في حزيران/ يونيو 2025 فوجئ ملايين المصريين بقرار حكومي عاجل يقضي بزيادة أسعار أكثر من 130 دواء أساسياً دفعة واحدة. وقع الخبر كالصاعقة على المرضى، بخاصّة أصحاب الأمراض المزمنة كالسكري والضغط وأمراض القلب، إذ وجد كثيرون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تقليل جرعات علاجهم مخاطرين بصحّتهم، وإما اقتطاع المزيد من نفقات أسرهم المحدودة لتوفير ثمن الدواء المتصاعد. اضطرّ بعض المرضى للبحث عن أدويتهم عبر الأقارب في الخارج، أو حتى شرائها من السوق السوداء بأضعاف سعرها بعد اختفائها محلياً.
هذا الواقع يطرح أسئلة ملحّة تتجاوز خبر زيادة الأسعار ذاته: ما أثر موجة الغلاء الدوائي الحالية على مشروع التأمين الصحّي الشامل الذي تروّج له الدولة كطوق نجاة للمواطنين؟ وهل حقّاً تقف صناعة الدواء المحلّية على حافّة الخسارة كما تدّعي الشركات، أم أن السوق لا يزال مربحاً رغم شكواها؟ تجد الدولة نفسها تحاول تحقيق توازن شبه مستحيل بين حماية حقّ المريض في دواء ميسور التكلفة من جهة، وضمان استمرار دوران عجلة مصانع الدواء من جهة أخرى.
كواليس الصناعة: تسعير جبري وتكاليف منفلتة
خلال العام الأخير قفزت أسعار مدخلات إنتاج الدواء – من خامات كيميائية إلى طاقة وأجور – أكثر من 50%، بينما ظلّت أسعار بيع الأدوية مُقيّدة بقرارات حكومية صارمة. يشرح علي عوف رئيس شعبة الأدوية أن تعويم الجنيه في آذار/ مارس 2024 وارتفاع الدولار الكبير، استدعى رفع أسعار آلاف الأدوية بنسب تصل إلى 30% لتعويض فرق العملة، ومع ذلك يؤكّد أن “أسعار الدواء لم تتحرّك منذ عام رغم ارتفاع كلفة الإنتاج… نحن بحاجة إلى تدخّل عاجل من الحكومة لتخفيف الضغوط على المصانع ومنع توقّفها”.
تشكو الشركات بغضب من أن سياسة التسعير الجبري في ظلّ تضخم كلفة الإنتاج جعلت المعادلة مستحيلة؛ لذا تطالب بضرورة رفع الأسعار فوراً، ولوّحت شعبة الأدوية بتصعيد الأمر عبر طلب زيادة أسعار 1000 صنف دوائي بنسبة 10% على الأقلّ بشكل عاجل، كطوق نجاة لمنع انهيار بعض المصانع تحت وطأة الخسائر، ويحذّر المصنّعون من تآكل هوامش الربح، وحتى احتمال انسحاب بعض الشركات الأجنبية إن ظلّت الأسعار مجمّدة.
على الجانب الآخر، هناك من يرى صورة مختلفة. يقول مسؤول في غرفة صناعة الدواء إنه “لا مبرّر حقيقي” لأي زيادة جديدة مع استقرار الدولار منذ العام الماضي، وبعد الزيادات الكبيرة التي أُقرّت في 2024، مشيراً إلى توفّر مستلزمات الإنتاج حالياً، ويؤكّد أن الغرفة لن تطالب برفع الأسعار إلا عند حدوث تغيّرات جوهرية تستدعي ذلك، لافتاً إلى أن هيئة الدواء رفضت طلب شعبة الأدوية الأخير لرفع الأسعار. كذلك شدّدت وزارة الصحّة عبر متحدّثها أن الحلّ الحكومي ليس السماح بمزيد من الغلاء، بل توسيع مظلّة التأمين الصحّي والعلاج المجاني على نفقة الدولة، لتتحمّل المنظومة الصدمة بدلاً من المواطن.
من جهتها، تكشف “منظّمة الحقّ في الدواء” وهي مؤسّسة مجتمع مدني، رواية مغايرة لرواية شركات الأدوية، ويؤكّد مديرها محمود فؤاد أن “غرفة صناعة الدواء تقدّمت قبل شهرين بالفعل بطلبات سرّية لرفع أسعار عدد كبير من الأصناف دون ضجّة إعلامية، فيما تطالب شعبة الأدوية علناً برفع الأسعار رغم أنها لا تمثّل جميع المصنّعين”.
ويشير فؤاد إلى أن “زيادات سعرية أُقرّت بالفعل عبر لجنة التسعير الحكومية بشكل أسبوعي لبعض الأصناف (منها رفع أسعار 130 دواء استراتيجي الشهر الماضي) لكنّ الشركات تريد زيادات أوسع وبشكل معلن”، والأهمّ أن فؤاد يُفنّد فزاعة “الخسائر الفادحة” التي تتذرّع بها بعض الشركات: الدولار استقر نسبياً منذ 2024 والسوق لم ينكمش بالشكل الذي يجعل التسعيرة الحالية كارثية، بل على العكس – يكشف فؤاد بالأرقام: “مبيعات الأدوية شهدت زيادة في 2024 مقارنة بالعام السابق، ما ينفي مزاعم تكبّد القطاع خسائر فادحة”، ويدعم كلامه بأن سوق الدواء المصري هو الأكبر في الشرق الأوسط (نحو 5.5 مليار دولار سنوياً) قد تضاعف حجمه تقريباً خلال خمس سنوات. فهذه مؤشّرات سوق ينمو بقوّة رغم الأزمات، لا سوق ينهار كما تدّعي بعض الأصوات.
يتساءل كثيرون: هل أرباح شركات الدواء تتآكل حقّاً تحت ضغط التكلفة، أم أن ما يحدث مجرّد ليّ ذراع لتحصيل مكاسب أكبر؟ لعلّ الحقيقة خليط من الأمرين؛ فالشركات المحلّية تتكبّد فعلاً زيادات مستمرّة في كلفة الإنتاج، لكنّ السوق عموماً قادر على امتصاص بعض الارتفاعات السعرية دون انهيار في الطلب، وقد أثبتت تجربة منتصف 2024 ذلك: عندما سمحَت الحكومة برفع أسعار نحو 200 دواء بنسبة 10%-50% وعادت نحو 20% من الأصناف التي كانت مختفية إلى الظهور في السوق، أي أن الزيادة المدروسة ساعدت في تخفيف النقص، ومع اتّباع نهج مراجعة الأسعار دورياً كلّ بضعة أشهر، أمكن – إلى حدّ ما – التوفيق بين مصلحة المواطن في توفّر الدواء ومصلحة الشركة في هامش ربح معقول، لكنّ هذا التوازن لا يزال دقيقاً وفي بداية اختباره، والتوتّر بين الطرفين مستمرّ.
توطين الدواء بين وعود الدولة وتهديد الانسحاب
لتخفيف عواصف التسعير والتكلفة، تبنّت الدولة استراتيجية ما تسمّيه توطين صناعة الدواء، بهدف زيادة الإنتاج المحلّي لتلبية معظم احتياجات السوق، وتقليل فاتورة الاستيراد التي تستنزف النقد الأجنبي، وقد تحقّق جزء كبير من هذه الرؤية في مستوى المنتج النهائي؛ فوفق تقرير رسمي في عام 2024، تصنّع مصر أكثر من 75% من احتياجها الدوائي محلّياً (بالقيمة) وأكثر من 90% من عدد الوحدات المباعة. يوجد في البلاد نحو 170 مصنع دواء وطنياً ينتج زهاء 4 مليارات وحدة سنوياً ويوفّر مئات آلاف فرص العمل، كما افتتحت الحكومة مدينة الدواء المصرية “جيبتو فارما” في عام 2021، وهو مجمّع صناعي حديث لإنتاج أدوية متطوّرة محلّياً وجذب كبرى الشركات العالمية، ضمن مساعي تحقيق ما يسمّيه المسؤولون “الأمن القومي الدوائي”.
لكن هذا النجاح الظاهري يُخفي تحدّياً كبيراً لم يُحلّ بعد: الاعتماد شبه الكامل على الخامات المستوردة. التقديرات تشير إلى أن مصر تستورد 90% أو أكثر من خامات تصنيع الدواء ومكوّناته من الخارج. أي اضطراب في توفير الدولار أو في سلاسل الإمداد العالمية ينعكس فوراً على قدرة المصانع المحلّية، وهذا ما حدث خلال أزمة العملة الصعبة 2022-2023، حيث تكدّست شحنات الموادّ الخام وأدوات التعبئة في الموانئ لعدم توافر الدولار، مما أدّى إلى تراجع إنتاج أصناف عديدة وحدوث نقصها في الأسواق. على سبيل المثال، تسبّب تعذّر استيراد مادّة الإنسولين الخام في عجز حادّ بمستحضرات الإنسولين المحلّية فترة من الزمن، بعبارة أخرى، ما جدوى إنتاج 75% من أدويتنا محلّياً إذا كانت معظم موادّها الفعّالة مستوردة؟
من جهة أخرى، انتشرت خلال الأزمة شائعات عن انسحاب شركات الدواء العالمية من السوق المصري بسبب الخسائر. أُشيع أن نحو 300 مستحضر أجنبي مهدّد بالاختفاء إن لم تتحسّن سياسة التسعير، لكنّ الحكومة نفت بشكل قاطع وجود نيّة لأي شركة أجنبية للخروج من السوق، ووصف فؤاد هذه الشائعات بأنها غير دقيقة وبلا مبرّر.
الواقع أن الشركات متعدّدة الجنسيات الكبرى ما زالت تحتفظ بحصص سوقية متقدّمة، وتدرك أن السوق المصري كبير (نحو 7 مليارات دولار مبيعات سنوية) رغم أن أرباحها بالعملة المحلّية. ما جرى كان تكيّفاً أكثر منه انسحاباً: ربما أوقفت بعض الشركات تصدير أصناف معيّنة من مصر إلى الخارج لضمان توفّرها محلّياً، أو علّقت بيع بعض خطوط إنتاجها لمستثمرين محلّيين، لكن لم يحدث خروج جماعي من السوق.
بالمقابل، التهديد الواقعي هو توقّف إنتاج الأدوية الرخيصة ضعيفة الربحية، مما يؤدّي إلى اختفائها، ويضرّ بالمرضى المحتاجين إليها. لقد اختفى بالفعل عدد من الأدوية القديمة زهيدة الثمن، التي كانت شريان حياة لفئات من المرضى، بحجّة أن سعرها المتدنّي لم يعد يغطي تكلفة إنتاجها، كما استغلّ بعض تجّار الأزمات الوضع عبر التخزين والمضاربة: فمثلاً ارتفع سعر إحدى الحقن العلاجية من 300 إلى 500 جنيه بعد إطلاق شائعة بنقصها، ثم تبيّن أن مخزونها كان محجوزاً عمداً لرفع السعر بعد إشاعة نقصها. مثل هذه الممارسات تثير الشكّ في دوافع بعض الشركات: هل هي فعلاً عاجزة مالياً أم تسعى وراء ربح سريع عبر خلق ندرة مصطنعة؟ فهذا الوضع يضع الدولة أمام مسؤوليّة رقابية كبرى لضبط سوق الدواء ومنع الاحتكار وحماية المرضى.
في المحصّلة، المشهد الحالي لقطاع الدواء في مصر يحمل مفارقة: الدولة تتفاخر بأنها وفّرت البيئة لتصنيع معظم الدواء محلّياً وتقليل الاستيراد، بينما المرضى يعانون من نقص أدوية مستوردة أساسية بسبب أزمة الدولار. الشركات الأجنبية تؤكّد التزامها بالسوق المصري، لكن بعضها يضغط من وراء الستار لرفع الأسعار تأميناً لأرباحه. وبين الطرفين تواجه الحكومة معضلة: كيف تشجّع الاستثمار الأجنبي الضروري لنقل التكنولوجيا وضمان جودة الأدوية المتقدّمة إذا كانت تلك الشركات تشعر أن أرباحها غير مضمونة؟ وكيف تلزم الشركات المحلّية بمواصلة الإنتاج دون استغلال الأزمة، وفي الوقت نفسه تستجيب لمطالبها المشروعة حين تكون زيادات الأسعار ضرورة لتجنّب توقّف الإنتاج؟ إنها لعبة توازن دقيقة بين تشجيع الصناعة الوطنية من جهة، والالتزام بضمان الدواء بسعر عادل للمواطن من جهة أخرى.
إقرأوا أيضاً:
التأمين الصحّي الشامل تحت اختبار الغلاء
أُقرّ الدستور المصري في عام 2014 حقّ كلّ مواطن في الرعاية الصحّية الشاملة، وصدر قانون التأمين الصحّي الشامل في عام 2018 لإقامة مشروع تأمين صحّي يغطّي جميع المصريين بحلول 2030. تقوم فلسفة المشروع على مساهمة اشتراكات القادرين مع الدعم الحكومي لغير القادرين من أجل توفير مظلّة تأمين لكلّ مواطن، بهدف خفض الإنفاق الصحّي من جيب الفرد إلى أقلّ من 25% من إجمالي الإنفاق الصحّي (بعدما كان يتجاوز 50%) انطلقت المنظومة تدريجياً بدءاً من 2019 في بورسعيد، ثم توسّعت إلى محافظات أخرى، وتؤكّد الحكومة أنها تسير على خطى تغطية جميع المحافظات بحلول 2030.
النتائج الأولى كانت مشجّعة: في بورسعيد خلال السنة الأولى للتطبيق انخفض إنفاق المواطنين من جيوبهم على الصحّة بنسبة 48%. ورغم هذه المؤشّرات، فقد جاءت قبيل عاصفة تضخّم غير مسبوقة ضربت الاقتصاد منذ 2022، وطالت كلّ جوانب المعيشة بما فيها أسعار العلاج والدواء، وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع منظومة التأمين الصحّي الوليدة امتصاص صدمة غلاء الدواء الحالية دون أن تتعثّر أو ينهار تمويلها؟
ارتفاع أسعار الدواء ألقى بضغوط كبيرة على ميزانية التأمين الصحّي من جهتين: تزايد لجوء المواطنين إلى صيدليات التأمين مع غلاء الدواء التجاري، وارتفاع تكلفة شراء الأدوية على الهيئة بنسبة 20%-30% فأكثر، ما يعني إنفاق جزء أكبر من مواردها لتوفير الكميّات نفسها.
تراكمت في أواخر 2024 ديون على الجهات الحكومية لصالح شركات الأدوية بلغت 50 مليار جنيه، لعجز الدولة عن السداد الكامل في المواعيد، فتدخّلت الحكومة بضخّ 10 مليارات جنيه فوراً لسداد جزء منها تفادياً لانقطاع التوريد. دقّت هذه الحادثة ناقوس خطر مبكر: إذا كانت الديون بلغت 50 ملياراً في بداية تطبيق المنظومة، فكيف سيكون الحال مع توسّع التغطية واستمرار ارتفاع الأسعار؟
خطر آخر غير مباشر يتعلّق بسلوك المرضى: فالتأمين الشامل يهدف إلى حماية الأسر من الإنفاق الطبّي الكارثي، لكن إذا بات سعر الدواء فوق طاقة المريض فقد يلجأ بعض المرضى إلى تقليل جرعاتهم أو إيقاف العلاج لتوفير المال. وقد حدث ذلك بالفعل لدى البعض؛ إذ تلقّت جمعيات خيرية طلبات متزايدة للمساعدة في شراء أدوية الأمراض المزمنة، ولاحظ صيادلة أن كثيراً من المرضى باتوا يسألون عن بدائل أرخص أو محلّية للأدوية المستوردة الباهظة. الخشية أن نصل إلى وضع يصبح فيه التأمين الصحّي شكلياً فقط – يملك فيه المواطن بطاقة تأمين لكن أهمّ الأدوية اللازمة له ليست متوفّرة أو غير مغطاة بسبب ارتفاع سعرها.
الحكومة واعية لهذه التحدّيات، وقد أكّدت مراراً أنها “لن تسمح بتأثّر مشروع التأمين الصحّي الشامل سلباً” بالتضخّم الحالي. وترجمت ذلك عبر خطوات عاجلة: زادت وزارة المالية مساهماتها في تمويل التأمين الصحّي، ووسّعت وزارة الصحّة قاعدة المرضى المعالجين على نفقة الدولة (وهي آلية موازية للتأمين للحالات الحرجة) لضمان رعاية غير القادرين، كما سارعت السلطات إلى الإفراج عن شحنات الأدوية التي تأخّر تخليصها بمجرّد توفير النقد الأجنبي المطلوب، وفي أواخر 2024 أعلن رئيس الوزراء ضخّ 7 مليارات جنيه بشكل عاجل لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبّية للمستشفيات والصيدليات. ساعدت هذه الإجراءات في استعادة معظم المصانع كامل طاقتها الإنتاجية مع بداية 2025 وتخفيف حدّة النقص في الأسواق.
وفّرت المنظومة الجديدة حماية مالية حقيقية لمئات آلاف الأسر حتى الآن (ظهر ذلك في انخفاض ما يدفعونه فعلياً من جيوبهم) لكن استدامة هذه الحماية مرهونة بعوامل اقتصادية دقيقة: معدّل التضخّم، سعر صرف الجنيه، سرعة توطين صناعة الدواء محلّياً، ومدى قدرة الدولة على الاستمرار في دعم أسعار الدواء. فإذا استمرت أسعار الدواء بالارتفاع بلا ضابط، فقد تتقوّض أهداف التأمين الشامل في تخفيف العبء المالي عن المواطنين (إذ يرتفع ما يدفعونه مجدّداً) أو تنهار ميزانية الدولة الصحّية تحت وطأة الدعم المفرط.
إنها معادلة شديدة الحساسية. تقول الحكومة إن الوضع تحت السيطرة حالياً، لكنّ السنوات الخمسة المقبلة حتى 2030، ستكون حاسمة في تقرير ما إذا كنّا سنحقّق فعلاً تغطية صحّية شاملة يقلّ فيها إنفاق المريض من جيبه إلى نحو الربع، أم تعاود تلك النسبة الارتفاع تحت ضغط أسعار الدواء.











