يوم واحد يفصل تونس عن موعد الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، التي يتضح يومياً أن الرئيس قيس سعيد قد هيأ كل ظروفها من أجل أن تكون مجرد مناسبة لتجديد عهدته لا غير، وكي يضمن الحفاظ على كرسي الرئاسة ولتجنب المفاجآت المزعجة، أعد العدة جيداً، مستفيداً من صلاحياته الواسعة وبلا أي رادع. فالرجل الذي وصل إلى منصبه بانتخابات نزيهة سنة 2019 وبتصويت كبير لصالحه، بات يخشى اليوم أن يفشل في اختبار شعبيته التي يدرك جيداً أنها اهتزت، بعدما تبيّن للكثير من التونسيين أن بيع الأوهام لا يُحدث التغيير المأمول.
في السنوات الثلاثة التي تلت ما سُمّي بـ”الإجراءات الاستثنائية” أسس قيس سعيد نظاماً سياسياً جديداً، ورغم الشعبية التي كان يتمتع بها بين التونسيين، إلا أن معدلات الامتناع عن التصويت سواء خلال الاستفتاء على الدستور أو الانتخابات التشريعية والمحلية التي قاربت الـ90 في المئة، كشفت اهتزاز هذه الشعبية.
وإن أنكر سعيد هذا التراجع الكبير في شعبيته، إلا أن ما اتخذه شخصياً من قرارات وما اتخذته الهيئات المحسوبة عليه من إجراءات، أثبت أنه أدرك ذلك جيداً وتصرف بناء عليه. وفيما انتظر التونسيون أن يستغل سعيد موعد الانتخابات الرئاسية ليثبت لخصومه مدى تمسك التونسيين به وبـ”مشروعه”، فإن الرئيس كان له رأي آخر، وبدا أنه غير مستعد لخوض هذه المغامرة التي قد تنتهي بهزيمته، وهيأ الأرضية ليكون الفوز شبه مؤكد، مهما كانت الإجراءات، حتى وإن كان بعضها يتعارض مع أفكاره سابقاً.
أصدر الرئيس التونسي قيس سعيد في 22 من أبريل/ نيسان 2022 مرسوماً يقضي باستبدال أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بسبعة أعضاء جدد، يتم تعيينهم بأمر رئاسي أي أنه هو من يقوم باختيارهم وتعيينهم بدل انتخابهم كما كان يجري سابقاً. وكانت هذه الخطوة الأولى التي اتخذها لتعبيد طريقه لولاية ثانية. إذ تبين لاحقاً أن اختيار الرئيس أعضاء هذه الهيئة لم يكن مجانياً، بل مدروس في ظل تطابق رؤاها وقراراتها مع توجهات سعيد، بل واتخاذها كل ما من شأنه أن يصب في مصلحته.
اتضحت إستراتيجية سعيد على مستوى تعاطي الهيئة مع المرشحين للانتخابات الذين لاحقتهم الهيئة قضائياً بسبب التزكيات في حين لم تثر أي مشكلة مماثلة مع سعيد. كما لم تتردد في دخول حرب ضد أحد أهم المؤسسات القضائية في تونس؛ ونعني المحكمة الإدارية، عبر تجاهل قراراتها بإعادة ثلاثة مرشحين إلى سباق الرئاسة، وعدم تطبيقها رغم طابعها الإلزامي قانونياً وفرض إرادتها.
تجاهل الهيئة قرارات المحكمة الإدارية يُعتبر سابقة لم تحدث في تونس حتى في أحلك أيام الدكتاتورية، وأكدت كل الاتهامات السابقة للهيئة، بأنها تتحرك بناء على توجيهات الرئيس، وأنها تقوم بكل الإجراءات الكفيلة بتسهيل وصول سعيد إلى الحكم مجدداً، لا سيما وأن خطابات أعضاء الهيئة منسجمة تماماً مع ما يصدر عن سعيد في عدة ملفات، سواء تعلقت بالقضاء او الإعلام أو المجتمع المدني.
السيطرة على القضاء
بعد ضمان وضع اليد على هيئة الانتخابات انتقل الرئيس قيس سعيد إلى القضاء، الذي انطلق في البداية منذ الـ25 من يوليو/ تموز 2021، تاريخ ما يسمى بالإجراءات الاستثنائية، في شيطنته واتهامه بدفن عدة ملفات. وقد استفاد سعيد من حالة الغضب الشعبي الواسع في تونس من القضاء التونسي، الذي فشل في حل أهم قضايا الإرهاب الاغتيالات السياسية، التي ثبت أنه قد تم تعطيل البت فيها بإملاءات سياسية. وفي خضم حالة الاستياء الشعبي من القضاء مر سعيد سريعاً من مرحلة التصريحات والنقد إلى مرحلة الفعل التي انتهت بوضع يده على القضاء.
كانت البداية في أغسطس/آب 2021، عندما قام سعيد بوضع 45 قاضياً تحت الإقامة الجبرية من دون موافقة من المجلس الأعلى للقضاء المخول له إصدار مثل هذه الأحكام حسب دستور 2014. وفي فبراير/ شباط أصدر المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المتعلق بحل المجلس الأعلى للقضاء، وإنشاء هيئة بديلة جديدة، على أن يُعين الرئيس بشكل مباشر تسعة أعضاء من أصل 21 عضواً من بين قضاة متقاعدين من دون ذكر معايير التعيين. علماً أنه قبل ذلك كان يُنتخب ثلث أعضاء المجلس من قبل القضاة، كما منح المرسوم عدد 11 رئيس الدولة سلطة إجراء الحركة القضائية السنوية.
وفي الأول من يونيو/ حزيران 2022 صدر المرسوم 35 لسنة 2022، الذي يمنح الرئيس القدرة على إعفاء أي قاضٍ بشروط معينة وبمقتضى أمر رئاسي، وهو امتياز لم يسبق أن تمتع به أي رئيس سابق في تونس. وفي الفترة ذاتها صدر الأمر الرئاسي عدد 516 القاضي بإعفاء 57 قاضياً وقاضيةً من دون توضيح أسباب ذلك.
وبعد هذه الخطوات استطاع قيس سعيد وضع يده على القضاء، وبات واضحاً أنه أصبح قادراً على توجيهه كما يشاء، لا سيما وأن الضغوط التي سُلطت على القضاة والإعفاءات غير المبررة وامتلاك سعيد سلطة إعفاء القضاة متى شاء قد أرهبتهم، وأصبح من الصعب عليهم الوقوف في وجه النظام أو رفض التعليمات.
رغم صعوبة هذا الواقع، إلا أن السيطرة على القضاء العدلي لم تكن مفاجئة، لأن هذا السلك كان دائماً خاضعاً لمن يسيطر على الحكم. في حين ظل القضاء العدلي رافضاً دخول بيت الطاعة والحفاظ على موقعه كأحد أبرز الهيئات، التي لم تنجح الأنظمة في ترويضها قبل الثورة وبعدها. ويبدو أن هذه الاستقلالية قد أزعجت قيس سعيد الذي استعان هذه المرة بالبرلمان الذي يدين بالولاء له، لتجريد القضاء الإداري من سلطاته الانتخابية بطريقة أثارت الكثير من الجدل، وكشفت التناقض الكبير الذي أوقع سعيد نفسه فيه.
ففي العام 2019 قال سعيد في أحد الحوارات الصحافية إن “وضع القانون الانتخابي أو التغيير فيه قبل أريعة أشهر من الانتخابات هو “اغتيال للديمقراطية وللجمهورية”، وفي 2024 سقط هذا الاعتقاد، ولم يتردد سعيد في “اغتيال الديمقراطية” عندما حاول من خلال البرلمان تمرير قانون لتعديل القانون الانتخابي قبل أيام من موعد الاقتراع.
وصادق البرلمان في 27 سبتمبر/ أيلول الماضي، على مقترح تنقيح القانون الانتخابي بموافقة 116 نائباً وتحفظ 8 ورفض 12. وتعلق التنقيح بإقصاء كل من المحكمة الإدارية ومحكمة المحاسبات من النظر في النزاعات الانتخابية ومراقبة تمويل الحملات الانتخابية، وتجريدهما من صلاحياتهما بحجة “عدم تشتيت النزاع الانتخابي” والخوف من “بروز شرعيتين، شرعية هيئة الانتخابات وشرعية المحكمة الإدارية”.
حدث ذلك بسرعة قياسية لم تُعهد لدى البرلمان الذي يشتكي نوابه من تأخير النظر في مشاريع القانون التي يطرحونها لأشهر طويلة، بل إن ذلك تم خلال العطلة البرلمانية. وهذه السرعة الكبيرة حملت الكثير من التونسيين على الجزم بأن سعيد هو صاحب مشروع القانون ومن كتبه، وأن النواب هم مجرد واجهة للتغطية عليه، وهذه الفرضية لها ما يبررها لا سيما وأن بعض النواب المعارضين لمشروع القانون، أوضحوا أن زملاءهم أصحاب المبادرة لم يكونوا مدركين لأهم نقاط القانون وتفاصيله، كما أنه من غير المرجح أن يكون النواب قد استطاعوا في هذه الفترة القصيرة تداول القانون ومناقشته وبلورته وهم في عطلة برلمانية وغير مجتمعين في مكان واحد، خاصة وأن البرلمان لم يسبق أن أبدى نجاعة تُذكر في التعامل مع مشاريع القوانين الكثيرة التي طرحت داخله. وبهذه الخطوة يكون قيس سعيد قد ضمن أيضاً تحييد القضاء الإداري، حتى وإن تعارض ذلك مع ما أقره عندما كان مرشحاً معروفاً بكونه أستاذاً للقانون الدستوري وحتى لو كان ذلك يعني “اغتيال للديمقراطية والجمهورية”، كما قال ذلك بثقة سابقاً.
إقصاء المنافسين الجدد
الخطوة المهمة الأخرى التي أقدم عليها سعيد والتي يمكن اعتبارها “اغتيالاً” حقيقياً للديمقراطية في الانتخابات الرئاسية، هي إزاحة كل منافسيه الجديين بطرق مختلفة تراوحت بين، أولاً، السجن خلال فترة الترشح للانتخابات على غرار ما حدث مع المرشحة الأبرز عبير موسي، والمرشح صاحب الحظوظ الوفيرة أيضا لطفي المرايحي. ثانياً، إثارة بعض التهم القديمة ضد بعض المرشحين مباشرة بعد إعلان الترشح وعدم منحهم بطاقة السوابق العدلية (البطاقة عدد 3) واستصدار أحكام بالسجن ضدهم، كما هو الحال مع عبد اللطيف المكي ومنذر الزنايدي.
ثالثاً، تلفيق تهم عديدة متعلقة بالتزكيات الشعبية لبعض المرشحين واعتمادها من أجل الإرباك والضغط، عسى أن يؤدي ذلك إلى انسحاب المرشح أو من أجل استصدار أحكام قضائية سجنية تحرم المرشح من القيام بحملته الانتخابية والتعريف بمشروعه، كما حدث مع العياشي زمال الذي يقضي فترة الحملة الانتخابية في التنقل من سجن إلى آخر ومن محكمة إلى أخرى مجمعاً أحكاماً بلغت 12 سجناً.
هذه الخطوة تعد أبرز ما قام به سعيد، لأنها أكدت له بما لا يدعو إلى الشك أنه سيفوز بعهدة جديدة، طالما أن السباق خالٍ من المنافسين أصحاب القواعد الشعبية، وحتى المرشح المقبول الذي تبين فيما بعد أن لديه برنامجاً جيداً، وأنه قد يكون خياراً جدياً؛ ونعني العياشي زمال، يتم العبث به حتى الآن لضمان عدم احتكاكه بالناس حتى موعد الانتخابات، وبالتالي ضمان خلو الساحة من منافس حقيقي قادر على قلب كل الموازين.
شيطنة المنظمات
يدرك قيس سعيد أن المجتمع المدني، وخاصة المنظمات التي دأبت على مراقبة الانتخابات التونسية بعد الثورة كانت لها أدوار كبيرة في ضمان نزاهة الانتخابات والكشف عن الخروقات في حال حدوثها، ولهذا لم ينس أن يُبعدها عن طريقه هي الأخرى بطرق مختلفة. في البداية دأب سعيد في أغلب خطاباته على شيطنة المجتمع المدني والمنظمات والجمعيات وظل يتهمها بالخيانة، فضلاً عن تتبع البعض قضائياً في قضايا يقول محاموهم إنها ملفقة وتهدف إلى التغطية على فشل السلطة في عدة ملفات.
وكانت الغاية من هذه الممارسات الضغط على المجتمع المدني حتى يتراجع عن انتقاد قيس سعيد، ورفض مراسيمه وقراراته خاصة التي تهدد حرية التعبير، وكشفهم عن بعض التجاوزات في بعض الملفات مثل الهجرة غير الشرعية وغيرها. وفعلاً أجبرت هذه السياسة عدداً كبيراً من الجمعيات والمنظمات على التراجع، لكن البعض الآخر ظل صامداً ولم يتردد في إدانة تجاوزات السلطة، وفي مقدمته منظمتا “أنا يقظ” و”مراقبون” اللتان كانتا فاعلتين في الانتخابات التي تلت الثورة، بما في ذلك التي وصل خلالها سعيد للحكم.
إذ تقدمت منظمة “أنا يقظ” في الخامس من سبتمبر/ أيلول الماضي، بدعوى تجاوز سلطة ومطلب تأجيل وتوقيف تنفيذ في قرار هيئة الانتخابات المتعلق بضبط القائمة النهائية للمرشحين للانتخابات الرئاسية، ورفضها عدم التزام الهيئة بقرارات القضاء الإداري.
في المقابل انتقدت منظمة “مراقبون” بشدة هيئة الانتخابات، وأعلنت صراحة أن العملية الانتخابية في تونس تعاني من مشاكل عميقة وإخفاقات جسيمة ستضر بنزاهة الانتخابات وشفافيتها. واعتبرت أن تجاهل قرارات المحكمة الإدارية “ليس فقط انتهاكاً صارخاً لمبادئ دولة القانون، بل هو تهديد مباشر لنزاهة العملية الانتخابية وشرعيتها”.
لم تكن مواقف المنظمتين تروق لسعيد، ولهذا وجب معاقبتهما وإبعادهما خاصة عن الانتخابات، مستعيناً بهيئة الانتخابات التي لم تتردد في القيام بالمهمة، وأعلمتهما برفض اعتمادهما لمراقبة الانتخابات وسط اتهامات لكليهما بتلقي “تمويل خارجي مشبوه”. وهي الاتهامات ذاتها التي ظل يكررها سعيد في كل مرة يتحدث فيها عن الجمعيات والمنظمات الحقوقية في البلاد.
وتجدر الإشارة إلى أن المرسوم رقم 88 لعام 2011، المنظم لعمل الجمعيات في تونس، لا يمنع الحصول على تمويلات أجنبية، لكن المادة 35 منه تنص على أنه “يحجر على الجمعيات قبول مساعدات أو تبرعات أو هبات صادرة عن دول لا تربطها بتونس علاقات دبلوماسية، أو عن منظمات تدافع عن مصالح وسياسات تلك الدول”.
وبهذه الخطوات يكون سعيد قد نجح فعلاً، في فتح الطريق أمام فوزه بكرسي الرئاسة مجدداً، وأفلح أيضاً في إعادة إنتاج المرحلة السياسية التي كان فيها الذهاب إلى الاقتراع مجرد مسرحية لتجديد الشرعية المزيفة للحكم الاستبدادي.
إقرأوا أيضاً:












