ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل توجد أزمة شيعيّة في لبنان؟ 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هل يشهد لبنان فعلاً أزمة “شيعية”؟ وهل شروط الانهيار المجتمعي والسيادي والمالي نابعة أساساً من نظام حكم عجز تاريخياً عن إدارة التناقضات بين “حضارات طائفية” متشابكة؟ ثم هل “الثقافة الشيعية” عاجزة بطبيعتها عن إنتاج تفاعل سياسي سليم مع باقي المكونات اللبنانية؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تستند سرديات رائجة في الأوساط السياسية والثقافية المناهضة لحزب الله، إلى اعتبار الشيعة في لبنان “حضارة” مستقلة عن “الحضارات” المارونية أو الدرزية أو السنية. وفق هذا المنطق، تنتج هذه “الاستقلالية الحضارية” تعقيدات سياسية مرتبطة بإرث الطائفة التاريخي والثقافي القديم. المشكلة في هذه المقاربات أنها لا تأتي نتيجة بحث علمي محايد يُدرس بمعزل عن اللحظة السياسية والاجتماعية، بل تحوّلت إلى مادة أساسية في الإعلام التقليدي وعلى وسائل التواصل. لم نعد أمام تحليل موضوعي لاختلافات ثقافية، بل دخلنا في قلب “صراع حضارات” مباشر داخل المجتمع اللبناني، حيث بات “الشيعي” في محور الانتباه نظراً الى التحوّل الكبير في قوّة حزب الله الداخلية والتخبّط الحاصل في قاعدته الشعبية. 

ومن دون الدعوة إلى فرض “الوحدة” أو شيطنة “الفيدرالية”، لكن تبدو هذه القراءة قاصرة وغير دقيقة لواقع الإثنيات والهويات في العالم المعاصر. الجماعة الشيعية في لبنان لم تكن يوماً كياناً جامداً، بل شهدت تحولات كبيرة خلال الثمانين عاماً الماضية، وبخاصةً في تفاعلها مع اللعبة السياسية اللبنانية الحديثة.

هل الأزمة أساسها “العقيدة”؟

العقيدة عند الشيعة ديناميكية تاريخياً ولا يمكن حصرها بالخمينية، وتحديداً بما يسمى “ولاية الفقيه”. حتى في النطاق السياسي المحض، “الشيعة” يشكّلون أولاً هوية مجتمعية وتاريخية ناتجة من مزيج بين العادات الدينية والتصوّرات المجتمعية، وبخاصةً بالتطرق الى “قوّة” الطوائف الأخرى و”امتيازاتها”. وهذه الهوية قائمة بحدّ ذاتها رغماً عن التوجّهات الفكرية والسياسية المختلفة داخل الطائفة. 

فقد تعاقبت داخل الفضاء الفكري الشيعي تيارات عدة: 

التيار المحلي الحوزي غير المسَيَّس بالمعنى التنظيمي، والذي لعب دوراً ثقافياً تأسيسياً وإصلاحياً للشيعة في جنوب لبنان في مرحلة النهضة العربية.

مرحلة “العلمنة” السياسية المتمثّلة بتيارات تمحورت حول أساطير قومية متعددة (بعثية؛ قومية سورية؛ شمعونية) وحركات سياسية عقائدية (يسارية؛ ليبرالية) وولاءات إقطاعية شخصية وعائلية. 

مرحلة السيد موسى الصدر، الذي أسّس المجلس الشيعي الأعلى ووضع فيه ممثلين عن الشيعة المتأثرين بالحركات القومية واليسارية، من دون حصره برجال الدين فقط. 

مرحلة الخمينية، التي مثّلت خلطة فريدة بين التديّن المسيّس، الخطاب “الحضاروي” في مواجهة الغرب، العقيدة المحافظة والنيوليبرالية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والشيوعية، ولغة الاكتفاء الذاتي والاستقلالية في مواجهة الهيمنة الإمبريالية. 

