنسيق والخضوع لشروط الأحزاب.

عندما تستطيع الدولة فرض السلطة والأمن ومحاسبة المعتدين على الجنوبيين من التابعين للقوى المهيمنة، سيفتح الأمر المجال أمام حرّية الترشّح وممارسة العمل السياسي، ما سيُنتج ممارسات صحّية وسيحدّ من حوادث القمع والاعتداءات التي تُجرى بغطاء من الأحزاب، عندها سيندفع الناس باتّجاه حضن الدولة. 

هي إذاً خطوات بعضها بسيط وكثيرها معقّد، لكنّها تبقى المدخل الإلزامي والضروري لحماية الوطن، وأكثر طوائفه تضرراً من الوضع الذي وصلنا إليه، نتيجة التسليم لـ”قوى الأمر الواقع” بحجّة “الواقعية”.

دورنا نحكي

24.10.2025
زمن القراءة: 6 minutes

عندما تستطيع الدولة فرض السلطة والأمن ومحاسبة المعتدين على الجنوبيين من التابعين للقوى المهيمنة، سيفتح الأمر المجال أمام حرّية الترشّح وممارسة العمل السياسي، ما سيُنتج ممارسات صحّية وسيحدّ من حوادث القمع والاعتداءات التي تُجرى بغطاء من الأحزاب، عندها سيندفع الناس باتّجاه حضن الدولة. 

دفعت الطائفة الشيعية في لبنان ثمناً كبيراً كلفة إبعادها عن الدولة. إذ أصرّ الثنائي الشيعي، “حزب الله” وحركة “أمل”، على حكم الطائفة بقبضة مشدّدة، وبناء سدّ بينها وبين المؤسّسات الرسمية، كي لا تمرّ علاقة الفرد الشيعي بدولته إلا عبرهما. وأتت نتائج الحرب المدمّرة في عام 2024 لتطرح مسألة إصلاح هذه العلاقة كحاجة ملحّة لإخراج الشيعة ومعهم لبنان، من المأزق الذي ورّطهم فيه الاستئثار بالقرارات المصيرية، وأبرزها قرار الحرب والسلم. لذا فإنّ السؤال الملحّ اليوم: ما السبيل لإصلاح هذه العلاقة؟ 

بالعودة إلى الوراء، خرجت الدولة اللبنانية ضعيفة من الحرب الأهلية، التي بدأت في عام 1975 واستمرّت حتى 1990. وبحجّة ضعف الدولة وعجزها عن الدفاع عن لبنان صعد “حزب الله”، ونجح مع الوقت في كسب تأييد نسبة كبيرة من الشيعة، وذلك عبر تمكّنه من محاكاة مخاوفهم والسيطرة على مفاصل حياتهم. كما استغلّ هذه المخاوف وحرص على إضعاف الدولة بمقابل تقوية نفوذه فيها والهيمنة على أجهزتها ومؤسّساتها، بالتوازي مع بناء أجهزته ومؤسّساته التي عمل على ربط مصالح شريحة واسعة من الشيعة بها. كما بنى مؤسّساته التربوية واقتصاده الموازي، فأفرز طبقة من رجال الأعمال ذوي الامتيازات التي سمحت لهم بمراكمة الثروات وإنشاء المشاريع.

هكذا بات من الصعب على المواطن الشيعي اللجوء إلى الدولة، حتى لو رغب في ذلك. فالدولة هي البلديات والمخافر والمؤسّسات التعليمية والوظائف التي أمسك بها الثنائي، خصوصاً “حزب الله”، وبات عناصر الحزب أصحاب النفوذ على الأرض وأصحاب حصانة لدى الدولة، نظراً الى الاستثناء الذي مُنح لهم بحجّة “المقاومة”.

 استراتيجيّة وطنيّة

اليوم توجد حاجة لتغيير الواقع، وهدم الجدار الذي بُني بين الشيعة والدولة. وتقتضي مهمّة جميع المعنيّين بالشأن العامّ، الانتقال من التشخيص إلى خطوات عمليّة لتحقيق ذلك. وعلى رغم أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة أساسية لإصلاح علاقتها بمواطنيها، يمكن أن يبدأ الحل أيضاً من خلال خطوات أخرى، لا سيّما سعي الدولة، بالتوازي، الى إصلاح أجهزتها وفرض سلطتها ، ولإلغاء الامتيازات التي جعلت من عناصر حزبية حاكماً فعلياً على الأرض. 

في حديث إلى “درج”، يؤكّد الباحث في معهد “كارنيغي” مهنّد الحاج علي وجود فرصة لإصلاح هذه العلاقة في هذه “المرحلة المفصلية”، لكنّه يشير إلى أن الفرصة تتطلّب وضع “استراتيجية على المستوى السلمي”، إذ يرى أن الدولة تلعب دور الحرب في زمن السلم عبر تنفيذ الورقة التي أقرّتها بمقترح أميركي لمنع تجدّد الحرب. 

ويشير الحاج علي إلى وجود مسارين متعارضين الآن: “مسار حزب الله الذي يعبّئ الشيعة للاصطدام مع الدولة… ومسار الدولة اللبنانية باتّجاه تحقيق استقلالية في الداخل”، وهو مسار يرى أن دونه أيضاً “عقبات لا علاقة للحزب بها، ما يجعل المشهد معقّداً”، ويلفت إلى أن “مسار حزب الله في التعبئة أسرع من مسار الدولة”. 

بالنسبة إلى الحاج علي، ينبغي على الدولة “إظهار حضور مدني جنوب لبنان، واهتماماً ضمن استراتيجية وطنية، وتقديم مقاربة تتطابق مع ما أعلنه رئيس الحكومة نوّاف سلام في البيان الوزاري لجهة إعادة الإعمار”، ويدعو الدولة إلى “إظهار اهتمامها بما يحدث في الجنوب، ووضعه ضمن أولويّاتها لتعزيز صمود السكّان هناك، ومنع إسرائيل من إقامة منطقة عازلة”، ويرى أن “هذه الحكومة لا تملك مقاربة تنموية تأخد بالاعتبار المناطق المهمّشة، وهي مقاربة أساسية لكسب ثقة المواطنين”.

ويشدّد الحاج على الحاجة إلى وضع مناهج تعليمية وطنية وفرضها على سلسلة المؤسّسات التربوية التي يملكها الحزب “لتحرير العقل الجمعي الشيعي”، خصوصا وأن “حزب الله هو اليوم أكبر ناشر على الأراضي اللبنانية ويُنتج الكثير من الكتب، ما يستدعي فرض ضوابط”.

إضافة إلى ذلك، يعيش معظم الشيعة في مناطقهم تحت الهيمنة الأمنية والبصرية للحزب، التي تعمل بدورها على محاولة ترسيخ انتمائهم لغير الدولة، ما يتطلّب العمل على رفع هذه الهيمنة. 

“الضحايا الأقوياء” 

تنطلق الصحافية نور حطيط في رؤيتها للحلول من البعد التاريخي للعلاقة بين الشيعة والدولة، وتقول لـ”درج” إن الشيعة تاريخياً اعتبروا أنفسهم مهمّشين، ورأوا أن الدولة لم تقدّم لهم أي نوع من الخدمات، وأن الطوائف الأخرى كانت المهيمنة “لذلك عند وصول السيّد موسى الصدر إلى لبنان، حملوا خطاب المظلوميّة الشيعية، وكرّسوه كي يتمكّنوا من تحصيل حقوقهم بطريقة ما، ولاحقاً سعوا إلى ذلك عبر أجندات خارجية من خلال إيران بعد نجاح الثورة الإيرانية”. 

وترى حطيط أن هذه المسألة “تكرّست مع خطاب حزب الله الذي دار حول فكرة المظلوميّة”، وتلفت إلى استمرار استخدام الحزب خطاب المظلوميّة هذا “رغم الامتيازات التي تمتّعوا بها حتى ما قبل اغتيال الأمين العامّ السابق حسن نصرالله. إذ سُيّس هذا الخطاب في أذهان شيعة حزب الله واسُتخدم لصالح سيطرة الحزب”. 

وهنا تتحدّث حطيط عن “فكرة الضحايا الأقوياء التي انطبقت على حزب الله، بمعنى أن يتصرّف وهو المسيطر، على أنه الضحيّة في الداخل اللبناني. وقد عمل خلال 40 عاماً على تعزيز هذه العقليّة وتربية الأجيال عليها”.

