في مهنتي في هذا البلد، وفي هذه المنطقة، يراودني سؤال واحد باستمرار: “قادر إكتب نكت هلق، وإطلع عالمسرح قولهن؟”.
لا أعتقد أن السؤال يراود الكوميديين فقط، بل يتردد في عقول العاملين في مجال الفن، خصوصاً أولئك الذين يفكرون بمصير فنهم أولاً عند وقوع أي كارثة، أو حرب دموية أو عندما تخنقهم صعوبات العيش ثانياً.
فصراعات المنطقة ومشاكلها المتكررة تفرض تأجيل “العملية الإبداعية”، إذ تفرض الإنسانية احترام مشاعر المتألمين الذين نشاركهم الألم.
نراقب تطوّر الأحداث، نقرأ الآراء على مواقع التواصل الاجتماعي، ومعها تنظير البعض عن “الاستراتيجية الأفضل” في نظرهم.
نشاهد الفيديوات التي تهزّ كياننا وتدخلنا في دوامة وجودية. هنا يبدأ التشكيك في الذات وفي قرار استكمال نشاطنا الفنّي أو تأجيله حتى إشعارٍ آخر.
فما أهمية وجودنا في هذه اللحظات الأليمة؟ كيف نخفّف من وطأة ما يحدث على المتضررين بأدواتنا الإبداعية أو بنكاتنا؟ هل هناك فعلاً أحد بحاجة إلينا والى كل ما ننتجه؟ هل يجب علي أن أكتب النكات الآن؟ ما النفع؟ لماذا؟…
ويمكن أن يسأل قراء المقال: “مين فارقة معه هلق؟”.
وأفهمهم، مين فارقة معه؟
ولكن، وفي كل مرة، أعود وأذكّر نفسي بكل الأسباب التي جعلت الفن الكوميدي شغفاً بالنسبة إلي بالدرجة الأولى، وكمهنة ثانياً: أردت أن أتكلّم، وأردت أن أستعمل هذه القوة للتأثير والتغيير. قوة اكتشفتها في أبي الذي يستعين بنكاته ليفضّ جدالات العائلة.
فكلما التقت العائلة يوم الأحد في منزل جدي وجدتي، كان يعلو الصراخ بين أفراد العائلة بسبب خلاف تافه، كسؤال “من هو المخلّص الحقيقي للبلد؟”، فيشتد الصراخ لتبرير وجهات النظر المختلفة، وعندها يرمي أبي نكتة طريفة فتتبدد حدة الطرفين، ويعم الضحك في منزل آل كمال في رأس النبع.
تأثير نكتة أبي فتّاك الى درجة كانت تنسي المتعاركين سبب عراكهم.
أردت أن أرث القوة، هذا السلاح المسالم.
أردت أن أستعمله في كل وقت. أردت أن أشعر بضغط نفسي لأبتكر نكتة جديدة تسخّف فكرة أو حركة راديكالية تهدد السلام والتقدم الفكري والاجتماعي.
سعيت إلى ذلك، وانتظرت الوقت المناسب.
فما هي الإجابة الصحيحة عن كل أسئلتي؟
قد لا تكون إجابة واضحة ومحددة عن التوقيت المناسب لأبدأ بذلك. لكنني على يقين بأن ما نكتبه، نرسمه، ننشده، نصوره، نؤديه، هو أساسي لصراعاتنا ولتقدمنا، وحتمي للتعبير عن إنسانيتنا.
بدت لي مقابلة المقدم المصري الساخر باسم يوسف قبل أيام مع بيرس مورغن أشبه بالإجابة عما أعيشه. هكذا تتحول السخرية السوداء إلى أداة مواجهة تمزج المأساة بالنقد اللاذع.










