يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هذا الرفض ليس صديقي 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يتّهم الكثيرون اللبنانيين أو أي من البلاد الموبوءة بالأزمات المتتالية بـ”النقّ” (التذمّر)، حتى أنا، لاحظت من فترة أننا كلبنانيين، قذ ننقّ أكثر من غيرنا، نتذمّر من أشياء كثيرة، من البرد والدفء والناس والغربة والوحدة والشدّة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في أيلول/ سبتمبر، سيكون قد مرّ على رحيلي من لبنان إلى لندن سنة كاملة. هذه ليست مدوّنة للتعبير عن اشتياقي للبلد ولا عن قلقي عليه، إنها مدوّنة عن رفض لا أثق به.


منذ قدومي إلى لندن للدراسة، وأنا صامتة بشكل غريب، أتردّد في التكلّم عن مشاعري، أُخفي الكثير من الأشياء التي تعرّفني عن نفسي وعمّا أحبّ، وأتردّد في خطوات كانت دائماً متردّدة، لكنّي على الأقلّ كنت أمارسها بثقة. 
اختفت فجأة رغبتي في المحاولة، ولم أعرف السبب المباشر لذلك، غير مشاهدة العالم صامتاً عن موتنا، أو بلدي لبنان في حالة حرب دامية، أو عيشي في واقع مختلف كلياً عن واقع بلد يُهدَم، أو دراستي لحقوق الإنسان ومحاولاتي لترجمة سياقنا فيها، أو اشتياقي لأكلات لم أرغب فيها أبداً، أو الرومنسية الصادمة للبلاد التي أرهقتني، أو حتى انعدام الشمس التي أعشقها طبعاً. 

كنت أعرف أن هناك شيئاً آخر. هل لأنّني أتأمّل وأبحث بصمت عن مساحة لي في مكان جديد وكبير؟ هل لأنني وحدي هنا، وعلى الرغم من الصداقات المرحّبة والدافئة، لست محاطة بشبكة من صداقات البيت والطمأنينة؟ أو لأنني أعلم أن الرفض هذا، أقلّ لطفاً؟ 

الرفض الذي أثق به  


بيني وبين الرفض علاقة جيّدة، بنيتها مع الوقت وتعلّمت أن الرفض هو جزء من تجربة الأشياء الجديدة. لقد رُفضت على مدى سنتين قبل أن أحصل على منحة دراسية في الخارج مثلاً، لقد رُفضت من فرص عمل كثيرة حصلت بالمقابل على الكثير ممّا يشبهني بعدها، لم يزعجني هذا النوع من الرفض أبداً، بل على العكس، أصبح سرّي الصغير الذي أثق به، والذي يطمئنني أنني أمرّن نفسي للوصول إلى ما يشبهني.

الرفض الذي لا نثق به هو رفض سياسي

 لكن في الغربة، رفض من نوع آخر. عندما تختار أن ترحل عن مكان لم تكن تعلم إن كنت ما زلت جزءاً منه، أو أنه انفصل عنك بشكل كامل، هو رفض غير معلن عبر بريد ألكتروني، أو مرفق ببريد مطمئن غير متوقّع، غير مرتبط بعلاقاتك مع منظومة أو فرصة أو مكان، هو رفض لطيّات من النفس في مكانين في الوقت نفسه.

يتحدّث الكثيرون عن عدم القدرة على التعرّف على النفس في البلد أو خارجه عندما يرحلون، ولكن متى نعلن عن رفضنا لأنفسنا عندما تضيع هويّتنا بين هويّات مختلفة؟ أو رفضنا لصور عن حياتنا تمرّ يومياً في ذهننا، وكأننا فجأة أصبحنا نشاهد فيديو شريطي عن حياتنا السابقة. نقرأها عن بعيد، نراقبها بتمعّن ونحكم عليها بقسوة شديدة. لماذا اخترت ما اخترته؟ كيف عشت ما عشته؟ لماذا لم يعش الكثيرون ممّن أصبحوا في دوائري اليومية في الغربة، حياة متعثّرة مماثلة؟.