تلفت حطيط إلى ما تسمّيه “اقتصاد الظلّ”، أو ما يسمّيه آخرون “الاقتصاد الموازي”، الذي ساهم في سيطرة “حزب الله”، وتشير إلى أن المؤسّسات الرديفة التي بناها الحزب؛ وهي مؤسّسات خدمية وصحّية وإعلامية وتعليمية، أدّت إلى نشوء “الدويلة ضمن الدولة”. وترى أن إصلاح العلاقة بين الشيعة كجماعة والدولة، يعتمد على قدرة هذه الدولة “على دمج الذين انتفعوا من هذه الخدمات، وعلى تأمين بديل عن اقتصاد الظلّ، كما وقدرتها على تفكيك هذا الاقتصاد وبسط سلطتها من الناحية الخدمية والتعليمية، وتأمين ما كان يؤمّنه الحزب للطبقة الشيعية الفقيرة، التي لا يمكن أن تتخلّى عن ولائها إلا ببديل جيّد”.

وتعتبر حطيط أنه “حتى الأثرياء الجدد الذين أثروا بعد حرب تمّوز/ يوليو 2006، لن يتخلّوا عن امتيازاتهم”، لكن رغم شبكة المصالح التي رسّخها الحزب والتي لم تنهر بعد، تعتقد حطيط أن ولاء هؤلاء العقدي سيتراجع من بعد اغتيال نصرالله، “فلا أحد من القاعدة يستمع إلى خطاب الأمين العامّ الحالي نعيم قاسم، كما كان يستمع إلى خطابات نصرالله، وهذا مؤشّر إلى تراجع الولاء”. 

“إعادة بناء الدولة”

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية التي عادة ما تُجرى تحت سطوة نفوذ الثنائي، يعتقد الباحث مهنّد الحاج علي أن هامش الحرّية سيبقى محدوداً بحكم الواقع اللبناني، لكنّه يرى أنه يمكن توسعته من خلال حصر السلاح  بيد الدولة، وتعزيز وجود القوى الأمنية وسلطة القانون وسيادته في مناطق سيطرة “حزب الله”، ومساءلة من يعتدي على الناس. 

وربما تحتاج جميع هذه الطروحات إلى العمل على ما أسماه “إعادة بناء الدولة”، وهي عمليّة تمرّ إجبارياً بمسار تأمين استقلاليّة القضاء وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتفعيل محاسبة العناصر الأمنية التي تتهاون بل حتى تتواطأ مع الحزبيين، وتشديد العقوبات على من يخالف القانون، وحثّها على القيام بمهامّها وأخذ شكاوى المواطنين على محمل الجدّ.

ويرى الحاج علي تطبيق هذه الطروحات ضرورياً كي لا يظلّ الشيعة عرضة للترهيب والابتزاز، وكي يتوسّع هامش الحرّية في العمل السياسي في مناطق هيمنة الثنائي الشيعي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن رفع الحصانة الممنوحة لعناصر “حزب الله”، وإجبارهم على الخضوع للمساءلة والتحقيق كغيرهم من المواطنين، من شأنهما أن يقوّيا سلطة الدولة ويُضعفا سلطة قوى الأمر الواقع. إذ إن الامتيازات التي مُنحت لهم أدّت إلى إخضاع المواطنين لنفوذهم، كما شكّلت عامل استقطاب لصالح الحزب والحركة، بحثاً عن الأمان والامتيازات والحصانات، ما همّش سلطة الدولة. بالتالي، من شأن إصلاح الأجهزة الأمنية أن يُعيد قدرة الدولة على بسط سيادتها في مناطق هيمنة الثنائي، وقدرتها على التحرّك فيها من دون حاجة إلى الإذن والتنسيق والخضوع لشروط الأحزاب.

عندما تستطيع الدولة فرض السلطة والأمن ومحاسبة المعتدين على الجنوبيين من التابعين للقوى المهيمنة، سيفتح الأمر المجال أمام حرّية الترشّح وممارسة العمل السياسي، ما سيُنتج ممارسات صحّية وسيحدّ من حوادث القمع والاعتداءات التي تُجرى بغطاء من الأحزاب، عندها سيندفع الناس باتّجاه حضن الدولة. 

هي إذاً خطوات بعضها بسيط وكثيرها معقّد، لكنّها تبقى المدخل الإلزامي والضروري لحماية الوطن، وأكثر طوائفه تضرراً من الوضع الذي وصلنا إليه، نتيجة التسليم لـ”قوى الأمر الواقع” بحجّة “الواقعية”.

دورنا نحكي