ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل بإمكان أهل الجنوب فعلاً أن يعيدوا بيوتهم “أجمل مما كانت”؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أسأل كيف “يدافع عن الأرض” من لا يعرف قيمة البيت وقيمتها؟ بل من يذهب أكثر باتجاه محاولة قمع حسرة الناس على خسارة بيوتها وأرضها ومنعها من الحداد عليها. والأنكى أن من يقمع مشاعر الناس هنا هو الذي استجلب التدمير. هو من انتزع المنازل من أصحابها قبل هدمها يوم قرر أنها ملك مستباح له الحق في استخدام الكثير منها من دون إذن من أصحابها، ويوم قرر دخول الحرب للمرة الثانية وهو يدرك مآلاتها الواضحة لأي كان. ومن اتخذ هذا القرار لا يكتفي بالمكابرة على هذه الخسائر بل ويرتضي بأكثر منها بدل السعي للحد منها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في حرب تموز/ يوليو 2006، ظهر شعار “سنعيدها أجمل مما كانت” الذي أعلنه حزب الله ليهدّئ من فجيعة الذين خسروا بيوتهم في الحرب الإسرائيلية، وليطمئن البيئة الحاضنة له بأنه سيتصدى للتدمير… 

منذ ذلك التاريخ، ومع تكرار الحرب وخسارة المنزل، برز ذلك الشعار بوصفه وعداً متكرراً بأن التدمير يمكن أن يحصل لكن سيعقبه إعمار.

“سنعيدها أجمل مما كانت”… لعب هذا الشعار دوراً في نسف فكرة البيت وخصوصيته ومكانته في حياة الأفراد. جاء ليختزل المنزل بكونه خسارة مقبولة، مجموعة جدران وحجارة يسهل إعادة تركيبها. ليقول إن البيت يعوَّض بما يحتويه من معان، وليتناسى أن جمال المنازل يكمن في ما تحمله من قيمة معنوية لأصحابها. 

ولربما كان يمكن فهم الغاية من هذا الشعار في سياقه السابق، يوم كان الدمار محدوداً نسبياً، ولم نكن أمام نكبة جماعية. أما اليوم، فبات الشعار يشكل مأساة بذاته، وإن لم يعد يقنع أحداً، إذ باتت وظيفته التطبيع مع الدمار وإبادة القرى التي تمارسها إسرائيل بوصفه واقعاً صعباً لكن يمكن تجاوزه والنهوض منه.

كان يمكن فهم الحديث عن إعادة المنازل “أجمل مما كانت” يوم لم تكن القرى تُمحى بكاملها، ويوم كان بالإمكان إعادة إعمارها. فكيف ستعاد المنازل أجمل إن كانت القرى تُنسف؟ ومن يعيد القرى وذاكرتها وحواريها وملامحها التراثية التي اختفت، فيما يمعن حزب الله في المسار الذي قاد إلى النكبة ليعمقها أكثر؟ ولمَ نطبّع مع عمليات النسف بالمتفجرات بنسف معنى البيت لتسخيف خسارة بحجم عمر؟ وماذا عن البيوت التي صارت مقابر لأهلها؟ كيف ستعود أجمل من دونهم بعدما صار المكان يحمل مأساة بحجم إطباق موقع الراحة والأمان على أهله؟ ولمَ التعامي عن أن ما يدمر اليوم ليس منزلاً، بل محيط كامل. فمن يعوّض للناس الجيران والحواضر؟

كيف “يدافع عن الأرض” من لا يعرف قيمة البيت؟

يخال لي أن من يكرر هذه الجملة عند كل تدمير لم يعرف حقاً معنى البيت والأرض. وأسأل كيف “يدافع عن الأرض” من لا يعرف قيمة البيت وقيمتها؟ بل من يذهب أكثر باتجاه محاولة قمع حسرة الناس على خسارة بيوتها وأرضها ومنعها من الحداد عليها. والأنكى أن من يقمع مشاعر الناس هنا هو الذي استجلب التدمير. هو من انتزع المنازل من أصحابها قبل هدمها يوم قرر أنها ملك مستباح له الحق في استخدام الكثير منها من دون إذن من أصحابها، ويوم قرر دخول الحرب للمرة الثانية وهو يدرك مآلاتها الواضحة لأي كان. ومن اتخذ هذا القرار لا يكتفي بالمكابرة على هذه الخسائر بل ويرتضي بأكثر منها بدل السعي للحد منها.

أما البيت… فما البيت؟؟ يمضي الإنسان عمره في البحث عن بيت لا يرتاح ويأمن إلا فيه. يغذيه من روحه وكدّه ومن صحّته أحياناً، يملأه بتفاصيل تعكس مشاعره وأفكاره وإيمانه وتفضيلاته، ليصير البيت شبيه صاحبه وجزءاً من هويته بل ويشكل هويته وهوية من ينشأ فيه. يحمل البيت ذكريات أصحابه، وما تجمعه أعمارهم من صور وأسرار، أفراح وأتراح، يحمل أرواح من رحلوا… فهل هناك من يعيد بناء البيوت على هيئة أصحابها؟ وكيف لا يخجل أحد من أن يعدهم بأنه سيبنيها “أجمل” ظناً منه أنه بذلك يصبّرهم؟ ولمَ لا يكتفي بالوعد بإعمارها ويصر على كلمة “أجمل”.

هذه العبارة التي تلوكها الألسن المؤدلجة، باتت تشير إلى أن من يدمّر المنزل يدرك قيمته أكثر ممن يدعي الدفاع عن الأرض. من يدمّر المنازل يدرك منزلتها، ولتشابه الكلمتين تلخيص لمعنى المنزل. من يدمر المنازل يدرك أنه يدمر شيئاً في داخل أصحابها ضمن سياسة عقاب جماعي لا بدّ من إدانتها وإظهار ضررها. من ينسف يدرك أن ما يهدمه ليس فقط الجدران وإنما كل ما تحمله المنازل من معان. والتحدي لا يكمن بالمكابرة على هذا الدمار وادعاء عدم الاكتراث، بل في عدم تسخيفه، والبحث عن إخراج لبنان من الصراعات وجعل مصلحة الناس أولوية.

جروح لما تبقى من عمر

يفوت المكابرين أن تداعيات خسارات بهذا الحجم لا تنتهي بانتهاء اللحظة، بل تتحول إلى جروح مفتوحة لما تبقّى من العمر، جروح قد يزداد نزفها مع الوقت لا العكس. فالناس لا تدرك دائماً حجم ما خسرته فور وقوع الكارثة، بل تكتشفه لاحقاً، تدريجياً، وبقسوة أكبر.

فالمنزل لا يُدمَّر وحده. يُدمَّر معه محيط كامل: بيوت الجيران، العلاقات اليومية، الذكريات، والإحساس بالأمان. بعض الجيران يسقطون تحت الركام أيضاً، ومع البيوت تُدمَّر وسائل العيش: الأراضي الزراعية، المحال، المصانع، وكل ما كان يربط الناس بحياتهم واستمرارهم. حين يُدمَّر المنزل، لا يخسر الفرد سقفاً فقط، بل يتصدّع مجتمع كامل.

وكان خبراء في الأمم المتحدة قد استخدموا مصطلح “دوميسيد” لوصف هذا النمط من التدمير، معتبرين أنه ليس مجرد خسارة مادية، بل فعل يخلّف آثاراً نفسية واجتماعية عميقة. كما تحدثت تقارير عدة عن الأثر النفسي لمثل هذه الجريمة، بوصفها صدمة اجتماعية ونفسية قد تتجلى بأشكال أشد قسوة لاحقاً، حين تنتهي الحرب ويجد عشرات آلاف الناجين أنفسهم بلا بيت يعودون إليه.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.

أسأل كيف “يدافع عن الأرض” من لا يعرف قيمة البيت وقيمتها؟ بل من يذهب أكثر باتجاه محاولة قمع حسرة الناس على خسارة بيوتها وأرضها ومنعها من الحداد عليها. والأنكى أن من يقمع مشاعر الناس هنا هو الذي استجلب التدمير. هو من انتزع المنازل من أصحابها قبل هدمها يوم قرر أنها ملك مستباح له الحق في استخدام الكثير منها من دون إذن من أصحابها، ويوم قرر دخول الحرب للمرة الثانية وهو يدرك مآلاتها الواضحة لأي كان. ومن اتخذ هذا القرار لا يكتفي بالمكابرة على هذه الخسائر بل ويرتضي بأكثر منها بدل السعي للحد منها.


في حرب تموز/ يوليو 2006، ظهر شعار “سنعيدها أجمل مما كانت” الذي أعلنه حزب الله ليهدّئ من فجيعة الذين خسروا بيوتهم في الحرب الإسرائيلية، وليطمئن البيئة الحاضنة له بأنه سيتصدى للتدمير… 

منذ ذلك التاريخ، ومع تكرار الحرب وخسارة المنزل، برز ذلك الشعار بوصفه وعداً متكرراً بأن التدمير يمكن أن يحصل لكن سيعقبه إعمار.

“سنعيدها أجمل مما كانت”… لعب هذا الشعار دوراً في نسف فكرة البيت وخصوصيته ومكانته في حياة الأفراد. جاء ليختزل المنزل بكونه خسارة مقبولة، مجموعة جدران وحجارة يسهل إعادة تركيبها. ليقول إن البيت يعوَّض بما يحتويه من معان، وليتناسى أن جمال المنازل يكمن في ما تحمله من قيمة معنوية لأصحابها. 

ولربما كان يمكن فهم الغاية من هذا الشعار في سياقه السابق، يوم كان الدمار محدوداً نسبياً، ولم نكن أمام نكبة جماعية. أما اليوم، فبات الشعار يشكل مأساة بذاته، وإن لم يعد يقنع أحداً، إذ باتت وظيفته التطبيع مع الدمار وإبادة القرى التي تمارسها إسرائيل بوصفه واقعاً صعباً لكن يمكن تجاوزه والنهوض منه.

كان يمكن فهم الحديث عن إعادة المنازل “أجمل مما كانت” يوم لم تكن القرى تُمحى بكاملها، ويوم كان بالإمكان إعادة إعمارها. فكيف ستعاد المنازل أجمل إن كانت القرى تُنسف؟ ومن يعيد القرى وذاكرتها وحواريها وملامحها التراثية التي اختفت، فيما يمعن حزب الله في المسار الذي قاد إلى النكبة ليعمقها أكثر؟ ولمَ نطبّع مع عمليات النسف بالمتفجرات بنسف معنى البيت لتسخيف خسارة بحجم عمر؟ وماذا عن البيوت التي صارت مقابر لأهلها؟ كيف ستعود أجمل من دونهم بعدما صار المكان يحمل مأساة بحجم إطباق موقع الراحة والأمان على أهله؟ ولمَ التعامي عن أن ما يدمر اليوم ليس منزلاً، بل محيط كامل. فمن يعوّض للناس الجيران والحواضر؟

كيف “يدافع عن الأرض” من لا يعرف قيمة البيت؟

يخال لي أن من يكرر هذه الجملة عند كل تدمير لم يعرف حقاً معنى البيت والأرض. وأسأل كيف “يدافع عن الأرض” من لا يعرف قيمة البيت وقيمتها؟ بل من يذهب أكثر باتجاه محاولة قمع حسرة الناس على خسارة بيوتها وأرضها ومنعها من الحداد عليها. والأنكى أن من يقمع مشاعر الناس هنا هو الذي استجلب التدمير. هو من انتزع المنازل من أصحابها قبل هدمها يوم قرر أنها ملك مستباح له الحق في استخدام الكثير منها من دون إذن من أصحابها، ويوم قرر دخول الحرب للمرة الثانية وهو يدرك مآلاتها الواضحة لأي كان. ومن اتخذ هذا القرار لا يكتفي بالمكابرة على هذه الخسائر بل ويرتضي بأكثر منها بدل السعي للحد منها.

أما البيت… فما البيت؟؟ يمضي الإنسان عمره في البحث عن بيت لا يرتاح ويأمن إلا فيه. يغذيه من روحه وكدّه ومن صحّته أحياناً، يملأه بتفاصيل تعكس مشاعره وأفكاره وإيمانه وتفضيلاته، ليصير البيت شبيه صاحبه وجزءاً من هويته بل ويشكل هويته وهوية من ينشأ فيه. يحمل البيت ذكريات أصحابه، وما تجمعه أعمارهم من صور وأسرار، أفراح وأتراح، يحمل أرواح من رحلوا… فهل هناك من يعيد بناء البيوت على هيئة أصحابها؟ وكيف لا يخجل أحد من أن يعدهم بأنه سيبنيها “أجمل” ظناً منه أنه بذلك يصبّرهم؟ ولمَ لا يكتفي بالوعد بإعمارها ويصر على كلمة “أجمل”.

هذه العبارة التي تلوكها الألسن المؤدلجة، باتت تشير إلى أن من يدمّر المنزل يدرك قيمته أكثر ممن يدعي الدفاع عن الأرض. من يدمّر المنازل يدرك منزلتها، ولتشابه الكلمتين تلخيص لمعنى المنزل. من يدمر المنازل يدرك أنه يدمر شيئاً في داخل أصحابها ضمن سياسة عقاب جماعي لا بدّ من إدانتها وإظهار ضررها. من ينسف يدرك أن ما يهدمه ليس فقط الجدران وإنما كل ما تحمله المنازل من معان. والتحدي لا يكمن بالمكابرة على هذا الدمار وادعاء عدم الاكتراث، بل في عدم تسخيفه، والبحث عن إخراج لبنان من الصراعات وجعل مصلحة الناس أولوية.

جروح لما تبقى من عمر

يفوت المكابرين أن تداعيات خسارات بهذا الحجم لا تنتهي بانتهاء اللحظة، بل تتحول إلى جروح مفتوحة لما تبقّى من العمر، جروح قد يزداد نزفها مع الوقت لا العكس. فالناس لا تدرك دائماً حجم ما خسرته فور وقوع الكارثة، بل تكتشفه لاحقاً، تدريجياً، وبقسوة أكبر.

فالمنزل لا يُدمَّر وحده. يُدمَّر معه محيط كامل: بيوت الجيران، العلاقات اليومية، الذكريات، والإحساس بالأمان. بعض الجيران يسقطون تحت الركام أيضاً، ومع البيوت تُدمَّر وسائل العيش: الأراضي الزراعية، المحال، المصانع، وكل ما كان يربط الناس بحياتهم واستمرارهم. حين يُدمَّر المنزل، لا يخسر الفرد سقفاً فقط، بل يتصدّع مجتمع كامل.

وكان خبراء في الأمم المتحدة قد استخدموا مصطلح “دوميسيد” لوصف هذا النمط من التدمير، معتبرين أنه ليس مجرد خسارة مادية، بل فعل يخلّف آثاراً نفسية واجتماعية عميقة. كما تحدثت تقارير عدة عن الأثر النفسي لمثل هذه الجريمة، بوصفها صدمة اجتماعية ونفسية قد تتجلى بأشكال أشد قسوة لاحقاً، حين تنتهي الحرب ويجد عشرات آلاف الناجين أنفسهم بلا بيت يعودون إليه.