لا أتمنّى لهم ذلك، لكنّني أجد نفسي متعثّرة، مثل سياقي، عندما أتكلّم مع أحد، وأدرك أن سياقنا اليومي في لبنان هو ما ينظر إليه الجميع بعين أنثروبولوجية، بخوف كبير و باستغراب، كيف عشتم ذاك الانفجار؟ كيف يعيش الناس في الحرب؟ كيف أهلك؟ كيف أصحابك؟ كيف رح تزوري نفس المكان المتعب هذا الصيف، الذي كنّا نشاهد فيديوهات قصفه يومياً منذ بضعة أشهر؟ ماذا تقصدين عندما تتحدّثين عن قلق دائم وانعدام فرص حصرياً في هذا المكان؟ “That must have been difficult”. هذه النقاشات التى أخوضها في مكان لا يعرف سوى الأخبار المفلترة والمعلّبة إلى لندن. 

 يتّهم الكثيرون اللبنانيين أو أي من البلاد الموبوءة بالأزمات المتتالية بـ”النقّ” (التذمّر)، حتى أنا، لاحظت من فترة أننا كلبنانيين، قذ ننقّ أكثر من غيرنا، نتذمّر من أشياء كثيرة، من البرد والدفء والناس والغربة والوحدة والشدّة. 

وأنا الآن، أنقّ. لكن لديّ فرضية تتعدّى فكرة أن هذه العادة هي عادة سيّئة فحسب، فنحن لا نتذمّر فقط لأنها عادة سيّئة، نتذمّر لأننا لا نشعر أن مَن حولنا يرانا، أي أنه لا يرى ما مررنا به على مرّ السنوات، فليس في وسعه أن يفهم عندما أنظر إليه وأقول إن صيفية العام 2021 كانت من الصيفيات المؤلمة. فتفاصيل انعدام البنزين والغضب العارم من تفجير بيروت وانعدام النوم هذه، لم تصل إلى العالم لأنها  لم تناسب أجندات اللا إمبريالية المهيمنة، الخارجة عن سياقها في بعض الأحيان في الغرب.


أو عندما أنظر إلى أحد وأقول، ضاعت عليّ فرص كثيرة في السابق لأن دماغي كان مشغول. فعلاً، كان مشغولاً على مدى سنوات بالانفجارات والأزمات والخوف وانعدام الفرص والمحاولات.


هنا، يأتي الرفض، هنا تشعر أنك لا تستطيع أن تخبر الكثير، لأنك لا تريد إشباع النظرات الأنثروبولوجية حول حياتك، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تنقل برنامج حياتك التي تراقبها من بعيد الآن، ببساطة لأنها صورة قيد الاكتمال. هنا، يأتي النوع اللدود من الرفض، رفضك لذاتك، للمحيط الجديد، رفض المحيط الجديد لك، وإن كان لا يقصد ذلك.


تشعر بأن قصّتك غير مهمّة بالطبع، مقارنة بمن يموت يومياً أو لم ينجُ أصلاً في بلدك. يختفي صوتك، شيئاً فشيئاً، يختفي ويصغر ويصبح بعيداً عنك وعن غيرك، خاصّة إن لم ترد تعديله إلى لغة جديدة، إنجليزية، وربما رأسمالية، وربما سلعاوية.


يأتي الرفض أيضاً في كل صورة تعيشها. في القطار السوداوي الذي لا يدخله الضوء أو الشمس، حيث الناس لا تبتسم وهي في حالة تذمّر صامتة إذا تباطأت سرعته على الجري إلى العمل. تتذكّر أننا نتذمّر أيضاً في بلادنا، ونقود سيّارتنا بغضب وفوضى، لكنّنا نتوقّف عند أقرب دكّان على الطريق، ونشعر بثقة غريبة بأن من يرانا، عاش حياتنا معنا، ونذهب حيثما شئنا وأينما شئنا. حرّية غريبة مرتبطة بالفوضى وعدم اليقين، فتسأل نفسك، هل الحرّية أصبحت مرتبطة بالفوضى فقط بذهني؟ هل ترفض أشكال الحرّية هنا لأنها لا تشبه طمأنينة هويّتنا، على الرغم من انعدام توحّدها، في بلدنا؟
وإذا رفضت كل أشكالها، ما هو شكلها الجديد؟ هل يجب أن يكون شكلاً جديداً، مطمئناً، على الرغم من انعدام اليقين، ولكنّه وحيد؟

 لنا مع الرفض الذي لا نثق به تجارب مختلفة لا تشبه بعضها. يحيط بنا في كل خطوة، فمن الممكن مثلاً أن ننسى أين نحن، من الممكن أن نرحل ونترك الطرق والجلسات والإيماءات المفهومة والفوضى والشمس والحياة التي عشقنا أجزاءً كبيرة منها، لنعيش بين جدران غرفة نوم، ونرى شيئاً جديداً عندما لا يأكلنا الرفض بين كل حين وحين.


