ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل تكرّس “حكومة دمشق” قضاء غير عادل؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

إذا كان سوء تطبيق القانون الدولي يكشف تجاهلاً أو جهلاً بالإجراءات القضائية، فإن ما يجري داخل بعض المحاكم يكشف انهياراً لمفهوم المحاكمة العادلة،  عبر الجمع بين سلطتي الاتّهام والحكم في يد شخص واحد، في مخالفة صارخة لأبسط مبادئ أصول المحاكمات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تبدو المشكلة القضائية في سوريا، ذات أبعاد متعدّدة، تتجاوز عبارة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، والإجراءات الخاطئة أو الاستثناءات الطارئة، إذ تتجسّد في خلل بنيوي، تحوّل إلى ما يشبه “سياسة” تتضمّن الإقصاء في التعيين وتفضيل الولاء، وإعادة إنتاج أدوات النظام السابق (قانون الجرائم الإلكترونية مثلاً)، وتجاهل الإجراءات القضائية (خطف دروز من السويداء نحو سجن عدرا دون توجيه تهمة لهم)، لتحويل القضاء من سلطة يُفترَض أنها تحمي الحقوق، إلى أداة تُستخدَم لتبرير الانتهاكات، وتكريس الإفلات من العقاب، وهضم حقوق الضحايا.

أخطر ما في هذا الواقع ليس النتائج فقط، بل اعتياد الخطأ وتحويله الى ممارسة طبيعية، فلا يعود الخطأ استثناء، بل الأصل الذي تُدار على أساسه المحاكم والنيابات العامّة، بما في ذلك القضايا الأكثر خطورة كـ”الجرائم الجسيمة” والانتهاكات الواسعة، خصوصاً في بلد كسوريا، شهد جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب ارتكبتها عدّة أطراف، سواء كنّا نتحدّث عن النظام، أو تنظيم “داعش”، أو الفصائل الإسلامية سابقاً.

أحاول هنا، تفنيد بعض التقنيات التي تستخدمها حكومة دمشق، لإعادة تشكيل “القضاء” بناء على عدّة عوامل تتحرّك بين التعيينات والإجراءات القضائية، وتتعمّد تغييب الكفاءات القانونية والقضائية.

الادّعاء الشخصي كذريعة قانونية زائفة

يُعدّ التذرّع بعدم وجود الادّعاء الشخصي بحقّ مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضدّ الإنسانية، أحد أخطر أشكال الانحراف الإجرائي في القضاء السوري، ليس فقط بسبب مخالفته الصريحة للقانون الدولي، بل بسبب ما يكشفه من جهل بنيوي لدى القائمين على تطبيق القانون بطبيعة الجرائم الجسيمة، وبالفارق الجوهري بينها وبين الجرائم العادية.

 الخلط بين الجريمتين، وفرض شروط إجرائية مستمدّة من القانون الداخلي على جرائم ذات طابع دولي، لا يمكن اعتباره مجرّد خطأ في التفسير، بل هو دليل على غياب الاختصاص القانوني لدى من يتولّون مواقع حسّاسة في النيابات العامّة والمحاكم، وهذا يتّضح في تصريح وزير العدل مظهر الويس نفسه على منصّة “سوريا الآن”، حين سأله المذيع عن إمكانية وجود محاكم خاصّة بالعدالة الانتقالية، فأجاب:” لا، القضاء العادي، ولن يكون هناك قضاء استثنائي”، لأن الإعلان الدستوري حظر إنشاء محاكم استثنائية.

تتحجّج سلطة دمشق  لتفادي توجيه الاتهّام، بـ” متطلّبات مرحلة السلم الأهلي”، كما صرّح حسن صوفان عضو “لجنة السلم الأهلي”، حين ظهر فادي صقر على الساحة من جديد.

الحجّة الثانية تتمثّل بالمناداة بـ”الادّعاء الشخصي”،  الذي تتبنّاه السلطة في دمشق،  وهو مفهوم إجرائي ينتمي إلى منظومة الجرائم العادية التي يكون الضرر فيها فردياً ومحدوداً، ويترك للمتضرّر خيار تحريك الدعوى أو عدمه. 

أما في جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، فإن الضرر لا يُصيب فرداً بعينه فقط، بل يُصيب المجتمع ككلّ، ويمسّ النظام العام الدولي، وهو ما أسقط منذ عقود فكرة ربط الملاحقة بإرادة الضحيّة.

اتّفاقيات جنيف للعام 1949 لم تترك هذا الأمر محلّ اجتهاد، بل وضعت التزاماً إيجابياً واضحاً على عاتق الدول، يقضي بالبحث عن مرتكبي المخالفات الجسيمة وتقديمهم للمحاكمة. هذا الالتزام لا يرتبط بوجود شكوى، ولا يسقط لغياب ادّعاء شخصي، ولا يجوز تعطيله بإجراءات داخلية، ومع ذلك، يتمّ في سوريا استخدام هذا الشرط كذريعة لإغلاق ملفّات خطيرة، أو لتبرير الإفراج عن متّهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة، في ممارسة لا يمكن فصلها عن سياسة الإفلات من العقاب.

أمّا نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فسار في الاتّجاه ذاته، عندما عرّف الجرائم الدولية، وحدّد اختصاص المحكمة دون أي اشتراط لوجود ادّعاء شخصي، بل منح المدّعي العامّ سلطة التحرّك من تلقاء نفسه، متى توفّرت معلومات معقولة عن ارتكاب هذه الجرائم. 

هذا التطوّر في أسلوب التعامل مع هذه الجرائم الكبرى، لم يكن شكلياً، بل جاء استجابة لطبيعة هذه الجرائم التي غالباً ما يكون فيها الضحايا موتى أو مغيّبيين قسريا أو مجهولي المصير، وفي سوريا لدينا أكثر من مئة وعشرين ألف ضحيّة مجهولة المصير، فهل ننتظر  هؤلاء لتقديم شكواهم؟

تجاهل هذه القواعد، والإصرار على فرض شرط الادّعاء الشخصي، يكشف إمّا جهلاً بالقانون الدولي، وإمّا استخداماً متعمّداً لإجراء شكلي لإغلاق باب العدالة، وفي الحالين، تكون النتيجة واحدة: تعطيل واجب الدولة في الملاحقة، وإنكار حقّ الضحايا في العدالة، وتحويل القضاء إلى أداة لحماية الجناة بدل محاسبتهم.

والأخطر من ذلك أن هذا النهج لا يقتصر أثره على قضيّة بعينها، بل يكرّس سابقة خطيرة، مفادها أن الجرائم الأكثر جسامة يمكن تحييدها قانونياً عبر تفسيرات إجرائية مغلوطة، وهي رسالة واضحة يُفهم منها أن الدولة لا تكتفي بعدم المحاسبة، بل تُسهم عبر قضائها غير المؤهّل في إعادة إنتاج الجريمة، وارتكاب انتهاك ثانٍ بحقّ الضحايا، يتمثّل في إنكار حقّهم في الحقيقة والإنصاف.

لا يقتصر أثر تقاعس الدولة عن ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب على الداخل فقط، بل يرتّب مسؤولية دولية واضحة بموجب القانون الدولي. فالدولة التي تمتنع عن التحقيق أو الملاحقة، أو تتحجّج بإجراءات شكلية مثل “غياب الادّعاء الشخصي”، تكون قد أخلّت بالتزاماتها الدولية، ولا سيّما واجبها في منع الانتهاكات الجسيمة ومعاقبة مرتكبيها.

 هذا التقاعس يشكّل بحدّ ذاته فعلاً غير مشروع دولياً، ويفتح الباب أمام تفعيل الولاية القضائية العالمية، أو اللجوء إلى الآليّات الدولية، باعتبار أن الدولة إمّا غير راغبة وإمّا غير قادرة على القيام بواجبها. 

وفي هذه الحالة، لا يُعدّ الامتناع حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في تكريس الإفلات من العقاب.

عندما يكون الخصم هو القاضي

إذا كان سوء تطبيق القانون الدولي يكشف تجاهلاً أو جهلاً بالإجراءات القضائية، فإن ما يجري داخل بعض المحاكم يكشف انهياراً لمفهوم المحاكمة العادلة،  عبر الجمع بين سلطتي الاتّهام والحكم في يد شخص واحد، في مخالفة صارخة لأبسط مبادئ أصول المحاكمات.

في محكمة حمص، تمّ تعيين السيّد حسن الأقرع رئيساً للنيابة العامّة العسكرية ورئيساً للمحكمة العسكرية في الوقت نفسه، رغم كونه غير مختصّ قانونياً، هذا التعيين لا يمكن وصفه بخطأ إداري أو خلل تنظيمي، فالنيابة العامّة هي خصم في الدعوى، تمثّل سلطة الاتّهام وتسعى إلى الإدانة، بينما القاضي يُفترَض أن يكون جهة محايدة تفصل بين الخصوم. 

الجمع بين هاتين الوظيفتين يُلغي الحياد من أساسه، ويحوّل المحاكمة إلى إجراء صوَري لا يتوفّر على أيّ من ضمانات الإنصاف.

هذا الوضع يتعارض بشكل مباشر مع المبادئ العامّة لأصول المحاكمات، ويتناقض مع المادّة 14 من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية، التي تشترط أن تكون المحكمة مختصّة، مستقلّة، ومحايدة. ولا يمكن الحديث عن اختصاص أو حياد في ظلّ شخص واحد يجسّد دور الخصم والحكم في آن معاً.

وما يزيد من جسامة هذه الحالة، هو أن الشخص المعيّن يفتقر أساساً إلى الاختصاص القانوني، الأمر الذي يكشف أن المشكلة ليست مجرّد تجاوز إجرائي، بل نتيجة مباشرة لسياسة تعيين لا تُقيم وزناً للكفاءة والمعرفة القانونية.

محكمة النقض: حين يفقد القانون حرّاسه

يبلغ الخلل مداه عندما يمتدّ تعيين غير المختصّين إلى محكمة النقض، وهي أعلى مرجع قضائي، ومحكمة قانون لا محكمة وقائع. وظيفة هذه المحكمة ليست إعادة النظر في الوقائع، بل مراقبة حُسن تطبيق القانون، وتصحيح الأخطاء القانونية، وضمان وحدة الاجتهاد القضائي.

محكمة النقض هي صمّام الأمان الأخير للعدالة، ووجود قضاة غير مختصّين فيها لا يشكّل مجرّد ضعف مهني، بل خطراً مباشراً على الأمن القانوني برمّته. فكيف يمكن لمحكمة يُفترَض بها تفسير القانون، أن تقوم بدورها إذا كان اعضاؤها يفتقرون إلى الفهم العميق للأصول القانونية؟ وكيف يمكن للمتقاضين الوثوق بقضاء نهائي إذا كان هذا القضاء يُدار بعقلية غير قانونية؟ فشخص مثل شادي الويسي، صاحب الفيديو الشهير الذي يطبّق فيه “الحدّ” على امرأة في إدلب، تمّ تعيينه نائباً لرئيس المحكمة ذاتها!

عدم الاختصاص كسياسة لا كحادث؟

القاسم المشترك بين كلّ هذه الأمثلة هو غياب الاختصاص، هذا الغياب لا يبدو عارضاً أو استثناءً، بل يعكس سياسة ممنهجة لتولّي الكثير من غير المؤهّلين أخطر المواقع القضائية. والنتيجة منظومة قانونية مشلولة، تستخدم النصوص كواجهة شكلية، بينما يتمّ تقويض جوهرها في التطبيق.

عدم الاختصاص هنا ليس مسألة تقنيّة، بل سبب مباشر لانتهاك الحقوق، وتعطيل العدالة، وشرعنة الإفلات من العقاب. فالقاضي أو المدّعي العامّ الذي لا يفهم أو يتجاهل طبيعة الجرائم الدولية، ولا مبادئ المحاكمة العادلة، لا يمكنه إلا أن يُنتج إجراءات خاطئة، مهما حسنت النوايا.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…

إذا كان سوء تطبيق القانون الدولي يكشف تجاهلاً أو جهلاً بالإجراءات القضائية، فإن ما يجري داخل بعض المحاكم يكشف انهياراً لمفهوم المحاكمة العادلة،  عبر الجمع بين سلطتي الاتّهام والحكم في يد شخص واحد، في مخالفة صارخة لأبسط مبادئ أصول المحاكمات.

تبدو المشكلة القضائية في سوريا، ذات أبعاد متعدّدة، تتجاوز عبارة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، والإجراءات الخاطئة أو الاستثناءات الطارئة، إذ تتجسّد في خلل بنيوي، تحوّل إلى ما يشبه “سياسة” تتضمّن الإقصاء في التعيين وتفضيل الولاء، وإعادة إنتاج أدوات النظام السابق (قانون الجرائم الإلكترونية مثلاً)، وتجاهل الإجراءات القضائية (خطف دروز من السويداء نحو سجن عدرا دون توجيه تهمة لهم)، لتحويل القضاء من سلطة يُفترَض أنها تحمي الحقوق، إلى أداة تُستخدَم لتبرير الانتهاكات، وتكريس الإفلات من العقاب، وهضم حقوق الضحايا.

أخطر ما في هذا الواقع ليس النتائج فقط، بل اعتياد الخطأ وتحويله الى ممارسة طبيعية، فلا يعود الخطأ استثناء، بل الأصل الذي تُدار على أساسه المحاكم والنيابات العامّة، بما في ذلك القضايا الأكثر خطورة كـ”الجرائم الجسيمة” والانتهاكات الواسعة، خصوصاً في بلد كسوريا، شهد جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب ارتكبتها عدّة أطراف، سواء كنّا نتحدّث عن النظام، أو تنظيم “داعش”، أو الفصائل الإسلامية سابقاً.

أحاول هنا، تفنيد بعض التقنيات التي تستخدمها حكومة دمشق، لإعادة تشكيل “القضاء” بناء على عدّة عوامل تتحرّك بين التعيينات والإجراءات القضائية، وتتعمّد تغييب الكفاءات القانونية والقضائية.

الادّعاء الشخصي كذريعة قانونية زائفة

يُعدّ التذرّع بعدم وجود الادّعاء الشخصي بحقّ مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضدّ الإنسانية، أحد أخطر أشكال الانحراف الإجرائي في القضاء السوري، ليس فقط بسبب مخالفته الصريحة للقانون الدولي، بل بسبب ما يكشفه من جهل بنيوي لدى القائمين على تطبيق القانون بطبيعة الجرائم الجسيمة، وبالفارق الجوهري بينها وبين الجرائم العادية.

 الخلط بين الجريمتين، وفرض شروط إجرائية مستمدّة من القانون الداخلي على جرائم ذات طابع دولي، لا يمكن اعتباره مجرّد خطأ في التفسير، بل هو دليل على غياب الاختصاص القانوني لدى من يتولّون مواقع حسّاسة في النيابات العامّة والمحاكم، وهذا يتّضح في تصريح وزير العدل مظهر الويس نفسه على منصّة “سوريا الآن”، حين سأله المذيع عن إمكانية وجود محاكم خاصّة بالعدالة الانتقالية، فأجاب:” لا، القضاء العادي، ولن يكون هناك قضاء استثنائي”، لأن الإعلان الدستوري حظر إنشاء محاكم استثنائية.

تتحجّج سلطة دمشق  لتفادي توجيه الاتهّام، بـ” متطلّبات مرحلة السلم الأهلي”، كما صرّح حسن صوفان عضو “لجنة السلم الأهلي”، حين ظهر فادي صقر على الساحة من جديد.

الحجّة الثانية تتمثّل بالمناداة بـ”الادّعاء الشخصي”،  الذي تتبنّاه السلطة في دمشق،  وهو مفهوم إجرائي ينتمي إلى منظومة الجرائم العادية التي يكون الضرر فيها فردياً ومحدوداً، ويترك للمتضرّر خيار تحريك الدعوى أو عدمه. 

أما في جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، فإن الضرر لا يُصيب فرداً بعينه فقط، بل يُصيب المجتمع ككلّ، ويمسّ النظام العام الدولي، وهو ما أسقط منذ عقود فكرة ربط الملاحقة بإرادة الضحيّة.

اتّفاقيات جنيف للعام 1949 لم تترك هذا الأمر محلّ اجتهاد، بل وضعت التزاماً إيجابياً واضحاً على عاتق الدول، يقضي بالبحث عن مرتكبي المخالفات الجسيمة وتقديمهم للمحاكمة. هذا الالتزام لا يرتبط بوجود شكوى، ولا يسقط لغياب ادّعاء شخصي، ولا يجوز تعطيله بإجراءات داخلية، ومع ذلك، يتمّ في سوريا استخدام هذا الشرط كذريعة لإغلاق ملفّات خطيرة، أو لتبرير الإفراج عن متّهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة، في ممارسة لا يمكن فصلها عن سياسة الإفلات من العقاب.

أمّا نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فسار في الاتّجاه ذاته، عندما عرّف الجرائم الدولية، وحدّد اختصاص المحكمة دون أي اشتراط لوجود ادّعاء شخصي، بل منح المدّعي العامّ سلطة التحرّك من تلقاء نفسه، متى توفّرت معلومات معقولة عن ارتكاب هذه الجرائم. 

هذا التطوّر في أسلوب التعامل مع هذه الجرائم الكبرى، لم يكن شكلياً، بل جاء استجابة لطبيعة هذه الجرائم التي غالباً ما يكون فيها الضحايا موتى أو مغيّبيين قسريا أو مجهولي المصير، وفي سوريا لدينا أكثر من مئة وعشرين ألف ضحيّة مجهولة المصير، فهل ننتظر  هؤلاء لتقديم شكواهم؟

تجاهل هذه القواعد، والإصرار على فرض شرط الادّعاء الشخصي، يكشف إمّا جهلاً بالقانون الدولي، وإمّا استخداماً متعمّداً لإجراء شكلي لإغلاق باب العدالة، وفي الحالين، تكون النتيجة واحدة: تعطيل واجب الدولة في الملاحقة، وإنكار حقّ الضحايا في العدالة، وتحويل القضاء إلى أداة لحماية الجناة بدل محاسبتهم.

والأخطر من ذلك أن هذا النهج لا يقتصر أثره على قضيّة بعينها، بل يكرّس سابقة خطيرة، مفادها أن الجرائم الأكثر جسامة يمكن تحييدها قانونياً عبر تفسيرات إجرائية مغلوطة، وهي رسالة واضحة يُفهم منها أن الدولة لا تكتفي بعدم المحاسبة، بل تُسهم عبر قضائها غير المؤهّل في إعادة إنتاج الجريمة، وارتكاب انتهاك ثانٍ بحقّ الضحايا، يتمثّل في إنكار حقّهم في الحقيقة والإنصاف.

لا يقتصر أثر تقاعس الدولة عن ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب على الداخل فقط، بل يرتّب مسؤولية دولية واضحة بموجب القانون الدولي. فالدولة التي تمتنع عن التحقيق أو الملاحقة، أو تتحجّج بإجراءات شكلية مثل “غياب الادّعاء الشخصي”، تكون قد أخلّت بالتزاماتها الدولية، ولا سيّما واجبها في منع الانتهاكات الجسيمة ومعاقبة مرتكبيها.

 هذا التقاعس يشكّل بحدّ ذاته فعلاً غير مشروع دولياً، ويفتح الباب أمام تفعيل الولاية القضائية العالمية، أو اللجوء إلى الآليّات الدولية، باعتبار أن الدولة إمّا غير راغبة وإمّا غير قادرة على القيام بواجبها. 

وفي هذه الحالة، لا يُعدّ الامتناع حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في تكريس الإفلات من العقاب.

عندما يكون الخصم هو القاضي

إذا كان سوء تطبيق القانون الدولي يكشف تجاهلاً أو جهلاً بالإجراءات القضائية، فإن ما يجري داخل بعض المحاكم يكشف انهياراً لمفهوم المحاكمة العادلة،  عبر الجمع بين سلطتي الاتّهام والحكم في يد شخص واحد، في مخالفة صارخة لأبسط مبادئ أصول المحاكمات.

في محكمة حمص، تمّ تعيين السيّد حسن الأقرع رئيساً للنيابة العامّة العسكرية ورئيساً للمحكمة العسكرية في الوقت نفسه، رغم كونه غير مختصّ قانونياً، هذا التعيين لا يمكن وصفه بخطأ إداري أو خلل تنظيمي، فالنيابة العامّة هي خصم في الدعوى، تمثّل سلطة الاتّهام وتسعى إلى الإدانة، بينما القاضي يُفترَض أن يكون جهة محايدة تفصل بين الخصوم. 

الجمع بين هاتين الوظيفتين يُلغي الحياد من أساسه، ويحوّل المحاكمة إلى إجراء صوَري لا يتوفّر على أيّ من ضمانات الإنصاف.

هذا الوضع يتعارض بشكل مباشر مع المبادئ العامّة لأصول المحاكمات، ويتناقض مع المادّة 14 من العهد الدولي الخاصّ بالحقوق المدنية والسياسية، التي تشترط أن تكون المحكمة مختصّة، مستقلّة، ومحايدة. ولا يمكن الحديث عن اختصاص أو حياد في ظلّ شخص واحد يجسّد دور الخصم والحكم في آن معاً.

وما يزيد من جسامة هذه الحالة، هو أن الشخص المعيّن يفتقر أساساً إلى الاختصاص القانوني، الأمر الذي يكشف أن المشكلة ليست مجرّد تجاوز إجرائي، بل نتيجة مباشرة لسياسة تعيين لا تُقيم وزناً للكفاءة والمعرفة القانونية.

محكمة النقض: حين يفقد القانون حرّاسه

يبلغ الخلل مداه عندما يمتدّ تعيين غير المختصّين إلى محكمة النقض، وهي أعلى مرجع قضائي، ومحكمة قانون لا محكمة وقائع. وظيفة هذه المحكمة ليست إعادة النظر في الوقائع، بل مراقبة حُسن تطبيق القانون، وتصحيح الأخطاء القانونية، وضمان وحدة الاجتهاد القضائي.

محكمة النقض هي صمّام الأمان الأخير للعدالة، ووجود قضاة غير مختصّين فيها لا يشكّل مجرّد ضعف مهني، بل خطراً مباشراً على الأمن القانوني برمّته. فكيف يمكن لمحكمة يُفترَض بها تفسير القانون، أن تقوم بدورها إذا كان اعضاؤها يفتقرون إلى الفهم العميق للأصول القانونية؟ وكيف يمكن للمتقاضين الوثوق بقضاء نهائي إذا كان هذا القضاء يُدار بعقلية غير قانونية؟ فشخص مثل شادي الويسي، صاحب الفيديو الشهير الذي يطبّق فيه “الحدّ” على امرأة في إدلب، تمّ تعيينه نائباً لرئيس المحكمة ذاتها!

عدم الاختصاص كسياسة لا كحادث؟

القاسم المشترك بين كلّ هذه الأمثلة هو غياب الاختصاص، هذا الغياب لا يبدو عارضاً أو استثناءً، بل يعكس سياسة ممنهجة لتولّي الكثير من غير المؤهّلين أخطر المواقع القضائية. والنتيجة منظومة قانونية مشلولة، تستخدم النصوص كواجهة شكلية، بينما يتمّ تقويض جوهرها في التطبيق.

عدم الاختصاص هنا ليس مسألة تقنيّة، بل سبب مباشر لانتهاك الحقوق، وتعطيل العدالة، وشرعنة الإفلات من العقاب. فالقاضي أو المدّعي العامّ الذي لا يفهم أو يتجاهل طبيعة الجرائم الدولية، ولا مبادئ المحاكمة العادلة، لا يمكنه إلا أن يُنتج إجراءات خاطئة، مهما حسنت النوايا.