الذريعة التي اتخذتها إسرائيل لشنّ حربها التي بدأت يوم الجمعة 13 حزيران/ يونيو عبر هجمات ضخمة على إيران، هي منع الجمهورية الإسلامية من تطوير قنبلة نووية. وجاء هذا الهجوم قبيل الجولة السادسة من المحادثات بين ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران حول المسألة النووية الإيرانية، والتي كان من المقرر عقدها في سلطنة عُمان في 15 حزيران.
هذا الهجوم يُعدّ عملًا عدائيًا بموجب القانون الدولي، والمفاجئ أكثر أنه وقع بينما كانت المفاوضات الدبلوماسية رفيعة المستوى لا تزال جارية، وكان من الممكن أن تجنّب الحرب، خصوصًا مع عدم وجود أي دليل على أن إيران كانت على وشك تطوير قنبلة نووية.
بدأ الهجوم بنحو 200 طائرة حربية إسرائيلية شنّت غارات كثيفة في عمق الأراضي الإيرانية. استهدفت الغارات مراكز القيادة والسيطرة العسكرية الإيرانية، والدفاعات الجوية، والمطارات، والمنشآت النووية. كما استُهدفت البنية التحتية للطاقة في إيران، مثل مصفاة بوشهر وحقل غاز بارس الجنوبي، ما يعني أن المصدر الرئيسي لدخل الجمهورية الإسلامية بات أيضًا تحت الهجوم.
وأسفرت الغارات عن مقتل وإصابة مئات المدنيين الإيرانيين. وقد نجحت إسرائيل في اغتيال الكثير من القادة العسكريين الإيرانيين، من بينهم رئيس أركان الجيش محمد باقري، وقائد الحرس الثوري حسين سلامي، إضافة إلى عدد من العلماء النوويين. وهذا كان مجرد البداية، إذ إن التصريحات الإسرائيلية الأولية أشارت إلى أن الهجمات ستستمر لمدة أسبوعين على الأقل.
لكن من الألغاز المطروحة: كيف تمكنت الطائرات الحربية الإسرائيلية من مهاجمة إيران والعودة إلى قواعدها؟ يبدو أن إسرائيل استخدمت طائراتها الأكثر تقدمًا من طراز F-35، إضافة إلى طائرات F-15 وF-16، وجميعها أميركية الصنع. ومع ذلك، لا تستطيع هذه الطائرات ضرب أهداف داخل إيران، على مسافة تتجاوز 2000 كلم، إذ إن طائرة F-35 لا يتجاوز مداها الـ 1093 كلم، بينما F-16 لا يتجاوز مداها الـ550 كلم، ما يعني أن إسرائيل حصلت على دعم خارجي، إما على شكل تزويد جوي بالوقود (من الولايات المتحدة)، أو من خلال قواعد عسكرية في إحدى الدول الإقليمية.
وفي جميع الأحوال، لا تمتلك إسرائيل القدرات اللازمة لحملة جوية طويلة الأمد ضد إيران من دون دعم أميركي بالسلاح والذخيرة والمعلومات الاستخبارية.
إقرأوا أيضاً:
سياسيًا، يذكّرنا الهجوم الإسرائيلي بالغزو الأميركي للعراق عام 2003 بذريعة البحث عن “أسلحة دمار شامل”، وبتهمة التعاون بين الديكتاتور العراقي صدام حسين وتنظيم القاعدة. آنذاك، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش أنه يقاتل “محور الشر”، والذي ضمّ إلى جانب العراق كلًا من إيران وكوريا الشمالية.
وقد أدى الغزو إلى مقتل آلاف العراقيين، وتعرض كثر منهم للتعذيب في سجون مثل أبو غريب. ولكن لم يُعثر على أي أسلحة دمار شامل. أما القاعدة، فبعد سنوات من “الحرب على الإرهاب”، ظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 14 أيار/ مايو من هذا العام مبتسمًا للكاميرات وهو يصافح أحمد الشرع، حاكم سوريا الحالي وأحد قادة تنظيم القاعدة سابقًا. سواء أكانوا إسلاميين، إرهابيين، أو من القاعدة، فإن الأيديولوجيات وأنظمة القيم والتحالفات باتت أقل أهمية من أي وقت مضى.
عسكريًا، تشبه الحرب الحالية على إيران الحرب التي شنتها إسرائيل على حزب الله في لبنان العام الماضي. في الواقع، صرّح نتانياهو علنًا أن قرار مهاجمة إيران اتُّخذ بعد اغتيال زعيم حزب الله حسن نصرالله، الذي قُتل في غارة جوية ضخمة على مقر الحزب في 27 أيلول/ سبتمبر من العام الماضي. كما تمكنت القوات الإسرائيلية من تصفية القيادة العسكرية لحزب الله عبر ضربات موجهة، ما يدل على مستوى عالٍ من المعلومات الاستخبارية، نتيجة اختراقات بشرية معقدة – جواسيس داخل حزب الله، وكما هو الحال اليوم داخل الهرمية الإيرانية – إضافة إلى استخدام المجسات، والذكاء الاصطناعي، والتنقيب في البيانات.
الرد الإيراني جاء من خلال موجات من الطائرات المسيّرة تهدف إلى إغراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية، تليها صواريخ باليستية. وعلى رغم أن بعض هذه الصواريخ نجح في اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية وأنتج صورًا مذهلة، إلا أن أهميتها العسكرية تبدو محدودة، إذ إن إيران تفتقر إلى القدرات الاستخبارية وسلاح جو فعّال يمكنه تنفيذ ضربات دقيقة.
ضعف إيران ليس عسكريًا فقط، كما كان الحال مع العراق وسوريا، بل يكمن أيضًا في طبيعة النظام القمعي الذي قمع مرارًا الحركات الاجتماعية المطالِبة بالتغيير، بدءًا من احتجاجات ما بعد الانتخابات في 2009، والاحتجاجات على تردي الأوضاع الاقتصادية في 2017-2018، ورفض رفع أسعار الوقود في 2019، وفي 2023 إثر مقتل مهسا أميني. طبيعة الجمهورية الإسلامية الجامدة ورفضها للإصلاح هما اللذان فتحا الشقوق التي تسلّل منها الموساد للتجنيد والاختراق.
ربما لا تكون الحرب على إيران لمنعها من امتلاك أسلحة نووية، كما لم تكن الحرب على العراق من أجل “أسلحة صدام للدمار الشامل”. لكن النية الإسرائيلية معلنة بوضوح على لسان نتانياهو: تدمير الجمهورية الإسلامية واستبدالها بكيانات لا مركزية تشبه العراق أو سوريا اليوم.
إذا كانت الحرب الأميركية على العراق قد أطلقت عقدين من الحروب والكوارث وأدت إلى نشوء وحش مثل داعش، فإن تدمير الدولة الإيرانية لن يكون أقل من كارثة حضارية كبرى.
الهوس الإسرائيلي بأمنه (أو لا أمنه) لن ينتهي في إيران. فنحن نشهد بالفعل توترات جيوسياسية جديدة بين إسرائيل وتركيا، التي باتت للمرة الأولى تملك حدودًا مشتركة مع إسرائيل في جنوب سوريا. سوريا المستقرة، المتحالفة مع قوة إقليمية مثل تركيا، تمثّل خطرًا على إسرائيل. كما أن لتركيا برنامجًا نوويًا مدنيًا بدعم من روسيا، وهو مصدر قلق آخر لصنّاع القرار في إسرائيل. وفي المقابل، تقلق تركيا من التمدد الإسرائيلي المتزايد في المنطقة، خصوصًا في ما يتعلق بالكيانات الكردية في العراق وسوريا، والتي قد تشكّل مستقبلًا تهديدًا لوحدة أراضيها. وقد كانت هذه التوترات محور المحادثات بين قادة إسرائيل وتركيا في باكو، لكن السؤال يبقى: إلى أي مدى ستقدم تركيا تنازلات لتهدئة مخاوف إسرائيل؟
قد تكون الحرب على إيران أكبر حرب في الشرق الأوسط. لكنها بالتأكيد لن تكون الأخيرة.