الرفض الذي لا نثق به ليس مجرّد رفض شخصي، فهو، مثل كل شيء اجتماعي وسياسي وهيكلي.


في دراستي لحقوق الإنسان، كتبت مرّة عن أهمّية المصالحة في إطار تفجير مرفأ بيروت، لا لأنه مشكل بين فئتين، بل لأنه كان على الدولة اللبنانية أن تصالح شعبها الذي قتلته. فتناولت الموضوع من إطار المصالحة، من التعويض إلى الاعتذار والاعتراف وإحضار العدالة بعد سنوات من المحو وانعدام العدالة والإفلات من المحاسبة. أعجب النصّ الأكاديمية البريطانية كثيراً، لكنّها رفضت أن تعتبر أنه يصبّ في سياق المصالحة، لأنه لا يناسب مفاهيم الدراسة الإنكليزية لمبدأ المصالحة الابستمولوجي؛ أي العلم المعرفي، فاعتبرت أن الموضوع لا يتطابق مع مبدأ المصالحة لأنه لا يندرج ضمن خانة الصراع بين طرفين سياسيين.


هي أيضاً، رفضت. رفضت أن تعتبر أن شعباً بكامله قد يُعتبر طرفاً سياسياً، رفضت أسلوباً آخر لتناول قضايانا التي نعرف عنها نحن، من تجاربنا وعيوننا الحاملة أحزاناً مفهومة، بعيداً عن النظريات المكتوبة بكلمات رنّانة. 

برفضها هذا، مارست عليّ عقاب العلامة غير الجيّدة كفاية، على الرغم من اقتناعها بأسلوبي. لا أقول إن هذه كانت تجربتي الوحيدة أو الشاملة، فقد كان لي أكاديميون كثر تمرّسوا برفع تجارب العالم الجنوبي ضمن الهيكلية الموجودة، وافسحوا المجال لتجاربنا الحسّية ضمن المراكز الأكاديمية، عارفين تماماً أنها إمّا أن تنتمي إلى هذا النظام المعرفي وإمّا أن تقاومه بقوّة. لهؤلاء كتبت الكثير ممّا مرّرت به، وهم أيضاً، بقبولهم، ذكّروني أن الرفض بنيوي. 

في لحظات مثل هذه، نتذكّر أن هذا الرفض الذي يتراكم في داخلنا قد لا يأتي دائماً منّا نحن. يأتي من البنية، الهيكلية، المكان والزمان. يأتي من هيكليات تتسّع فقط للأصوات المعلّبة التي تتّسع في علب العلم والعمل والنظام الذي تسكن داخله، الذي صنعه بكثير من الأحيان، أو يُديره، علم المعرفة الغربي.
وهنا، رفض ممّن لا يتقبّل حتّى إفساح هذا المجال. 

يعتبر الكثيرون أن من يعيش في الغرب لا يحقّ له أن ينتقده أو ينتقد أساليبه، لكنّ الغرب يجب ألّا يتّسع للعالم كله. كيف له ألّا ينتقد وهو الرائد في صنع المعرفة، وبالتالي، اختيار الفرص والمحطّات والتدرّجات الجيّدة بما فيه الكفاية. لا يمكن أن نحاسب القويّ مثل ما نحاسب الضعيف، فذاك أضعف الإيمان. ولا يمكن ألّا ننتقد الغرب ضمن طيّات نفسه وركائزه وهياكله. في الاستفادة من موارد شيء لأننا نستحقّها، لا تعني أنه علينا أن نطيع هذا الشيء. ببساطة، لأن موارد الغرب هذه لم تأتِ من عبث، بل أتت من سنين من الاستفادة من موارد العالم الجنوبي أو الأضعف.

 على سبيل المثل فقط، استبدل العالم الغربي مبدأ التشارك في القوّة العالمية بالقليل من المنح والمساعدات والهيكليات، التي تمنح مساعدات مؤقّتة مثل هيكليات حقوق الإنسان والتنمية، والتي ينتجها ويقدّمها كهديّة لعالم الجنوب. 

في كتابه “لا يكفي” (Not Enough) يُبيّن صامويل موين كيف تراجع مشروع الجنوب العالمي في السبعينيات، للمطالبة بدور فعلي في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي (ما عُرف بالنظام الاقتصادي الدولي الجديد)، ليحلّ محلّه خطاب حقوق الإنسان والتنمية القائم على “الكفاف”، أي تأمين حدّ أدنى من الاحتياجات بدل معالجة اختلال القوّة نفسه بين الشمال والجنوب. 

وانطلاقاً من هذا الإطار، يمكننا أن نفهم أن هذا النظام لم يصل مصادفةً إلى مكان نُشاهد فيه اليوم إبادات جماعية وصمتاً عالمياً حولها في فلسطين وغيرها من بقاع العالم، ونرى أشكالاً من “الدعم” تُقدَّم لمنطقتنا كتعويض عن الأزمات الإنسانية الناتجة، سواء كانت فقراً اقتصادياً أو انتهاكات لحقوق الإنسان. 

هذه الحقيقة لا تبرّئ منظومتنا المحلّية من مسؤولياتها، في حكوماتنا العربية التي تقاوم أي شكل من أشكال الوصول إلى العدالة، أو أنظمة حقوق الإنسان التي تتحمّل جزءاً أصيلاً من هذا الفشل. لكنّها، أي هذه الحقيقة، تدفعني دائماً إلى التفكير في الماضي كعامل مساهم في واقع حقوق الإنسان الذي فشلت حكوماتنا العربية في بنائه، بل والأهمّ من ذلك، همّشته عن قصد.

لكن هذه الفكرة التحليلية لا ترد رأسي بشكل يومي، ففي معظم الوقت، ينقّ على رأسي الرفض الذي لا أثق به بطريقة أبسط، فأهاجمه برفض مشابه. أغضب لأنني أعيش في مكان يرفض أن يرى موازين القوى هذه، أو أرفض أن أعود إلى مكان يرفض أن يمنحنا عدالة وحماية حقيقيّة، وأرفض ألّا يكون لي صوت هنا، وأرفض الأسس هنا وهناك، ويستغرب البعض، ويختصر رفضي المردود على أصحابه بالسوداوية أو السلبية اتّجاه الحياة أو السردية النمطية للضحيّة، وكأنه لا يحقّ لنا أن نردّ على هذا التهميش برفض غاضب وواضح. 

يتجاهل أولئك أن الايجابية هذه تكمن في الاستمرار بالمحاولة، رغم اليقين بأن العالم سيصبح متصالحاً أكثر مع رفض الأقلّيات وغير المتساويين بموازين القوى، أو أن ضحايا هذا العالم هم فعلاً ضحايا. 

ففي كل مرّة نسمح فيها بالتغاضي عن انتهاك أكبر، مثل إبادة الآلاف مثلاً، نخلق سابقة أكبر من الإفلات من العقاب، ونعبّد الطريق لإفلات جديد من إجرام أكبر يخلق ضحايا جدداً. 

 في الغربة، يصبح الرفض صديقاً لا يطاق، يعيش معك كل يوم، فلا تعرف معظم الوقت أين تتركه عندما تغادر المنزل للالتقاء ببعض الأصدقاء. هل هو مرحّب به ليزورني؟ هل أريده دائماً في حياتي؟ متى أعزله ومتى أحتويه لأحوّله إلى مساحة مقاومة؟
في الغربة عن البلاد، يصبح الرفض المردود منّا مجرّد محاولة بائسة للحداد على ماضٍ أُجبرنا على التخلّي عنه، ومستقبل سيكون دائماً غير قادر على استيعابنا، غير قادر على حمل طيّات كثيرة ممّا أحببنا، وممّا ساعدنا تفاؤلنا على تخطّيه.


هذا الرفض الذي لا نثق به، غير صديق، غير واعد بشيء يشبهنا، ومرافق غير مرحّب به. نكرهه حين يزور، ونرغب في التخلص منه بسرعة قبل أن نتحوّل إلى كتلة سامّة من عدم قبول أيّ تفصيل لا يزال مرحّباً به. أحياناً، نتركه في المنزل، ونستبدله بالصّمت، فنعود إليه بعد يوم طويل، فنجده منتظراً لاستكمال محادثة غير صامتة قبل النوم. 

17.09.2026
زمن القراءة: 8 minutes

يتّهم الكثيرون اللبنانيين أو أي من البلاد الموبوءة بالأزمات المتتالية بـ”النقّ” (التذمّر)، حتى أنا، لاحظت من فترة أننا كلبنانيين، قذ ننقّ أكثر من غيرنا، نتذمّر من أشياء كثيرة، من البرد والدفء والناس والغربة والوحدة والشدّة.

في أيلول/ سبتمبر، سيكون قد مرّ على رحيلي من لبنان إلى لندن سنة كاملة. هذه ليست مدوّنة للتعبير عن اشتياقي للبلد ولا عن قلقي عليه، إنها مدوّنة عن رفض لا أثق به.


منذ قدومي إلى لندن للدراسة، وأنا صامتة بشكل غريب، أتردّد في التكلّم عن مشاعري، أُخفي الكثير من الأشياء التي تعرّفني عن نفسي وعمّا أحبّ، وأتردّد في خطوات كانت دائماً متردّدة، لكنّي على الأقلّ كنت أمارسها بثقة. 
اختفت فجأة رغبتي في المحاولة، ولم أعرف السبب المباشر لذلك، غير مشاهدة العالم صامتاً عن موتنا، أو بلدي لبنان في حالة حرب دامية، أو عيشي في واقع مختلف كلياً عن واقع بلد يُهدَم، أو دراستي لحقوق الإنسان ومحاولاتي لترجمة سياقنا فيها، أو اشتياقي لأكلات لم أرغب فيها أبداً، أو الرومنسية الصادمة للبلاد التي أرهقتني، أو حتى انعدام الشمس التي أعشقها طبعاً. 

كنت أعرف أن هناك شيئاً آخر. هل لأنّني أتأمّل وأبحث بصمت عن مساحة لي في مكان جديد وكبير؟ هل لأنني وحدي هنا، وعلى الرغم من الصداقات المرحّبة والدافئة، لست محاطة بشبكة من صداقات البيت والطمأنينة؟ أو لأنني أعلم أن الرفض هذا، أقلّ لطفاً؟ 

الرفض الذي أثق به  


بيني وبين الرفض علاقة جيّدة، بنيتها مع الوقت وتعلّمت أن الرفض هو جزء من تجربة الأشياء الجديدة. لقد رُفضت على مدى سنتين قبل أن أحصل على منحة دراسية في الخارج مثلاً، لقد رُفضت من فرص عمل كثيرة حصلت بالمقابل على الكثير ممّا يشبهني بعدها، لم يزعجني هذا النوع من الرفض أبداً، بل على العكس، أصبح سرّي الصغير الذي أثق به، والذي يطمئنني أنني أمرّن نفسي للوصول إلى ما يشبهني.

الرفض الذي لا نثق به هو رفض سياسي

 لكن في الغربة، رفض من نوع آخر. عندما تختار أن ترحل عن مكان لم تكن تعلم إن كنت ما زلت جزءاً منه، أو أنه انفصل عنك بشكل كامل، هو رفض غير معلن عبر بريد ألكتروني، أو مرفق ببريد مطمئن غير متوقّع، غير مرتبط بعلاقاتك مع منظومة أو فرصة أو مكان، هو رفض لطيّات من النفس في مكانين في الوقت نفسه.

يتحدّث الكثيرون عن عدم القدرة على التعرّف على النفس في البلد أو خارجه عندما يرحلون، ولكن متى نعلن عن رفضنا لأنفسنا عندما تضيع هويّتنا بين هويّات مختلفة؟ أو رفضنا لصور عن حياتنا تمرّ يومياً في ذهننا، وكأننا فجأة أصبحنا نشاهد فيديو شريطي عن حياتنا السابقة. نقرأها عن بعيد، نراقبها بتمعّن ونحكم عليها بقسوة شديدة. لماذا اخترت ما اخترته؟ كيف عشت ما عشته؟ لماذا لم يعش الكثيرون ممّن أصبحوا في دوائري اليومية في الغربة، حياة متعثّرة مماثلة؟.

لا أتمنّى لهم ذلك، لكنّني أجد نفسي متعثّرة، مثل سياقي، عندما أتكلّم مع أحد، وأدرك أن سياقنا اليومي في لبنان هو ما ينظر إليه الجميع بعين أنثروبولوجية، بخوف كبير و باستغراب، كيف عشتم ذاك الانفجار؟ كيف يعيش الناس في الحرب؟ كيف أهلك؟ كيف أصحابك؟ كيف رح تزوري نفس المكان المتعب هذا الصيف، الذي كنّا نشاهد فيديوهات قصفه يومياً منذ بضعة أشهر؟ ماذا تقصدين عندما تتحدّثين عن قلق دائم وانعدام فرص حصرياً في هذا المكان؟ “That must have been difficult”. هذه النقاشات التى أخوضها في مكان لا يعرف سوى الأخبار المفلترة والمعلّبة إلى لندن. 

 يتّهم الكثيرون اللبنانيين أو أي من البلاد الموبوءة بالأزمات المتتالية بـ”النقّ” (التذمّر)، حتى أنا، لاحظت من فترة أننا كلبنانيين، قذ ننقّ أكثر من غيرنا، نتذمّر من أشياء كثيرة، من البرد والدفء والناس والغربة والوحدة والشدّة. 

وأنا الآن، أنقّ. لكن لديّ فرضية تتعدّى فكرة أن هذه العادة هي عادة سيّئة فحسب، فنحن لا نتذمّر فقط لأنها عادة سيّئة، نتذمّر لأننا لا نشعر أن مَن حولنا يرانا، أي أنه لا يرى ما مررنا به على مرّ السنوات، فليس في وسعه أن يفهم عندما أنظر إليه وأقول إن صيفية العام 2021 كانت من الصيفيات المؤلمة. فتفاصيل انعدام البنزين والغضب العارم من تفجير بيروت وانعدام النوم هذه، لم تصل إلى العالم لأنها  لم تناسب أجندات اللا إمبريالية المهيمنة، الخارجة عن سياقها في بعض الأحيان في الغرب.


أو عندما أنظر إلى أحد وأقول، ضاعت عليّ فرص كثيرة في السابق لأن دماغي كان مشغول. فعلاً، كان مشغولاً على مدى سنوات بالانفجارات والأزمات والخوف وانعدام الفرص والمحاولات.


هنا، يأتي الرفض، هنا تشعر أنك لا تستطيع أن تخبر الكثير، لأنك لا تريد إشباع النظرات الأنثروبولوجية حول حياتك، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تنقل برنامج حياتك التي تراقبها من بعيد الآن، ببساطة لأنها صورة قيد الاكتمال. هنا، يأتي النوع اللدود من الرفض، رفضك لذاتك، للمحيط الجديد، رفض المحيط الجديد لك، وإن كان لا يقصد ذلك.


تشعر بأن قصّتك غير مهمّة بالطبع، مقارنة بمن يموت يومياً أو لم ينجُ أصلاً في بلدك. يختفي صوتك، شيئاً فشيئاً، يختفي ويصغر ويصبح بعيداً عنك وعن غيرك، خاصّة إن لم ترد تعديله إلى لغة جديدة، إنجليزية، وربما رأسمالية، وربما سلعاوية.


يأتي الرفض أيضاً في كل صورة تعيشها. في القطار السوداوي الذي لا يدخله الضوء أو الشمس، حيث الناس لا تبتسم وهي في حالة تذمّر صامتة إذا تباطأت سرعته على الجري إلى العمل. تتذكّر أننا نتذمّر أيضاً في بلادنا، ونقود سيّارتنا بغضب وفوضى، لكنّنا نتوقّف عند أقرب دكّان على الطريق، ونشعر بثقة غريبة بأن من يرانا، عاش حياتنا معنا، ونذهب حيثما شئنا وأينما شئنا. حرّية غريبة مرتبطة بالفوضى وعدم اليقين، فتسأل نفسك، هل الحرّية أصبحت مرتبطة بالفوضى فقط بذهني؟ هل ترفض أشكال الحرّية هنا لأنها لا تشبه طمأنينة هويّتنا، على الرغم من انعدام توحّدها، في بلدنا؟
وإذا رفضت كل أشكالها، ما هو شكلها الجديد؟ هل يجب أن يكون شكلاً جديداً، مطمئناً، على الرغم من انعدام اليقين، ولكنّه وحيد؟

 لنا مع الرفض الذي لا نثق به تجارب مختلفة لا تشبه بعضها. يحيط بنا في كل خطوة، فمن الممكن مثلاً أن ننسى أين نحن، من الممكن أن نرحل ونترك الطرق والجلسات والإيماءات المفهومة والفوضى والشمس والحياة التي عشقنا أجزاءً كبيرة منها، لنعيش بين جدران غرفة نوم، ونرى شيئاً جديداً عندما لا يأكلنا الرفض بين كل حين وحين.


