ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل “المقاومة” تستدرج الاحتلال؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حين يردّد البعض أن “المقاومة استجلبت الاحتلال”، يبدو الكلام للوهلة الأولى تبسيطياً أو ظالماً أو “متصهيناً”، بحسب أدبيات “حزب الله” والممانعة. لكنّ الأمر يحتاج بعضاً من التأمل في كلّ الرواية التاريخية التي رافقت مآسي الجنوب على مدى عقود، دون إغفال الخطر المتعاظم لإسرائيل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد يوم من إطلاق “حزب الله” صواريخه الستّة التي أعاد من خلالها فتح جبهة الجنوب، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نشر قوّات برّية إضافية في جنوب لبنان وسيطر على نقاط جديدة، في ما وصفه بأنه جزء من خلق “منطقة عازلة”على طول الحدود. 

إذاً، هي مناطق إضافية يقضمها الاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى النقاط الخمسة التي احتلّها خلال حرب “الإسناد” في عام 2024.

حين يردّد البعض أن “المقاومة استجلبت الاحتلال”، يبدو الكلام للوهلة الأولى تبسيطياً أو ظالماً أو “متصهيناً”، بحسب أدبيات “حزب الله” والممانعة. لكنّ الأمر يحتاج بعضاً من التأمل في كلّ الرواية التاريخية التي رافقت مآسي الجنوب على مدى عقود، دون إغفال الخطر المتعاظم لإسرائيل. 

نعم، إسرائيل قوّة احتلال تاريخياً، ومشروعها الأمني قابل دائماً للتحوّل إلى جغرافيا إضافية تحتلّها وتزعم ملكيتها، لكنّ تجربة الجنوب اللبناني منذ سبعينيات القرن الماضي تكشف ديناميكية أكثر تعقيداً. 

لم يكن الجنوب فقط ساحة مواجهة مع إسرائيل، بل كان أيضاً ورقة تفاوض إقليمية، تُدار حساباتها في دمشق وطهران بقدر ما تُدار في بيروت. وفي كلّ مرّة خرج فيها قرار الحرب عن إطار الدولة اللبنانية، فُتحت نافذة جديدة لإعادة رسم الخرائط بغير ما يشتهي أصحاب الأرض.

في السبعينيات، حين تحوّل الجنوب إلى قاعدة للفصائل الفلسطينية المسلّحة بعد اتّفاق القاهرة الشهير في عام 1969، كانت الدولة اللبنانية في حالة تفكّك عميق. الحدود رخوة، واحتكار السلاح غائب، والقرار السيادي موزّع. عمليّات مسلّحة فلسطينية عبر الحدود استُخدمت ذريعة لعمليّة الليطاني الإسرائيلية في  1978، ثم لغزو 1982. حينها لم يكن الاحتلال مجرّد توغّل عابر، بل تُرجم إلى “منطقة أمنية” استمرّت احتلالاً حتى العام 2000، وهو عام تحرير الجنوب. 

هنا يظهر النمط بوضوح، مشروع توسّعي إسرائيلي يستثمر في حدث أمني في بيئة سيادية ضعيفة، فيحوّله إلى واقع جغرافي طويل الأمد. لكنّ التسعينيات أضافت بعداً آخر أكثر تعقيداً، فبعد اتّفاق الطائف، خرج لبنان رسمياً من الحرب الأهلية، لكنّه لم يستعد قراره الاستراتيجي. 

الوجود السوري في لبنان الذي بدأ خلال الحرب واستمرّ لسنوات طويلة بعدها، كان حاسماً، والجنوب أصبح جزءاً من منظومة نفوذ إقليمي مقرّه دمشق وطهران. في الوقت نفسه، انطلق مسار التفاوض السوري الإسرائيلي بعد مؤتمر مدريد في عام 1991. المفاوضات تمحورت حول استعادة الجولان، ووصلت إلى محطّات متقدّمة خلال حكومات إسحاق رابين وشمعون بيريز ثم بنيامين نتنياهو، قبل أن تبلغ ذروتها في مفاوضات شيباردزتاون في عام 2000 في عهد إيهود باراك.

في تلك المرحلة، لم يكن الجنوب اللبناني منفصلاً عن هذا المسار، بل كان ورقة ضغط غير مباشرة في يد النظام السوري. التصعيد أو التهدئة في ساحات الجنوب لم يكونا قراراً لبنانياً صرفاً، بل جزء من توازن دقيق بين دمشق وتل أبيب. كلما تعثّرت المفاوضات أو اقتربت من لحظة حاسمة، تحرّكت الجبهة الجنوبية اللبنانية. قراءة في أرشيف الصحف لمطالعة تلازم المفاوضات مع اشتعال جبهة الجنوب، كفيلة بفهم المشهد آنذاك. 

في عام 1993، وبعد تصاعد هجمات “حزب الله” على شمال إسرائيل، شنّت إسرائيل عمليّة “تصفية الحساب”. القصف الواسع أدّى إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين، انتهت العمليّة بتفاهم رعته واشنطن يقضي بعدم استهداف المدنيين. التوقيت لم يكن معزولاً عن سياق التفاوض السوري الإسرائيلي. الجنوب كان رسالة متبادلة من دمشق بأنه جبهة قابلة للاشتعال وفق قرار حافظ الأسد آنذاك، ومن إسرائيل بأن ثمن الاشتعال سيدفعه لبنان.

في عام 1996 تكرّر المشهد بصورة أكثر دموية. عمليّة “عناقيد الغضب” الإسرائيلية في الجنوب، انتهت بمجزرة قانا الأولى داخل مقرّ تابع للأمم المتّحدة، حيث قُتل أكثر من مئة مدني لبناني بقصف إسرائيلي مباشر. مرّة أخرى، لم تنتهِ المواجهة بحسم عسكري بل بتفاهم سياسي عُرف بـ”تفاهم نيسان 1996″، الذي أنشأ لجنة مراقبة ضمّت الولايات المتّحدة وفرنسا وسوريا وإسرائيل ولبنان. 

وجود سوريا كطرف رسمي في لجنة المراقبة، كان اعترافاً بدورها في ضبط إيقاع الجبهة اللبنانية. الجنوب لم يكن فقط ساحة مقاومة، بل كان عنصراً في معادلة تفاوض حول الجولان وحول النفوذ والدور السوري والإيراني.

انسحاب العام 2000 والفرصة الضائعة

حين قرّرت حكومة إيهود باراك الانسحاب من جنوب لبنان في عام 2000، فعلت ذلك بشكل أحادي، من دون اتّفاق شامل مع سوريا. الانسحاب كان يمكن أن يشكّل لحظة استعادة سيادة لبنانية كاملة، لكن في الخطاب السوري ـ الحزب اللهي آنذاك، اعتُبر قرار الانسحاب خطوة تكتيكية أو “خدعة” تهدف إلى إسقاط الورقة اللبنانية من يد دمشق. جرت محاولات تشكيك وتصعيد إعلامية ضدّ الانسحاب مع التحذير من فكرة نشر الجيش اللبناني في الجنوب.

انسحبت إسرائيل لكن بقي ملفّ مزارع شبعا عالقاً بسبب رفض سوريا ترسيم الحدود لتبرير استمرار معادلة السلاح. في تلك المرحلة، كانت أيّ دعوة لنشر الجيش اللبناني بشكل كامل في الجنوب أو لحصر السلاح بيد الدولة، تُواجَه بتهم “العمالة”. ببساطة كان ممنوعاً نشر الجيش في الجنوب. هكذا، لم يتحوّل التحرير إلى مشروع دولة، بل إلى تثبيت معادلة سلاح إقليمي عقائدي من خارجها.

بقيت الحدود هادئة تماما لست سنوات الى أن أتت حرب 2006 التي أعادت إنتاج الحلقة نفسها في سياق إقليمي مختلف. عمليّة أسر “حزب الله” جنديين إسرائيليين قُدّمت ضمن منطق الردع واستعادة الأسرى، لكنّ الردّ الإسرائيلي الواسع حوّلها إلى حرب تدميرية شاملة ضدّ لبنان، انتهت بجملة الأمين العام لـ”حزب الله” الراحل حسن نصرالله الشهيرة آنذاك، التي قال فيها “لو كنت أعلم”. 

في تلك الحرب أعطى حزب الله الذريعة لاسرائيل لشن حرب مدمرة خرج فيها هو “منتصراً” فوق ركام منازل الناس. والقرار 1701 الذي أنهى الحرب رسم إطاراً جديداً، لكنّه لم يُنهِ ازدواجية القرار العسكري. بقي الجنوب منطقة رمادية، لا حرب كاملة ولا سيادة كاملة!.

وأتت عمليّة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما أعقبها من حرب “الإسناد” التي شنّها “حزب الله”، وانتهت بانتكاسة هائلة له على مستوى قياداته وقدراته العسكرية، مع تثبيت إسرائيل نقاطاً تحتلّها داخل الأراضي اللبنانية. ومع الحديث اليوم عن “مواقع دفاعية” أو “منطقة عازلة” إسرائيلية جديدة يتكرّر السؤال نفسه حول من سبق الآخر. 

 إسرائيل تحمل مشروعاً أمنياً توسّعياً قابلاً للتحوّل إلى جغرافيا، نعم. لكن كلّ توسّع كبير في تاريخ الجنوب ترافق مع حدث أمني استُخدم كرافعة. النيّة التوسّعية قد تكون ثابتة، لكنّ الفرصة تُخلق حين يُفتح الباب.

القول إن “المقاومة استجلبت الاحتلال” ليس حكماً أخلاقياً، بل توصيف لديناميكية. الجنوب في التسعينيات كان ورقة تفاوض سورية في مفاوضات الجولان. بعد 2000 أصبح جزءاً من معادلة إيرانية إسرائيلية أوسع. في الحالتين، القرار لم يكن لبنانياً خالصاً. وبين مشروع هيمنة إسرائيلي ومشروع نفوذ إقليمي مضاد، بقيت الأرض اللبنانية مجال اختبار دائم.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ليس ما إذا كانت إسرائيل توسّعية، فهذا جزء من بنيتها السياسية والأمنية، بل ما إذا كان لبنان سيبقى ساحة تُدار وفق مصالح الآخرين، أم دولة تحتكر قرار السلم والحرب. 

التجربة أثبتت أن الجنوب حين يُستخدم كورقة، يتحوّل إلى مساحة قابلة للقضم. وحين يُدار خارج استراتيجية وطنية جامعة، تصبح كلّ عمليّة تكتيكية احتمالاً لخسارة استراتيجية.

الناس الذين يسكنون القرى الحدودية لا يعيشون في معادلات نظرية. هم يعيشون في خرائط تتغيّر. وبين خطاب المقاومة وخطاب الأمن، يبقى السؤال البسيط والأصعب: من يملك القرار حين تُفتح الجبهة، ومن يدفع الثمن حين تُرسم الحدود من جديد؟

حين يردّد البعض أن “المقاومة استجلبت الاحتلال”، يبدو الكلام للوهلة الأولى تبسيطياً أو ظالماً أو “متصهيناً”، بحسب أدبيات “حزب الله” والممانعة. لكنّ الأمر يحتاج بعضاً من التأمل في كلّ الرواية التاريخية التي رافقت مآسي الجنوب على مدى عقود، دون إغفال الخطر المتعاظم لإسرائيل.

بعد يوم من إطلاق “حزب الله” صواريخه الستّة التي أعاد من خلالها فتح جبهة الجنوب، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نشر قوّات برّية إضافية في جنوب لبنان وسيطر على نقاط جديدة، في ما وصفه بأنه جزء من خلق “منطقة عازلة”على طول الحدود. 

إذاً، هي مناطق إضافية يقضمها الاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى النقاط الخمسة التي احتلّها خلال حرب “الإسناد” في عام 2024.

حين يردّد البعض أن “المقاومة استجلبت الاحتلال”، يبدو الكلام للوهلة الأولى تبسيطياً أو ظالماً أو “متصهيناً”، بحسب أدبيات “حزب الله” والممانعة. لكنّ الأمر يحتاج بعضاً من التأمل في كلّ الرواية التاريخية التي رافقت مآسي الجنوب على مدى عقود، دون إغفال الخطر المتعاظم لإسرائيل. 

نعم، إسرائيل قوّة احتلال تاريخياً، ومشروعها الأمني قابل دائماً للتحوّل إلى جغرافيا إضافية تحتلّها وتزعم ملكيتها، لكنّ تجربة الجنوب اللبناني منذ سبعينيات القرن الماضي تكشف ديناميكية أكثر تعقيداً. 

لم يكن الجنوب فقط ساحة مواجهة مع إسرائيل، بل كان أيضاً ورقة تفاوض إقليمية، تُدار حساباتها في دمشق وطهران بقدر ما تُدار في بيروت. وفي كلّ مرّة خرج فيها قرار الحرب عن إطار الدولة اللبنانية، فُتحت نافذة جديدة لإعادة رسم الخرائط بغير ما يشتهي أصحاب الأرض.

في السبعينيات، حين تحوّل الجنوب إلى قاعدة للفصائل الفلسطينية المسلّحة بعد اتّفاق القاهرة الشهير في عام 1969، كانت الدولة اللبنانية في حالة تفكّك عميق. الحدود رخوة، واحتكار السلاح غائب، والقرار السيادي موزّع. عمليّات مسلّحة فلسطينية عبر الحدود استُخدمت ذريعة لعمليّة الليطاني الإسرائيلية في  1978، ثم لغزو 1982. حينها لم يكن الاحتلال مجرّد توغّل عابر، بل تُرجم إلى “منطقة أمنية” استمرّت احتلالاً حتى العام 2000، وهو عام تحرير الجنوب. 

هنا يظهر النمط بوضوح، مشروع توسّعي إسرائيلي يستثمر في حدث أمني في بيئة سيادية ضعيفة، فيحوّله إلى واقع جغرافي طويل الأمد. لكنّ التسعينيات أضافت بعداً آخر أكثر تعقيداً، فبعد اتّفاق الطائف، خرج لبنان رسمياً من الحرب الأهلية، لكنّه لم يستعد قراره الاستراتيجي. 

الوجود السوري في لبنان الذي بدأ خلال الحرب واستمرّ لسنوات طويلة بعدها، كان حاسماً، والجنوب أصبح جزءاً من منظومة نفوذ إقليمي مقرّه دمشق وطهران. في الوقت نفسه، انطلق مسار التفاوض السوري الإسرائيلي بعد مؤتمر مدريد في عام 1991. المفاوضات تمحورت حول استعادة الجولان، ووصلت إلى محطّات متقدّمة خلال حكومات إسحاق رابين وشمعون بيريز ثم بنيامين نتنياهو، قبل أن تبلغ ذروتها في مفاوضات شيباردزتاون في عام 2000 في عهد إيهود باراك.

في تلك المرحلة، لم يكن الجنوب اللبناني منفصلاً عن هذا المسار، بل كان ورقة ضغط غير مباشرة في يد النظام السوري. التصعيد أو التهدئة في ساحات الجنوب لم يكونا قراراً لبنانياً صرفاً، بل جزء من توازن دقيق بين دمشق وتل أبيب. كلما تعثّرت المفاوضات أو اقتربت من لحظة حاسمة، تحرّكت الجبهة الجنوبية اللبنانية. قراءة في أرشيف الصحف لمطالعة تلازم المفاوضات مع اشتعال جبهة الجنوب، كفيلة بفهم المشهد آنذاك. 

في عام 1993، وبعد تصاعد هجمات “حزب الله” على شمال إسرائيل، شنّت إسرائيل عمليّة “تصفية الحساب”. القصف الواسع أدّى إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين، انتهت العمليّة بتفاهم رعته واشنطن يقضي بعدم استهداف المدنيين. التوقيت لم يكن معزولاً عن سياق التفاوض السوري الإسرائيلي. الجنوب كان رسالة متبادلة من دمشق بأنه جبهة قابلة للاشتعال وفق قرار حافظ الأسد آنذاك، ومن إسرائيل بأن ثمن الاشتعال سيدفعه لبنان.

في عام 1996 تكرّر المشهد بصورة أكثر دموية. عمليّة “عناقيد الغضب” الإسرائيلية في الجنوب، انتهت بمجزرة قانا الأولى داخل مقرّ تابع للأمم المتّحدة، حيث قُتل أكثر من مئة مدني لبناني بقصف إسرائيلي مباشر. مرّة أخرى، لم تنتهِ المواجهة بحسم عسكري بل بتفاهم سياسي عُرف بـ”تفاهم نيسان 1996″، الذي أنشأ لجنة مراقبة ضمّت الولايات المتّحدة وفرنسا وسوريا وإسرائيل ولبنان. 

وجود سوريا كطرف رسمي في لجنة المراقبة، كان اعترافاً بدورها في ضبط إيقاع الجبهة اللبنانية. الجنوب لم يكن فقط ساحة مقاومة، بل كان عنصراً في معادلة تفاوض حول الجولان وحول النفوذ والدور السوري والإيراني.

انسحاب العام 2000 والفرصة الضائعة

حين قرّرت حكومة إيهود باراك الانسحاب من جنوب لبنان في عام 2000، فعلت ذلك بشكل أحادي، من دون اتّفاق شامل مع سوريا. الانسحاب كان يمكن أن يشكّل لحظة استعادة سيادة لبنانية كاملة، لكن في الخطاب السوري ـ الحزب اللهي آنذاك، اعتُبر قرار الانسحاب خطوة تكتيكية أو “خدعة” تهدف إلى إسقاط الورقة اللبنانية من يد دمشق. جرت محاولات تشكيك وتصعيد إعلامية ضدّ الانسحاب مع التحذير من فكرة نشر الجيش اللبناني في الجنوب.

انسحبت إسرائيل لكن بقي ملفّ مزارع شبعا عالقاً بسبب رفض سوريا ترسيم الحدود لتبرير استمرار معادلة السلاح. في تلك المرحلة، كانت أيّ دعوة لنشر الجيش اللبناني بشكل كامل في الجنوب أو لحصر السلاح بيد الدولة، تُواجَه بتهم “العمالة”. ببساطة كان ممنوعاً نشر الجيش في الجنوب. هكذا، لم يتحوّل التحرير إلى مشروع دولة، بل إلى تثبيت معادلة سلاح إقليمي عقائدي من خارجها.

بقيت الحدود هادئة تماما لست سنوات الى أن أتت حرب 2006 التي أعادت إنتاج الحلقة نفسها في سياق إقليمي مختلف. عمليّة أسر “حزب الله” جنديين إسرائيليين قُدّمت ضمن منطق الردع واستعادة الأسرى، لكنّ الردّ الإسرائيلي الواسع حوّلها إلى حرب تدميرية شاملة ضدّ لبنان، انتهت بجملة الأمين العام لـ”حزب الله” الراحل حسن نصرالله الشهيرة آنذاك، التي قال فيها “لو كنت أعلم”. 

في تلك الحرب أعطى حزب الله الذريعة لاسرائيل لشن حرب مدمرة خرج فيها هو “منتصراً” فوق ركام منازل الناس. والقرار 1701 الذي أنهى الحرب رسم إطاراً جديداً، لكنّه لم يُنهِ ازدواجية القرار العسكري. بقي الجنوب منطقة رمادية، لا حرب كاملة ولا سيادة كاملة!.

وأتت عمليّة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما أعقبها من حرب “الإسناد” التي شنّها “حزب الله”، وانتهت بانتكاسة هائلة له على مستوى قياداته وقدراته العسكرية، مع تثبيت إسرائيل نقاطاً تحتلّها داخل الأراضي اللبنانية. ومع الحديث اليوم عن “مواقع دفاعية” أو “منطقة عازلة” إسرائيلية جديدة يتكرّر السؤال نفسه حول من سبق الآخر. 

 إسرائيل تحمل مشروعاً أمنياً توسّعياً قابلاً للتحوّل إلى جغرافيا، نعم. لكن كلّ توسّع كبير في تاريخ الجنوب ترافق مع حدث أمني استُخدم كرافعة. النيّة التوسّعية قد تكون ثابتة، لكنّ الفرصة تُخلق حين يُفتح الباب.

القول إن “المقاومة استجلبت الاحتلال” ليس حكماً أخلاقياً، بل توصيف لديناميكية. الجنوب في التسعينيات كان ورقة تفاوض سورية في مفاوضات الجولان. بعد 2000 أصبح جزءاً من معادلة إيرانية إسرائيلية أوسع. في الحالتين، القرار لم يكن لبنانياً خالصاً. وبين مشروع هيمنة إسرائيلي ومشروع نفوذ إقليمي مضاد، بقيت الأرض اللبنانية مجال اختبار دائم.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ليس ما إذا كانت إسرائيل توسّعية، فهذا جزء من بنيتها السياسية والأمنية، بل ما إذا كان لبنان سيبقى ساحة تُدار وفق مصالح الآخرين، أم دولة تحتكر قرار السلم والحرب. 

التجربة أثبتت أن الجنوب حين يُستخدم كورقة، يتحوّل إلى مساحة قابلة للقضم. وحين يُدار خارج استراتيجية وطنية جامعة، تصبح كلّ عمليّة تكتيكية احتمالاً لخسارة استراتيجية.

الناس الذين يسكنون القرى الحدودية لا يعيشون في معادلات نظرية. هم يعيشون في خرائط تتغيّر. وبين خطاب المقاومة وخطاب الأمن، يبقى السؤال البسيط والأصعب: من يملك القرار حين تُفتح الجبهة، ومن يدفع الثمن حين تُرسم الحدود من جديد؟