“بتشبه العجوز الشريرة، ناقصها عصاية لتطير”، “يا لطيف، الله يفضح كبرتك”، “وأخيراً لقينا شرشبيل الهربان من السنافر”.
هذا جزء يسير من التعليقات التي تتعرض لها نساء سوريات في كل مرة يشاركن فيها في اعتصام أو وقفة احتجاجية أو نشاط عام.
أفتح الصور، أقرأ المطالب أولاً، ثم أقرأ التعليقات، فأشعر وكأنني أتابع حدثين مختلفين تماماً. هناك نساء يحملن لافتات أو يرفعن أصواتهن دفاعاً عن قضية ما، ثم تنهال التعليقات ساخرة من أشكالهن وأجسادهن وأعمارهن وطريقة حديثهنّ. لا أجد تعليقاً واحداً يسأل إن كانت مطالب هؤلاء النساء عادلة أو منطقية أو قابلة للنقاش. ولا أحد يهتم كثيراً بما يقلنه. فالنقاش يبدأ وينتهي عند سؤال آخر: كيف يبدون؟
وهكذا، يبدو وكأن المشاركة في الشأن العام ليست حقاً من حقوق المواطنة، بل امتيازاً مشروطاً بالحصول على درجة مقبولة في مسابقة جمال جماعية لا تنتهي. سأفترض جدلاً أن كل ما يقوله أصحاب هذه التعليقات صحيح. سأفترض أن النساء اللواتي ظهرن في الاعتصام لسن جميلات. وأنهن لا يملكن الملامح التي يفضلها المجتمع، ولا الأجساد التي تحتفي بها الإعلانات، ولا الأعمار التي يعتبرها البعض جديرة بالظهور في الصور.
ثم ماذا؟ ماذا يتغير في مطالبهن؟ ماذا يتغير في حقهن بالتعبير؟ ماذا يتغير في أهليتهن للمشاركة في الشأن العام؟ وما العلاقة أصلاً بين شكل الإنسان وبين قيمة ما يقوله؟
المثير للاهتمام أن هذه التعليقات لا تظهر لأن أصحابها مهتمون فعلاً بالجمال. فلو كان الأمر يتعلق بالذوق الجمالي فقط، لكانت هذه الملاحظات تلاحق النساء في كل مكان. لكنها تظهر غالباً عندما تقرر امرأة أن تتكلم، أو عندما تدخل مساحة عامة اعتاد البعض اعتبارها ليست لها بالكامل.
وهذه ليست ظاهرة جديدة. فالنساء اللواتي يظهرن في المجال العام يدفعن ثمناً إضافياً لا يُطلب من الرجال دفعه. فالرجل يُنتقد بسبب موقفه أو خطابه أو انتمائه السياسي. أما المرأة فغالباً ما تُجبر أولاً على اجتياز امتحان غير معلن يتعلق بشكلها وعمرها وطريقة لباسها وصوتها وحركاتها، قبل أن يُسمح لأحد بمناقشة ما تقوله.
والأغرب أن جزءاً كبيراً من السخرية لا يستهدف الجمال بقدر ما يستهدف العمر. فبمجرد أن تتجاوز المرأة سناً معينة، يصبح وجودها نفسه في المجال العام مادة للتندر. تظهر كلمات مثل “خالتو” و”ستي” و”العجوز” وكأنها حجج سياسية. وكأن التقدم في العمر ينتقص من حق المرأة في الكلام أو يجعل رأيها أقل قيمة من آراء الآخرين.
في المقابل، نادراً ما يُنظر إلى عمر الرجل بالطريقة نفسها. بل إن التقدم في العمر قد يمنحه مزيداً من الهيبة أو المصداقية. أما المرأة، فيبدو أحياناً أنها مطالبة بالبقاء شابة إلى الأبد حتى يُسمح لها بالكلام. فإن كانت صغيرة قيل إنها لا تملك الخبرة الكافية، وإن كانت كبيرة قيل إنها تجاوزت عمر المشاركة. وفي الحالتين، يتم العثور دائماً على سبب يبرر تجاهل ما تقوله.
المفارقة أن السوريين يعرفون جيداً معنى أن يُختزل الإنسان إلى صفة واحدة. لقد أمضينا سنوات طويلة نرفض أن يُنظر إلينا “كأولاد البطة السوداء” أو كتصنيفات سياسية جاهزة لا كمواطنين متساوين في الكرامة والحقوق. غضبنا عندما اختُزل الناس في هويات ضيقة، وعندما حُكم عليهم بناءً على أشياء لا علاقة لها بقيمتهم الإنسانية.
لكننا، في أحيان كثيرة، لا نرى المشكلة نفسها عندما يتعلق الأمر بالنساء. فقبل يومين فقط، كنت أخوض نقاشاً مع أحد الأشخاص الذي كان يحاول إقناعي بأنني أبالغ في الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. ذكّرني بقصة روزا باركس، المرأة الأميركية السوداء التي رفضت التخلي عن مقعدها في الحافلة، وبالتمييز الذي تعرض له السود في الولايات المتحدة بسبب لون بشرتهم. ولم يفته أن يذكّرني بأن الديمقراطية وحقوق الإنسان ليست سوى قيم “غربية” لا تناسبنا.
إقرأوا أيضاً:
ما حيّرني هو أن الشخص نفسه كان يشارك، بعد أيام قليلة فقط، في السخرية من نساء سوريات بسبب أشكالهن وأعمارهن. عندها خطر لي سؤال: هل نحن ضد التمييز فعلاً، أم ضد التمييز عندما يصيب الأشخاص الذين نتعاطف معهم فقط؟ لأن المشكلة في النهاية ليست في لون البشرة، ولا في العمر، ولا في شكل الوجه. المشكلة في الفكرة نفسها؛ فكرة أن بعض الناس يستحقون أن نأخذهم على محمل الجد، بينما يمكن اختزال آخرين إلى أجسادهم أو ملامحهم أو أعمارهم. ربما لهذا السبب لا يزعجني وجود هذه التعليقات بقدر ما يزعجني اعتيادنا عليها، وتعاملنا معها وكأنها جزء طبيعي من النقاش العام. فالسخرية من الشكل ليست رداً على فكرة، بل هروب من مواجهتها.
وفي الحقيقة، لا أعتقد أن النساء اللواتي يتعرضن لهذه الحملات هن الخاسرات الوحيدات. لأن كل فتاة صغيرة تقرأ هذه التعليقات تتعلم درساً ضمنياً: إذا أردتِ أن تشاركي في الشأن العام، فاستعدي لأن يُناقش شكلك أكثر من رأيك. وإذا أردتِ أن تُسمعي صوتك، فعليك أولاً أن تنجحي في اختبار لا يُطلب من رجال كثر اجتيازه أصلاً.
لهذا لا يتعلق الأمر بالجمال ولا بالقبح ولا حتى بالنساء اللواتي ظهرت صورهن في ذلك الاعتصام. يتعلق الأمر بسؤال أبسط بكثير: هل نؤمن فعلاً بأن المواطنة حق متساوٍ للجميع؟ أم أننا ما زلنا نعتقد، في مكان ما داخلنا، أن بعض المواطنين أكثر استحقاقاً للكلام من غيرهم؟
يملؤني شعور بالخذلان لأننا، بعد كل ما مررنا به كسوريين، ما زلنا نعيد إنتاج بعض أشكال الظلم نفسها. فالظلم لا يجعل الناس أكثر عدلاً بالضرورة، بل قد يجعلهم أكثر مهارة في ابتكار أشكال جديدة منه. لكنني أدرك في الوقت ذاته أن هؤلاء النساء لم يخرجن لأنهن يعتقدن أن الجميع سيصفق لهن، بل خرجن على الرغم من معرفتهن المسبقة بكل ما سيتعرضن له لاحقاً.
وربما لهذا السبب، لم أخرج من كل هذا الجدل وأنا أفكر إن كانت هؤلاء النساء جميلات أم لا، خرجت وأنا أفكر بشيء آخر تماماً.
كم يحتاج الإنسان من هشاشة حتى يشعر بالتهديد من امرأة تحمل لافتة؟ وكم يحتاج من انعدام الثقة حتى يترك القضية كلها، وينشغل بشكل وجه من يطرحها؟
في النهاية، النساء اللواتي وقفن في ذلك الاعتصام قدمن أنفسهن كما هنّ. بوجوههن الحقيقية، وأعمارهن الحقيقية، وآرائهن الحقيقية. وهذا، في بلد اعتاد كثيرون فيه الاختباء خلف الأقنعة، لا يسمى إلا شجاعة.
وللنساء اللواتي وقفن في ذلك الاعتصام، أقول شيئاً أخيراً، قد أختلف معكن في السياسة، وفي الأولويات، وفي أشياء كثيرة أخرى. لكنني، على الرغم من ذلك، أحييكن لأنكن اخترتن الوقوف في العلن، بكل ما يحمله ذلك من كلفة على النساء في بلادنا. وأحييكن لأنكن تحملتن ما كان يفترض ألا تتحمله أي امرأة فقط لأنها قررت أن يكون لها رأي.
وأعدكن بشيء واحد، أننا سنبقى نناضل، كلٌ من موقعه، حتى يأتي يوم تستطيع فيه امرأة أن تقف في ساحة عامة، لتعبر عن رأيها، مهما كان عمرها، ومهما كان شكلها، ومهما كانت التجاعيد التي تركتها الحياة على وجهها، فلا يتحول وجهها إلى قضية، ولا عمرها إلى تهمة، ولا جسدها إلى حجة ضدها.
إقرأوا أيضاً:












