في قلب بيروت يقع مبنى أثري تحوّل في السنوات الأخيرة إلى “مكتبة وطنية”…
في هذا المكان تُقام مناسبات رسمية وثقافية، في ظل عمارة أثرية لافتة، ودعوات متكررة للعامة للاستفادة من هذا الصرح الثقافي والمعماري.
في حزيران/ يونيو 2026 أطلقت وزارة الثقافة بالشراكة مع الأونيسكو، مشروعًا لإعادة تأهيل المكتبات العامة في لبنان، ووصفت المكتبات بأنها “مساحة حيويّة للتعلّم والحوار والوصول المتساوي إلى المعرفة”. إلّا أنّ المكتبة الوطنيّة، والتي من المفترض أن يكون من مهامها دعم المكتبات العامّة على مستوى الوطن، غير قادرة على استقبال الجمهور. مررت بها أخيراً، فلم تكن هناك كهرباء لتشغيل الإنارة ولا مكيّفات، ولا يمكن شحن الهاتف أو الحاسوب. قالت لي أمينة المكتبة إنّ الإنترنت يعمل فقط على الطاقة الشمسيّة. سألتها عن سبل تشغيل الكهرباء للعمل والقراءة والبحث، فقالت إنّها متاحة فقط عندما تأتي كهرباء الدولة، أي ساعتين في اليوم فقط إن وجدت. أخبرتني الأمينة كذلك أن تشغيل المولّد الكهربائي يحدث حصرًا لمناسبة معيّنة، أو إذا حضر وزير الثقافة. بالإضافة إلى أنّ إمكانيّة الوجود محصورة بستّ ساعات في اليوم فقط، من الثامنة صباحاً حتّى الثانية ظهرًا، أي أنّ دوام المكتبة بالكاد يسمح لمن يعمل بالحضور، فهي تُغلق قبل أن انتهاء دوامات العمل اليوميّة. هذا ليس مؤشراً عابراً، بل يكشف عن مشكلة أعمق، ما مدى عموميّة المكتبة الوطنيّة إذا كانت هذه الصفة فارغة ممّا يحقّقها فعليّا؟
المشكلة في “إمكانيّة” الوجود
المكتبة العامّة غير مهيّأة لأن نكون موجودين فيها كأفراد. قد يرغب البعض في القراءة، وآخرون في البحث وحتّى الخروج إلى فضاء خارج المنزل للتفكير. تصنيف المساحة كمكان عام نظرياً لا يكفي، فـ”العام” شكلي وغير متحقّق فعليًّا. المكتبة الوطنيّة مؤسسة ومساحة اجتماعيّة عامّة، بالتالي يُفترض أن يكون الحضور إليها مسموحاً لأي فرد بصرف النّظر عن خلفيّته الاقتصاديّة أو التعليميّة أو حتى المناطقيّة.
المشكلة ليست في عدم وجود الكهرباء وقِصر الدّوام فحسب، بل إنّ غيابها يلغي إمكانيّة الحضور أساسًا. ماذا يبقى من معنى “عام” إذا كانت إتاحة هذا الفضاء غير ممكنة، حكمًا، بسبب غياب شروط تحقيق هذه الإتاحة؟
المشكلة في استسهال اعتبارنا كـ”زبائن”
قلّما يمكننا كأفراد، أن نلتقي أو نفكّر أو نقرأ أو نعمل خارج مكاتب العمل والمنزل من دون التفكير في كلفة هذا اللقاء. أنذهب إلى مطعم أو مقهى ما؟ علينا أن نشتري شيئًا. أنستأجر مساحات عمل مشتركة؟ علينا أن ندفع اشتراكًا شهريًّا. مكتبات الجامعة ليست متاحة إلا لمن هم منتسبون إليها. البيت أيضًا قد لا يكون دائماً مناسباً للدراسة أو العمل أو البحث. من الصعب تخيّل مكان يمكن الوجود فيه اليوم بسهولة من دون الأخذ بالاعتبار كلفة الوجود فيه.
المكتبة الوطنيّة، كفضاء يُفترض أنّه ملك للجميع، ويناقض أن يكون طابعها تجاريًا، يُفترض بالتالي أن تعكس إتاحتها رفض استسهال أن تكون أماكن التلاقي حكرًا على من يمتلك القدرة الماديّة. أيًّا كانت الكلفة، فهي كلفة تُحتسب دائمًا؛ وهي تناقض فكرة الرغبة فقط في شرب القهوة، مثلًا، بل حتّى أصبحت الأداة الوحيدة للوجود.
المكان الذي نصفه بأنّه “عام” يختلف جذريًا، كمعنى وشعور، عن الأماكن التجاريّة أو الخاصّة. أن يكون المكان خاصًا يعني أن الوجود فيه مشروط بالقدرة الشرائية والماديّة، وأساسًا فإنّ تجهيزه ليس مناسبًا للبقاء وقتًا طويلًا؛ الزبون يأتي ثمّ يجب أن يرحل حتى يأتي زبون آخر. مفهومه تجاري.
كذلك، فإنّ الشعور تجاه الأماكن الخاصّة والتجاريّة أنّها خاصّة وتجاريّة، أي ملك لأحد ما، وليست عامّة، بالتالي، أي ملكًا للجميع. فهل المكتبة الوطنيّة، كمساحة عامّة ومؤسّسة ثقافيّة، يمكن أن تكون مساحة للوجود فيها في أوقات المناسبات فقط؟
في لبنان هنالك تصوّر بأن الحاجة الى مال هي الأساس كي يكون لديك “مكان” أصلًا. كلّما كان المكان أكثر تجهيزًا كلّما ارتفعت كلفة الوصول إليه والبقاء فيه. كأن القدرة على الوجود في مكان خارج البيوت أصبحت سلعة في نفسها. ناهيك بأنّ البيوت في غالبيتها مستأجرة، أي أنّه حتّى المساحات التي تصنّف “خاصّة” لا تعني بالضرورة امتلاكها.
كيفما التفتنا نجد أنّ العلاقة بين مجّانيّة المكان وافتقاره الى التجهيزات والموارد باتت شبه بديهيّة، فكلّما اقترب المكان الى أن يكون متاحًا بلا مقابل أو بمقابل رمزيّ، كلّما زاد التصوّر بأنّه أقلّ راحة وأقل تجهيزًا.









