ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل اغتالت “الهيئة” الحكومة في دمشق؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بيّنت مذبحة السويداء المروّعة، وتسليط الضوء على سلطة “هيئة تحرير الشام” فيها، وانكشاف أيديولوجيتها أمام العالم أجمع، ومن ثم انسحابها من المحافظة وتركها تحت إدارة ذاتية وتحت هجمات فصائل محسوبة على البدو، أن إسرائيل قد نجحت في إيقاع أحمد الشرع و”الهيئة” في فخ عميق، مدروس، وشديد المكر، فخ قد يبتلع كامل الجنوب السوري ويديره لعقود طويلة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

من “الهيئة” إلى “الدولة”

بعدما أعلنت “هيئة تحرير الشام” حلّ نفسها، وانضواء الفصائل تحت وزارتي الدفاع والداخلية، وما رافق ذلك من تهليل دولي وصل حدّ رفع الهيئة من قوائم الإرهاب، بالتزامن مع معطيات موضوعية خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، بدأت من مجازر الساحل وانتهت بمجازر السويداء، تكشف لمن يريد أن يرى وتقول لمن يريد أن يسمع، إن مسار القتل في سوريا يتسارع وقد يبلغ مداه الأقصى.

تمّ التوغل في تطبيق سياسة العنف التأسيسي واستراتيجية الترهيب التمكيني. وتمّ تخدير جمهور واسع من أهل سوريا بحقن عالية من الخطابات الشعبوية الانتصارية، عن سلطة قيل لهم إنها أعادت الاعتبار والهيبة والعزوة الى تاريخهم “الأموي المجيد”، وأنها أعادتهم إلى القيادة والانتصار والكرامة، وأنهم اليوم من سيقرّرون، كونهم وحدهم من حرّروا، ووحدهم من ظُلموا واختبروا المقتلة من دون سواهم من أطياف المجتمع السوري.

هذا  كله شكّل الأرضية التي وقفت عليها إدارة “هيئة تحرير الشام”، وراحت عبر “سلطة الشيوخ” تمارس سياسة تفكيك الدولة (قتل القانون والدستور، قتل المواطنة والمدنية، قتل الإدارة والحوكمة، قتل التماسك والتعدّد المجتمعي، قتل الثقافة، قتل الحريات، قتل المؤسسات، وقتل الطبيعة)، والآن توسّع حدود قتل الجماعات تمهيدًا لتفتيت الكيان السوري ووأد إمكانية إعادة خلقه من الداخل.

اليوم، ومع مذبحة السويداء، وما ارتكبته قوى “الأمن العام” و”وزارة الدفاع” التابعة لحكومة دمشق، ها هي الفصائل التي تكشف علامات بعض مقاتليها عن انتماءاتهم، تجعل حكومة دمشق المشكّلة حديثًا، تدفع ثمن تهاونها وتساهلها مع “الهيئة” وارتكاباتها، وثمن استخدامها كتائب الهيئة لتطبيق سياسة العنف التأسيسي. وها هي إسرائيل تستغل نقطة الضعف تلك، وتستغل رفض حكومة دمشق لاحتضان السوريين وبناء دولة مدنية دستورية قائمة على القانون والتعدّد وحقوق الجميع، لتُنزل بها أشد الضربات، مستفيدة من الجرح السوري النازف في الجنوب.

سبق وقلنا لحكومة دمشق إنها يجب أن تحاسب المتورطين في مذبحة الساحل، لكنها لم تستمع. واليوم، دعونا الشرع وإدارته الى وقف القتل في السويداء، ولكن، هذه المرة أيضًا، لا هو ولا “هيئته” سمع أو استجاب، لأنه اعتقد أنه وضع إسرائيل وأميركا وأوروبا في جيبه، بعدما رفعوا عنه العقوبات والتصنيفات السابقة، وبعدما أدخلوه في نشوة انتصار وصورة إعلامية مدروسة جعلته يعتقد أنهم أعطوه الضوء الأخضر لتحويل سوريا كلها إلى “الإمارة”، التي ساعدته تلك الدول أصلاً على خلقها بين عامي 2018 و2024 في شمال سوريا.

تقول الأحداث إن الشرع ومن حوله كانوا يُجرّون بأقدامهم إلى فخٍّ محكم، قاد أخيراً إلى هزيمتهم في السويداء، وتعرضهم لانتهاك السيادة من إسرائيل وضرباتها (واجتياحها المحتمل للجنوب).

ها هي الإدارة في دمشق تدفع ثمن أوراق فشلها، التي منحتها إسرائيل، واكتملت آخر فصول سياسة القتل في سوريا. فبدلاً من أن يتّجه الشرع وإدارته إلى الداخل السوري بأذرع مفتوحة ووطنية حقيقية، ويحتضنوا أهالي سوريا ويتخلّوا عن “الهيئة” ويعاقبوا جرائمها وجرائم أمرائها ومشايخها، تعالوا على الداخل السوري وراحوا يتعاملون معه باستهتار، وغرقوا في عمليات العلاقات العامة التسويقية في الخارج طمعًا بمكاسب إعادة الإعمار والاقتصاد.

سبق وقلنا للشرع وإدارته، إن عليهم أن يتحرروا من عبء الاعتماد على “الهيئة” وتسليمها إدارة البلد الداخلية، ونصحناه باحتضان الشعب السوري بكل أطيافه، وكان هذا الشعب سيساعده على التخلص من نير “الهيئة” إن كان عاجزًا عن ذلك.

واليوم، مع ذهاب كل هذه النصائح أدراج الرياح، ومع هزيمة الشرع في السويداء وخداعه من إسرائيل، تكتمل فصول القتل التي بدأت منذ خمسة شهور.

من اغتال من؟

أولاً، هل نشهد قيام أبو محمد الجولاني بقتل أحمد الشرع؟
خلال الشهور الماضية، جهد الجولاني في إقناع العالم والسوريين بأنه خلع بذلة الجهاد والإرهاب، ولبس بذلة جديدة هي بذلة رئيس دولة مدني منفتح وتسامحي، يريد أن يخدم الشعب ويحتضن تعدديته، ويجعل سوريا للجميع.

وظّف الشرع ماكينة إعلامية وتسويقية ضخمة من جمهور الهيئة لمساعدته في إقناع السوريين بذلك، لكنها تألفت فقط من إعلاميين ووزراء ومديرين وقيادات ورجال أعمال وأصحاب رأي أساؤوا إليه والى صورته أكثر مما أفادوها.

ومع تساهل الشرع مع كتائب الهيئة وممارساتها اليومية ضد السوريين، حتى توظيفها حديثاً في السويداء ضد الدروز، نتساءل:
هل قتل أبو محمد الجولاني أحمد الشرع؟
هل دفن قائد الميليشيا وأمير الحرب رئيس الدولة ومدير مرحلتها الانتقالية المدني؟

حكومة “الديكورات الخارجية”

ثانيًا، هل قتلت “هيئة تحرير الشام” إدارة المرحلة الانتقالية التي أسسها الشرع؟
كنا نأمل أن ينشئ جهازًا حكوميًا يتولى إدارة سوريا خلال المرحلة الانتقالية، وفق استراتيجية تسمح للمدنيين والتكنوقراط بتولي شؤون الحكم. لكن انتهى به الأمر إلى تشكيل حكومة صورية لا تتجاوز كونها ديكورًا خارجيًا، تخفي خلفها المديرين الحقيقيين: أمراء الميليشيات ومشايخ الهيئة.

وعلى رغم وجود محاولات خجولة من بعض أفراد الإدارة للتحرر من سيطرة مجالس الشورى وتشخيصات الهيئة، إلا أن مأساة السويداء تدفعنا لنسأل:
هل عمدت “هيئة تحرير الشام” إلى قتل إدارة المرحلة الانتقالية؟
هل وصلنا إلى النهاية: من قتل الدولة وتحويلها إلى “لا-دولة”، وصولًا اليوم إلى قتل الإدارة وتحويلها إلى “زعامة مماليك إقطاعيات”؟

نحو اللامركزيّة

أحداث اليوم توحي بأن الجولاني و”الهيئة” قد يعودان إلى المشهد، بينما يُدفن أحمد الشرع والإدارة الانتقالية تحت تراب سوريا الممزوج بدماء أبنائها.

فهل بقي أمام سوريا خيار سوى التخلي عن مشروع الجمهورية المركزية الرئاسية؟ إن كان الأمر كذلك، فإننا نتجه إلى ما اقترحناه منذ البداية: نظام جمهوري اتحادي وحكم لا مركزي.

يفتح نجاح الدروز في فرض إدارة ذاتية الباب واسعًا أمام تطبيق هذا النموذج في مناطق الأكراد ثم الساحل.
ولعلّ هذا يكون أهون الشرور، مقارنة بمشروع تقسيم إسرائيل سوريا إلى كيانات منفصلة. في ظل هذا التهديد، يبقى النظام الاتحادي خيارًا أرحم: يُزيل المركزية، لكنه لا يُنهي وحدة البلاد بالضرورة.

لكن، هل تسير سوريا نحو هاوية لا قعر لها؟
المعطيات لا تشير إلى أن مسار القتل قد انتهى، ولا إلى وجود من يعمل على وقفه.
الشارع المناصر للهيئة ما زال غارقًا في نشوة الانتصار، ولا يبدو أن ارتكابات الهيئة تذكّره بممارسات نظام الأسد التي عاناها.

وكأن المشكلة لم تكن الاستبداد نفسه، بل هوية المستبد.
فريق الجولاني الإعلامي يواصل الإنكار والتبرير والتنمر على كل من يفتح فمه للنقد.

وإسرائيل وأميركا وأوروبا – بل وحتى دول عربية مؤثرة – تواصل دعم الجولاني وهيئته، وتمنحهما هامش اعتراف يكفي لتثبيت سلطتهما.

أما باقي فئات الشارع السوري وفعالياته الديمقراطية فهي أقلية، مهمشة، محاربة، لا تملك إلا صوتها، في بلد قُتلت فيه السياسة والعقل والرأي الآخر.

إلى أين سوريا؟
إلى هوة بلا قرار؟
إلى أرض محروقة ومجتمع مدمَّر؟
إلى حلم ضائع في تقاسم الغنائم وتوزيع الأدوار بين أطراف خارجية؟
هل نحمد الله إن صرنا جمهورية اتحادية؟ أم نبكي على أطلال وطن لم يبقَ منه سوى اللا-دولة؟

هل قتل الجولاني الشرع؟ وهل قتلت الهيئة الإدارة؟

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
18.07.2025
زمن القراءة: 5 minutes

بيّنت مذبحة السويداء المروّعة، وتسليط الضوء على سلطة “هيئة تحرير الشام” فيها، وانكشاف أيديولوجيتها أمام العالم أجمع، ومن ثم انسحابها من المحافظة وتركها تحت إدارة ذاتية وتحت هجمات فصائل محسوبة على البدو، أن إسرائيل قد نجحت في إيقاع أحمد الشرع و”الهيئة” في فخ عميق، مدروس، وشديد المكر، فخ قد يبتلع كامل الجنوب السوري ويديره لعقود طويلة.

من “الهيئة” إلى “الدولة”

بعدما أعلنت “هيئة تحرير الشام” حلّ نفسها، وانضواء الفصائل تحت وزارتي الدفاع والداخلية، وما رافق ذلك من تهليل دولي وصل حدّ رفع الهيئة من قوائم الإرهاب، بالتزامن مع معطيات موضوعية خلال الأشهر الخمسة الأخيرة، بدأت من مجازر الساحل وانتهت بمجازر السويداء، تكشف لمن يريد أن يرى وتقول لمن يريد أن يسمع، إن مسار القتل في سوريا يتسارع وقد يبلغ مداه الأقصى.

تمّ التوغل في تطبيق سياسة العنف التأسيسي واستراتيجية الترهيب التمكيني. وتمّ تخدير جمهور واسع من أهل سوريا بحقن عالية من الخطابات الشعبوية الانتصارية، عن سلطة قيل لهم إنها أعادت الاعتبار والهيبة والعزوة الى تاريخهم “الأموي المجيد”، وأنها أعادتهم إلى القيادة والانتصار والكرامة، وأنهم اليوم من سيقرّرون، كونهم وحدهم من حرّروا، ووحدهم من ظُلموا واختبروا المقتلة من دون سواهم من أطياف المجتمع السوري.

هذا  كله شكّل الأرضية التي وقفت عليها إدارة “هيئة تحرير الشام”، وراحت عبر “سلطة الشيوخ” تمارس سياسة تفكيك الدولة (قتل القانون والدستور، قتل المواطنة والمدنية، قتل الإدارة والحوكمة، قتل التماسك والتعدّد المجتمعي، قتل الثقافة، قتل الحريات، قتل المؤسسات، وقتل الطبيعة)، والآن توسّع حدود قتل الجماعات تمهيدًا لتفتيت الكيان السوري ووأد إمكانية إعادة خلقه من الداخل.

اليوم، ومع مذبحة السويداء، وما ارتكبته قوى “الأمن العام” و”وزارة الدفاع” التابعة لحكومة دمشق، ها هي الفصائل التي تكشف علامات بعض مقاتليها عن انتماءاتهم، تجعل حكومة دمشق المشكّلة حديثًا، تدفع ثمن تهاونها وتساهلها مع “الهيئة” وارتكاباتها، وثمن استخدامها كتائب الهيئة لتطبيق سياسة العنف التأسيسي. وها هي إسرائيل تستغل نقطة الضعف تلك، وتستغل رفض حكومة دمشق لاحتضان السوريين وبناء دولة مدنية دستورية قائمة على القانون والتعدّد وحقوق الجميع، لتُنزل بها أشد الضربات، مستفيدة من الجرح السوري النازف في الجنوب.

سبق وقلنا لحكومة دمشق إنها يجب أن تحاسب المتورطين في مذبحة الساحل، لكنها لم تستمع. واليوم، دعونا الشرع وإدارته الى وقف القتل في السويداء، ولكن، هذه المرة أيضًا، لا هو ولا “هيئته” سمع أو استجاب، لأنه اعتقد أنه وضع إسرائيل وأميركا وأوروبا في جيبه، بعدما رفعوا عنه العقوبات والتصنيفات السابقة، وبعدما أدخلوه في نشوة انتصار وصورة إعلامية مدروسة جعلته يعتقد أنهم أعطوه الضوء الأخضر لتحويل سوريا كلها إلى “الإمارة”، التي ساعدته تلك الدول أصلاً على خلقها بين عامي 2018 و2024 في شمال سوريا.

تقول الأحداث إن الشرع ومن حوله كانوا يُجرّون بأقدامهم إلى فخٍّ محكم، قاد أخيراً إلى هزيمتهم في السويداء، وتعرضهم لانتهاك السيادة من إسرائيل وضرباتها (واجتياحها المحتمل للجنوب).

ها هي الإدارة في دمشق تدفع ثمن أوراق فشلها، التي منحتها إسرائيل، واكتملت آخر فصول سياسة القتل في سوريا. فبدلاً من أن يتّجه الشرع وإدارته إلى الداخل السوري بأذرع مفتوحة ووطنية حقيقية، ويحتضنوا أهالي سوريا ويتخلّوا عن “الهيئة” ويعاقبوا جرائمها وجرائم أمرائها ومشايخها، تعالوا على الداخل السوري وراحوا يتعاملون معه باستهتار، وغرقوا في عمليات العلاقات العامة التسويقية في الخارج طمعًا بمكاسب إعادة الإعمار والاقتصاد.

سبق وقلنا للشرع وإدارته، إن عليهم أن يتحرروا من عبء الاعتماد على “الهيئة” وتسليمها إدارة البلد الداخلية، ونصحناه باحتضان الشعب السوري بكل أطيافه، وكان هذا الشعب سيساعده على التخلص من نير “الهيئة” إن كان عاجزًا عن ذلك.

واليوم، مع ذهاب كل هذه النصائح أدراج الرياح، ومع هزيمة الشرع في السويداء وخداعه من إسرائيل، تكتمل فصول القتل التي بدأت منذ خمسة شهور.

من اغتال من؟

أولاً، هل نشهد قيام أبو محمد الجولاني بقتل أحمد الشرع؟
خلال الشهور الماضية، جهد الجولاني في إقناع العالم والسوريين بأنه خلع بذلة الجهاد والإرهاب، ولبس بذلة جديدة هي بذلة رئيس دولة مدني منفتح وتسامحي، يريد أن يخدم الشعب ويحتضن تعدديته، ويجعل سوريا للجميع.

وظّف الشرع ماكينة إعلامية وتسويقية ضخمة من جمهور الهيئة لمساعدته في إقناع السوريين بذلك، لكنها تألفت فقط من إعلاميين ووزراء ومديرين وقيادات ورجال أعمال وأصحاب رأي أساؤوا إليه والى صورته أكثر مما أفادوها.

ومع تساهل الشرع مع كتائب الهيئة وممارساتها اليومية ضد السوريين، حتى توظيفها حديثاً في السويداء ضد الدروز، نتساءل:
هل قتل أبو محمد الجولاني أحمد الشرع؟
هل دفن قائد الميليشيا وأمير الحرب رئيس الدولة ومدير مرحلتها الانتقالية المدني؟

حكومة “الديكورات الخارجية”

ثانيًا، هل قتلت “هيئة تحرير الشام” إدارة المرحلة الانتقالية التي أسسها الشرع؟
كنا نأمل أن ينشئ جهازًا حكوميًا يتولى إدارة سوريا خلال المرحلة الانتقالية، وفق استراتيجية تسمح للمدنيين والتكنوقراط بتولي شؤون الحكم. لكن انتهى به الأمر إلى تشكيل حكومة صورية لا تتجاوز كونها ديكورًا خارجيًا، تخفي خلفها المديرين الحقيقيين: أمراء الميليشيات ومشايخ الهيئة.

وعلى رغم وجود محاولات خجولة من بعض أفراد الإدارة للتحرر من سيطرة مجالس الشورى وتشخيصات الهيئة، إلا أن مأساة السويداء تدفعنا لنسأل:
هل عمدت “هيئة تحرير الشام” إلى قتل إدارة المرحلة الانتقالية؟
هل وصلنا إلى النهاية: من قتل الدولة وتحويلها إلى “لا-دولة”، وصولًا اليوم إلى قتل الإدارة وتحويلها إلى “زعامة مماليك إقطاعيات”؟

نحو اللامركزيّة

أحداث اليوم توحي بأن الجولاني و”الهيئة” قد يعودان إلى المشهد، بينما يُدفن أحمد الشرع والإدارة الانتقالية تحت تراب سوريا الممزوج بدماء أبنائها.

فهل بقي أمام سوريا خيار سوى التخلي عن مشروع الجمهورية المركزية الرئاسية؟ إن كان الأمر كذلك، فإننا نتجه إلى ما اقترحناه منذ البداية: نظام جمهوري اتحادي وحكم لا مركزي.

يفتح نجاح الدروز في فرض إدارة ذاتية الباب واسعًا أمام تطبيق هذا النموذج في مناطق الأكراد ثم الساحل.
ولعلّ هذا يكون أهون الشرور، مقارنة بمشروع تقسيم إسرائيل سوريا إلى كيانات منفصلة. في ظل هذا التهديد، يبقى النظام الاتحادي خيارًا أرحم: يُزيل المركزية، لكنه لا يُنهي وحدة البلاد بالضرورة.

لكن، هل تسير سوريا نحو هاوية لا قعر لها؟
المعطيات لا تشير إلى أن مسار القتل قد انتهى، ولا إلى وجود من يعمل على وقفه.
الشارع المناصر للهيئة ما زال غارقًا في نشوة الانتصار، ولا يبدو أن ارتكابات الهيئة تذكّره بممارسات نظام الأسد التي عاناها.

وكأن المشكلة لم تكن الاستبداد نفسه، بل هوية المستبد.
فريق الجولاني الإعلامي يواصل الإنكار والتبرير والتنمر على كل من يفتح فمه للنقد.

وإسرائيل وأميركا وأوروبا – بل وحتى دول عربية مؤثرة – تواصل دعم الجولاني وهيئته، وتمنحهما هامش اعتراف يكفي لتثبيت سلطتهما.

أما باقي فئات الشارع السوري وفعالياته الديمقراطية فهي أقلية، مهمشة، محاربة، لا تملك إلا صوتها، في بلد قُتلت فيه السياسة والعقل والرأي الآخر.

إلى أين سوريا؟
إلى هوة بلا قرار؟
إلى أرض محروقة ومجتمع مدمَّر؟
إلى حلم ضائع في تقاسم الغنائم وتوزيع الأدوار بين أطراف خارجية؟
هل نحمد الله إن صرنا جمهورية اتحادية؟ أم نبكي على أطلال وطن لم يبقَ منه سوى اللا-دولة؟

هل قتل الجولاني الشرع؟ وهل قتلت الهيئة الإدارة؟

18.07.2025
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية