قصة “المرأة الزانية” في إنجيل يوحنا هي إحدى أشهر قصص يسوع، وبخاصة عبارته الشهيرة “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر”. تحمل القصة فكرة مثيرة للاهتمام، ضمن ما تحمله من أفكار عدة في مستويات متنوعة، وهي أننا كلنا خطأة.
عندما قال يسوع جملته السابقة، انسحب الرجال وتركوا المرأة وحيدة معه، لم يجرؤ أحدهم على رجمها كما تتطلب شريعة موسى. عبارة “جميعنا خطأة”، كما تقدمها القصة، تبدو أكثر جذرية مما قد يظهر للوهلة الأولى. فالخطايا – بحسب ما توحي به القصة – متكافئة، أصغرها مع أكبرها. لم يقل أحدهم ليسوع “هل يمكنك أن تقارن كذبة صغيرة مع الزنا؟”.
بالتاكيد، لم يرتكب هؤلاء الرجال أو بعضهم على الأقل خطيئة بحجم “خطيئة الزنا” التي وصل حكمها في الشريعة إلى الرجم. على رغم ذلك، تساوي القصة بين جميع الخطايا، الخاطئ خاطئ سواء كانت خطيئته كذبة صغيرة أو “زنا”. وبهذا، يتساوى الجميع في الخطيئة، فلا يقدر أحدهم على إدانتها ورجمها. تعرض القصة تصوراً جذرياً للخطيئة والإدانة، نصبح فيه جميعنا مُدانين وخطأة.
بهذا تقدم القصة مدخلاً مثالياً للنظر في المشرق، سوريا ولبنان والعراق، من منكم بلا خطيئة؟ من منكم هنا ليجرؤ على أن يدين أخاه؟ هناك مذابح ارتُكبت في حق العلويين والدروز على أساس إثني، لكن هل العلويون أبرياء؟ هل هم أبرياء من دمهم؟
هل من “بريء” بيننا؟
شهد لبنان قصفاً إسرائيلياً وحشياً في 8 نيسان/ إبريل 2024، مئة هدف خلال عشر دقائق في أنحاء لبنان كافة، قصف كانت حصيلته مئات من القتلى وما يزيد عن الألف مصاب. هل وحده حزب الله المُدان، فيما بقية اللبنانيين أبرياء؟
ما قامت به إسرائيل جريمة، وما فعلته السلطة الجديدة وفصائلها بالعلويين جريمة. غير أن هذا ليس هو موضوع السؤال، تماماً مثلما أن كون الزنا خطيئة لم يكن موضع سؤال في قصة المرأة الزانية.
في سوريا، ومنذ بداية الحرب الأهلية، وقبلها طبعاً ترسيخ نظام الأسد وتمتين العصبية العلوية من ورائه في أجهزة الأمن والجيش، هناك سؤال يُطرح حول موقع العلويين. والسؤال نفسه يُطرح على غيرهم منذ بداية الانتفاضة السورية، على المسيحيين وعلى الدروز وعلى أبناء الطبقة الوسطى المدينية. ما هو موقعكم هنا؟
أليس الصمت نفسه انحيازاً! الحياد قرار وخيار تترتب عليه نتائج ومسارات تاريخية، وتحولات في موازين القوى. الاعتزال قرار يترتب عليه ما يترتب على قرار المشاركة. هي ليست أحداث منفصلة عن سياقها وتواريخها، إنما سيرة تاريخية تامة، من انقلاب آذار/ مارس 1963 والصدام مع الناصريين، وتمرد حماة الأول 1964، إلى نزاعات البعثيين وتصفياتهم بعضهم لبعض، والتمرد الإسلامي في نهاية السبعينات حتى القضاء عليه مع تمرد حماة 1982، وصولاً إلى التوريث وانطلاق الانتفاضة والحرب الأهلية.
وبالطبع، يمكن الحديث عما قبلها، وكل منا يستطيع فتح باب التاريخ ويبدأ بعرض ذاكرته التاريخية. غير أن هذا يُبقي السؤال دوماً هو نفسه، أليس ما نواجهه جميعنا هو نتيجة خيارات شاركنا فيها أو شارك فيها أهلنا؟
هل لو تصرف السوريون من غير العرب السُنة ومن أبناء الطبقات الوسطى المدينية بطريقة مختلفة في بداية الانتفاضة السورية، لصرنا في مكان مختلف تماماً؟ هل لو تصرف المنتفضون من العرب السُنة بطريقة مختلفة خلال سنوات الثورة، لربما صرنا أيضاً في مكان مختلف تماماً؟
لا يختلف الحال لبنانياً، يمكن إدانة حزب الله على خياراته، على الحرب التي زج بها لبنان من دون استشارة أحد، والمطالبة بنزع سلاحه. لكن أليست أمامنا أيضاً أسئلة شبيهة، ما هو موقع الشيعة بدون سلاح في دولة مثل لبنان؟ ليس فقط في مواجهة ثأر إسرائيل، والواقع أن هذا ربما يكون آخر ما يحتاج الشيعة إلى التفكير به، إنما في مواجهة لبنانيين آخرين، المسيحيين والسُنة ومن ورائهم سوريا الجديدة، وهؤلاء -وبحسب تاريخهم- لا يوجد شيء يدعو الى الثقة بهم، تماماً مثلما لا يوجد ما يستدعي الثقة بغيرهم.
إقرأوا أيضاً:
عموم الذنب؟
لا يعني هذا عدم مساءلة أو تبريراً وتسويغاً للخيارات الكارثية لحزب الله وانحيازاته، وليس تبريراً أو تقليلاً من النزعة الثأرية والإبادية والسلفية داخل المتن السُني السوري. ما يعنيه هذا كله، هو ما عنته قصة المرأة الزانية، لا يوجد أبرياء أو محض ضحايا، إنما هناك تركة لخيارات وقرارات اتخذناها كلنا، ونواجه ترِكتها جميعاً. قرارات كانت في غالبيتها صغيرة وتافهة، قرارات شخصية، انسحابات فردية تؤثر السلامة. نحن أمام أوضاع ساهمنا فيها جميعاً، وتلوثت أيدينا بها جميعاً. لسنا أبرياء أمامها، وهذا يشملنا جميعاً وبالمعنى الأكثر حرفية، من الرضيع إلى العجوز.
هذه المسؤولية الجماعية، جميعنا خطأة، التي تدعونا إليها قصة المرأة الزانية للتفكير فيها، لا تعفي أحداً وليست تبرئة لأحد، وليست -وهذا هو الأهم- تقليلاً من حجم الجرائم الحالية أو الماضية. ليست صك تبرئة للقاتل ودعوة للنسيان أو القفز عما حصل بذريعة أن الجميع أخطأ، وبالتالي عفا الله عما مضى.
في القصة يغادر الجميع أمام امتحان يسوع لهم بهذه الجملة، وحدها المرأة تبقى منتظرة. تنتهي القصة الكتابية نفسها مع جملة المسيح “وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلَا تُخْطِئِي أَيْضًا”. غير أنه في أعمال أدبية عدة تُكمل القصة بالتحاق المرأة بيسوع بعد توبتها.
بين جملته الأخيرة والإتمامات الأديبة الوفية للقصة هناك مسألة مهمة، يسوع لم يجعل من المساواة بين الخطايا، تذكير الجميع بكونهم خطأة، مدخلاً لتناسي الموضوع. الذين ذهبوا من الرجال لم ينالوا غفراناً، فيما المرأة الزانية نالت الغفران باعترافها بما فعلت واستسلامها الكلي لواجب العقاب.
تتمة التسليم بأن الجميع خطأة، ليست بالقفز إلى النسيان أو “عفا الله عما مضى”، بل بالاعتراف والمواجهة، اعتراف بالخطيئة ومواجهة دائمة مع إمكانية حدوثها، وبالتالي منع تكرارها عبر منع الشروط والإمكانات التي تسمح بتكرار ما حصل.
ما قبل الاعتراف
اليوم، نحن نقف في لحظة ما قبل التسليم بأننا جميعنا خطأة. ربما، لو كان يسوع بيننا لقال له أحدهم: “وهل يستوي ما قام به هؤلاء، بما فعلناه؟” وربما أيضاً، قد يقوم أحدهم مباشرة من بعدها ويرميها بأول حجر من دون أن ينتظر أو حتى أن يسأل.
يقدم السوريون واللبنانيون قصة مضادة، تجد تعبيرها الأمثل في العبارة التي ترد على لسان سوريين كثر “سبحان الذي أعزنا وأذلكم!”. عبارة قيلت خلال مجازر الساحل والسويداء والمعارك التي خيضت مع الأكراد، مثلما قيلت في أحداث فردية هنا وهناك. وهي مضمرة في ردود أفعال جهات لبنانية على ما يحصل في جنوب لبنان ولأهله، والاستعداد للانقضاض على بيئة حزب الله.
لم يخطر في بال قائليها أن يسألوا أنفسهم، لماذا أذلهم الله خمسين عاماً تحت حكم الأسد، وحكم عليهم بخمسة عشر عاماً من الدمار والسجن والتشرد؟ وهي ذلة لن توازيها ذلة أخرى. ألم تكن ثورة على حكم الذلة، حتى تتم إعادة إنتاجه والتفاخر به؟ أليس ترك أهل الجنوب للاستباحة والابتهاج بها يدفعهم إلى أن يعتصموا بالحزب حامياً لهم أمام من هو أشد هولاً من إسرائيل، أي اللبنانيين الآخرين؟
العبرة التي يقدمها المشرق ليست الشريعة القاسية لموسى ورجم الزانية، بل إن الخطيئة خطيئة بحسب هوية مرتكبها، عصبية القبيلة التي تحميك وتطالبك بالانصياع “وَمَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ … غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ” كما يقول دريد بن الصمة.
فما بالك بالمطالبة بأن نقف مدركين أننا خطأة، بل والانتظار كما فعلت المرأة الزانية. الفريسيون أدركوا معنى ما قاله يسوع لهم، لكنهم لم ينتظروا، ذهبوا سريعاً متبعين مبدأ “حسناً، إذاً لننسى الأمر برمته بما أننا جميعاً خطأة”. وحدها المرأة الزانية انتظرت، ونالت الخلاص.
في المشرق، لا شيء يُحدثنا كما تُحدثنا المرأة الزانية.
إقرأوا أيضاً:












