ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

 هل تذكرون قول مبارك للحريري؟  “ده الواد عمرو دياب راح لبنان وجاب مليون جنيه”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

غير العادي في الجدل المصاحب للخبر هو اعتبار ما سيتقاضاه عمرو دياب مؤشراً عاماً عن وضع اللبنانيين الاقتصادي، وكما لو أن “الجيوب” التي سيسيل منها البدل المادي هي جيوب اللبنانيين جميعاً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

 قد يختلف اللبنانيون على النمط الغنائي الذي يقدمه المطرب المصري عمرو دياب. إذ يجد فيه جمهور واسع  “فناً” هابطاً بكلماته وطقوسه، وقد يراه  جمهور واسع آخر الأكثر تعبيراً عن أهوائه. هذا أمر يخضع في الحالين لمزاج شخصي متحرّر غالباً من النقد الفني الذي يبقى نوعياً.

في 19 آب/ أغسطس المقبل، سيأتي عمرو دياب إلى بيروت لإحياء حفلة غنائية في وسط بيروت.

 والخبر كما صار معلوماً،  يترافق مع جدل يومي أفضى إليه البدل المالي الذي سيتقاضاه دياب عن حفلته الغنائية، ثم النمط الغنائي الذي يقدمه المطرب المصري.

 تداولت وسائل إعلام محلية رقم 750 ألف دولار أميركي، كأجر لعمرو دياب، المبلغ الذي سيخرج من جيوب لبنانيين، ويسيل  بالضرورة كإضافة مالية في حساب دياب. الأمر هنا يبدو عادياً، بافتراض أن المبلغ سيتكفل به جمهور لبناني وعربي يستهويه النمط الغنائي الذي يقدمه دياب، وهو جمهور له حريته في معايشة طقس فرح ستفضي إليه حفلة الأخير. وعادي أيضاً أن ينشطر الجمهور بين مؤيد ومعارض، ومن باب التناسب، بين المغني والبدل المالي الذي سيتقاضاه، وبمعنى أوضح، أن يكون الانشطار في سؤال: هل يستحق عمرو دياب المبلغ المذكور كبدل عن حفلة غنائية قد تزيد عن ساعتين في أحسن الأحوال؟.

 والنظر في السؤال كاستنكار هو حق طبيعي لجمهور يندرج اعتراضه ضمن مقارنة بين دياب ومغنين آخرين من ذائعي الشهرة عربياً، فكيف بمعترضين استدرجوا رمزية  المطربة اللبنانية فيروز إلى المقارنة، التي ظل متنها الأساسي في الرقم المالي، ثم في القيمة الفنية التي يقدمها المطرب.

  إلى هنا كان الأمر ليبدو عادياً.  غير العادي في الجدل المصاحب للخبر هو اعتبار ما سيتقاضاه عمرو دياب مؤشراً عاماً عن وضع اللبنانيين الاقتصادي، وكما لو أن “الجيوب” التي سيسيل منها البدل المادي هي جيوب اللبنانيين جميعاً.

    نحن والحال أمام افتئات على الشريحة الأوسع من اللبنانيين، افتئات يتنكبه “منظرون” يسقطون نظرياتهم المتهافتة، والمعزولة عن أي دلالات حسية وعلمية يقاس على أساسها المؤشر الاقتصادي العام.

   ينطلق هذا التهافت معزولاً أقلّه من أمرين. الأول هو المناخ الملازم لحفلة غنائية تتزامن مع تدفق استثنائي للمغتربين اللبنانيين إلى وطنهم، والذي يتلمسه اللبنانيون راهناً باكتظاظ الأماكن السياحية، وهو بالتالي مناخ موقت مرتبط أصلاً بالقدرة المالية لهؤلاء، والتي تتفاوت كثيراً مع ما تعانيه غالبية اللبنانيين المقيمين.

    وهناك أيضاً موسم سياحي ملموس أفضت إليه العودة المتزايدة للسياح العرب، والخليجيين تحديداً. والأخيرة معطوفة على المناخ الأول، سيكونان، ومن دون مجازفة، العاملين الأساسيين في تهفيت نظريات اقتصادية عن أحوال اللبنانيين، وتستقي مؤشراتها من حفلة غنائية، أو من اكتظاظ أماكن سياحية في موسم الصيف.

  الأمر الأكثر إثارة للاستغراب والإدانة، أن نظريات كهذه تتبدى كتدليس، مقصود أو غير مقصود، في إسقاط تهمة الانهيار الاقتصادي عن كاهل السلطة الحاكمة.

  نعم هناك من يريد  بالسخرية حيناً، وبقصر النظر أحياناً، تعطيل مفاعيل الذاكرة القريبة للبنانيين عن أسباب بؤسهم. وهناك سلطة تبحث ولو عن “ورقة توت” تغطي فسادها. لا بأس والحال أن يكون في تهافت لبنانيين يملكون الترف المالي والنفسي على حفلة غنائية، ما يستر عريها.

   ويُفترض بالمرء ألا يستخف بمواءمة كهذه وشت بها ماضياً سخرية سلطوية  لا ينفك يتذكرها اللبنانيون في تدرّج أحوالهم الاقتصادية بين ماضٍ سيئ وراهن أسوأ. السخرية تلك كان “بطلها” أيضاً عمرو دياب، وساقها الرئيس المصري حسني مبارك رداً على مساعدات طلبها آنذاك رئيس الحكومة الراحل أيضاً رفيق الحريري.

   بافتراض حسن الظن، فإن تلك السخرية اندرجت في باب الطرائف التي يتقنها المصريون ورئيسهم الراحل،  لكنها طرفة احتملت  نظرة مبسترة عن محاولة تقليص مساحة البؤس العام بمسحة ترف خاص. وأغلب الظن، أن “علاج” متهافت كهذا هو سعفة أنظمة بؤس لا يزال النظامان اللبناني والمصري في صلبها.

  راهناً، يخدم السلطة اللبنانية ما يشي به فضاء افتراضي يندرج فيه الغث أكثر من السمين. ويخدمها أن تتكثف طرفة مبارك كمؤشر عن بؤس لبناني مُدعى.

  تقول طرفة مبارك، “مساعدات إيه،  ده الواد عمرو دياب راح لبنان جاب مليون جنيه”.

  والحال، ذروة البؤس أن يصير عمرو دياب مؤشراً عن رخائنا الاقتصادي.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

لماذا تربكني الراحة؟

أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
04.07.2023
زمن القراءة: 3 minutes

غير العادي في الجدل المصاحب للخبر هو اعتبار ما سيتقاضاه عمرو دياب مؤشراً عاماً عن وضع اللبنانيين الاقتصادي، وكما لو أن “الجيوب” التي سيسيل منها البدل المادي هي جيوب اللبنانيين جميعاً.

 قد يختلف اللبنانيون على النمط الغنائي الذي يقدمه المطرب المصري عمرو دياب. إذ يجد فيه جمهور واسع  “فناً” هابطاً بكلماته وطقوسه، وقد يراه  جمهور واسع آخر الأكثر تعبيراً عن أهوائه. هذا أمر يخضع في الحالين لمزاج شخصي متحرّر غالباً من النقد الفني الذي يبقى نوعياً.

في 19 آب/ أغسطس المقبل، سيأتي عمرو دياب إلى بيروت لإحياء حفلة غنائية في وسط بيروت.

 والخبر كما صار معلوماً،  يترافق مع جدل يومي أفضى إليه البدل المالي الذي سيتقاضاه دياب عن حفلته الغنائية، ثم النمط الغنائي الذي يقدمه المطرب المصري.

 تداولت وسائل إعلام محلية رقم 750 ألف دولار أميركي، كأجر لعمرو دياب، المبلغ الذي سيخرج من جيوب لبنانيين، ويسيل  بالضرورة كإضافة مالية في حساب دياب. الأمر هنا يبدو عادياً، بافتراض أن المبلغ سيتكفل به جمهور لبناني وعربي يستهويه النمط الغنائي الذي يقدمه دياب، وهو جمهور له حريته في معايشة طقس فرح ستفضي إليه حفلة الأخير. وعادي أيضاً أن ينشطر الجمهور بين مؤيد ومعارض، ومن باب التناسب، بين المغني والبدل المالي الذي سيتقاضاه، وبمعنى أوضح، أن يكون الانشطار في سؤال: هل يستحق عمرو دياب المبلغ المذكور كبدل عن حفلة غنائية قد تزيد عن ساعتين في أحسن الأحوال؟.

 والنظر في السؤال كاستنكار هو حق طبيعي لجمهور يندرج اعتراضه ضمن مقارنة بين دياب ومغنين آخرين من ذائعي الشهرة عربياً، فكيف بمعترضين استدرجوا رمزية  المطربة اللبنانية فيروز إلى المقارنة، التي ظل متنها الأساسي في الرقم المالي، ثم في القيمة الفنية التي يقدمها المطرب.

  إلى هنا كان الأمر ليبدو عادياً.  غير العادي في الجدل المصاحب للخبر هو اعتبار ما سيتقاضاه عمرو دياب مؤشراً عاماً عن وضع اللبنانيين الاقتصادي، وكما لو أن “الجيوب” التي سيسيل منها البدل المادي هي جيوب اللبنانيين جميعاً.

    نحن والحال أمام افتئات على الشريحة الأوسع من اللبنانيين، افتئات يتنكبه “منظرون” يسقطون نظرياتهم المتهافتة، والمعزولة عن أي دلالات حسية وعلمية يقاس على أساسها المؤشر الاقتصادي العام.

   ينطلق هذا التهافت معزولاً أقلّه من أمرين. الأول هو المناخ الملازم لحفلة غنائية تتزامن مع تدفق استثنائي للمغتربين اللبنانيين إلى وطنهم، والذي يتلمسه اللبنانيون راهناً باكتظاظ الأماكن السياحية، وهو بالتالي مناخ موقت مرتبط أصلاً بالقدرة المالية لهؤلاء، والتي تتفاوت كثيراً مع ما تعانيه غالبية اللبنانيين المقيمين.

    وهناك أيضاً موسم سياحي ملموس أفضت إليه العودة المتزايدة للسياح العرب، والخليجيين تحديداً. والأخيرة معطوفة على المناخ الأول، سيكونان، ومن دون مجازفة، العاملين الأساسيين في تهفيت نظريات اقتصادية عن أحوال اللبنانيين، وتستقي مؤشراتها من حفلة غنائية، أو من اكتظاظ أماكن سياحية في موسم الصيف.

  الأمر الأكثر إثارة للاستغراب والإدانة، أن نظريات كهذه تتبدى كتدليس، مقصود أو غير مقصود، في إسقاط تهمة الانهيار الاقتصادي عن كاهل السلطة الحاكمة.

  نعم هناك من يريد  بالسخرية حيناً، وبقصر النظر أحياناً، تعطيل مفاعيل الذاكرة القريبة للبنانيين عن أسباب بؤسهم. وهناك سلطة تبحث ولو عن “ورقة توت” تغطي فسادها. لا بأس والحال أن يكون في تهافت لبنانيين يملكون الترف المالي والنفسي على حفلة غنائية، ما يستر عريها.

   ويُفترض بالمرء ألا يستخف بمواءمة كهذه وشت بها ماضياً سخرية سلطوية  لا ينفك يتذكرها اللبنانيون في تدرّج أحوالهم الاقتصادية بين ماضٍ سيئ وراهن أسوأ. السخرية تلك كان “بطلها” أيضاً عمرو دياب، وساقها الرئيس المصري حسني مبارك رداً على مساعدات طلبها آنذاك رئيس الحكومة الراحل أيضاً رفيق الحريري.

   بافتراض حسن الظن، فإن تلك السخرية اندرجت في باب الطرائف التي يتقنها المصريون ورئيسهم الراحل،  لكنها طرفة احتملت  نظرة مبسترة عن محاولة تقليص مساحة البؤس العام بمسحة ترف خاص. وأغلب الظن، أن “علاج” متهافت كهذا هو سعفة أنظمة بؤس لا يزال النظامان اللبناني والمصري في صلبها.

  راهناً، يخدم السلطة اللبنانية ما يشي به فضاء افتراضي يندرج فيه الغث أكثر من السمين. ويخدمها أن تتكثف طرفة مبارك كمؤشر عن بؤس لبناني مُدعى.

  تقول طرفة مبارك، “مساعدات إيه،  ده الواد عمرو دياب راح لبنان جاب مليون جنيه”.

  والحال، ذروة البؤس أن يصير عمرو دياب مؤشراً عن رخائنا الاقتصادي.