بعد عشر سنوات من الجهد والتعب، تبلغتُ في اجتماع طارئ عبر “تيمز”، ومن دون سابق إنذار، أنه عليّ التخلي عن نصف راتبي وسحب يدي من مسؤولية القسم الذي كنت أترأسه، وإلا سيكون مصيري مغادرة العمل، والمبرر: أزمة مالية تعصف بالمؤسسة!
هذا ما حصل معي شخصياً، إذ إنني أعمل كفريلانسر في مؤسسة إعلامية سعودية كبرى تُعنى بالنشر والإعلام، لكنني عملياً كنت أتعامل كموظفة ثابتة: أعمل ليلاً لتغطية الفعاليات الفنية، أتابع النشر سبعة أيام في الأسبوع، وأؤجّل إجازاتي عاماً بعد عام. ومع الوقت، لم يعد عملي مجرد وظيفة، بل التزاماً كاملاً استنزف وقتي وصحتي وحياتي الخاصة، من دون أن أحسب يوماً الساعات أو الجهد، لأنني كنت أتعامل مع عملي بصدق وانتماء.
في البداية، ظننت أن الإدارة ستلجأ إلى التفاوض، خصوصاً بعد سنوات طويلة من العمل والاستقرار المهني. لكن حين رفضت المسّ براتبي، خصوصاً أنه بالكاد يكفي أساساً في بلد تضاعفت فيه أسعار كل شيء، من الطعام والدواء إلى الكهرباء والبنزين… وفيما نعيش يومياً تحت ضغط الخوف من الحرب والانهيار، كان الرد سريعاً: قبول استقالتي فوراً.
عندها فقط أدركت أننا كموظفين، بخاصة في زمن الأزمات، نصبح أسهل ما يمكن الاستغناء عنه.
ما حدث معي لا يمكن فصله إطلاقاً عن الواقع الذي نعيشه اليوم في لبنان. فنحن لا نعيش أزمة اقتصادية عابرة، بل انهياراً كاملاً يطاول كل تفاصيل الحياة، يترافق مع حرب مفتوحة جعلت جميع الأفق أمامنا مسدودة، وخوف دائم من أن يتبدل كل شيء بين ليلة وضحاها. في هذا البلد، لا نذهب الى أعمالنا ونحن نفكر فقط بالنجاح أو التطور المهني، بل أصبحنا نفكر كيف سنمضي حتى آخر الشهر، وكيف سندفع فاتورة الكهرباء، وكيف سنؤمن البنزين والدواء والأقساط، وكيف سنعيش إذا خسرنا عملنا فجأة.
في لبنان اليوم، لا نعيش ضغط العمل فقط، بل نصارع وسط طبقات متراكمة من القلق: خوف من حرب قد تتوسع في أي لحظة، غلاء يلتهم أي راتب مهما بلغ، وانعدام شبه كامل لأي حماية اجتماعية أو وظيفية. لذلك، حين يُطلب من موظف أن يتنازل عن نصف راتبه، فالمطلوب منه فعلياً أن يتنازل عن جزء من قدرته على العيش، لا عن رقم مالي فقط.
وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية، التي لا تخصني وحدي، بل تطاول شريحة واسعة من العاملين، خصوصاً في المؤسسات الصحافية والإعلامية، حيث يُطلب من الموظف أن يعطي أكثر مما هو مكتوب في عقده، إن وُجد أصلاً، وأن يكون مرناً ومتفهّماً ومحباً لعمله، بينما لا يُطلب من المؤسسة بالمقابل أن تكون عادلة أو شفافة أو حتى واضحة في طريقة إدارتها للعاملين فيها.
في عالم العمل اليوم، يُكافأ الالتزام غالباً بمزيد من الاستغلال. كلما أثبت الموظف أنه قادر على تحمّل ضغط إضافي، أُلقي على عاتقه المزيد من المسؤوليات، من دون تعديل في الراتب أو توصيف واضح لدوره. وهذا ما اكتشفته شخصياً: يتحوّل الاجتهاد من قيمة إيجابية إلى عبء، وتتحوّل المبادرة إلى فخ، لأن الحدود تصبح ضبابية، ويُفترض بك دائماً أن “تتحمّل” لأنك فعلت ذلك سابقاً.
لكن في بلد مثل لبنان، تصبح هذه المعادلة أكثر قسوة. فنحن الموظفين لا نعود هنا قادرين على الاعتراض بسهولة، لأننا نعرف أن البديل قد يكون البطالة، أو الجلوس في المنزل وسط انهيار اقتصادي مرعب وفرص عمل تتضاءل يوماً بعد يوم. حتى ترك العمل، الذي قد يبدو في ظروف طبيعية قراراً مهنياً صعباً، أصبح في لبنان قراراً مخيفاً، لأنك لا تترك وظيفة فقط، بل تترك آخر مساحة أمان في بلد فقد فيه الناس مدخراتهم واستقرارهم وقدرتهم على التخطيط للغد.
إقرأوا أيضاً:
المشكلة لا تكمن فقط في القرارات الصعبة التي قد تضطر المؤسسات إلى اتخاذها في أوقات الأزمات، بل في الطريقة التي تُدار بها هذه القرارات. فعلى سبيل المثال، حين تم استدعائي إلى اجتماع طارئ لأُخيَّر بين التنازل عن جزء أساسي من راتبي أو التخلي عن مسؤولياتي أو المغادرة، من دون أي تقدير حقيقي لسنوات من التعب والعطاء، فهذا لا يُشبه إدارة أزمة، بل يشبه اختزالي بالكامل في رقم يمكن تعديله أو شطبه متى اقتضت الحاجة.
ما يوجعني أكثر، بشكل شخصي، هو ذلك الوهم الذي نُغذّى به لسنوات، ألا وهو أن الإخلاص يُقابَل بالإخلاص، وأن الجهد يُقدَّر، وأن “البيت المهني” لا يطرد أبناءه بهذه السهولة. لكن الحقيقة القاسية التي لمستها، أن كثيراً من المؤسسات، خصوصاً في زمن الأزمات، لا ترى في الموظف إلا رقماً في جدول، يمكن الاستغناء عنه فور تغيّر الظروف.
ولعلّ العمل بنظام الـFreelance يزيد هذه الإشكالية تعقيداً. فالحدود بين الحرية والاستغلال تصبح أكثر هشاشة. يُطلب منك التفرغ الكامل، لكن من دون ضمانات. تُعامل كموظف عند الحاجة، وكعامل حر عند المحاسبة. لا عقد يحميك، ولا نظام واضح يحدد حقوقك، فقط التزام تام من طرف واحد، واستفادة قصوى من طرف آخر.
التجربة التي مررت بها تجعلني أطرح سؤالاً جوهرياً: متى يصبح الاستمرار في العمل في مؤسسات كهذه نوعاً من التنازل عن الذات؟ ومتى يكون الانسحاب، رغم قسوته، شكلاً من أشكال الحفاظ على الكرامة المهنية؟
ليس من السهل عليّ إطلاقاً أن أترك مكاناً أمضيت فيه سنوات من عمري، وبنيت فيه علاقات، وربطت جزءاً من هويتي باسم المؤسسة. لكن الأصعب أن تبقى في مكان لا يراك فيه أحد، ولا يسمعك، ولا يعترف بقيمتك إلا حين يطلب منك المزيد من الجهد والعطاء.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في ثقافة العمل السائدة، تلك التي تمجّد التضحية من طرف واحد، وتتعامل مع المطالبة بالحقوق وكأنها شكل من أشكال “عدم الامتنان”. آن الأوان لأن تدرك إدارات المؤسسات أن المهنية لا تعني التنازل الدائم، وأن الحب للعمل لا يبرر استنزاف الموظف جسدياً ونفسياً، خصوصاً في بلد يعيش أهله أصلاً تحت ضغط الحرب والخوف والغلاء وانعدام الاستقرار.
كما آن الأوان لأن تتحمّل الدولة مسؤولياتها تجاه العاملين، فتضع قوانين أكثر عدالة تحمي الموظف، لا سيما العامل الحر الذي غالباً ما يبقى خارج أي حماية فعلية، فيما يُترك وحيداً في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمعيشية.
في النهاية، قد تكون هذه التجربة التي مررت بها مؤلمة، لكنها كاشفة. كاشفة لحقيقة العلاقة بين الفرد والمؤسسة، وكاشفة أيضاً لواقع أكبر نعيشه جميعاً في لبنان، حيث أصبح الإنسان يقاتل يومياً للحفاظ على الحد الأدنى من الأمان والاستقرار والكرامة.
وإذا كان الموظف في نظر بعض المؤسسات مجرد رقم حتى إشعار آخر، فإن الخطر الأكبر اليوم هو أن يتحوّل الإنسان نفسه، في هذا البلد المتعب، إلى رقم إضافي في قائمة الخسائر الطويلة.
إقرأوا أيضاً:












