ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل تلفظ الجامعات السورية طلاباً دروزاً؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد أيّام من أحداث السويداء، بدأ طلّاب دروز في جامعات سورية مختلفة يواجهون مضايقات واعتداءات، تراوحت بين التهديد اللفظي والاعتقال، وصولاً إلى الطرد من السكن الجامعي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“كنت مفكّر إنو خلص… خلصنا، ولما شفت عناصر الأمن العام حسّيت بالأمان… بس طلع العنف الحقيقي لسه ما بلّش”، يقول الطالب (ج.غ) وهو يستعيد ما جرى معه في تمّوز/ يوليو الماضي.
كان (ج.غ) وثلاثة من زملائه، وجميعهم من أبناء السويداء، قد أنهوا امتحاناً في المعهد الصحّي في جامعة طرطوس، وخرجوا للعودة إلى سكنهم، فتعرّضوا لهجوم من مجموعة شبّان، بعضهم يحمل سكاكين وحجارة، وسط غياب أي تدخّل من الأمن الجامعي. 

“الهجوم ما كان عشوائي”، يقول (ج.غ) ويضيف: “الكاميرات كانت شغّالة، والنية واضحة”.

لم تمضِ دقائق حتى ارتفع عدد المهاجمين، بحسب الشهود، إلى نحو ثلاثين شابّاً مقابل أربعة طلاب عزّل. تمكّن الطلاب من الهرب نحو المستشفى الوطني في طرطوس طلباً للحماية، لكنّهم فوجئوا بعناصر من الأمن العامّ يقتادونهم إلى مفرزة داخل المستشفى، حيث جرى – وفق شهادتهم – ضربهم وإهانتهم، ووصفهم بألفاظ طائفية جارحة، أمام مدير المعهد الصحّي الذي لم يتدخّل.

انتهى الأمر بإجبار الطلاب على توقيع “تعهّد بعدم التعرّض”، رغم أنهم الطرف المعتدَى عليه، قبل أن تُصدر مديرية صحّة طرطوس بياناً وصفت فيه ما جرى بأنه “مشاجرة طلّابية”، قالت إنها انتهت بجلسة صلح. 

“كان تهديداً مبطناً” يقول (ج.غ) مضيفاً أن إدارة المعهد نصحتهم بإنهاء الموضوع، فيما بدأ مقطع مصوّر للهجوم ينتشر على وسائل التواصل.

هذه الاعتداءات التي تعرّض لها طلاب من خلفيّة درزية تصاعدت بعد أحداث محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا، التي شهدت واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ سقوط نظام الأسد، وبعد مجازر الساحل.

في السويداء اقتحمت قوّات مسلّحة محسوبة على حكومة أحمد الشرع، بالتحالف مع قوّات عشائرية أحياء سكنية، مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين بينهم نساء وأطفال، وفق روايات شهود ومصادر محلّية. 

الهجوم، الذي انتهى باتّفاق دولي مرعي أميركياً، وبانسحاب قوّات الحكومة، لم يُثمر علاجاً سياسياً وأهلياً، بل كرّس أزمة طائفية عميقة لا تزال تُرخي بثقلها على البلاد، خصوصاً مع استمرار الحصار المفروض على المحافظة منذ أكثر من شهر.

من الصدمة إلى الملاحقة

بعد أيّام من أحداث السويداء، بدأ طلّاب دروز في جامعات سورية مختلفة يواجهون مضايقات واعتداءات، تراوحت بين التهديد اللفظي والاعتقال، وصولاً إلى الطرد من السكن الجامعي.

في منتصف تمّوز/ يوليو، شهدت المدينة الجامعية في اللاذقية حملة اعتقالات طالت سبعة طلاب من أبناء السويداء، لم تصدر بحقّهم مذكّرات توقيف، وتضاربت الروايات حول الأسباب بين منشورات وُصفت بـ”التحريضية” على وسائل التواصل الاجتماعي، وشجار مع أحد عناصر أمن السكن الجامعي.

استمرّ توقيف الطلاب تسعة أيّام في ظروف احتجاز صعبة، وفق ما نقل مصدر مقرّب منهم، قبل أن يُفرج عنهم بوساطة عبر الهلال الأحمر السوري، الذي نقلهم أوّلاً إلى درعا ثم إلى السويداء. لم يُدلِ أي منهم بتصريحات علنية بعد الإفراج، في إطار تسوية غير معلنة سمحت لهم باستئناف دراستهم.

وبحسب الشهادات فقد مُنع الأهالي من التواصل مع أبنائهم أو توكيل محامين، وتمّت مصادرة هواتفهم، فيما نُقل بعضهم لاحقاً إلى فروع أمنية يعتقد أنها تابعة للأمن السياسي أو الجنائي.

مشاجرات واعتقالات في حلب ودمشق

في جامعة حلب، تصاعدت التوتّرات عقب أحداث السويداء، ووقعت مشاجرات بين طلّاب من أبناء المحافظة، وآخرين من خلفيّات عشائرية أو متشدّدة دينياً. في إحدى الحوادث، أُصيب طالب من السويداء بطعنة سكّين داخل الحرم الجامعي، ما استدعى تدخّل الأمن. حضر رئيس الجامعة إلى الموقع، وألقى كلمة تدعو إلى الوحدة، لكن لم تُسجّل إجراءات متابعة لحماية المتضرّرين.

أما في دمشق، فقد شهدت المدينة الجامعية سلسلة اعتقالات استهدفت طلاباً من السويداء. في سكن الهمك (الطبّالة) اقتيد الطالب عبادة خدّاج بعد محاولة مجموعة طلّابية اقتحام غرفته وضربه، وسط هتافات دينية، فيما حاولوا رميه من الطابق الخامس. وفي حادثة أخرى، تمّ استدراج الطالب حازم بلّان بحجّة استعادة أغراضه، قبل أن يتمّ توقيفه وينقطع الاتّصال معه. كما تعرّض الطالب سيف القلعاني للضرب في سكن المزّة، قبل أن يُحتجز لأكثر من عشرة أيّام.

بيئة عدائية وتحريض علني

مع هذه الحوادث، تصاعدت الدعوات في مجموعات “واتساب” و”تلغرام” لطرد طلّاب السويداء من الجامعات، مع استخدام عبارات طائفية وتحريضية، بعضها تضمّن تهديدات مباشرة بالعنف والاعتداء الجنسي على الطالبات. أُنشئت مجموعة بعنوان “افضحوا الخونة”، لجمع بيانات الطلّاب وأرقام غرفهم.

تقول رغد (أ) وهي طالبة من السويداء: “من أيّار، ما وقف التضييق. صرنا ننزل على الدوام بالسرقة، غيّرنا لبسنا وكل شي لنتجنب المشاكل. الإحساس إنك عايش بنص بيئة معادية، والتهديدات على الأبواب ما كانت مفاجأة”، وتضيف: “أكتر من نص اللي بعرفهم ناويين يتركوا الجامعة”.

مع تفاقم التوتّر، غادر عشرات الطلّاب السكن الجامعي، بعضهم بشكل فردي نحو دمشق للإقامة عند أقارب، وآخرون تمّ إجلاؤهم بتنسيق مع وجهاء ورجال دين من الطائفة الدرزية في ريف دمشق. في 16 تمّوز/ يوليو، أُرسلت حافلات لنقلهم وتأمين سكن بديل لهم واحتياجات أساسية.

في المقابل، أصدر عدد من الجامعات قرارات تُعيد التأكيد على منع نشر أو تداول أي محتوى “يحرّض على الكراهية أو الطائفية”. لكنّ هذه القرارات، وفق بعض الطلّاب الذين التقيناهم، استُخدمت ضدّ الضحايا أنفسهم، إذ عوقب من نشر تعاطفه مع أحداث السويداء، بينما لم تُتّخذ إجراءات ضدّ من يروّج للتحريض علناً.

حتى اليوم، ما زال عدد من طلّاب السويداء منقطعين عن دراستهم، وبعضهم لا يملك مكاناً آمناً للإقامة. الكليّات القليلة في المحافظة نفسها لم تشكّل ملاذاً، إذ تعرّضت بعض مبانيها للتخريب والحرق. في ظلّ غياب حماية مؤسّسية حقيقية، يظلّ مستقبل هؤلاء الطلاب معلّقاً، فيما تحوّلت الجامعات – بالنسبة إليهم – من فضاء للتعليم إلى ساحة صراع مفتوحة.

11.08.2025
زمن القراءة: 4 minutes

بعد أيّام من أحداث السويداء، بدأ طلّاب دروز في جامعات سورية مختلفة يواجهون مضايقات واعتداءات، تراوحت بين التهديد اللفظي والاعتقال، وصولاً إلى الطرد من السكن الجامعي.

“كنت مفكّر إنو خلص… خلصنا، ولما شفت عناصر الأمن العام حسّيت بالأمان… بس طلع العنف الحقيقي لسه ما بلّش”، يقول الطالب (ج.غ) وهو يستعيد ما جرى معه في تمّوز/ يوليو الماضي.
كان (ج.غ) وثلاثة من زملائه، وجميعهم من أبناء السويداء، قد أنهوا امتحاناً في المعهد الصحّي في جامعة طرطوس، وخرجوا للعودة إلى سكنهم، فتعرّضوا لهجوم من مجموعة شبّان، بعضهم يحمل سكاكين وحجارة، وسط غياب أي تدخّل من الأمن الجامعي. 

“الهجوم ما كان عشوائي”، يقول (ج.غ) ويضيف: “الكاميرات كانت شغّالة، والنية واضحة”.

لم تمضِ دقائق حتى ارتفع عدد المهاجمين، بحسب الشهود، إلى نحو ثلاثين شابّاً مقابل أربعة طلاب عزّل. تمكّن الطلاب من الهرب نحو المستشفى الوطني في طرطوس طلباً للحماية، لكنّهم فوجئوا بعناصر من الأمن العامّ يقتادونهم إلى مفرزة داخل المستشفى، حيث جرى – وفق شهادتهم – ضربهم وإهانتهم، ووصفهم بألفاظ طائفية جارحة، أمام مدير المعهد الصحّي الذي لم يتدخّل.

انتهى الأمر بإجبار الطلاب على توقيع “تعهّد بعدم التعرّض”، رغم أنهم الطرف المعتدَى عليه، قبل أن تُصدر مديرية صحّة طرطوس بياناً وصفت فيه ما جرى بأنه “مشاجرة طلّابية”، قالت إنها انتهت بجلسة صلح. 

“كان تهديداً مبطناً” يقول (ج.غ) مضيفاً أن إدارة المعهد نصحتهم بإنهاء الموضوع، فيما بدأ مقطع مصوّر للهجوم ينتشر على وسائل التواصل.

هذه الاعتداءات التي تعرّض لها طلاب من خلفيّة درزية تصاعدت بعد أحداث محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا، التي شهدت واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ سقوط نظام الأسد، وبعد مجازر الساحل.

في السويداء اقتحمت قوّات مسلّحة محسوبة على حكومة أحمد الشرع، بالتحالف مع قوّات عشائرية أحياء سكنية، مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين بينهم نساء وأطفال، وفق روايات شهود ومصادر محلّية. 

الهجوم، الذي انتهى باتّفاق دولي مرعي أميركياً، وبانسحاب قوّات الحكومة، لم يُثمر علاجاً سياسياً وأهلياً، بل كرّس أزمة طائفية عميقة لا تزال تُرخي بثقلها على البلاد، خصوصاً مع استمرار الحصار المفروض على المحافظة منذ أكثر من شهر.

من الصدمة إلى الملاحقة

بعد أيّام من أحداث السويداء، بدأ طلّاب دروز في جامعات سورية مختلفة يواجهون مضايقات واعتداءات، تراوحت بين التهديد اللفظي والاعتقال، وصولاً إلى الطرد من السكن الجامعي.

في منتصف تمّوز/ يوليو، شهدت المدينة الجامعية في اللاذقية حملة اعتقالات طالت سبعة طلاب من أبناء السويداء، لم تصدر بحقّهم مذكّرات توقيف، وتضاربت الروايات حول الأسباب بين منشورات وُصفت بـ”التحريضية” على وسائل التواصل الاجتماعي، وشجار مع أحد عناصر أمن السكن الجامعي.

استمرّ توقيف الطلاب تسعة أيّام في ظروف احتجاز صعبة، وفق ما نقل مصدر مقرّب منهم، قبل أن يُفرج عنهم بوساطة عبر الهلال الأحمر السوري، الذي نقلهم أوّلاً إلى درعا ثم إلى السويداء. لم يُدلِ أي منهم بتصريحات علنية بعد الإفراج، في إطار تسوية غير معلنة سمحت لهم باستئناف دراستهم.

وبحسب الشهادات فقد مُنع الأهالي من التواصل مع أبنائهم أو توكيل محامين، وتمّت مصادرة هواتفهم، فيما نُقل بعضهم لاحقاً إلى فروع أمنية يعتقد أنها تابعة للأمن السياسي أو الجنائي.

مشاجرات واعتقالات في حلب ودمشق

في جامعة حلب، تصاعدت التوتّرات عقب أحداث السويداء، ووقعت مشاجرات بين طلّاب من أبناء المحافظة، وآخرين من خلفيّات عشائرية أو متشدّدة دينياً. في إحدى الحوادث، أُصيب طالب من السويداء بطعنة سكّين داخل الحرم الجامعي، ما استدعى تدخّل الأمن. حضر رئيس الجامعة إلى الموقع، وألقى كلمة تدعو إلى الوحدة، لكن لم تُسجّل إجراءات متابعة لحماية المتضرّرين.

أما في دمشق، فقد شهدت المدينة الجامعية سلسلة اعتقالات استهدفت طلاباً من السويداء. في سكن الهمك (الطبّالة) اقتيد الطالب عبادة خدّاج بعد محاولة مجموعة طلّابية اقتحام غرفته وضربه، وسط هتافات دينية، فيما حاولوا رميه من الطابق الخامس. وفي حادثة أخرى، تمّ استدراج الطالب حازم بلّان بحجّة استعادة أغراضه، قبل أن يتمّ توقيفه وينقطع الاتّصال معه. كما تعرّض الطالب سيف القلعاني للضرب في سكن المزّة، قبل أن يُحتجز لأكثر من عشرة أيّام.

بيئة عدائية وتحريض علني

مع هذه الحوادث، تصاعدت الدعوات في مجموعات “واتساب” و”تلغرام” لطرد طلّاب السويداء من الجامعات، مع استخدام عبارات طائفية وتحريضية، بعضها تضمّن تهديدات مباشرة بالعنف والاعتداء الجنسي على الطالبات. أُنشئت مجموعة بعنوان “افضحوا الخونة”، لجمع بيانات الطلّاب وأرقام غرفهم.

تقول رغد (أ) وهي طالبة من السويداء: “من أيّار، ما وقف التضييق. صرنا ننزل على الدوام بالسرقة، غيّرنا لبسنا وكل شي لنتجنب المشاكل. الإحساس إنك عايش بنص بيئة معادية، والتهديدات على الأبواب ما كانت مفاجأة”، وتضيف: “أكتر من نص اللي بعرفهم ناويين يتركوا الجامعة”.

مع تفاقم التوتّر، غادر عشرات الطلّاب السكن الجامعي، بعضهم بشكل فردي نحو دمشق للإقامة عند أقارب، وآخرون تمّ إجلاؤهم بتنسيق مع وجهاء ورجال دين من الطائفة الدرزية في ريف دمشق. في 16 تمّوز/ يوليو، أُرسلت حافلات لنقلهم وتأمين سكن بديل لهم واحتياجات أساسية.

في المقابل، أصدر عدد من الجامعات قرارات تُعيد التأكيد على منع نشر أو تداول أي محتوى “يحرّض على الكراهية أو الطائفية”. لكنّ هذه القرارات، وفق بعض الطلّاب الذين التقيناهم، استُخدمت ضدّ الضحايا أنفسهم، إذ عوقب من نشر تعاطفه مع أحداث السويداء، بينما لم تُتّخذ إجراءات ضدّ من يروّج للتحريض علناً.

حتى اليوم، ما زال عدد من طلّاب السويداء منقطعين عن دراستهم، وبعضهم لا يملك مكاناً آمناً للإقامة. الكليّات القليلة في المحافظة نفسها لم تشكّل ملاذاً، إذ تعرّضت بعض مبانيها للتخريب والحرق. في ظلّ غياب حماية مؤسّسية حقيقية، يظلّ مستقبل هؤلاء الطلاب معلّقاً، فيما تحوّلت الجامعات – بالنسبة إليهم – من فضاء للتعليم إلى ساحة صراع مفتوحة.