يعدّ مبنى بلدية القامشلي واحداً من أبرز معالم المدينة، البناء الذيّ شُيّد في ثلاثينات القرن الماضي، وعاصر الانتداب الفرنسي، والاستقلال، والوحدة، والانقلابات، والحروب، والثورة السورية، مرّ أمامه الآلاف، ومن ساحته انطلقت قصص المدينة، وبقي حاضرًا في صور الأجيال وذاكرتهم.
أمام بابه، تظاهر الناشطون والصحافيون قبل أعوام، بسبب غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المحروقات، لكن اليوم، وجد سكان المنطقة أنفسهم أمام واقع جديد: بناء البلدية هُدم!
الهدم فجأة!
اكتُشف منذ أسابيع أثناء ترميم البناء، لوحة كتب عليها “دار بلدية القامشلية-1935″، ما أعاد تسليط الضوء على رمزية المعلم الإداري التاريخية، كواحد من أقدم المباني الرسمية في المدينة، التي كانت تستعد لإحياء الذكرى المئوية لتأسيسها في 5 آب/ أغسطس المقبل.

“حرب البيانات”
لا تنحصر القضية بإزالة مبنى من وسط المدينة، بل يُطرح سؤال أكبر يتعلق بعلاقة المدن بتاريخها، وتخبّط المواقف الرسميّة، فبعد أيام من اكتشاف اللوحة الحجريّة بدأت عملية الهدم، وسط استياء شعبي. وقالت البلدية حينها إن مشروعاً ضخماً سيُبنى خلال سنوات، وإن القرار “لم يكن قراراً آنياً أو غير مدروس، بل جاء بعد سنوات من الدراسة والتقييم، واستند إلى واقع المبنى الفني، والاحتياجات المتزايدة للمدينة، ومبادئ التخطيط العمراني، وآراء المؤسسات ذات الصلة”. وأضافت البلدية أنها “تقرر إنشاء مبنى خدمات جديد في موقع أكثر ملاءمة، مع استثمار الموقع الحالي في مشروع تجاري يخدم المدينة”.
هناك من يرى في الهدم خطوة نحو فلسفة عمرانية مستقبلية، تمنح فرص عملٍ وتتيح إقامة محال تجارية عصرية، فيما يرى آخرون فيه خسارة لجزء من ذاكرة القامشلي، غير أن هذه التوقعات تبقى محكومة بغياب الشفافية في منح مناقصات الهدم والبناء، وضمانات عودة الموارد المالية لمشروع البلدية الجديد، الذي لا يُعرف أساساً أين سيُبنى، سوى ما قيل عن تشييده في مكان موقف الباصات القديم، الذي بدوره سيُنقل الى مكانٍ أخر لقاء مبالغ مالية.
اللافت أن البلدية نفت أن يكون المبنى مصنفاً كموقع تراثي، مؤكدة حصولها على موافقات الجهات الثقافية والأثرية التي أكدت عدم وجود أي مانع قانوني أو أثري للهدم، مع الحفاظ على اللوحة التاريخية للمبنى وإعادة تركيبها في المبنى الجديد.
لكن المفارقة، أن بلدية القامشلي أكدت سابقاً، التزامها بصون اللوحة المكتشفة كإرث ثقافي، موضحة أن الهدم جاء بسبب عدم صلاحية المبنى القديم، ومشددة على أنه سيتم الحفاظ على النقش الأصلي العائد الى عام 1935 وعرضه في متاحف المدينة أو داخل المقر الجديد.
من جهته، أصدر الفريق الرئاسي المكلّف بالإشراف على تنفيذ اتفاقية 29كانون الثاني/ يناير بين قسد والحكومة السورية، بياناً أدان فيه هدم مبنى البلدية القديم، معتبراً ذلك اعتداءً على أحد المعالم التاريخية وإضرارًا بإرث المدينة الحضاري. وأكد أن الأملاك العامة ملك لجميع السوريين، ولا يجوز التصرف بها خارج الأطر القانونية، مشددًا على أن أي إجراءات من هذا النوع لا تترتب عليها آثار قانونية وستُراجع وفق القوانين النافذة.
إقرأوا أيضاً:
كما دعا البيان الجهات التابعة لـ”قسد” التي لم تستكمل الاندماج، إلى وقف أي تصرفات أحادية تتعلق بالأملاك العامة، وحثّ المواطنين والمستثمرين على عدم إبرام أي تعاقدات بشأنها خارج الأطر القانونية، مؤكدًا أن حماية المؤسسات العامة والتراث التاريخي مسؤولية مشتركة تعزز الاستقرار وسيادة القانون.
تواصل “درج” مع الجهتين للحصول على مزيد من التفاصيل حول عملية الهدم وجدل الشارع، لكنه لم يحصل على تعليق حتى لحظة نشر الموضوع.
لم تتوقف “حرب البيانات” عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية وحدها لا يكفي!
المنظمة الأثورية الديمقراطية أكدت رفضها قرار الهدم، معتبرة المبنى أحد أبرز رموز المدينة العمرانية والثقافية وجزءاً من الذاكرة المشتركة لجميع مكوناتها. ولفتت الى أن هدمه، بالتزامن مع اقتراب الذكرى المئوية لتأسيس القامشلي، يمثل إضرارًا بإرث المدينة الحضاري وهويتها المعمارية.
كما أدان تيار المستقبل السوري هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي، كونه يعدّ تجاوزًا يمس الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن المبنى، المشيد عام 1935، يُعد أحد أبرز معالم المدينة التاريخية، ومؤكدًا دعمه حماية التراث الثقافي.
بين التراث والآثار
توصيف البناء بأنه “أثري” لا يقتصر على الآراء والعلاقة مع المكان، هو عملية إدارية وتأريخيّة يقوم بها المتخصصون بالتعاون مع الجهات الرسمية لتحديد صفة المبنى.
في حديثه مع “درج”، قال الأكاديمي مسعود المجيد: “لم يُعتبر مبنى بلدية القامشلي مبنى أثرياً لدى دوائر الآثار ومديرياتها في الحكومات السورية المتعاقبة، هو فقط يحمل ميزة عاطفية ورمزية ونفسية لدى أهالي القامشلي”.
يعود المجيد الى قضية الهدم ويتساءل: هل كان الهدم ضرورياً أو لا؟ ويضيف: “لم تُجرَ للمبنى أي دراسات او استكشافات للحالة الإنشائية، كما أن تدعيم المنشآت وتطعيمها أصبحا من العلوم والتطبيقات المتاحة اليوم. فهناك منشآت عمرها آلاف السنين، لا تزال قائمة ومحافظة على أصالتها، ويُجرى لها تدعيم لبعض العناصر الإنشائية، مثل الأساسات والجدران الحمالة والأعمدة، فتظلّ في الخدمة مع الحفاظ على شروط السلامة الهندسية. أما هذا المبنى فلم تُجرَ له أصلاً أي اختبارات”.
يضيف المجيد: “قد يصبح المبنى غير قابل للتدعيم في حالات هندسية نادرة، حين تكون العناصر الحاملة غير قادرة على أداء الغرض المطلوب، أو في حالات الهبوطات التي لا يمكن إيقافها، أو حين يكون الترميم أكبر من قيمة المبنى الاقتصادية”.
يضيف المجيد في حديثه مع “درج”: “لا يفي مبنى البلدية بالغرض الوظيفي من حيث حيثيات الحركة العمرانية والتضخم السكاني وزيادة مساحة المدينة. فقد شُيِّد في منطقة مزدحمة بالسكان ولا تحمل معايير وميزات مناسبة. والسؤال الأهم: كيف يتم بيع حصة من القطاع العام لأشخاص من دون وجود قرار رسمي أو الرجوع الى الهيئات المسؤولة؟كيف يباع قطاع عام لشخص من القطاع الخاص من دون العرض ومن دون معرفة الآخرين، خصوصاً أن المال العام ملك للدولة ولا يجوز التصرف به أبداً”، مختتماً حديثه: “لا تكمن المشكلة في نقل مبنى البلدية الى مكان آخر أكثر فخامة وهيبة عمرانية، وإنما في: كيف تم بيع المال العام ولمن”؟.
من جهتهم، أعرب عدد من أبناء القامشلي عن مخاوفهم من الجوانب القانونية المرتبطة بالمشروع الاستثماري المزمع إقامته في موقع مبنى البلدية القديم، إذ تساءل عبود عبود (اسم مستعار)، وهو صاحب محل تجاري يقع بالقرب من مبنى البلدية “عن الأساس القانوني الذي سيستند إليه بيع المحال والمكاتب التجارية الجديدة، وما إذا كانت العقود ستظل سارية في حال عادت إدارة العقار إلى الحكومة السورية مستقبلاً، ومن سيتحمل أي خسائر قد تلحق بالمستثمرين أو المواطنين”.
في حين أشارت صبا حنين، بائعة في إحدى محلات شارع البلدية، إلى “ضرورة توضيح الوضع القانوني لملكية الأرض”، معتبرة “أن حسم هذه المسألة يجب أن يسبق تنفيذ أي مشروع استثماري”، ومطالبة بـ”وقف الأعمال وإعادة بناء المبنى بطابعه المعماري الأصلي حفاظاً على هوية المدينة، ومعالمها التاريخية، وسط استمرار تراجع البنية التحتية والخدمات”.













