قبل 13 عاماً، بدأ أهالي عزبة حمادة في حي المطرية في القاهرة، التجمّع حول مائدة إفطار رمضانية تُقام في منتصف الشهر من كل عام. مائدة عفوية تمتدّ بين أزقة الحارة الشعبية، وتعكس دفء العلاقات بين الجيران، لكنها، في السنوات الأخيرة، تحوّلت من لقاء هادئ إلى مهرجان ضخم يجذب نجوم المجتمع، ويصعد على كتف حشوده صنّاع المحتوى، وتتابعه عدسات الإعلام الدولي.
في عزبة حمادة في حي المطرية، أحد أكثر أحياء القاهرة ازدحاماً، حيث يتجاوز عدد سكانه 700 ألف نسمة، في مساحة لا تتعدّى الـ 14 كيلومتراً مربعاً، اجتمع الأهالي على مائدة إفطار رمضانية.
بدأ الأمر بجمع مساهمات رمزية من كل أسرة راغبة في المشاركة، وسرعان ما تحوّلت المائدة، التي أطلقوا عليها اسم “مائدة العيلة”، إلى تقليد سنوي يؤكّد أن أهالي المطرية عائلة واحدة، وبعد مرور 6 سنوات على هذا التقليد، توفّي الطاهي محمد عوض أحد مؤسسي المائدة، فأصرّ جيرانه على مواصلة هذا العمل الخيري تخليداً لذكراه واستمراراً لرسالة العطاء.
أوضاع المطرية الشائكة
دفعت الأوضاع الاقتصادية السيّئة بأهالي أحياء القاهرة الشعبية إلى الإتجار بالمخدرات، كانت المطرية لها النصيب الأكبر من هذه التجارة القاتلة للشباب. قبل أحداث كانون الثاني/ يناير 2011، كان بيع المخدرات من أنواع البانجو والحشيش، يحدث على استحياء أو بشكل متخفٍّ، حسب ما قال أحد الأهالي الذي رفض ذكر اسمه.
مع غياب الأمن في المنطقة وتدهور الأوضاع الأمنية بعد الثورة، اتّسعت رقعة تجارة الكيف، وأخذت “دواليب” بيع المخدرات تنتشر في الحارات الداخلية في حي المطرية، ومن بينها عزبة حمادة، حتى باتت المناطق الأثرية المهملة من الجهات المسؤولة، تواجه مأساة كبيرة، إذ تمّ تحويل أرض هيئة تحويلات المطرية، التي تتبع وزارة الدولة لشؤون الآثار، إلى وكر لبيع المخدرات وتعاطيها، كما تحوّلت أيضاً منطقة “تل الحصن” إلى وكر مماثل لسابقه، على الرغم من كون المنطقة تحوي آثار معبد يعود إلى ملوك الرعاسمة، وتمّ ترميمه وإعادة بنائه في عهد الملك رمسيس الثاني.
وبدلاً من أن تشتهر المطرية بتاريخها الأثري المميز، كمدينة نشأت على أرضها “مدينة أون”؛ أول جامعة في تاريخ مصر القديم، وأحد مسارات العائلة المقدّسة وفيها شجرة مريم العذراء، فقد اشتهرت بـأوكار المخدرات، حتى أن الإعلامية منى عراقي، رصدت في إحدى حلقات برنامجها “انتباه” المذاع سابقاً على قناة “المحور” الفضائية، رفقة شاهد عيان من الأهالي، “دواليب” بيع المخدرات في شارع العقّاد المجاور لمسجد المطراوي. وتقول سمية محمد (اسم مستعار) وهي ربة منزل عمرها 30 عاماً، تسكن في شارع المزين، إن بائعي المخدرات ينتشرون على ناصية الشارع لبيع أقراص المخدر علناً أمام الأهالي.
نعود إلى إفطار المطرية الذي توقّف مع ظهور جائحة كورونا عامي 2020 و2021، لكنه عاد ليستكمل مسيرته الحاشدة، حتى بات محط أنظار الجميع. ففي نيسان/ أبريل 2023، شهدت المائدة التاسعة للإفطار السنوي حضور السفير الكوري الجنوبي هونغ جين ووك، وامتدّت لأكثر من ألف متر مربع، وجمعت نحو 7000 شخص.
وفي نهاية آذار/ مارس 2024، كانت وزيرة الهجرة السابقة نبيلة مكرم من بين 10 آلاف شخص توزّعوا على 750 مائدة طعام، ولم تقتصر مشاركتها على الحضور فحسب، بل انخرطت في تحضيرات الإفطار، إذ شوهدت وهي تقوِّر حبات الكوسى. يُذكر أن هذه المائدة الرمضانية بدأت كتجمّع صغير في عام 2013، ضمّ نحو 300 شخص فقط، قبل أن تتحوّل إلى واحدة من أكبر موائد الإفطار الجماعي في مصر.
استحوذت المائدة رقم 11 لإفطار المطرية هذا العام، على نحو 19 شارعاً، وبلغ عدد الموائد الداخلية نحو 2500 مائدة، حيث تم توفير نحو 50 ألف وجبة طعام وزجاجة مياه، وقد تطلّب هذا الإعداد تكلفة مالية ضخمة، بخاصة مع مشاركة جهات خيرية ورسمية في الدعم المادي أو تقديم الوجبات، وعلى رأسها “صندوق تحيا مصر” التابع للحكومة المصرية.
سابقاً، كان أهالي العزبة يجمعون مساهمات مالية رمزية لإقامة الإفطار، الذي اقتصر على سكان المنطقة والفقراء من الحارة، لكن مع دخول الجهات الرسمية لرعاية الإفطار وتمويله، اتّخذ الحدث منحى آخر يُوحي بسعي السلطة الى إبراز صورة إيجابية عنها، واستغلال الحدث لصالحها.
إقرأوا أيضاً:
سياسات الإفطار
خلال السنوات الأولى من إفطار المطرية، شكلت النساء أكثر من 70 في المئة من فريق الطهي، بينما كان الشبّان يساهمون بنسبة 30 في المئة. كانت الدعوات موجّهة بشكل أساسي للفقراء والمحتاجين من أهالي الحارات المجاورة، لكن خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بدأت الأعداد المتوافدة تتزايد من دون الحاجة إلى دعوات مسبقة، ما أدى إلى ضغط اقتصادي على منظمي الإفطار، ودفعهم إلى طلب المساهمات من الجهات الخيرية لدعم التكلفة المتزايدة.
تشمل عملية التجهيز للإفطار شراء الخامات الأساسية، وإعداد قائمة متنوّعة من الأطعمة، ويشارك الرجال العاملون في مجال الطهي من أهالي المنطقة بشكل أساسي في تحضير الطعام. مع صباح يوم الخامس عشر من رمضان، يبدأ الطهي ويستمرّ تقديم وجبات الإفطار حتى الساعة الثامنة مساءً من اليوم نفسه.
من حيث التكلفة، يختلف إجمالي النفقات وفقاً لحجم المشاركة ونوعية الأطعمة المقدمة، وتُقدّر تكلفة إعداد وجبة إفطار فردية متوسّطة بما بين 30 إلى 50 جنيهاً مصرياً، تشمل الأرز، اللحوم أو الدواجن، الخضروات، والمشروبات. في حال مشاركة نحو 500 شخص، يمكن أن تصل التكلفة إلى نحو 20,000 ألف جنيه مصري أو أكثر، فيما تصل تكلفة الإفطار الذي يشمل 10 آلاف صائم، نحو 500 ألف جنيه، بينما تصل تكلفة إفطار 30 ألف صائم إلى مليون ونصف المليون جنيه مصري، ما يُبرز الحاجة الماسّة للدعم الخيري لضمان استمرار هذا التقليد الرمضاني.
التكاليف المتزايدة والإقبال على الأفطار حوّلاه إلى مساحة لاستعراض سياسي، ليس فقط عبر تدخّل “صندوق تحيا مصر” في تمويله، بل بزيارات رسمية للحي الشعبي، الذي كان أبرز معاقل تأييد “الإخوان المسلمين”، قام بها وزراء وبرلمانيون، حضروا والتقطوا الصور، بل حضر أيضاً وزير الأوقاف.
بصورة ما، لم يعد إفطار المطرية رمزاً لشهامة أهالي الحي وتكاتفهم، بل أصبح يُشبه الاحتفالات البروتوكولية، إذ طغت عليه المظاهر الرسمية، في ظلّ تسابق الكيانات السياسية والشخصيات المقرّبة من السلطة المصرية، للحضور واستعراض وجودها، كما برزت وجوه وزراء ورجال أعمال ومشاهير جلسوا إلى المائدة، ليأخذوا “نصيبهم من صور الإفطار، بينما تراجع دور الأهالي الذين صنعوا هذا الحدث بجهودهم البسيطة”.
كان حضور عصام العرجاني نجل رجل الأعمال المثير للجدل والمقرّب من السلطة إبراهيم العرجاني، الأكثر إثارة أثناء مشاركته في تحضيرات الوليمة، ونتجت من الزيارة تعليقات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبر البعض ظهوره محاولة لـ”غسل السمعة”، في ظل الملاحقات القضائية والتهم التي تواجهها العائلة.
اللافت للنظر، أن المسؤولين الذين حضروا، لم يهتمّوا بمناقشة مشاكل المطرية، أو توفير احتياجات الحي، أو تفقّد مراكز خدماته الخاصة بالمواطنين، سواء معهد أمراض الكلى، أو مستشفى المطرية الحكومي. وفي ظل استقبال رئيس الوزراء للفريق المنظّم للإفطار في العاصمة الإدارية الجديدة، لم تصدر بيانات رسمية حول تقديم خدمات للأهالي، وهو لقاء بدا وكأنه مجرّد “شكر متبادل” بعيداً عن جوهر احتياجات الحي الأساسية.
موائد السلطة vs موائد النساء
يدعو الخبير الاقتصادي رئيس “المنتدى المصري” للدراسات الاقتصادية رشاد عبده، إلى “ضرورة توسيع نطاق ظاهرة الموائد الرمضانية، التي كانت منتشرة بشكل أكبر في شوارع مصر”، مشيراً إلى بعض الشخصيات العامة، مثل الفنانة شريهان التي كانت تُقيم مائدتها أمام منزلها في عمارة ليبسو في القاهرة، وتنافسها الفنانة فيفي عبده، التي كانت تُقيم مائدة رمضانية في حي الدقي في الجيزة، وتعرّضت هذه الموائد لانتقادات حادّة، بسبب ادّعاءات بأنها تُقدّم الصدقات من مال “حرام”.
الدكتور عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق، وجّه انتقاداً لـ”موائد الفنانات” أيضاً، وقد أدّت هذه الانتقادات إلى تضييق السلطات على الكثير من الفنانين، ما دفعهم إلى استبدال الموائد الرمضانية بتوزيع كراتين وأكياس غذائية للمحتاجين.
كما استنكر الشيخ خالد الجندي عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، موائد الإفطار التي تُقيمها الراقصات، وقال في حديث متلفز عبر قناة DMC الفضائية، أثناء تقديم برنامجه “لعلّهم يفقهون”، إن “مال الراقصات الذي تُقام به الموائد حرام، لأن الرقص حرام شرعاً، والراقصة التي تُقيم مائدة رمضانية هي امرأة متناقضة”.
تُظهر فتاوى رجال الدين رفضهم مشاركة الفنانين؛ بخاصة الراقصات، في إقامة موائد الإفطار الرمضانية، معتبرين أن ذلك لا يتماشى مع القيم الدينية، وتستغلّ المؤسسات الدينية نفوذها الروحي لدى المجتمع للضغط على السلطات، ما أدّى إلى تقليص منح تصاريح إقامة هذه الموائد للعاملات في مجالات الفن والاستعراض.
هل فقد إفطار المطرية سمته العفوية؟
“من المطرية إلى العالم” كان الشعار الذي حملته المائدة الحادية عشرة من إفطار المطرية، الذي أُقيم في منتصف آذار/ مارس الجاري، وحقّق اهتماماً واسعاً، وضجّة إعلامية كبيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي. بدأ الحدث بجولة تفقّدية لوزير الشباب والرياضة أشرف صبحي، يرافقه عدد من المسؤولين البارزين، أبرزهم محافظ القاهرة إبراهيم صابر، حيث اطّلعوا على التجهيزات النهائية للإفطار الشعبي.
كانت لإفطار المطرية على مدار سنوات، قيمته الحقيقية في بساطته التي ميّزته وصدق المشاعر، لكن هذا العام، تعرّض الإفطار لانتقادات واسعة بعدما تحوّل من تجمّع شعبي بسيط إلى حدث ضخم، تصدّره صنّاع المحتوى. هذا التحوّل يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا نميل إلى المبالغة في إضفاء الطابع الاحتفالي على كل ما هو جميل وبسيط؟ لا أحد يُنكر حقّ سكان المطرية في الاحتفال والفرحة، لكن يبدو أن طابعه التقليدي الحميمي قد تلاشى، ليحلّ محلّه شكل جديد أشبه بمهرجان أكثر منه لقاء أسري يجمع الجيران.
زادت حدّة الانتقاد بظهور عرض أزياء “الكات ووك/ Catwalk”، حيث قدّم العارضون أزياءهم على السجّادة الحمراء في قلب المطرية، ما اعتبره البعض تجاوزاً للطابع الشعبي، الذي حافظ عليه الإفطار في سنواته السابقة، وقد أثار هذا الحدث موجة من الانتقادات من قطاع كبير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.
وكانت شركة Born in Cairo قد تولّت تنظيم الحدث، وحرصت على تقديم ملابس مستوحاة من التراث المصري، للتأكيد أن عروض الأزياء ليست حكراً على الأثرياء فقط، بل بإمكان الجميع تذوّق الابتكار والاستمتاع بالموضة بطرق غير تقليدية.
قدّم العرض فريق “ريسكي بويز” المعروف بتقديم عروض الأزياء غير التقليدية، يتميّز الفريق باختيار أماكن غير متوقّعة لتنظيم عروضه، مثل الأسواق والأحياء المهمّشة، في محاولة لكسر الصورة النمطية عن مهرجانات الأزياء الفاخرة وجعل الموضة مُتاحة للجميع، بخاصة لسكّان المناطق الفقيرة، وكان من أبرز عروضهم العام الماضي عرض لافت في سوق الجمعة الشهير، حيث اختلطت أجواء السوق الشعبي بلمسة من عروض الأزياء الغربية، ما دفع البعض للسخرية والانتقاد، بينما رأى آخرون فيها محاولة لدمج الثقافة الشعبية بالابتكار الفني.
الظهور النسائي مجرّد خلفية
لم تسلم هذه الاحتفالية الضخمة من الانتقادات، إذ طاولتها ملاحظات بشأن التمثيل النسائي المحدود، حيث بدا أن دور النساء اقتصر على المهامّ التقليدية مثل الطهي، من دون أي حضور حقيقي في الواجهة، سواء في المشهد العام، أو حتى في الصور الإعلامية التي وثّقت الحدث. في المقابل، ظهر الرجال في صدارة المشهد، يتولّون المناصب القيادية في التنظيم، ويشاركون بفعّالية واضحة، بينما تراجع وجود النساء إلى الظلّ، يراقبن الحدث بصمت من النوافذ، وكأن حضورهن مجرّد خلفية للمشهد العام.
هذا التفاوت يُثير تساؤلات مهمة حول تمثيل المرأة في المجتمع المصري، خصوصاً في المناسبات الجماعية الكبرى، كيف يمكن تفسير هذا التغييب الواضح للنساء في مناسبة يُفترض أنها تُجسّد قيم الوحدة والتعاون؟
ترى الحقوقية والعضوة المؤسّسة في “مؤسّسة قضايا المرأة” عزة سليمان، أن “هذه المناسبة تكرّس الصورة النمطية حول دور المرأة باعتبارها عنصراً خلف الكواليس، من دون حضور فعّال في الواجهة”، منبّهة أنه “أمر متجذّر في الخطاب الإعلامي والديني، الذي طالما رسّخ صورة المرأة في أدوار تقليدية غير قيادية”، لافتة إلى “التطوّرات الاجتماعية، التي لم تساهم في إحداث تغيير جوهري في النظرة النمطية للمرأة، بخاصة في المناطق الشعبية، التي تسود فيها ثقافة ذكورية تمنح الرجل تفوقاً واضحاً في المجال العام”.
وتشير سليمان إلى أن “هناك فكرة مغلوطة تترسّخ لدى النساء الأكبر سناً، وهي أنهن غير قادرات على تغيير هذه المفاهيم المجتمعية، بل قد يؤمنّ بأن دورهن يقتصر على ما اعتدن عليه، من دون محاولة كسر هذه القيود”.
في الوقت ذاته، فإن شعور النساء بأنهن يساهمن بالطهي في هذه الفعّالية الشعبية، قد يجعل قضايا المساواة وحقوق المرأة تبدو بالنسبة إليهن أمراً ثانوياً، أو غير ذي أولوية، وكأن وجودهن خلف المشهد مقبول وطبيعي، وهو ما يستدعي دقّ ناقوس الخطر، لأنه يرسّخ استمرار وضع المرأة في دور جانبي وليس محورياً داخل المجتمع.
وتؤكّد سليمان أن “الغياب النسائي لا يقتصر على الأدوار التنظيمية فحسب، بل ينعكس حتى على تفاصيل الحدث نفسه، حيث لا يتساوى عدد النساء مع الرجال على مائدة الإفطار، كما أن أصوات النساء تكاد تكون غائبة تماماً، عند الحديث عن تجربتهن في التحضير لهذه المأدبة”، وتشرح في حديثها مع “درج” أنه “حتى وإن كان دور النساء مقتصراً على الطهي، فإن الدور الإعلامي يزيد من حدّة هذا التهميش، الذي بدوره لا يسلّط الضوء على المشاركة النسائية، ما يعمّق الفجوة في التمثيل العلني للمرأة في مثل هذه المناسبات المجتمعية”.
يرى البعض أن مشهد المطرية يعكس طبيعة “الحارة” كبيئة اجتماعية تتّسم بالتقارب والتفاعل المستمرّ بين سكانها، وهو ما يُنظر إليه أحياناً على أنه دفء وحميمية، لكنه في الوقت ذاته قد يتضمّن قدراً من التطفّل وغياب الخصوصية، وعلى الرغم من المشاهد التي تُوحي بالبهجة والتآلف، لكن هذه الأجواء لا تُلغي التحدّيات اليومية التي يواجهها الأفراد في مثل هذه المجتمعات، حيث يكون الجميع تحت المراقبة الاجتماعية المستمرة. في المقابل، يفضّل آخرون المساحات التي توفّر الاستقلالية والخصوصية، بعيداً عن الزحام والتدخّل في تفاصيل الحياة الشخصية.
تشكّل الحارة المصرية جزءاً من التجمّع العام، إذ يربطهما تأثير متبادل، وقد تؤثّر قضية داخل حي المطرية في القاهرة كعاصمة وكمدينة كبرى، فعلى الرغم من خصوصية الحي الشعبي المعيشية وثقافته الخاصة، غالباً ما يكون أكثر تأثيراً في المجتمع العام، ويمكن أن تلعب هذه الثقافة دوراً بارزاً في هوّية المجتمع بكامله. وفي ما يتعلّق بدور المرأة داخل مجتمع الحارة، يظهر بوضوح كصورة مصغرّة لدورها في المجتمع الأوسع، حيث تُحصر غالباً في أدوار الطهي ورعاية الأبناء، بعيداً عن تجمّعات الرجال حفاظاً على الأعراف السائدة، ويتجلّى هذا التمييز الاجتماعي بشكل واضح خلال إفطار منطقة المطرية، إذ تقف النساء كمشاهدات من النوافذ، أو يُشاركن في إعداد الطعام، بينما يتصدّر الرجال وضيوفهم موائد الإفطار.