الرفض الذي لا نثق به ليس مجرّد رفض شخصي، فهو، مثل كل شيء اجتماعي وسياسي وهيكلي.


في دراستي لحقوق الإنسان، كتبت مرّة عن أهمّية المصالحة في إطار تفجير مرفأ بيروت، لا لأنه مشكل بين فئتين، بل لأنه كان على الدولة اللبنانية أن تصالح شعبها الذي قتلته. فتناولت الموضوع من إطار المصالحة، من التعويض إلى الاعتذار والاعتراف وإحضار العدالة بعد سنوات من المحو وانعدام العدالة والإفلات من المحاسبة. أعجب النصّ الأكاديمية البريطانية كثيراً، لكنّها رفضت أن تعتبر أنه يصبّ في سياق المصالحة، لأنه لا يناسب مفاهيم الدراسة الإنكليزية لمبدأ المصالحة الابستمولوجي؛ أي العلم المعرفي، فاعتبرت أن الموضوع لا يتطابق مع مبدأ المصالحة لأنه لا يندرج ضمن خانة الصراع بين طرفين سياسيين.


هي أيضاً، رفضت. رفضت أن تعتبر أن شعباً بكامله قد يُعتبر طرفاً سياسياً، رفضت أسلوباً آخر لتناول قضايانا التي نعرف عنها نحن، من تجاربنا وعيوننا الحاملة أحزاناً مفهومة، بعيداً عن النظريات المكتوبة بكلمات رنّانة. 

برفضها هذا، مارست عليّ عقاب العلامة غير الجيّدة كفاية، على الرغم من اقتناعها بأسلوبي. لا أقول إن هذه كانت تجربتي الوحيدة أو الشاملة، فقد كان لي أكاديميون كثر تمرّسوا برفع تجارب العالم الجنوبي ضمن الهيكلية الموجودة، وافسحوا المجال لتجاربنا الحسّية ضمن المراكز الأكاديمية، عارفين تماماً أنها إمّا أن تنتمي إلى هذا النظام المعرفي وإمّا أن تقاومه بقوّة. لهؤلاء كتبت الكثير ممّا مرّرت به، وهم أيضاً، بقبولهم، ذكّروني أن الرفض بنيوي. 

في لحظات مثل هذه، نتذكّر أن هذا الرفض الذي يتراكم في داخلنا قد لا يأتي دائماً منّا نحن. يأتي من البنية، الهيكلية، المكان والزمان. يأتي من هيكليات تتسّع فقط للأصوات المعلّبة التي تتّسع في علب العلم والعمل والنظام الذي تسكن داخله، الذي صنعه بكثير من الأحيان، أو يُديره، علم المعرفة الغربي.
وهنا، رفض ممّن لا يتقبّل حتّى إفساح هذا المجال. 

يعتبر الكثيرون أن من يعيش في الغرب لا يحقّ له أن ينتقده أو ينتقد أساليبه، لكنّ الغرب يجب ألّا يتّسع للعالم كله. كيف له ألّا ينتقد وهو الرائد في صنع المعرفة، وبالتالي، اختيار الفرص والمحطّات والتدرّجات الجيّدة بما فيه الكفاية. لا يمكن أن نحاسب القويّ مثل ما نحاسب الضعيف، فذاك أضعف الإيمان. ولا يمكن ألّا ننتقد الغرب ضمن طيّات نفسه وركائزه وهياكله. في الاستفادة من موارد شيء لأننا نستحقّها، لا تعني أنه علينا أن نطيع هذا الشيء. ببساطة، لأن موارد الغرب هذه لم تأتِ من عبث، بل أتت من سنين من الاستفادة من موارد العالم الجنوبي أو الأضعف.

 على سبيل المثل فقط، استبدل العالم الغربي مبدأ التشارك في القوّة العالمية بالقليل من المنح والمساعدات والهيكليات، التي تمنح مساعدات مؤقّتة مثل هيكليات حقوق الإنسان والتنمية، والتي ينتجها ويقدّمها كهديّة لعالم الجنوب. 

في كتابه “لا يكفي” (Not Enough) يُبيّن صامويل موين كيف تراجع مشروع الجنوب العالمي في السبعينيات، للمطالبة بدور فعلي في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي (ما عُرف بالنظام الاقتصادي الدولي الجديد)، ليحلّ محلّه خطاب حقوق الإنسان والتنمية القائم على “الكفاف”، أي تأمين حدّ أدنى من الاحتياجات بدل معالجة اختلال القوّة نفسه بين الشمال والجنوب. 

وانطلاقاً من هذا الإطار، يمكننا أن نفهم أن هذا النظام لم يصل مصادفةً إلى مكان نُشاهد فيه اليوم إبادات جماعية وصمتاً عالمياً حولها في فلسطين وغيرها من بقاع العالم، ونرى أشكالاً من “الدعم” تُقدَّم لمنطقتنا كتعويض عن الأزمات الإنسانية الناتجة، سواء كانت فقراً اقتصادياً أو انتهاكات لحقوق الإنسان. 

هذه الحقيقة لا تبرّئ منظومتنا المحلّية من مسؤولياتها، في حكوماتنا العربية التي تقاوم أي شكل من أشكال الوصول إلى العدالة، أو أنظمة حقوق الإنسان التي تتحمّل جزءاً أصيلاً من هذا الفشل. لكنّها، أي هذه الحقيقة، تدفعني دائماً إلى التفكير في الماضي كعامل مساهم في واقع حقوق الإنسان الذي فشلت حكوماتنا العربية في بنائه، بل والأهمّ من ذلك، همّشته عن قصد.

لكن هذه الفكرة التحليلية لا ترد رأسي بشكل يومي، ففي معظم الوقت، ينقّ على رأسي الرفض الذي لا أثق به بطريقة أبسط، فأهاجمه برفض مشابه. أغضب لأنني أعيش في مكان يرفض أن يرى موازين القوى هذه، أو أرفض أن أعود إلى مكان يرفض أن يمنحنا عدالة وحماية حقيقيّة، وأرفض ألّا يكون لي صوت هنا، وأرفض الأسس هنا وهناك، ويستغرب البعض، ويختصر رفضي المردود على أصحابه بالسوداوية أو السلبية اتّجاه الحياة أو السردية النمطية للضحيّة، وكأنه لا يحقّ لنا أن نردّ على هذا التهميش برفض غاضب وواضح. 

يتجاهل أولئك أن الايجابية هذه تكمن في الاستمرار بالمحاولة، رغم اليقين بأن العالم سيصبح متصالحاً أكثر مع رفض الأقلّيات وغير المتساويين بموازين القوى، أو أن ضحايا هذا العالم هم فعلاً ضحايا. 

ففي كل مرّة نسمح فيها بالتغاضي عن انتهاك أكبر، مثل إبادة الآلاف مثلاً، نخلق سابقة أكبر من الإفلات من العقاب، ونعبّد الطريق لإفلات جديد من إجرام أكبر يخلق ضحايا جدداً. 

 في الغربة، يصبح الرفض صديقاً لا يطاق، يعيش معك كل يوم، فلا تعرف معظم الوقت أين تتركه عندما تغادر المنزل للالتقاء ببعض الأصدقاء. هل هو مرحّب به ليزورني؟ هل أريده دائماً في حياتي؟ متى أعزله ومتى أحتويه لأحوّله إلى مساحة مقاومة؟
في الغربة عن البلاد، يصبح الرفض المردود منّا مجرّد محاولة بائسة للحداد على ماضٍ أُجبرنا على التخلّي عنه، ومستقبل سيكون دائماً غير قادر على استيعابنا، غير قادر على حمل طيّات كثيرة ممّا أحببنا، وممّا ساعدنا تفاؤلنا على تخطّيه.


هذا الرفض الذي لا نثق به، غير صديق، غير واعد بشيء يشبهنا، ومرافق غير مرحّب به. نكرهه حين يزور، ونرغب في التخلص منه بسرعة قبل أن نتحوّل إلى كتلة سامّة من عدم قبول أيّ تفصيل لا يزال مرحّباً به. أحياناً، نتركه في المنزل، ونستبدله بالصّمت، فنعود إليه بعد يوم طويل، فنجده منتظراً لاستكمال محادثة غير صامتة قبل النوم. 

17.09.2026
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية