الإجابة عن السؤال أعلاه، تفترض في حال كان الشخص الذي يريد التصدّي لذلك السؤال، مطّلعاً ولو بشكل أوّلي على مختلف تيّارات الإسلام المعاصر، أن يُردّ بسؤال: أيّ إسلام تقصد؟!
طبعاً السؤال ـ الردّ، يستحضر الفترة الزمنية التي يحيل فيها إلى ظهور “إسلامات” بصفتها فترة معاصرة، أقلّه منذ بداية ما أُطلق عليه “عصر النهضة” في العالم الإسلامي، بدءاً من ظاهرة إعادة النظر في أحوال المسلمين، على ضوء تخلّفهم وتطوّر الغرب، مرحلة الأفغاني – عبده، “الإسلام الإصلاحي” في نهايات القرن التاسع عشر، مروراً بظهور “الإسلام النضالي” مع تأسيس “الإخوان المسلمين” في عشرينيات القرن العشرين، وصولاً إلى مرحلة “الإسلام العدمي” مع ظهور التيّارات السلفية الجهادية، مع الطفرة النفطية وتمويل، واحتضان أوّلي من جهة مشيخات الخليج لتلك التيّارات.
احتضان أوّلي، انتهى بكارثة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، بينما بقيت قطر مصرّة على متابعة هذا “الاحتضان” لغايات تخصّ رؤيتها لدورها كإمارة صغيرة في عالم كبير.
في كلّ الأحوال، فإن هذا الاحتضان ومآلاته معه، كان جزءاً من محاولات متعدّدة للقبض على الريادة “الحضارية” في المنطقة العربية، بعد أن صارت الريادة المالية والاقتصادية لتلك المشيخات.
إذاً، فالإحالة إلى فكرة “الإسلامات” تعود بنا إلى تلك التيّارات التي تصدّرت المشهد الفكري والسياسي والاجتماعي المعاصر في العالم العربي عموماً، ومع أن تلك التيّارات حاولت، وكل حسب أدواته ورؤيته وأهدافه، أن تُحيل إلى “إسلام أصيل”، إلا أن كلّاً منها فسره باتّجاهات مختلفة، و”الإسلام الأصيل” هذا – يُفترض أنه إسلام محمّد – فتلك مسألة أخرى، وزمن آخر تماماً.
وتستند السطور التالية إلى فكرة أن هذا “الإسلام الأصيل” بالذات، ما استُحضر إلا لخدمة أهداف لا علاقة لها بأيّة “أصالة”، أو عودة إلى تاريخ “مجيد”، بقدر ما هي استجابات متنوّعة، وحسب الظروف التي وُجد فيها الفاعلون، وتكوّنت رؤاهم، وواجهوا فيها تحدّيات، وكانوا مطالبين باستجابات، هي في جوهرها “حداثية” ضمن سياق “حداثي” بالكامل.
استجابات كانت تبحث عن شرعية لفرض رؤيتها، فاستدارت إلى التراث تستلهمه، ولكن بشروط أصحاب تلك الاستجابات، وبما يتناسب مع رؤاهم وتطلّعاتهم التي تكوّنت وعاشت ونضجت ضمن سياق حداثي بالكامل.
“الأصالة” كمشروع حداثي
يرى أوليفييه روا أن ما يُقدَّم بوصفه “عودة إلى الإسلام” هو في جوهره، إعادة تشكيل حديثة للدين داخل شروط الحداثة السياسية والاجتماعية (الفردانية، الدولة القومية، العولمة، الإعلام)، وبذلك، حتى الحركات الإسلامية الأكثر تشدّداً لا تُفهم كاستعادة بسيطة لماضٍ أصيل، بل كمشاريع أيديولوجية حديثة تنتقي من التراث ما يخدم هويّة سياسية راهنة وصراعاً مع تحدّيات العصر.
لا تهدف هذه السطور إلى مراجعة أعمال روا، فهي متاحة ومعروفة في حقل دراسات الإسلام المعاصر، إنما إلى توظيف هذا المدخل النظري لإضاءة إشكالات عملية تواجه الفاعلين في الشأن العامّ العربي، حين يُطرح “الإسلام” – كما تصوغه التيّارات الإسلامية المعاصرة – بوصفه صيغة خلاص شاملة لمجمل أزمات المجتمع والدولة.
السؤال هنا يتعلق بهذا “الإسلام” المتعدّد الوجوه بالذات، ليس من خلال محاولة لـ “كشف” حداثته، فتلك مسألة محسومة، بل من خلال محاولة لفهم مجمل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي أدّت إلى ظهور تلك النسخة من “الإسلام”، ورواجها لفترة من الفترات، ثم ظهور نسخة أخرى تروّج لفترة، لتظهر نسخة ثالثة ورابعة وخامسة وهكذا.
وكذلك هي محاولة لفهم لماذا هذه النسخ المتعدّدة من خلال تطوّرها كنسخ مختلفة ومتعاقبة، أخذت في غالبيتها وليس كلّها، مسلكاً على الضدّ مما هو متوقّع أو مأمول، بالاستناد إلى قيم الحداثة ذاتها، وفي مجمل تجلّيات تلك القيم السياسية والاجتماعية والثقافية والفنّية.
وبالعودة إلى السؤال الأساسي لهذه السطور “هل الإسلام هو المشكلة؟!” فالحقّ أن توقّع للإجابة ما عاد متعذّراً بعد كلّ هذه الإطالة، وهو أن المشكلة في أحد أهمّ أوجهها، تتعلّق بـ “الحداثة” ذاتها: في رؤيتنا لها، في تعاملنا معها، وفي غربتنا المكانية والزمانية عنها، التي تجعلنا نشعر بعجز يبلغ درجة اليأس المطبق أحياناً، أمام أيّ مظهر من مظاهرها.
وما كان رجوعنا إلى “السلف الصالح” إلا محاولة لحماية أنفسنا من كلّ ما ذُكر أعلاه… درع أردناه للوقاية، فكانت النتيجة، وبعد إرهاصات وجدل دام ما يقارب قرناً ونصف القرن، أننا أوصلنا أنفسنا إلى عزلة عن العالم كلّه، وحتى عن أكثر مصالحنا حيوية: تنفّس هواء العالم الذي نعيش فيه فعلاً.
زمن الأفندية
أحبّ دائماً وبشكل شخصي، استعادة زمن الأفغاني- عبده، وقاهرة القرن التاسع عشر بالذات، وذلك المقهى الذي كان جمال الدين الأفغاني يرتاده أثناء إقامته في القاهرة.
الحياة، المارّة، الروّاد، وجزء لا بأس به منهم متحلّق حول طاولته، وتلك الأحاديث التي تدور مفعمة بتحدٍّ هائل لوضع يراه ذلك الضيف الغريب وصحبه معه، غير طبيعي، ويجب أن يُعاد النظر فيه، ويُعاد ترتيبه من جديد، بما يخدم مصالح “الأمّة”، ويعيدها إلى المكانة التي هي جديرة بها، في طليعة الأمم.
حتى “التفصيل” الباريسي كمنفى، يصبح شديد اللمعان والتألّق على خلفية اللوحة القاهرية شديدة الغنى، خصوصاً أنه تُوّج بعودة “البطلين” إلى الديار المصرية، بعد فترة في المنفى لم تضع هباء، و”العروة الوثقى” صارت مرجعاً لكلّ من يريد أن يرى بأفضل ما تتيحه زوايا الرؤية في ذلك الوقت، الكيفية التي من خلالها نُعيد تنظيم علاقتنا مع هذا الغرب بالذات، ومع تلك الحداثة التي ابتلانا بها.
تخدش الصورة، وبطل واحد فقط، هو محمّد عبده، يُتاح له العودة إلى “الرحم”؛ بيت العائلة الدافئ. بينما البطل الآخر، الأفغاني، يتابع رحلة النفي من مدينة إلى أخرى، إلى أن ينتهي به المطاف في مدينة لم تكن يوماً بيتاً للعائلة، على الأقلّ من ناحية حضورها في وجدان الأجيال الجديدة من المثقّفين العرب المنخرطين في الهمّ العامّ… الأستانة عاصمة الإمبراطورية العثمانية.
ومع تلك العودة المقسّمة، يبدأ حلم النهوض بفقد جزء كبير من زخمه، ليس فقط بسبب أن من يقف خلفه من الأساس، ما عاد موجوداً في المكان الذي كان يجب أن يوجد فيه، ليتابع المشروع الذي بدأه مع تلميذه، وبقيّة من أحاط بهما من صحب وتلاميذ ومهتّمين؛ بل أيضاً لأن المشروع نفسه استنفد في المنفى، كلّ ما يمكن أن يقوله مع وصول “العروة الوثقى” إلى عددها الأخير (الثامن عشر)، مغطّية مجمل المواضيع التي كان يمكن أن يتمّ تناولها، بصفتها محاور الحركة الأكثر أهمّية لأيّ نهضة مرتقبة في ذلك الوقت: الوحدة الإسلامية، مقاومة الاستعمار، إصلاح الداخل.
وما كان لهذا الانشغال بتلك المحاور الرئيسية (وغيرها مما تفرّع عنها من محاور نقاش متنوّعة ومتشعّبة، كما يجب أن تكون محاور النقاش في وضع “شائك”، كالذي وجد جيل الروّاد نفسه فيه، وهو بالكاد يفتح عينيه على عالم جديد، مصدوم بحقيقة أنه ما عاد لأمّته مركز الريادة فيه) ما كان لهذا الانشغال أن يكون على حساب انشغالات أخرى أكثر إلحاحاً، ولا تحتمل أيّ تأجيل: الانشغال بتأمين لقمة العيش.
“أفندية” تلك المرحلة كانوا بالأساس متفرّغين للقيام بهكذا أعمال، ويتقاضون دخولهم بناء عليها. الأفغاني، عاش على منح من سلطات البلاد التي لجأ إليها وأقام فيها، بما فيها مصر الخيديوية، حيث كانت له منحة شهرية مخصّصة بدعم من مصطفى رياض باشا رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت، كما تذكر المصادر، بالإضافة إلى دخل إضافي أمّنته له بضعة دروس كان يعطيها لتلامذته.
عبده، كان موظّفاً عمومياً، ورئيساً لتحرير صحيفة “الوقائع المصرية”، ثم قاضياً، فمفتياً للديار المصرية. مناصب متعدّدة من رتبة النخبة، أمّنت له دخلاً مريحاً، ولم يفعل الانخراط بالشأن العامّ إلا أن زاد من بريق حضوره في تلك المناصب، عوضاً عن العكس.
هو إذاً، خطاب طبقة غير قلقة من ناحية معيشتها المباشرة، وقلقة جدّاً من ناحية مصائر هي في حقيقتها إمبراطورية، آفلة ومهزومة. هذا الخطاب يريد لتلك “الإمبراطورية” أن تعود للعب دورها الحضاري المنتظر، ولكن بصياغة أكثر “حداثة”، تملك مقوّمات الصمود في وجه التحدّيات التي طرحتها تلك “الحداثة” عليها.
استُحضر “الإسلام” بهذه الطريقة بالتحديد، واستُلهم أو بالأحرى، استُنطق، ليصل إلى النتيجة الموضوعة سلفاً: الحلّ بتغيير ما بأنفسنا. وهي مدرسة أو توجّه، بلغ ذروته مع آخر المدافعين المحترمين عنه، وهو الراحل جودت سعيد.
ربما أهمّ ما يميّز هذا التوجّه، ومنذ لحظة نشأته، أنه كان “مرتاحاً”، وهذا ما انعكس على خطابه الأكثر انفتاحاً تجاه فكرة “الحداثة”، والقادر على تمييز الفوارق الحضارية بصفتها نتاج ديناميات داخلية متعدّدة، وأكثر تعقيداً بكثير من إحالتها إلى هويّة دينية واحدة: الغرب المسيحي في مواجهة الشرق المسلم.
لذلك كان التركيز على الداخل عبر رؤية إصلاحية، مع إعطاء أولوية قصوى للتعليم، هو جوهر هذا الطرح الطامح إلى استعادة الماضي المجيد في المستقبل، وبشروط المستقبل نفسه.
معذّبو الأرض
لم تكن الحياة مريحة لعموم المصريين والعرب والمسلمين بشكل عامّ، كما كانت بالنسبة إلى جيل “الأفندية” الذي صعد مع بداية تقبّل التحدّي “الحداثي”، وتقدَّم بطرح إحيائي ضمن حدود وسياقات كانت مألوفة بالنسبة إليه، تُشكِّل عالم تلك “النخبة” التي انبرت لسؤال الحداثة.
حالة مصر في مجمل تطوّراتها التاريخية الاجتماعية، وكمركز حضاري رئيسي للعالم العربي، وأحد أهمّ مراكز العالم الإسلامي، إن لم تكن الأهمّ بالمطلق، تشكّل نموذجاً فريداً لقراءة مكثّفة لخطّ رئيسي لتطوّر الفكرة الإحيائية الإسلامية من حال إلى حال، وبالاستناد إلى تطوّر الظروف التاريخية والاجتماعية في العالم كلّه، وانعكاسها على المنطقة التي يتمّ التركيز عليها بصفتها نموذجاً للدراسة.
وفي مصر نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، كان احتمال الصعود الاجتماعي وارداً عبر نماذج ورموز كثيرة. محمّد عبده كان أحد أبرزها، وهو ابن الفلّاح الذي أصبح مفتياً للديار المصرية، وغيره كثر ممن كان التعليم، ومن بعدها العمل الوظيفي، هو طريقهم نحو حياة مختلفة وأكثر رحابة من تلك التي عاشها أباؤهم.
ولكنّ الحال لم تدم كذلك قط. نموّ طبقة وسطى واسعة جدّاً في مصر في ذلك الوقت، وبسبب التعليم بالدرجة الأولى، كان لا بدّ له من تبعات تتعلّق بفئات تلك الطبقة، من العليا إلى الدنيا، مع أغلبية عددية ساحقة لتلك الدنيا، ومع الالتفات إلى أن العالم كان قد دخل في حرب كونية؛ الحرب الأولى، التي أرخت آثاراً مدمرة على السوق العالمي، ومصر كانت جزءاً مهمّاً منه، على الأقلّ كمنتج أوّل للقطن، الذي لم تلبث أسعاره أن سجّلت هبوطاً حادّاً مع نهاية الحرب، مما زاد من الضغوط على الاقتصاد ككلّ، كون المنتج هذا كان هو “نفط” مصر، مضافاً إليه ارتفاع عامّ وحادّ أيضاً، في كلفة المعيشة لمختلف الفئات.
كلّ هذا جعل حلم “الارتقاء الاجتماعي” عبر وظيفة الدولة، أو أيّة وظيفة أخرى بدخل ثابت في أيّ قطاع آخر، يتحوّل من حلم صعود إلى حلم بقاء على قيد الحياة، ولقطاعات واسعة جدّاً من الطبقة الاجتماعية الوسطى، التي كان يُفترض بها أن تكون الحامل الاجتماعي لمشروع النهضة السابق.
وهنا، لم يكن مفاجئاً أن تظهر حركة “إحيائية” جديدة، تطرح وجهة نظر مغايرة لتلك التي سبقتها، وموجّهة إلى تلك الفئات بالذات التي فاتها “قطار الارتقاء”، وبات الأفق في طريقه إلى الانغلاق، ولو تدريجياً في وجهها.
حركة “الإخوان المسلمين” صاغت خطابها، بطريقة تناسب مخاوف تلك الطبقة الجديدة الآخذة في التوسّع والانتشار، ولم يكن غريباً أن يكون مؤسّس تلك الحركة هو أحد أبناء تلك الطبقة بالذات، مدرّس اللغة العربية للمرحلة الابتدائية في مدارس الإسماعيلية حسن البنّا.
أغلب الظنّ (وهذه شطحة شخصية من كاتب هذه السطور) لو أُتيح للرجل أن يعيش في بيئة مختلفة، تُبقي أحلام الصعود برّاقة بكامل جاذبيتها، وهي قريبة من التحقّق، لربما عرفنا حسن البنّا آخر… مريداً في مدرسة “النهضة”، قد ينجح في أن يضيف إلى أطروحات أساتذته: الأفغاني – عبده ومن بعدهما رشيد رضا، بعداً جديداً (عوضاً عن الإصرار على نقد “الجزئية” التي ميّزت الفكر الإصلاحي الذي سبقه، مقابل فكر الإخوان، بصفته “فكراً إسلامياً شاملاً”)، لربما كان أفلح في جعل أفكار الإصلاح أكثر تحفيزاً لأقرانه من الراغبين في المزيد من الصعود، ومن الإحساس بأنهم وأمّتهم معهم، احتلّوا أو في طريقهم إلى احتلال المكانة الجديرة بهم، في عالم لم يكن يكفّ عن التطوّر المدوّخ، منذ حطّ نابليون رحاله على الشواطئ المصرية بالذات.
ولكنّ الرجل جاء في تلك الظروف المفصّلة أعلاه، وكان لا بدّ له من صياغة خطاب مغاير عمّا سبقه.
في مانفيستو “الإخوان”، نجد أن البنّا ركز على “التربية” وليس التعليم. التربية كمفهوم شامل يُعيد بناء الفرد بالاستناد إلى تلك الرؤية الإحيائية الخاصّة به. أيّ الإسلام الصحيح كما رآه هو.
أما التعليم عند الأفغاني وعبده فقد كان مفهوماً مختلفاً، يتعلّق بامتلاك أسباب الحداثة بتمكّن، والاطّلاع على آخر ما حقّقه الغرب الحديث من تطوّرات علمية، والدخول للمساهمة من تلك النقطة باتّجاه المستقبل.
التربية الإخونجية، تعني حصناً أخلاقياً منيعاً في مواجهة مجتمع بدأ ينحرف (المبالغة جزء بارز جدّاً من شخصيّة أبناء الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى، وهي انعكاس لحالة تأزّم يُستشعر بها، ويُخشى دائماً من نتائجها، وتضع صاحب العلاقة في حالة أقرب إلى حالة الحصار، في مواجهة محيط لا يمكن للمعني، في الحالة التي وصل إليها من أن يتعامل معه إلا عبر طريق محدّد… وكدليل من أحداث معاصرة يعيشها العالم الآن، فإن انتخاب دونالد ترامب في أميركا يعطينا صورة عمّا يمكن لهكذا حالة حصار أن تفعل بمن يعيشون في ظلّها).
وبالتالي فإن النظر إلى شعار “الإخوان”: “القرآن دستورنا، والرسول قدوتنا، والله غايتنا” من هذه الزاوية، يضعنا أمام شعار تمهيدي لظهور اللحظة الذروة في مسار تلك الجماعة: اللحظة القطبية.
هذه اللحظة كانت مصرية بالكامل، التأثّر فيها بالمودودي والندوي، كان في تفاصيل تتعلّق بالمنهج بشكله العامّ (الحاكمية؛ الجاهلية الحديثة؛ الإسلام كمشروع قيادة أخلاقية للعالم كلّه، وليس للمسلمين فقط)، أما الجوهر، أو نقطة التشكّل التي قادت إلى تلك اللحظة شديدة التطرّف، فكانت هنا، في هذا الشعار المغلق أعلاه، العازل للإدراك العامّ لأتباع الجماعة، وهو تعبير عن وضع مأزوم يرى أن المشكلة ليست في أنفسنا، بل في عدم جعل الدين هو المرجعية العامّة في المجال العامّ.
حتى مفهوم “نبذ الحزبية” البارز جدّاً ضمن مانفيستو “الإخوان”، لم تكن الغاية منه تقديم الحركة بصفتها “دعوة” عامّة خارج الإطار السياسي، بقدر ما كان دعوة لإلغاء تلك الحياة برمّتها، تحت ذريعة كونها أدعى للتفرقة والتناحر. هذا التصوّر يتطابق مع مجمل عناصر المانفيستو الإخواني، أكثر من كونه إعلان عن كون “الحركة” مجرّد حركة دعوية.
في كلّ الأحوال، تجارب “الإخوان المسلمين” غير المشجّعة في عمومها، مع الحياة الديمقراطية، والتعدّدية الحزبية (كأحد أبرز وجوه “الحداثة” السياسية) ونزوعهم، الذي يكاد يكون غريزياً، تجاه ابتلاع تلك الحياة بكاملها، لا يفعل شيئاً سوى التأكيد على هذا الجانب، الحاضر دائماً في فكرهم، بصفتهم الحركة الرائدة في التوجّه نحو الداخل، وبطريقة أقرب إلى الراعي الذي يريد حفظ القطيع من الضباع.
الحداثة كمشروع إخونجي، لم تكن موجّهة نحو المساهمة في التطوّر الذي يعيشه العالم كلّه، بصفتنا مسلمين أوّلاً، وبما يخدم تقديم أفضل صورة عن أولئك المسلمين من خلال دورهم الريادي في التطوّر الحضاري العامّ في العالم كلّه، كما كان الحال في مرحلة “الأفندية”. الحداثة، كمشروع إخونجي، كانت موجّهة نحو الداخل، وبما يفيد في تحصينه وجعله أكثر منعة في مواجهة تحدّيات تتعلّق بالهويّة ذاتها، فرضتها تلك الحداثة… الحرب صارت داخل الأسوار.
دعاة “التي في”
تُعتبَر هزيمة حزيران/ يونيو 1967، رمزاً لنقطة تحوّل أعمق بكثير من كونها مجرّد هزيمة عسكرية أو سياسية، حتى ولو كانت في غاية الإذلال لنظام بعينه (الجمهوري العسكري)، أو لتوجّه في الحكم في المنطقة العربية، طرح نفسه بصفته البديل الوحيد لقيادة المنطقة في سعيها نحو التقدّم والازدهار- لم تكن مفاهيم الحداثة تُطرَح بشكل مباشر في البروباغندا الخاصّة بالأنظمة الجمهورية العسكرية في المنطقة، كانت متضمّنة فيها بصفتها تحصيلاً حاصلاً، ومردّ هذا إلى كون مفاهيم جوهرية في هذه “الحداثة” ستقوم بطرح نفسها بقوّة، كمفاهيم الديمقراطية، والحرّيات الفردية والعامّة، وتداول السلطة.
في كلّ الأحوال “الحداثة” السوفيتية، ذات الطابع الحديدي في مركزيته، أنقذت العتاد التنظيري لهكذا أنظمة من ورطة الشرح، أو حتى مجرّد الشعور بأيّ حرج.
إذاً، فالهزيمة بمعناها الأعمق، كانت هزيمة لمشروع كامل: المقاربة الجمهورية العسكرية لتحدّي الحداثة، التي كان يُفترَض أنها من خارج الصندوق الإسلامي. هزيمة هذه المقاربة المشروع، كانت فعلياً قد حصلت قبل تلك الحرب الفضيحة، بسنوات طويلة، وقد تمّ هذا، ليس فقط عن طريق إظهار الوجه الاستبدادي الأكثر بشاعة لهذا النظام، بل أيضاً عبر فشل ما يشكّل “جوهرة التاج” في مشروع هذا النظام: الارتقاء بحياة الناس نحو وضع أفضل ممّا عاش فيه من سبقوهم.
ما حصل فعلياً نتيجة سياسات “النموّ” التي أشرفت عليها تلك الأنظمة، مستندة إلى جهاز بيروقراطي فاسد ومتضخّم ومحدود الكفاءة، هو أننا أصبحنا أمام مجتمعات تراجعت فيها كلّ نسب النموّ، وصارت “المتطوّرة” من بينها عبئاً، عوض أن تكون العكس. كالزيادة في نسبة الولادات مثلاً، وتراجع الوفيات نتيجة ارتفاع مستوى العناية الصحّية، مقابل تراجع إمكانية استيعاب هذا النموّ ودمجه في فرص التعليم والعمل.
أصبحنا، وفي ظلّ مركزية غير شفّافة على الإطلاق، مع نسب في الهدر والفساد، صارت هي الوجه الأكثر بروزاً، بعد الوجه الاستبدادي لتلك الأنظمة، أمام مجتمعات تُركَت بقضها وقضيضها على قارعة الطريق… كحطام لمشروع يُفترَض أنه حداثي، ولكنّه فعلياً لم يقدّم نفسه للحظة بهذه الصفة، أقلّه من ناحية التزامه بالقيم المؤسّسة لتلك الحداثة، ولم يبقَ من تلك الحداثة إلا شاشة التلفزيون الجماهيرية، وما تقدّمه لنا من وجبات “روحانية” تخفّف قليلاً من إحساسنا بالجوع، عن طريق وعد غامض بعطف إلهي قد ينتشل بعضناً، لأنه أحسن الظنّ بالله، فيعليه فوق بقيّة عباده!
الوجبة التي قدّمها محمّد متولّي الشعراوي لتسكين آلام الأمّة، عبر تلفزيون النظام نفسه الذي سجد المعني يوماً، شكراً لله على هزيمته في الحرب المذكورة أعلاه، تلك الوجبة لم تكن في أيّ وجه من وجوهها استجابة لحداثة بأيّ شكل من الأشكال، باستثناء استخدام أدواتها في الإعلام.
كانت مجرّد أداة لتسكين الآلام، بعدما فشل المشروع الجمهوري العسكري فشلاً ذريعاً، في الداخل وعلى الجبهة العسكرية، فكان لا بدّ من العودة إلى “الصندوق الإسلامي” نفسه، الذي تباهى ذلك النظام يوماً بأنه أخذ عدّته الفكرية كاملة من خارجه، ولكن ليأخذ منه بالطريقة الانتقائية الانتهازية نفسها لتدعيم بقائه وبأيّ ثمن، وبأيّ وجه كان. لنصل في النهاية إلى المولود المسخ الذي يمثّله نظام السيسي الآن، وبكامل وجوهه.
في تلك المرحلة نفسها، وفي سياق مختلف تماماً عن ذلك الفاشل والمهزوم في مصر وباقي الجمهوريات العسكرية، حدث تطوّر مفاجئ أقرب إلى حكاية خيالية، يحدث فيها انعطاف مباغت، ليس أقلّ من هبوط ثروة غير متوقّعة ومذهلة بحجمها وبدون أيّة مقدّمات، تغيّر مجرى حيوات جميع من مسّتهم هذه الحادثة، وهذا ما حدث فعلاً في منطقة الخليج.
ضمن هذا السياق وُجدت ظاهرة متمّمة لتلك التي بدأها الشعراوي، عبر الشيخ يوسف القرضاوي، المدعوم من حاكم قطر، وبتوجه مختلف، ولكن ليس بعيداً عن نفس السطحية في تناول مفهوم بضخامة، وإلحاح، مفهوم “الحداثة”.
وإن أردنا تمييز خطاب القرضاوي، عن خطاب الشعراوي، غير المعني بالحداثة أصلاً إلا من زاوية استخدام أدواتها للوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من الجمهور، فإن خطاب القرضاوي في تناوله لمفهوم الحداثة، لم يكن أكثر من خطاب أداتي، لم يكن هناك تفكيك للحداثة، أو تحدّ لها بمفهوم مغاير، بل بحث عن إمكانية للعيش داخلها بمرجعية فقهية واضحة.
وما حدّد توجّه القرضاوي، هما العنصران اللذان حدّدا توجّه الشعراوي قبله: المموّل، أيّ المعلّم صاحب القرار ومالك الشاشة (التلفزيون الرسمي المصري في حالة الشعراوي / شاشة الجزيرة في حالة القرضاوي)، والجمهور المستهدف.
مع فارق أن الجمهور الذي استهدفه حاكم قطر عبر القرضاوي، لم يكن يقتصر على عباد الله المنتشرين في بقاعه المختلفة من البلاد العربية، والجاليات العربية المسلمة في مختلف دول الغرب، بل أيضاً الحركات الجهادية السلفية نفسها، حتى أكثرها عدمية وانعزالاً، عبر استخدام القرضاوي نفسه، والمؤسّسات التي أشرف على تأسيسها، مثل “الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين”، والرصيد الذي تركه بعد رحيله، مظلةّ وبوّابة في آن لدخول عباد الله التائبين في جنة العالم، ولكن من البوابة القطرية، وبالوساطة القطرية، وبما يخدم البحث القطري المحموم عن دور عالمي.
في كلتا الحالتين: النظام الجمهوري العسكري المهزوم بمذلة، ومشيخة الغاز القطرية الصاعدة بنهم نحو دور عالمي، لم يكن موضوع الحداثة محورياً أبداً. كان رداء فقط للزينة، وقت الحاجة إليه.
بطريقة إن قورن الموقف من الحداثة الخاصّ باللحظة القطبية، مع التطرّف والانعزال الذي أبدته تلك اللحظة، لبدت الأخيرة في غاية العمق، في مواجهة تلك الحداثة، مقارنة مع ابتذال كان يريد فقط إمّا البقاء في السلطة، وإمّا الصعود بأيّ ثمن كان، في ظرف كانت الأمور فيه تشهد تراجعاً ويأساً مطبقين عند جموع تشكّل السواد الأعظم من شعوب المنطقة (لم يفعل الاستثناء الخليجي بثرائه المادّي حصراً، إلا أن أكّد قاعدة البؤس المعمم). تلك الشعوب التي وجدت نفسها في حالة حصار، بعدما أُلقيت على قارعة الطريق دون أيّ أمل، حتى برحمة من إله، يبدو أنه قد قرّر حصر تلك الرحمة بمنطقة جغرافية محدّدة من العالم العربي.
شيخ الكار
مما سلف، نلاحظ أن شعبية “النجمين” أعلاه واستمرارهما، ما كان لهما أن يحصلا لولا عاملين في غاية الحسم، لعبا الدور الرئيسي في هذه “الظاهرة”: السياق العامّ، التراجع في كلّ شيء، خصوصاً في مستويات التعليم، ومدى الانخراط في الشأن العامّ، الأمر الذي لم يكن متاحاً، إلا ضمن قنوات تحدّدها الأنظمة القائمة. وسيطرة اليأس والقنوط والتجهيل المتعمّد، على قطاع واسع من الرأي العامّ، من جهة، ومن جهة أخرى، وجود أنظمة مستفيدة تقف خلف هذه الظاهرة.
ليس أدلّ على هذا من حالة ثالثة قفزت إلى صدارة الخشبة، وخلال وقت قصير، وبالاستناد إلى العاملين أعلاه، بعد أن كان صاحبها بالكاد معروفاً في الأوساط التعليمية والتنظيمية التي كان يتحرّك فيها، إنه عبد الله عزّام “أمير الجهاد الأوّل”.
بعد انتقاله إلى باكستان وبدء مشروعه “مكتب الخدمات”، صار الرجل بدوره نجم النجوم. نجوميته في ذروتها في الأوساط الإسلامية، كانت تضاهي نجومية نجوم الروك في العالم الغربي (نجم روك إسلامي!). هذه النجومية لم تقتصر على العالم الإسلامي، بل امتدّت أيضاً إلى التجمّعات الإسلامية في الولايات المتّحدة وأوروبا، حيث كان للرجل صولات وجولات في الدعوة إلى الجهاد ضدّ الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، وفي أكثر من مدينة أميركية وأوروبية ضمن جموع من المسلمين المقيمين هناك، داعياً إيّاهم إلى الجهاد في جولات وزيارات متعدّدة ومتعاقبة (شيء يشبه الـ Concert Tour عند فرق الروك).
إقرأوا أيضاً:
عزّام يقدّم حالة مثيرة جدّاً للحقّ، أقلّه ممّا تقدّمه من دلائل فاقعة على تأثير التمويل والتغطية السياسية بميزانيات تؤمّنها دول (السعودية والولايات المتّحدة الأميركية وباكستان في حالة عزّام) ساعية للوصول إلى نتائج محدّدة من خلال تلك الظواهر، وحسب ما تقتضيه مصلحة تلك الدول.
موقف عزّام من الحداثة كان رفضاً مطلقاً لها، مع استخدام كامل لما أتاحته له من أدوات: إعلام، شبكات، تمويل دولي، تنظيم عابر للحدود… كلّ هذا للوصول إلى مشروع “حداثة إسلامية مضادّة”، أي تنظيم حديث في الهيكل والبنية والمحيط الذي يتحرّك فيه، ويتلقّى دعمه منه، رجعي في المضمون.
وبالتالي، هو لم يقدّم “نظرية” بقدر ما قدّم إطاراً للعمل والحركة، وعبّأه بمضمون سلفي جهادي (فعلياً هو المنظّر الأوّل للسلفية الجهادية، رغماً عن تصنيفه “معتدلاً” مقارنة مع التيّارات السلفية الجهادية التي ولّدتها لاحقاً حالة “الجهاد العالمي”، والتي دعا إليها وشكّلت محور ما قدّمه)، الصيغة التي قدّمها عزّام، كإطار للحركة والفعل، كانت صيغة جدّاً مريحة لأولئك الذين يريدون الوصول إلى نتائج، دون صداع البحث والتأمّل و… الدخول في رحلة “تغيير ما بأنفسهم” الشاقّة.
الرجل عزّام، وتاريخه معروفان، ويمكن العودة إلى التفاصيل بعمليّة بحث بسيطة، لمن أراد أن يعرف أكثر عن الرجل وتجربته. ما يعني هذه السطور هو كيفية اشتغال العاملين أعلاه، حيث تجربة عزّام، ومن بعده “خليفته الأوّل” أي أسامة بن لادن، ثم “الخليفة الثاني” أحمد الشرع، تعطي الدليل الأكثر وضوحاً على تأثير هذين العاملين في خلق تلك الظواهر واستمرارها ثم خنقها، ولاحقاً إعادة خلقها.
شاهدنا هذا بوضوح، عندما تمّ إنهاء “القاعدة” وقتل قائدها بن لادن، بعد أن تمرّد على قرار الاستغناء عن خدمات تنظيمه، وعن “الجهاد” كلّه كحالة انتهى زمنها، بقرار ممّن أوجدوا تلك الحالة، والتخلّص منه كمخزون أسلحة بالية من حرب انتهت، بعد نهاية الحرب الأفغانية.
ولم يلبث أن أُعيد إحياء التنظيم نفسه، بسبب ظروف الحرب في سوريا، والمواجهة الإقليمية مع إيران. أُعيد إحياء التنظيم بقيادات جديدة نشأت في كنفه في العراق وسوريا، وحتى من الفترة الأفغانية، وتحت مسمّيات مختلفة، عبر مراحل تطوّر متتالية أشرفت عليها أجهزة دولتين راعيتين للنسخة الأخيرة من القاعدة (تركيا وقطر).
في النسخة الأخيرة من “القاعدة” ساعدت الظروف الجديدة على إطلاق يد هذا التنظيم ليقود عمليّة تغيير لمسار “الجهاد” نفسه ومفهومه، بعد تحديثه وجعله موجّهاً نحو “أعداء” جدد، هم في الداخل هذه المرّة: المختلفون في الطائفة والعرق، وكذلك المختلفون في طريقة التفكير عن “أهل السنّة والجماعة”، كما يحدّدها أمير التنظيم والدائرة المحيطة به.
يحدّدها كطائفة، أو كجماعة مغلقة ومحدّدة المواصفات بشكل نهائي وقطعي، مع وعود قاطعة للخارج ببتر أيّ يد “إرهابية” قد تمتدّ باتّجاه مصالح الولايات المتّحدة، والغرب، وحتى إسرائيل، وامتصاص كامل أزمات هذا الشرق التعيس والمعقّد في داخله، ومنعها من الخروج إلى خارج الحدود بأيّ ثمن كان، حتى ولو كان بإبادة طوائف مختلفة بقضّها وقضيضها… وكلّ هذا وفي واحد من أهمّ مراكز الصراع الإقليمي في المنطقة: دمشق نفسها، وضمن إطار “حداثي” بالكامل، حتى في مظهر القيادة الشابّة الجديدة للصيغة الأخيرة من… الجهاد! كلّ هذا لتسهيل إسقاط تهمة الإرهاب عن تلك القيادة، بحيث صاروا “شباباً أشداء”، بحسب وصف ترامب لقائدهم أحمد الشرع.
وكلّ ذلك تمّ بالاستناد إلى مصلحة صاحب القرار، القوى الإقليمية والدولية المقرّرة في وجود تلك الظاهرة، بكامل تحوّلاتها ووجوهها.
بالإضافة إلى وجود تقبّل واسع من جهة رأي عامّ عربي إسلامي (سوري في حالة أحمد الشرع)، منهك لدرجة الانهيار، تقبّل لأيّ شيء أو لأيّة أفكار، إمّا تكون في غاية السذاجة والسطحية، أو أفكاراً خطيرة وإرهابية فعلاً، فقط من أجل الإحساس بأن هناك زمناً جديداً يأتي، ربما كان فيه وعد بخلاص ما… أيّ خلاص.
وبالتالي، فإنه في حالة عزّام، ولو انعدم التمويل الخليجي والدعم العسكري والاستخباري الأميركي الباكستاني، ولو لم تكن الحرب الباردة قد وصلت إلى مرحلة استنزاف الاتّحاد السوفيتي عبر حرب الوكالة في أفغانستان، لربما كنّا ما نزال أمام أستاذ شريعة يعود في إجازاته السنوية من جامعة الملك عبد العزيز في جدّة، إلى عمّان، محمّلاً بالمزيد من الإحباط، كون “الأمّة” ما تزال بعيدة عن “الإسلام الصحيح” بطريقة لا توحي بأن المآل سيكون خيراً، وكان ربما نفّس عن إحباطه هذا بطريقة أو بأخرى، قد تؤدّي إلى أن تعتقله السلطات الأردنية لفترة، أو أن ترحّله السلطات السعودية، دون أن يسمع به أحد أبعد من أفراد أسرته والدائرة المحيطة به.
ولربما كنّا عرفنا لاحقاً وبعيداً عن عّزام، “فاعل خير” غريب الأطوار هجر بلاده، وحمل ثروته، ليبدّدها في مشاريع دعوية غامضة في السودان… أو أيّ مكان آخر، ربما، ولما كان أحد سمع باسم أسامة بن لادن، إلا بضعة من المحيطين المستفيدين المباشرين منه…
طبعاً، وفي حال امتدّ بنا الخيال باتّجاه “الخليفة الثاني” أي أحمد الشرع، فإن الأخير ما كان سيمضي باتّجاه العراق، كون “غزوة نيويورك” ما حدثت، وبالتالي كان على “الخليفة الثاني” أن يجد طريقة ليعيش كبقيّة عباد الله، ولربما أعاد تقديم امتحان الثانوية العامّة، بعد المحاولة الأولى التي كانت أقرب إلى الفشل، ولم تكن بنتيجة مرضية أبداً، ولم تؤهّله لأيّة كليّة مرموقة، أو حتى عادية. إذ ربما أعاد المحاولة، وحقّق معدّلاً يؤهّله ليتقدّم باتّجاه مستقبل مهني محترم، وكان الآن يكدّ في تأمين مستقبل أسرته.
كلّ هذا لم يحدث، بل إن ما حدث هو ما لم يكن متوقّعاً قط، حتى لأشدّ الناس تفاؤلاً بأن تصبح الأحوال أفضل، وبالاستناد إلى الشعوب نفسها “التي وجدت نفسها في حالة حصار، بعد أن أُلقيت على قارعة الطريق من قَبل حكّامها”… بدأ الربيع العربي، وبدا لحظتها أن “الرأي العامّ المنهك لدرجة الانهيار” ما عاد يتقبّل أيّ شيء يُقدَّم له، قرّر أن يأخذ المبادرة ويفرض رؤيته، وحتى “نجومه”… ولكن إلى حين.
مسلمو “التيك توك”
كان لحضور السوشال ميديا في أوساط الشباب العربي عموماً، مفعول السحر. النتيجة: ربيع عربي أسقط عروشاً ما كان أحد يتوقّع لها إلا أن تؤبّد! كلّنا يعرف ما الذي حدث، وكيف كان المآل هزيمة سياسية ساحقة لكلّ آمال هذا الربيع، والأجيال التي خلقته، وشاركت فيه، ودفعت أثمانه.
الربيع بأكمله كان ردّة فعل حداثية بالكامل، ومن جهة تبيّنها الواضح لروح تلك الحداثة، بكامل قيمها: الحرّيات، والحكم الديموقراطي، والتعدّدية السياسية والفكرية، والمناخ المفتوح للجميع للتعبير عن آرائهم وتداول الأفكار. كلّ هذا كان ردّة فعل على استنقاع استبدادي طال وكاد يبتلع كلّ شيء، بما فيه مستقبل بدا أكثر سواداً من حاضر هو بالأساس أسود، لم يخفِ المشاركون في هذا الربيع أبداً نزوعهم الحداثي، بمن فيهم أولئك “الإسلاميون” المشاركون، وكأفراد في البداية، في كامل فعّالياته، كيفما ما كان حجمها.
حدث بهذه الضخامة، قد يكون ما زال من المبكر الحكم على كلّ مفاعيله وتداعياته، رغماً عن هزيمته السياسية. تلك المفاعيل التي لم تنتهِ بعد، في منطقتنا على الأقلّ. وأهمّها أن تلك “الجماهير” المشاركة، وفي أحد أهمّ وجوه تمرّدها، كانت قد اتّخذت قرارها بتشكيل “إعلامها” بنفسها، وعدم الركون إلى تلك الوجبات الجاهزة والموجّهة سلفاً، التي تقدّمها لهم مؤسّسات إعلامية مموّلة من أنظمة مختلفة.
تحرير قرار إنتاج المادّة الإعلامية، والمعرفية، والفنّية، والترفيهية، وكامل وجوه ابتكار المحتوى من السيطرة الأحادية للمؤسّسات الإعلامية الكبرى، لا يقتصر على المنطقة وحدها… هذا أهمّ وجوه ثورة السوشال ميديا التي ما زال العالم يعيش فيها حتى الآن.
بالنسبة إلى منطقتنا، كان المأمول أن يقدّم المحتوى المختلف الجديد الطازج، والقادم من “ساحات الحرّية”، روحاً مختلفة تماماً عن تلك التي تشكّلت في عتمة مراكز القرار لأنظمة كادت إن تمضي بالجميع إلى قبورهم. وبالفعل، فإن البدايات، وبتنوّعها وتعدّدها، وروح التحدّي التي بدت واضحة فيها، حتى في حسابات شخصية عبر مختلف المنصّات، بشرّت بشيء مختلف، على الأقلّ عندما كان الإجماع قائماً في رفض “الاستبداد”، هكذا بالمطلق.
ولكن، عند الوصول إلى تلك “التفاصيل” المتعلّقة بتحديد ما هو الاستبداد فعلاً، وبدون قوسين، تبيّن أن حجم الخلاف أكبر بكثير مما كان متوقّعاً. خلال هبّة الحرّية الأولى بكلّ عنفوانها ورومنسيتها، كانت الرغبة في الحصول على زخم وإجماع، أهمّ من كلّ الخلافات.
وكان من الطبيعي أن تختلف الآراء وتتعدّد، ويحاول كلّ صاحب رأي أن يدافع عن رأيه. ضمن هؤلاء، وهذا ما يعني هذه السطور، بما يتعلّق بموضوع الحداثة والتحدّي الذي فرضته على الجميع، برز العديد من الأفراد الذين قدّموا أنفسهم بصفتهم “إسلاميين حداثيين معتدلين”.
بشكل عامّ، يمكن ملاحظة مجموعة من المشتركات بين طروحات هؤلاء الأفراد: المرجعية الواضحة التي تحيل إلى “التيّار الإصلاحي”- بعضهم تبنّى بوضوح أحدث رموز هذا التيّار الراحل جودت سعيد، حداثة معتدلة، ومن موقع المشاركة في إيجاد عالم أكثر عدالة وحرّية للجميع، ليمارسوا فيه ما يرونه الصواب، دون أيّ خوف من أيّة سلطة “إلى الله مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم تعملون”؛ موقف سياسي، تجاه التيّارات الإسلامية يتّسم بالالتباس، الذي يبدو متعمداً في كثير من الحالات.
الفكرة هي أن نقد “الإسلاميين المتطرّفين” قد يُلحق بـ”الإسلاميين الحداثيين المعتدلين” تهماً متعدّدة، وتشكيكا في النوايا أمام رأي عامّ ميّال إلى منح التيّارات الأصولية مصداقية وشعبية كبيرتين. ومن يدري، فتهمة “العلمانية”، والعياذ بالله، جاهزة ليتمّ إلحاقها بأيّ شخص ينظر إلى مشايخ البزنس الجهادي ولو ببعض الشكّ.
الالتباس هذا، الذي يمكن وصفه بـ “التقيّة”، بدا واضحاً تماماً تجاه حدثين كبيرين في منطقتنا: الأوّل عمليّة السابع من أكتوبر، وما تسبّبت به من دمار كامل لغزّة، وتشريد مليوني مدني غزّي. نعم، لا يمكن اتّهام “حماس” وحدها بأنها السبب في تلك الكارثة، ولكنّ كارثة بهذا الحجم كانت “رقصة موت” شارك فيها طرفان: “حماس” وإسرائيل.
بالمقابل، فإن “الإسلاميين الحداثيين المعتدلين”، وعندما كان الأمر يتعلّق بانتقاد “حماس” وموقفها العدمي تجاه حياة أهل عزّة، في مجمل ممارستها، وليس فقط خلال تلك العمليّة الكارثة، فإن القطّ كان يبتلع ألسنتهم ويصمتون فجأة، تاركين الساحة بالكامل لدعاة “الإسلام المتطرّف” المدافعين عن “حماس” بصفتها المدافع الوحيد عن “شرف الأمّة”، أو كما تفتّقت “عبقرية” بعض مُحدثي النعمة في اليسار النضالي المتحفي، فإن “حماس” هي “مقاومة وطنية مشروعة”.
الحدث الثاني، ممارسات النظام الحالي الحاكم لدمشق؛ نظام أحمد الشرع، تجاه العلويين والدروز والمذابح التي لحقت بهم (ما تزال فصول المذبحة وتداعياتها ضدّ العلويين في سوريا مستمرّة إلى الآن، وإن بزخم أقلّ وممارسات متفرّقة، ولكن لا تفتقد إلى الاستمرارية)، في الوقت الذي تعهّد فيه أحمد الشرع، وفور وصوله إلى السلطة في سوريا، بمنع العمليّات الانتقامية، وإقامة نظام عادل لجميع مكوّنات الشعب السوري، والإسراع في مسار العدالة الانتقالية، لضمان حقوق الناس الذين كانوا الضحيّة الأولى لسنوات الحرب الأهلية المدمّرة التي استمرّت 14 عاماً، قبل وصول الشرع إلى السلطة.
لم يتحقّق أيّ من هذه الوعود، ومع ذلك لم نسمع من أولئك “الإسلاميين الحداثيين المعتدلين” أيّ موقف مميّز تجاه ممارسات هذا النظام. على العكس تماماً، وعندما كانت المذابح تبدأ وتزلزل أركان سوريا كلّها بأخبارها، كان أولئك “المعتدلون” يعودون إلى عادتهم القديمة: الصمت، أو الاختباء تحت الطاولة، عسى الموجة تمرّ دون أن تترك أثراً على شعبيتهم في أوساط هي في حقيقتها أكثر ميلاً نحو منح “الإسلاميين المتطرّفين” مصداقية أكبر.
في المجمل، وفي مواجهة رأي عامّ عاد إلى نمط الخوف نفسه، والشعور بالاضطهاد، وبعد نجاح الأنظمة بالبقاء في مكانها، بل تجديد دمها عبر وجوه جديدة للحكم والاستبداد، وبعد ارتكاس الربيع العربي، فإن خوض تلك المواجهة، على الضدّ من تفضيلات رأي عامّ محبط إلى هذه الدرجة، لها مخاطر كبيرة. خصوصاً وأن إمكانية الحصول على ردود فعل مباشرة من هذا الرأي العامّ، وعبر خوارزميات السوشال ميديا، تجعل الأمر في غاية السهولة، ممّا يُفقد المعنيّ (الذي قد يُبدي رأياً بما يثرضي ضميره ولـ”وجه الله”) جزءاً مهمّاً من رصيد لا يريد خسارته، حتى ولو كان في عدد اللايكات التي يحوزها، أي من بوستاته على أيّ من منصّات الشبكة.
هذا بدوره، انعكس على مصداقية أولئك “المعتدلين”، ليس فقط في الأوساط المعتدلة، أو الأكثر انفتاحاً، وبعض أولئك “الإسلاميين الحداثيين المعتدلين” جاء من تلك الأوساط المنفتحة، أو حتى اليسارية، “معلناً إسلامه” كخيار فردي حرّ، ضمن سياق حداثي بالكامل، بل أيضاً ضمن الأوساط المحافظة، إذ، حتى لو صمت المعنيّ، أو اختفى عن الأنظار تحت الطاولة أو في أيّ مكان آخر، معطّلاً بذلك حاستيْ السمع والبصر، إلا أن حاسّة الشمّ تبقى مع ذلك مشتغلة، وهنا فإن الأنوف كلّها لا يمكنها أن تخطئ رائحة الخوف المنطلقة منه، أياً كان مكان اختبائه.
إذاً، فالحديث عن “حداثة إصلاحية” أو استعادة روح الإصلاح القديمة عبر تلك المجموعة المختارة، من “نجوم” السوشال ميديا العربية الحديثة المتميّزين باعتدال مواقفهم، لا يمكنه أن يكتمل دون فحص واضح لمواقفهم السياسية، التي اتّسمت بانتهازية رخيصة.
ومن المؤسف جدّاً أن يجد المرء نفسه مضطرّاً لوصف تلك المواقف بهذه الصفة، ولكنّ الأمر يصبح ملحّاً، خصوصاً إن قورن بموقف متوقّع للراحل جودت سعيد نفسه، وهو من ينسب معظم “المعتدلين” في سوريا تحديداً، أنفسهم إليه. لو قُدّر للرجل أن يكون حيّاً، وكاتب هذه السطور يعرفه معرفة شخصية مباشرة، ولفترة زمنية تكفي لتشكيل صورة دقيقة عنه، لما صمت عن تلك الجرائم قط، ولقال ما يراه صوابا، مهما بلغت التكلفة.
أين نحن؟!
هل فشل “الإسلام” في مواجهة الحداثة بعد مئة وخمسين عاماً من المحاولات المستمرّة لإيجاد صيغ ما للتعايش، وللاستجابة للتحدّي الذي فرضته تلك الحداثة، الغربية المنشأ بالكامل؟!
الحقّ، أن المشكلة فعلاً في المسلمين وليست في “الإسلام”! وإن كان هذا الموقف يتشابه مع موقف سابق، أبداه عمر فروّخ من خلال كتابه “تجديد في المسلمين لا في الإسلام”، فهو في نقطة التقاء تمّت بالمصادفة بين توجّهين، كلّ منهما يمضي باتّجاه عكس الآخر تماماً.
“الإسلام” في حقيقته، إن أردنا إزالة القوسين حوله هو أمران: حدث تاريخي مرتبط بشروط زمانه ومكانه، ولا يمكن له أن يتجاوزهما كأيّ حدث تاريخي آخر، ومجموعة من العقائد والممارسات الدينية، التي يُفترض أنها غير خاضعة لشروط الزمان والمكان، تخصّ علاقة العباد بربهم، ممّا يجعل الخلط ممكناً، بل مطلوباً بين العنصرين، التاريخي والعقدي، وهو محاولة منح الداعية أو التيّار الذي يصرّ على هذا الربط، أو “شيخ الكار”، أو “نجم التيك توك” مشروعية أكبر، بصفته يدافع عن “روح الأمّة” في مواجهة تحدّ يريد حرف أو هزيمة هذه الروح.
وهو أمر مختلف تماماً عن تجارب تاريخية سابقة، في ثقافات أخرى، استحضرت التاريخ لخدمة مشروع ثوري أو تغييري من أيّ نوع كان، سياسياً، اجتماعياً، أو حتى أدبي وثقافي.
في “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت” يصف ماركس آليّة تتكرّر في الأزمنة الثورية: استدعاء الماضي بوصفه مخزوناً رمزياً جاهزاً، عبر استعارة الأسماء والشعارات والأزياء، لمنح الصراع الراهن لغةً مألوفة وشرعية تاريخية، وفي هذا السياق يورد مثال الثورة الفرنسية (1789–1814) التي تمثّلت صور الجمهورية/ الإمبراطورية الرومانية في العبارات والرموز واللباس.
لم يكن المطروح دعوة للدفاع عن “روح الأمّة الرومانية”، بقدر ما كان محاولة لإضفاء بُعد تاريخي على حدث معاصر، ومن وجهة نظري، يمكن فهم ذلك بوصفه تعزيزاً نفسياً أيضاً: أي منح الفاعلين شعوراً بأن ما يواجهونه ليس استثناء تاريخياً، وأن تجاوز الأزمات ممكن، لأن غيرهم سبق أن خاض تجارب مشابهة وتجاوزها. فاستدعاء الماضي في لحظة المواجهة، قد يخفّف الإحساس بالعزلة، ويمنح معنى للاستمرار.
لكنّ هذه الآليّة نفسها قد تنقلب إلى عائق حين تنتقل من التوظيف الرمزي للماضي إلى الانكفاء فيه، أي حين يصبح الماضي بديلاً من العيش في الحاضر، وإنتاج أدواته المفهومية والسياسية. في حالتنا، يبدو استدعاء “روح الأمّة الإسلامية” – عبر خلط تاريخ مشروط بزمانه ومكانه بعقيدة دينية – خياراً صراعياً لم يُفضِ في محصّلته الغالبة، إلا إلى إخفاقات وكوارث، والإصرار على إعادة إنتاج الصيغة ذاتها، من دون مراجعة أو تغيير، يكشف أزمة في بناء أفق تاريخي جديد أكثر مما يكشف قوّة تاريخية متجدّدة.
نحن من نسمّي أنفسنا مسلمين، وضمن الشروط التي فرضناها على أنفسنا، وبسبب إحساس عميق بالهزيمة، خصوصاً بعد محاولة أخيرة (الربيع العربي) أعادت رفع آمالنا إلى السماء، ولم تلبث أن هبطت بها إلى سابع أرض، نحن بكلّ هذا اليأس والانعزال ورفض الاعتراف بحقّنا كأفراد، وحتى كجماعات، بإعادة طرح مفهوم الهويّة، بصفتها خياراً حرّاً قبل أيّ شيء آخر، نحن فعلاً المشكلة… فهل الخيار الوحيد أمامنا هو أن “نغيّر ما بأنفسنا”؟!
في ظلّ حالة الحصار والإنهاك التي نعيشها الآن، قد يصبح الحديث عن مشروع بضخامة “تغيير ما بأنفسنا” ضرباً من اليوتوبيا، ولكن في النهاية، قد لا يوجد طريق آخر.
إذاً، إن أردنا الخروج من حفرة، مهما كان عمقها، علينا أن نفكّر أوّلاً بتلك الخطوة الأولى التي ستقودنا إلى ثانية، فثالثة… لنجد أنفسنا في نهاية المطاف، وقد أصبحنا أمام خطّة كاملة للخروج، وهذا ما لا نمتلكه، لأننا ببساطة لا نريد البدء بتلك الخطوة الأولى، التي ستمكّننا من محاولة استبصار طريق ما، وهذه الخطوة هي ببساطة الاعتراف بأننا أبناء الحداثة التي نعيش داخلها، لا خارجها، وأن محاولاتنا الحثيثة للحاق بركب العصر منذ جيل الأفندية، كانت – على تفاوتها – جزءاً من هذا الأفق الحداثي نفسه، حتى عندما توهّمنا القطيعة معه.
أردنا ترك بصمتنا، وهذا حقّ لنا وللجميع، ولكن في النهاية نسينا السياق الذي نعيش فيه، وصارت تلك “البصمة” هي هاجسنا الذي لم نُفلح في الوصول فيه، وأمام العالم كلّه، إلى أبعد من “جريمة الحادي عشر من أيلول”!
أظنّ أننا جديرون بشيء أفضل من هذا بكثير لنقدّم أنفسنا للعالم، كجزء منه. ومن هنا، ربما تبدأ الخطوة الأولى بإعادة تعريف الذات من مستوى “الجماعة المتخيَّلة”، إلى مستوى الإنسان الفرد: مواطناً حرّاً، كامل الحقوق، داخل إطار عامّ يعترف بالتعدّد، ويضمن لكلّ واحد/ ة حقّه/ ا في أن يكون كما يشاء، بصفته يعيش في فلك هذه الحداثة، وليس خارجها بأيّ حال من الأحوال. عندئذ فقط يمكن لما يجمعنا – لغة وتاريخاً وثقافة – أن يتحوّل من عبء هويّاتي إلى أفق مشترك للمستقبل.












