تراقب حكومة دمشق إعادة هندسة مجتمع أنهكته الحرب، سواء عبر “تصرّفات فردية” أو تعليمات إدارية تبدو بريئة، وربما أحداث السومرية أواخر آب/ أغسطس الماضي كانت أوضح تجلٍّ لهذا النهج، إذ لم يكن الإخلاء القسري وحده ما هزّ الأهالي، ولا الانتهاكات التي سبقته، ولا حتى التهديد الصريح: “إذا ما طلعتوا خلال ساعات رح نهدم السومرية على روسكم”، الأشدّ وقعاً كان حين جاء طرد السكان مقروناً بإنذار فجّ وجهه قائد الفصيل الذي اقتحم السومرية: “إذا ما طلعتوا رح نفلت عليكم أهل المعضّمية.”
خلق العدواة بين الجيران “سياسة” ورثتها حكومة دمشق من نظام الأسدين، منذ مشروع “الحزام العربي” شمال شرق سوريا، وترحيل الكورد واستبدالهم بـ”عرب”، مروراً بحزام العشوائيات و”سكن الضبّاط” الذي يحيط بدمشق، ناهيك بعمليات استملاك أراضي ومنحها لمحسوبين على السلطة.
ومع اشتعال الثورة السورية ظهرت طائفية النظام والكثير من مواليه بصورة واضحة، لتقسم سوريا إلى “حاضنات إرهابية” وقرى محسوبة عليه، جنّد رجالها في جيش الأسد وميليشيات الدفاع الوطني، بهذه التصنيفات، تحوّلت محافظات سورية إلى كيانات متقابلة يحمّل كلّ منها الآخر وزر الخراب.
امتدّت آثار الصراع بشكل متكرّر إلى النسيج الاجتماعي، مقترنة بعمليّات إعادة توزيع انتقائية للسكّان، كان أبرزها التهجير بـ”الباصات الخضر”. وتدريجياً، استُبدلت الجيرة التاريخية بـ”مجاورات” قائمة على الولاء والهويّة، وعن هذا صرّح الأسد الابن في خطابه في عام 2017، بأن النظام “خسر خيرة شبابه والبنية التحتية، لكنّه ربح مجتمعاً أكثر صحّة وتجانساً”.
الهندسة السكّانية… بالقوّة و”القانون”!
قبل أن تُستخدم علامات X وO في السومرية للتفرقة بين المنازل، كانت التجربة الأولى في “مساكن الحرس الجمهوري” قرب قدسيا، هناك، خُطّت على بعض الأبواب تواقيع ممهورة بكُنى مدن الجوار، أو محافظات أخرى مثل “أبو العزّ الجوبري” أو “ابن الدير” أو “الإدلبي”، هذه الخربشات البسيطة حلّت عملياً محلّ أيّ تسوية حكومية مفترضة، إذ كان مجرد ظهورها على جدار، كفيلاً بتفريغ بعض الأبنية من سكّانها.

اعتمدت “الخطّة” على حقيقة أن معظم السكّان كانوا من عناصر جيش الأسد أو متقاعديه وعائلاتهم، فبدت الفريسة سهلة، وغدا النزوح سريعاً وهادئاً، فخلال أشهر قليلة تغيّر وجه المكان، ليأخذ الحيّ اسماً جديداً وهو “مساكن الأحرار”، الاسم الذي يشي بالحرّية أخفى وراءه تبديلاً مفاجئاً لسكّان على صلة بالسلطة، بآخرين جاءوا من دون إعلان رسمي، وبلا معايير أو استحقاقات واضحة.

رغد. أ (25 عاماً) انتقلت مع أسرتها مطلع شباط/ فبراير من هوامش حيّ الورود إلى داخله، مسافة لا تتجاوز بضع حارات فصلت بيتهم عن خطّ التوتر المباشر، والسبب أن والدها موظّف إداري متقاعد كان يعمل في الجيش، تقول رغد: “كنّا ساكنين ببيتنا، قبل ما يجو أشخاص (ما بيمثّلوا غير حالن والسلطة الجديدة) ليتقاسموا بيوت الحارة! يعني حطّي حالِك محلنا: ترجعي عالبيت تلاقي مكتوب عالباب أبو محمد الشاغوري، وحدا محاول يفتح بابك… بتقدري ترجعي وتعيشي بهالمكان؟ حتى بأول المساكن علّقوا لافتة كبيرة كاتبين عليها: جوبر كابوس الشبيحة”.
غادرت رغد المنزل مع أسرتها وسند الملكيّة، تاركين وراءهم ما لا يُحمل، مكتفين بالضروري، واستقرّت العائلة وسط حيّ الورود، الغالب عليه السكن العشوائي، والواقع بين مساكن الحرس وقدسيا، ورغم ضيقه السكاّني وتراجع خدماته، بدا لهم الملاذ الأقرب والأرخص.
تضيف رغد: “بيوم النقلة، وقف واحد لابس الزي الرسمي بنص الحارة وصرخ: إذا ما بتفلّوا بالذوق منفلّت عليكم أهل قدسيا ها. خلال كم يوم، تبدّلوا كل سكان الحارة؛ اللي معو مصاري طلع عالساحل، واللي وضعو عقدو متلنا نزح على أقرب موقع بإيجار مقبول”.
إقرأوا أيضاً:
تحوّل اليوم حيّ الورود، كما غيره من المناطق ذات الغالبية العلوية في العاصمة مثل جبل الرزّ وحيّ تشرين في برزة وغيرها، إلى فضاءٍ ممتلئ بالمشاحنات، وعن هذا الواقع تروي (أ .د) إحدى المقيمات في حيّ الورود منذ العام 2017 : “مو بس جيراننا الجدد عم يحاولوا يطفشونا ليل نهار، كمان في احصائيات مو مريحة ما صارت بمكان تاني بريف دمشق، وحصراً لرجال العيلة لعمرهم فوق ال18 سنة، صفّوا عالدور 8 ساعات ليسألوهم “لجنة حيّ الورود”، عن دينهم وشو بيشتغلوا وشو عندهم أملاك، وصوروهم من ال3 جهات متل المجرمين ولحد الآن ما عرفنا سبب الإحصائيات“.
لا يمكن النظر إلى هذا الشرخ الاجتماعي باعتباره فشلاً عفوياً للسلطة، بل هو نتاج لسياسات استثمرت هشاشة القانون، ولا سيما في قضايا الملكيّة والعقار، واستخدمتها لتحقيق مكاسب سلطوية، بدلاً من اتّباع مسار عدالة انتقالية كان يفترض أن يحدّد المسؤوليّات، ويحاسب مرتكبي الانتهاكات، ويضمن آليات التعويض وإصلاح الملكيّة.
“الجيران الأعداء”
قبيل مجزرة الساحل وأثناءها، برزت حمص وحماة وريفيهما كساحتين أوليين للتفكّك الاجتماعي. فالتجمّعات الطائفية المتقابلة والفراغات المؤسّسية مهّدت لتكتيكات التعبئة الدينية، ولأنماط القمع المعلنة و”الفردية” والضمنية. من هناك، انطلقت دعوات التجييش الطائفي والنفير العامّ.
صُوّرت حوادث القتل والخطف في حمص على أنها حالات “فردية” عابرة، في حين تركّزت في القرى ذات الغالبية العلوية. فكانت وادي الذهب وكرم الزيتون والنزهة وكرم اللوز مسارح لضغوط متعاقبة. أعقب ذلك سعي محموم للسيطرة على قرية ريان، أنهك اقتصادها المحلّي وأفرغها من معظم سكّانها.
تاريخياً، لم تكن هذه الأحياء متقاربة الهويّة، بل نشأت نتيجة سياسات إسكان عسكري وتوطين منظّم نفّذتها السلطة منذ سبعينيات القرن الماضي، حين أُسكنت فيها عائلات ضبّاط وجنود. ومع اندلاع الثورة جرى دمج عدد من أبنائها في تشكيلات “الدفاع الوطني”، ومنحهم امتيازات أمنية واقتصادية مقارنة بالأحياء والبلدات السنيّة المجاورة، التي عاشت أوضاعاً مأساوية كبابا عمرو والخالدية والبياضة والرستن. هذا المسار ترك وراءه كمّاً هائلاً من التوتّرات، ما زالت تتحكّم في العلاقات بين السكّان حتى اليوم.
في ريف حماة الغربي، ولا سيّما في منطقة سهل الغاب، شهدت قرية أرزة مجزرتين، نفّذ الهجوم فيهما مسلّحون من قرية خطّاب المجاورة، وأسفرتا عن مقتل نحو ثلاثين شخصاً من الأهالي.
تزامن ذلك مع موجة تحريض علني قادها وجهاء محلّيون، أبرزهم “أبو جابر الخطابي”، الذي نشر عبر وسائل تحريضاً واضحاً ضدّ أهالي أرزة، وما زال طليقاً حتى اليوم. شكّلت هذه الحادثة نقطة تحوّل في مسار العنف العلني، إذ فتحت الباب أمام سلسلة من الاعتداءات ذات الطابع الأهلي.
كان الصراع السنّي– العلوي بين قرى وبلدات ريف حماة حاضراً خلال سنوات الثورة السورية، وإنْ بدا في كثير من الأحيان كامناً. ففي قرية خطّاب، وُجّهت اتّهامات لأهالي أرزة، ولا سيّما المنضوين في صفوف “الدفاع الوطني”، بالمشاركة في انتهاكات ومجازر مروّعة طالت سكّان القرية.
بينما تحوّلت قرى أخرى إلى جزرٍ معزولة تفصل بينها الحواجز والعداوات، كما في تمانعة الغاب، حيث وُجّهت اتهّامات بممارسات شملت القتل والتهجير ونهب الممتلكات، بمشاركة أفراد من قرية العزيزية. وهذه التوتّرات القديمة هي التي طفت على السطح اليوم.
الانتهاكات التي شهدتها المحافظات، إلى جانب مجزرة الساحل والأحداث “الفردية” المتفرّقة، شكّلت الخلفية التي مهّدت للمشهد المخزي في السويداء. ما حدث هناك كان تتويجاً لمسار طويل من الانقسامات التي نجحت السلطة بوقت قياسي في تعميقها. فالخلافات بين أهالي السويداء والبدو لطالما كانت تُحلّ محلياً ضمن أعراف الجوار، ولم تنزلق يوماً إلى هذا المستوى من العنف، إلا عندما تدخّلت الدولة وأخرجت النزاع من سياقه المحلّي، وحوّلته بالنسبة إلى أهالي السويداء إلى معركة وجود.
حُشدت العشائر من محافظات عدّة، بل ومن خارج البلاد، برعاية مباشرة من “الدولة”، التي لم تكتفِ بالتسهيل والمشاركة بل قدّمت لاحقاً شكراً وامتناناً علنياً للجيران و”أصحاب النخوة”، على سفك دماء المدنيين الآمنين في قراهم، فتحوّل خلاف محلّي ضيّق إلى موجات عنف دامية، أدّت إلى نزوح واسع من طرفي الاقتتال.
مفهوم “الجيرة” وظّف سياسياً في تاريخ سوريا وتحوّلات الثورة السورية، وسياسات نظام الأسد، ثم ممارسات السلطة الحالية التي تسعى لتثبيت أقدامها في الحكم بأيّ وسيلة، من رابطة اجتماعية تحفظ التوازن الأهلي إلى ساحة مواجهة واصطفاف وتشفّ.
يدفع السوريون اليوم ثمناً باهظاً مقابل سياسات صُمّمت لتفريقهم وتسهيل إخضاعهم، عبر تحويل خلافاتهم اليومية إلى صراعات أفقية تُشغلهم عن الصراع العمودي الحقيقي مع السلطة، بوصفها المسؤولة عن ضياع الحقوق وغياب العدالة.
عبر تاريخ العداوة بين الجيران، حقّقت سلطة أحمد الشرع ربحاً صافياً على حساب مظلوميّات السوريين، إذ ثبّتت وجودها من خلال تغذية نزاعات تُدار باسم الدين والعدل واسترداد الحقوق، بينما لا تُنتج في الواقع سوى إعادة تدوير لعجلة العنف، لتبقى هي الضامن الوحيد.
الوطنية السورية ليست مفهوماً جاهزاً، بل مشروع عاجل يجب العمل عليه، نظراً لأنها تحوّلت إلى مساحةٍ ملتبسة تتنازعها الذاكرة والجغرافيا والسياسة. فبعد سنوات من الحرب والتفكّك، لم يعد السؤال عن الانتماء إلى الوطن، بل عن القدرة على العيش فيه مع بعضنا بعضاً.
إقرأوا أيضاً:












