“ما كنت بعرف شو قدامي، بس كنت بدي أهرب من أهلي. تزوجت هالشخص وخلفت منه، واكتشفت إنه شخص عديم المسؤولية والإحساس. ما بيضرب، بس بسبّ عليّ كثير، ما عنده مشاعر، فارغ تماماً. بحاول أغيّره، أحرّك فيه شي، بس متل الحيط”.
بهذه الكلمات تختصر شابّة أردنية تجربتها المريرة مع عنف في منزل العائلة، حاولت النفاذ منه بزواج تقليدي. الشابّة التي فضّلت عدم ذكر اسمها، تعيش تجربة متكرّرة في بعض البيئات الأسرية الأردنية: محاولة الهروب من العنف الأسري عبر الزواج، لتجد نفسها في حلقة أخرى من الألم.
العنف الأسري لا يبدأ دائماً بالضرب أو الإهانة الظاهرة، بل غالباً ما يتجذّر في الطفولة، على شكل إهمال عاطفي. تنشأ الفتاة في بيئة تفتقر إلى الحنان والحوار والدعم، ما يُضعف لاحقاً قدرتها على بناء علاقات صحّية.
وفقاً للتقرير السنوي للفريق الوطني لحماية الأسرة من العنف، بلغ عدد حالات العنف الأسري المبلّغ عنها في الأردن في عام 2023 نحو 58,064 حالة، شملت أنماطاً متعدّدة من العنف الجسدي، الجنسي، النفسي، والإهمال، بزيادة بلغت نحو 38% عن العام 2022. وأفادت التقارير بأن النساء بين 18 و60 عاماً، هن الأكثر تعرّضاً للعنف، وأن “الزوج” هو الأكثر ارتكاباً للعنف الجسدي في الأسرة.
“هربت من عنف أمّي… لأقع في عنف زوجي”
تروي سارة (اسم مستعار) لـ”درج” تجربتها، حين تزوّجت للهروب من عنف والدتها، تقول: “تقدّم لي شابّ أحببته، لكنّ أمّي رفضته لأنه من محافظة أخرى. تعرّضت للضرب الشديد، ثم جاء شابّ آخر يلائم شروط والدتي، فوافقت دون تفكير، فقط لأهرب”.
اليوم، تعاني سارة في زواجها من انعدام الدعم والمساندة، لكنّها لا ترى خياراً سوى البقاء، لأن الطلاق يعني العودة إلى بيت والدتها وسلطة أعنف، تقول: “ندمت كثيراً. ظنيت الزواج خلاص، بس لقيته دوامة جديدة”.
منظومة تمييزية تغذّي العنف
رنا أبو السندس مسؤولة البرامج والأنشطة في جمعيّة “تضامن النساء الأردني”، توضح أن “العنف ضدّ النساء يرتبط بعوامل بنيوية، من بينها العادات والتقاليد، والقراءات الدينية الذكورية، والتشريعات التمييزية، مثل عدم منح الجنسية لأبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردنيين”.
وتقول: “تنشأ العلاقات داخل بعض الأسر على أساس سلطة الذكور وتبعية النساء، ويُنظر إلى الزواج كملاذ من العنف داخل البيت الأبوي. لكن في كثير من الحالات، تنتقل النساء إلى دائرة عنف جديدة، حيث يُعاد إنتاج الذكورية نفسها من خلال الزوج، ما يضع المرأة أمام عنف مضاعف ومعقّد”.
بين العزوبية والطلاق: العنف لا يتوقّف
دالية (اسم مستعار) شابّة عشرينية، تخبرنا أنها واجهت ضغطاً شديداً من أسرتها فقط لأنها رفضت زواجاً قسرياً، تقول: “كلّ مرّة أحاول أتكلّم أو أشرح، أواجه الضغط والحرمان من أبسط حقوقي. دخلت في اكتئاب حادّ”.
رغم أن القانون يُتيح لها اللجوء إلى القضاء لتزويج نفسها، إلا أن دالية تخشى فقدان أسرتها ومكانتها الاجتماعية، فتتردّد في اتّخاذ أي خطوة، أما لين (اسم مستعار) وهي امرأة مطلّقة في الأربعين من عمرها، فقد اختبرت أشكالاً متعدّدة من السيطرة والعنف، أُجبرت على الزواج من شابّ اختارته والدتها، فقط لأنه نال رضاها.
وتقول: “زوجي كان غائباً طوال الوقت، وقررت الطلاق وأنا حامل. بس ما قدرت أعيش لحالي، لأن أمي قالت لي: ما عنا بنات يعيشن وحدهن”. لين، رغم تحصيلها العلمي العالي، لا تزال تحت سلطة والدتها، كما أن ابنتها تتعرّض لأشكال من التنمّر والتمييز لأنها “ابنة المطلّقة”.
الوعي أساس الحماية
الدكتورة نهلا المومني مفوّضة الحماية في “المركز الوطني لحقوق الإنسان”، تؤكّد أن “القوانين الأردنية تكفل الحماية من العنف، لكنّ التحدّي الأكبر يكمن في ضعف التوعية”.
وترى أن “كثيراً من النساء لا يعرفن حقوقهن، ما يجعلهن عرضة للاستغلال. لا بدّ من ضمان المساعدة القانونية المجّانية، وتجريم كلّ أشكال العنف، وتشديد العقوبات، خاصّة مع تطوير آليات الإبلاغ في المرافق الصحّية”.
من بيئة عنيفة إلى شريك مؤذٍ
الاستشارية النفسية والتربوية حنين البطوش، تشير إلى أن “النساء اللواتي نشأن في بيئات عنيفة، غالباً ما يدخلن علاقات مؤذية لاحقاً”.
وتقول: “العنف في الطفولة يطبع العلاقة مع الذات والآخر. فتنجذب المرأة لا شعورياً إلى شريك غير آمن، أو تتسامح مع الإهانة خوفاً من الوحدة”، وتضيف:
“النساء لا يميّزن أحياناً بين علاقة صحّية وأخرى مؤذية. انخفاض تقدير الذات، وغياب التأهيل النفسي، يُبقي العنف مستمراً عبر الأجيال”.
وتشدّد البطوش على أن “الزواج للهروب من العنف ليس حلاً، بل انعكاس لأزمة تربوية وثقافية أعمق”، وترى أنه “حين تُجبر المرأة على اتّخاذ قرارات مصيرية تحت ضغط الألم، فهي تدخل حياة جديدة بأدوات نفسية منكسرة”، وتختم: “التغيير لا يبدأ من الهروب، بل من التمكين، والوعي، والعلاج”.
العنف ضدّ النساء… قضيّة عالمية
تؤكّد المنسّقة المقيمة للأمم المتّحدة في الأردن شيري ريتسيما- أندرسون، أن “العنف ضدّ النساء ظاهرة عالمية، والأردن ليس استثناءً”، وتقول: “أكثر من نصف النساء اللواتي يتعرّضن للعنف في الأردن لا يطلبن المساعدة، وهذا مكلف أخلاقياً واقتصادياً”.
وتشير إلى أن “العنف الأسري كلّف الأردن أكثر من 130 مليون دينار أردني في عام 2021، أي ما يعادل 0.4% من الناتج المحلّي الإجمالي”.
كما تؤكّد أن “العنف الاقتصادي يُعد من أخطر أشكال الانتهاكات، لأنه يمنع النساء من الإبلاغ خوفاً من خسارة المسكن أو الحضانة أو عدم القدرة على دفع تكاليف الدعم القانوني، في ظلّ مشاركة اقتصادية للنساء لا تتجاوز 14%”.
لا يكفي الهروب
“الانتقال من بيت مؤلم إلى زواج غير مؤهّل نفسياً، قد يكون مجرّد تبديل شكل العنف”، بهذه العبارة تختم البطوش حديثها، مؤكّدة أن “الحل يبدأ من الوعي والتأهيل، لا من الهروب”.
إقرأوا أيضاً:










