ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل أصبحنا على حافة الاستسلام؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

البقاء وحده لا يكفي. لا يجوز أن يصبح أقصى طموحنا أن “يمرّ النهار على خير”. لا يجوز أن يتحول الأمان إلى رفاهية، والاستقرار إلى حلم بعيد، والكرامة إلى مطلب مؤجّل. الشعوب لم تُخلق لتعيش على الحد الأدنى من الحياة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يتكرر سؤال واحد هذه الأيام كل يوم في رأسي: هل لبنان بلد أصابته اللعنة لننتقل من نكبة إلى أخرى، ومن حرب إلى حرب أشدّ منها؟

الأمل الذي لطالما تمسّكنا به نحن اللبنانيين تناقص تدريجياً من سنة إلى أخرى، حتى بات كثيرون يفتقدونه، لا سيما في السنتين الأخيرتين، في ظل حالة دائمة من اللااستقرار: حرب، هدنة، وقف إطلاق نار، ثم حرب من جديد.

وفي حالة اللاحرب والحرب التي نعيشها حالياً، وفي ظل هدنة هشة غريبة، لا تشمل الجنوب الواقع تحت النار والقصف وهدم البيوت بشكل يومي، يتبدّل كل شيء بين ليلة وضحاها. هل نستيقظ على قصف؟ على صوت الطائرات والمسيّرات؟ هل يُكتب لنا يوم آخر؟ هل تبقى منازلنا في منأى عن التفخيخ والتفجير؟ لقد أصبحت أقصى أحلامنا أن نعيش بأمان واستقرار، لا أن نشتري منزلاً، أو نتبوأ مركزاً مهماً، أو نحقق طموحاتنا. تلك الأحلام تراجعت أمام واقع ضبابي لا أفقَ واضحٌ لنهايته.

هل خُلقنا لنأكل ونشرب وننام فيما الهموم تنهشنا من غد مجهول؟ هل هذه هي الحياة التي نرغب فيها؟ إلى متى سنبقى أسرى بلد أغرق أحلامنا وحياتنا في بحر من الوحول؟ ربما وصلنا إلى حالة مزرية استسلمنا فيها لقدرنا.

دورة اقتصادية متقلبة تقضي على أي حلم بالتقدّم، بيوت مدمّرة، مواطنون مهجّرون، حرب طائفية شعواء على السوشيال ميديا، تهديد بقتل الرأي الآخر، وَعيد بالانتقام بعد انتهاء الحرب، تخوين من الأطراف كافة…

لكن، هل ما نعيشه هو استسلام فعلاً؟ أم تعب جماعي بلغ حدّ الإنهاك؟

ثمة فرق كبير بين أن نستسلم، وبين أن نُرهق إلى درجة نفقد فيها القدرة على المقاومة. الاستسلام قرار داخلي بالتخلي عن المحاولة، أما ما نعيشه نحن اللبنانيين اليوم فهو أقرب إلى خدر طويل، إلى إنهاك نفسي ومعيشي متراكم أفقدنا الطاقة على الحلم، لا الرغبة في الحياة.

فالإنسان الذي أمضى سنوات يركض خلف راتب فقد قيمته، أو خلف دواء مفقود، أو خلف مدرسة تحفظ مستقبل أولاده، أو خلف بيت رمّمه أكثر من مرة ثم عاد ودُمر مجدداً، لا يمكن مطالبته كل صباح بأن يبتسم ويقول إن الأمور بخير. هناك حدود لقدرتنا على الاحتمال، ولبنان اختبر ناسه أكثر مما يجب.

نحن لا نعيش أزمة واحدة كي نواجهها ونعبر. نحن نعيش طبقات من الأزمات فوق بعضها البعض. أزمة مالية لم تنتهِ، انهيار مؤسساتي، خوف أمني دائم، هجرة جماعية، انقسام داخلي حاد، وذاكرة حروب لم تلتئم أصلاً كي لا تتكرر. لذلك يبدو اليأس منطقياً أحياناً، لا ضعفاً. ويبدو التعب رد فعل طبيعياً، لا خيانة لفكرة الصمود.

الأخطر من الأزمات نفسها، هو اعتيادها. أن يصبح انقطاع الكهرباء أمراً عادياً، أن يتحول خبر القصف إلى إشعار آخر على الهاتف، أن نسمع لغة التهديد فنكمل يومنا، أن نرى شباباً يهاجرون فنقول: “الله يوفّقهم”، أن نبكي بصمت، ثم نذهب إلى أعمالنا كأن شيئاً لم يكن، أن تكون منازلنا ضمن تهديد إسرائيلي فنذهب لنلتقط صوراً لها وهي تنهار بما فيها أمامنا. حين نعتاد غير الطبيعي، يبدأ جزء منا بالانطفاء.

المشكلة أن البقاء وحده لا يكفي. لا يجوز أن يصبح أقصى طموحنا أن “يمرّ النهار على خير”. لا يجوز أن يتحول الأمان إلى رفاهية، والاستقرار إلى حلم بعيد، والكرامة إلى مطلب مؤجّل. الشعوب لم تُخلق لتعيش على الحد الأدنى من الحياة.

هل أصبحنا على حافة الاستسلام؟ ربما، لا سيما مع ضبابية المشهد اللبناني وارتباطه الوثيق بالمشهد الإقليمي المعقد، واستمرار قضم إسرائيل المزيد من الأراضي، ومحو كل ما فيها عن بكرة أبيه. أصبحنا أيضاً على حافة شيء آخر: على حافة إدراك عميق بأن ما نعيشه لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وعلى حافة قناعة بأن النجاة الفردية ليست حلاً، وأن التعايش مع الانهيار ليس قدراً.

اللافت، أنه على رغم كل ذلك لا يزال في هذا البلد ما يناقض فكرة الاستسلام. أمّ تتابع تعليم أولادها رغم كل شيء، شاب يبدأ مشروعاً صغيراً من لا شيء، طبيب بقي هنا رغم الفرص في الخارج، معلمة تدخل صفّها بقلب مثقل وتشرح بحب، جيران يتقاسمون الخبز والخوف معاً، أشخاص يختلفون سياسياً لكنهم يواسون بعضهم ساعة المصيبة، زملاء في العمل يضحكون رغم الانهيار داخلهم… هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يبقي البلد واقفاً، ولو على أطراف التعب.

ربما لم يعد اللبنانيون يحلمون كما في السابق، لكنهم لم يتخلّوا تماماً عن غريزة البقاء. ما زالوا يزرعون في الشرفات، يحتفلون بزفاف بسيط، يضحكون في عزّ الضيق، ويحبّون رغم الخوف. وهذه ليست علامات شعب استسلم، بل شعب يحاول أن يحمي إنسانيته وسط الخراب.

قد نتعب، نعم. قد نيأس، وقد نفقد اللغة أحياناً. لكن ما دام فينا من يسأل، من يغضب، من يحزن، من يرفض، ومن يتمنى حياة أفضل، فنحن لم نستسلم بعد. نحن فقط شعب أنهكته الخسارات، وما زال يبحث، وسط الركام، عن نافذة صغيرة يدخل منها الضوء.

30.04.2026
زمن القراءة: 4 minutes

البقاء وحده لا يكفي. لا يجوز أن يصبح أقصى طموحنا أن “يمرّ النهار على خير”. لا يجوز أن يتحول الأمان إلى رفاهية، والاستقرار إلى حلم بعيد، والكرامة إلى مطلب مؤجّل. الشعوب لم تُخلق لتعيش على الحد الأدنى من الحياة.

يتكرر سؤال واحد هذه الأيام كل يوم في رأسي: هل لبنان بلد أصابته اللعنة لننتقل من نكبة إلى أخرى، ومن حرب إلى حرب أشدّ منها؟

الأمل الذي لطالما تمسّكنا به نحن اللبنانيين تناقص تدريجياً من سنة إلى أخرى، حتى بات كثيرون يفتقدونه، لا سيما في السنتين الأخيرتين، في ظل حالة دائمة من اللااستقرار: حرب، هدنة، وقف إطلاق نار، ثم حرب من جديد.

وفي حالة اللاحرب والحرب التي نعيشها حالياً، وفي ظل هدنة هشة غريبة، لا تشمل الجنوب الواقع تحت النار والقصف وهدم البيوت بشكل يومي، يتبدّل كل شيء بين ليلة وضحاها. هل نستيقظ على قصف؟ على صوت الطائرات والمسيّرات؟ هل يُكتب لنا يوم آخر؟ هل تبقى منازلنا في منأى عن التفخيخ والتفجير؟ لقد أصبحت أقصى أحلامنا أن نعيش بأمان واستقرار، لا أن نشتري منزلاً، أو نتبوأ مركزاً مهماً، أو نحقق طموحاتنا. تلك الأحلام تراجعت أمام واقع ضبابي لا أفقَ واضحٌ لنهايته.

هل خُلقنا لنأكل ونشرب وننام فيما الهموم تنهشنا من غد مجهول؟ هل هذه هي الحياة التي نرغب فيها؟ إلى متى سنبقى أسرى بلد أغرق أحلامنا وحياتنا في بحر من الوحول؟ ربما وصلنا إلى حالة مزرية استسلمنا فيها لقدرنا.

دورة اقتصادية متقلبة تقضي على أي حلم بالتقدّم، بيوت مدمّرة، مواطنون مهجّرون، حرب طائفية شعواء على السوشيال ميديا، تهديد بقتل الرأي الآخر، وَعيد بالانتقام بعد انتهاء الحرب، تخوين من الأطراف كافة…

لكن، هل ما نعيشه هو استسلام فعلاً؟ أم تعب جماعي بلغ حدّ الإنهاك؟

ثمة فرق كبير بين أن نستسلم، وبين أن نُرهق إلى درجة نفقد فيها القدرة على المقاومة. الاستسلام قرار داخلي بالتخلي عن المحاولة، أما ما نعيشه نحن اللبنانيين اليوم فهو أقرب إلى خدر طويل، إلى إنهاك نفسي ومعيشي متراكم أفقدنا الطاقة على الحلم، لا الرغبة في الحياة.

فالإنسان الذي أمضى سنوات يركض خلف راتب فقد قيمته، أو خلف دواء مفقود، أو خلف مدرسة تحفظ مستقبل أولاده، أو خلف بيت رمّمه أكثر من مرة ثم عاد ودُمر مجدداً، لا يمكن مطالبته كل صباح بأن يبتسم ويقول إن الأمور بخير. هناك حدود لقدرتنا على الاحتمال، ولبنان اختبر ناسه أكثر مما يجب.

نحن لا نعيش أزمة واحدة كي نواجهها ونعبر. نحن نعيش طبقات من الأزمات فوق بعضها البعض. أزمة مالية لم تنتهِ، انهيار مؤسساتي، خوف أمني دائم، هجرة جماعية، انقسام داخلي حاد، وذاكرة حروب لم تلتئم أصلاً كي لا تتكرر. لذلك يبدو اليأس منطقياً أحياناً، لا ضعفاً. ويبدو التعب رد فعل طبيعياً، لا خيانة لفكرة الصمود.

الأخطر من الأزمات نفسها، هو اعتيادها. أن يصبح انقطاع الكهرباء أمراً عادياً، أن يتحول خبر القصف إلى إشعار آخر على الهاتف، أن نسمع لغة التهديد فنكمل يومنا، أن نرى شباباً يهاجرون فنقول: “الله يوفّقهم”، أن نبكي بصمت، ثم نذهب إلى أعمالنا كأن شيئاً لم يكن، أن تكون منازلنا ضمن تهديد إسرائيلي فنذهب لنلتقط صوراً لها وهي تنهار بما فيها أمامنا. حين نعتاد غير الطبيعي، يبدأ جزء منا بالانطفاء.

المشكلة أن البقاء وحده لا يكفي. لا يجوز أن يصبح أقصى طموحنا أن “يمرّ النهار على خير”. لا يجوز أن يتحول الأمان إلى رفاهية، والاستقرار إلى حلم بعيد، والكرامة إلى مطلب مؤجّل. الشعوب لم تُخلق لتعيش على الحد الأدنى من الحياة.

هل أصبحنا على حافة الاستسلام؟ ربما، لا سيما مع ضبابية المشهد اللبناني وارتباطه الوثيق بالمشهد الإقليمي المعقد، واستمرار قضم إسرائيل المزيد من الأراضي، ومحو كل ما فيها عن بكرة أبيه. أصبحنا أيضاً على حافة شيء آخر: على حافة إدراك عميق بأن ما نعيشه لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وعلى حافة قناعة بأن النجاة الفردية ليست حلاً، وأن التعايش مع الانهيار ليس قدراً.

اللافت، أنه على رغم كل ذلك لا يزال في هذا البلد ما يناقض فكرة الاستسلام. أمّ تتابع تعليم أولادها رغم كل شيء، شاب يبدأ مشروعاً صغيراً من لا شيء، طبيب بقي هنا رغم الفرص في الخارج، معلمة تدخل صفّها بقلب مثقل وتشرح بحب، جيران يتقاسمون الخبز والخوف معاً، أشخاص يختلفون سياسياً لكنهم يواسون بعضهم ساعة المصيبة، زملاء في العمل يضحكون رغم الانهيار داخلهم… هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يبقي البلد واقفاً، ولو على أطراف التعب.

ربما لم يعد اللبنانيون يحلمون كما في السابق، لكنهم لم يتخلّوا تماماً عن غريزة البقاء. ما زالوا يزرعون في الشرفات، يحتفلون بزفاف بسيط، يضحكون في عزّ الضيق، ويحبّون رغم الخوف. وهذه ليست علامات شعب استسلم، بل شعب يحاول أن يحمي إنسانيته وسط الخراب.

قد نتعب، نعم. قد نيأس، وقد نفقد اللغة أحياناً. لكن ما دام فينا من يسأل، من يغضب، من يحزن، من يرفض، ومن يتمنى حياة أفضل، فنحن لم نستسلم بعد. نحن فقط شعب أنهكته الخسارات، وما زال يبحث، وسط الركام، عن نافذة صغيرة يدخل منها الضوء.