وبرزت شخصيات مثل السيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد مهدي شمس الدين، اللذين كانا على النطاق الشيعي الأوسع، ومثّلا أفكاراً أقرب إلى الشيعية اللبنانوية (بنسب متفاوتة) مقارنة بتلك المرتبطة عضوياً بفكرة ولاية الفقيه المتّصلة بالأجهزة الدينية والعسكرية الإيرانية. أمّا الفرق بين هؤلاء جميعاً وحزب الله، فهو أنّ موسى الصدر أُخفي ولم يُعطَ فرصته الكاملة لبلورة تنظيم شيعي ملبنن (على اعتبار أنه كان ينوي فعلاً تقديم نموذج محلي حصراً)، وأنّ الأدوات التنظيمية لأحزاب كحزب الدعوة وحالات شخصية كمحمد مهدي شمس الدين، لم تصل إلى مستوى تنظيم حزب الله. استطراداً، أسقط الحزب تجربة الملالي في التعبئة والبروباغندا والاقتصاد والاجتماع، واخترق المجتمع بكل خلفياته، ما جعله قوة مجتمعية عابرة لاصطفافات كثيرة. 

بالعودة الى الاختلاف الطائفي الشيعي، وإذا أخذنا نطاق القطاع التربوي مقياساً ومثالاً على صعيد الخيارات التربوية والثقافية الموجودة في المجتمع، تتعدد نماذج المؤسسات التربوية داخل الفضاء الشيعي، ويمثل كلّ منها خياراً ثقافياً وقيمياً وتربوياً، كمدارس المبرّات مثلاً، التابعة للسيد محمد حسين فضل الله، التي تختلف كثيراً عن مدارس المهدي والمصطفى المرتبطة بحزب الله، وهي بدورها مختلفة عن المدارس التابعة لمؤسسات أمل التربوية، والتي تختلف أيضاً عن المدارس الرسمية والخاصة التي لا تتبع وجهة سياسية أو دينية بالضرورة في المناطق الشيعية.  

فالأمر البديهي أنّ الشيعة ليسوا جميعاً “أتباع ولاية الفقيه”، إذ ثمة اختلافات بين مرجعيات متعددة تتنازع منذ عقود حول هذه المسألة. وحتى لدى النطاق الشيعي المؤيد لولاية الفقيه، تتعدد التفسيرات، ولم تُطرح القضية يوماً بشكل دقيق وواضح. ثم إنّ ولاية الفقيه لم تنشأ من فراغ، فغالبية الحجج السياسية التي تُبنى عليها ترتكز على تقاطعات بين الإسلام السياسي ومجموعة من التصوّرات الحداثية المتباينة (يسارية، قومية، تحررية، جمهورية، اكتفائية، وغيرها).

تأسّس لبنان الحديث منذ زمن غير بعيد، وكل الحركات السياسية فيه تفاعلت بدرجات متفاوتة مع مفاهيم أممية وعالمية. كما أنّ دور الدولة ووظيفتها لم يتكرّسا بعد بشكل كامل. ويمكن معالجة هذا الواقع عبر شكل من اللامركزية الموسّعة في إطار عقد اجتماعي غير طائفي. أمّا الانطلاق من فرضية وجود “حضارات” متنازعة داخل البلد بشكل “طبيعي” و”نهائي”، فلا يساهم في أي حل، بل يعمّق الأزمة ويُبعد النقاش عن جذوره المادية.

استثناء عسكري بدون استثناء حضاري

فالمأزق لا يتمحور حول “استثنائية” حزب الله العقائدية، ولا يرتبط باختلافات الشيعة “الحضاروية” الثابتة بالمقارنة مع الطوائف الأخرى.

القبلية الشيعية لا تختلف كثيراً عن القبليات الطائفية والهوياتية الأخرى، وهي أولاً خاصية الطوائف في النظام السياسي اللبناني. هذه الصفة القبلية هي خاصية الطائفة ككل، بشقّيها العقائدي وغير العقائدي، من الذين يعتبرون أنفسهم معنيين بشؤون “الجماعة” ومصالحها. لكن في الواقع، “استثنائية حزب الله” بشكل خاص هي حقيقة، وتمثّلت ببُعده الإقليمي، وتمويله الانتظامي المكثّف على اختلاف كلّ النماذج السياسية الأخرى.على سبيل المثال، في ظلّ حراك 17 تشرين، كان عدد كبير من الناشطين الشيعة يعبّرون عن تطلعات المساحة الشيعية، ولكن من دون مظلّة واحدة شيعية تحديداً تُظهر خطاباً مختلفاً عن القوى الطاغية في الطائفة. أمّا إذا عدنا الى البنى القبلية بفعلها وممارستها على الصعيد الطائفي الأوسع – عندما لا تظهر عبر الحزب وأدواته التنظيمية الإعلامية (كعلي برو وعلي مرتضى) والأدوات التنظيمية المحلية (كإرسال الدراجات النارية الى العاصمة للتهويل والمضايقات)، لا نستطيع أن نتحدث عن استثنائية شيعية “مجتمعية” تختلف عن النمط القبلي المهيمن عند الطوائف الأخرى. 

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه القبلية ترافقت أيضاً مع “مرونة شيعية” وبراغماتية مذهبية تاريخياً. ليس عند الطائفة الشيعية حالة عامة من التشدد الفقهي، أو حالة تدعو الى الانتقام من الطوائف الأخرى أو عزل مناطق الشيعة عن باقي لبنان من حيث الوجود الجغرافي. بل على العكس تماماً، معظم الشيعة اللبنانيين يسعدون لرؤية مواطنين من طوائف أخرى يتسكعون في الضاحية والجنوب، ويقدّرون شعائر  الطوائف الأخرى وعاداتها علناً. 

وهذا يتجلّى في أمثلة عدة: المثل المعروف والمستهلك هو رغبة كثر من أبناء الطائفة الشيعية في زيارة المناطق المسيحية – كعنايا مثلاً للتبرّك من القديس شربل – إضافةً إلى الإقبال الكثيف على الفعاليات ذات الطابع المسيحي كسوق الميلاد في جبيل وبيروت. كلّ هذه المظاهر، بعيداً عن ممارسات الثنائي، تعبّر في جوهرها عن انفتاح وتأثّر بالثقافات و”الحضارات” اللبنانية الأخرى.

لذلك، استثنائية حزب الله التنظيمية لا تلغي كل التقاطعات بين شعوبٍ تفاعلت مع بعضها البعض بشكل مستمرّ في بقعة جغرافية ضيقة جداً. الشيعة هم جزء من خلطة “اللبننة”، وبل أكثر من ذلك، بعض ميزات حزب الله الثقافية والخطابية بالمقارنة مع الميليشيات الأخرى في المنطقة المسنودة ايرانياً قد تعود إلى هذه اللبننة الطاغية على قياداته التاريخية والتأسيسية في فترة الثمانينات.

“مرحلة انتقالية شيعية”: شجاعة التخلّي عن العسكرة 

“لبنانية” حزب الله هي واقع سوسيولوجي وتاريخي وموضوعي، ولكن كما ذكرنا أعلاه، تعود “استثنائية” التنظيم إلى إطاره العسكري المتين وموارده الكثيرة وارتباطه العضوي بالجمهورية الإسلامية، التي شكّلت أساس وجوده المعنوي والفكري. من هنا، استصعب الحزب هذا الفصل بين العسكر والسياسة – بالنسبة الى الدائرة الأولية الصغرى، حزب الله هو “المقاومة الإسلامية” و”المقاومة الإسلامية” هي حزب الله. وهنا يخرج فعلياً الحزب عن الغالبية اللبنانية عبر ثقافة العسكرة السائدة التي تنتج بنى اجتماعية وثقافية تتمحور حول استسهال القتال وتمجيد فكرة الاستشهاد من أجل قضايا وشبكات عابرة للحدود والجغرافيا. وتستسهل أيضاً تربية الأطفال نحو طموح الانخراط الحربي المباشر – لذلك، هذه البنى العسكرية أنتجت ثقافة تنظيمية تحوّلت إلى “ثقافة عامة” بحدّ ذاتها. 

وهنا يكمن جزء كبير من الصراع الراهن والحديث المستجد بين الشيعة وغيرهم الذين يرون في هذه الثقافة أزمة متواصلة. اليوم، في مواجهة أزمة الحزب الوجودية، يُفرض هذا الفصل بين العسكر والسياسة بقوة النار الإسرائيلي. واستمرارية النكبة تستوجب عنواناً سياسياً جديداً وصادماً يأتي من الحزب نفسه: لا بديل عن إعلان مرحلة انتقالية كاملة وجذرية للطائفة الشيعية، أي إنهاء مهمة الحزب العسكرية بشكل معلن ومن دون التباس. لا بديل عن إعادة بناء الدولة الوطنية على رغم ضعفها الموضوعي (الذي ساهم الحزب في تعزيزه). “اللبننة” ليست فقط نكهة ثقافية وكتابية ولغوية نابعة من التجربة اللبنانية المعاصرة. هي أيضاً حالة سياسية قائمة على التعددية تحت دولة نملكها جميعاً. الوصول إلى هذه القناعة أيضاً يحتاج إلى تطوير حجج فكرية ومساحات اجتماعية وتربوية جريئة داخل الضاحية والجنوب والبقاع بما يكفي لكسر الاحتكار، على رغم الكلفة الباهظة والمستمرة لهذا الأخير. والجرأة شيعياً تشترط العمل الجماعي مع كلّ “المكونات” الأخرى، بعيداً عن تخوين الآخر من جهة وحصر مقاربة الشيعة بـ”أزمة حضارية دائمة” من جهة أخرى.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
16.12.2025
زمن القراءة: 6 minutes

هل يشهد لبنان فعلاً أزمة “شيعية”؟ وهل شروط الانهيار المجتمعي والسيادي والمالي نابعة أساساً من نظام حكم عجز تاريخياً عن إدارة التناقضات بين “حضارات طائفية” متشابكة؟ ثم هل “الثقافة الشيعية” عاجزة بطبيعتها عن إنتاج تفاعل سياسي سليم مع باقي المكونات اللبنانية؟

تستند سرديات رائجة في الأوساط السياسية والثقافية المناهضة لحزب الله، إلى اعتبار الشيعة في لبنان “حضارة” مستقلة عن “الحضارات” المارونية أو الدرزية أو السنية. وفق هذا المنطق، تنتج هذه “الاستقلالية الحضارية” تعقيدات سياسية مرتبطة بإرث الطائفة التاريخي والثقافي القديم. المشكلة في هذه المقاربات أنها لا تأتي نتيجة بحث علمي محايد يُدرس بمعزل عن اللحظة السياسية والاجتماعية، بل تحوّلت إلى مادة أساسية في الإعلام التقليدي وعلى وسائل التواصل. لم نعد أمام تحليل موضوعي لاختلافات ثقافية، بل دخلنا في قلب “صراع حضارات” مباشر داخل المجتمع اللبناني، حيث بات “الشيعي” في محور الانتباه نظراً الى التحوّل الكبير في قوّة حزب الله الداخلية والتخبّط الحاصل في قاعدته الشعبية. 

ومن دون الدعوة إلى فرض “الوحدة” أو شيطنة “الفيدرالية”، لكن تبدو هذه القراءة قاصرة وغير دقيقة لواقع الإثنيات والهويات في العالم المعاصر. الجماعة الشيعية في لبنان لم تكن يوماً كياناً جامداً، بل شهدت تحولات كبيرة خلال الثمانين عاماً الماضية، وبخاصةً في تفاعلها مع اللعبة السياسية اللبنانية الحديثة.

هل الأزمة أساسها “العقيدة”؟

العقيدة عند الشيعة ديناميكية تاريخياً ولا يمكن حصرها بالخمينية، وتحديداً بما يسمى “ولاية الفقيه”. حتى في النطاق السياسي المحض، “الشيعة” يشكّلون أولاً هوية مجتمعية وتاريخية ناتجة من مزيج بين العادات الدينية والتصوّرات المجتمعية، وبخاصةً بالتطرق الى “قوّة” الطوائف الأخرى و”امتيازاتها”. وهذه الهوية قائمة بحدّ ذاتها رغماً عن التوجّهات الفكرية والسياسية المختلفة داخل الطائفة. 

فقد تعاقبت داخل الفضاء الفكري الشيعي تيارات عدة: 

التيار المحلي الحوزي غير المسَيَّس بالمعنى التنظيمي، والذي لعب دوراً ثقافياً تأسيسياً وإصلاحياً للشيعة في جنوب لبنان في مرحلة النهضة العربية.

مرحلة “العلمنة” السياسية المتمثّلة بتيارات تمحورت حول أساطير قومية متعددة (بعثية؛ قومية سورية؛ شمعونية) وحركات سياسية عقائدية (يسارية؛ ليبرالية) وولاءات إقطاعية شخصية وعائلية. 

مرحلة السيد موسى الصدر، الذي أسّس المجلس الشيعي الأعلى ووضع فيه ممثلين عن الشيعة المتأثرين بالحركات القومية واليسارية، من دون حصره برجال الدين فقط. 

مرحلة الخمينية، التي مثّلت خلطة فريدة بين التديّن المسيّس، الخطاب “الحضاروي” في مواجهة الغرب، العقيدة المحافظة والنيوليبرالية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والشيوعية، ولغة الاكتفاء الذاتي والاستقلالية في مواجهة الهيمنة الإمبريالية. 

وبرزت شخصيات مثل السيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد مهدي شمس الدين، اللذين كانا على النطاق الشيعي الأوسع، ومثّلا أفكاراً أقرب إلى الشيعية اللبنانوية (بنسب متفاوتة) مقارنة بتلك المرتبطة عضوياً بفكرة ولاية الفقيه المتّصلة بالأجهزة الدينية والعسكرية الإيرانية. أمّا الفرق بين هؤلاء جميعاً وحزب الله، فهو أنّ موسى الصدر أُخفي ولم يُعطَ فرصته الكاملة لبلورة تنظيم شيعي ملبنن (على اعتبار أنه كان ينوي فعلاً تقديم نموذج محلي حصراً)، وأنّ الأدوات التنظيمية لأحزاب كحزب الدعوة وحالات شخصية كمحمد مهدي شمس الدين، لم تصل إلى مستوى تنظيم حزب الله. استطراداً، أسقط الحزب تجربة الملالي في التعبئة والبروباغندا والاقتصاد والاجتماع، واخترق المجتمع بكل خلفياته، ما جعله قوة مجتمعية عابرة لاصطفافات كثيرة. 

بالعودة الى الاختلاف الطائفي الشيعي، وإذا أخذنا نطاق القطاع التربوي مقياساً ومثالاً على صعيد الخيارات التربوية والثقافية الموجودة في المجتمع، تتعدد نماذج المؤسسات التربوية داخل الفضاء الشيعي، ويمثل كلّ منها خياراً ثقافياً وقيمياً وتربوياً، كمدارس المبرّات مثلاً، التابعة للسيد محمد حسين فضل الله، التي تختلف كثيراً عن مدارس المهدي والمصطفى المرتبطة بحزب الله، وهي بدورها مختلفة عن المدارس التابعة لمؤسسات أمل التربوية، والتي تختلف أيضاً عن المدارس الرسمية والخاصة التي لا تتبع وجهة سياسية أو دينية بالضرورة في المناطق الشيعية.  

فالأمر البديهي أنّ الشيعة ليسوا جميعاً “أتباع ولاية الفقيه”، إذ ثمة اختلافات بين مرجعيات متعددة تتنازع منذ عقود حول هذه المسألة. وحتى لدى النطاق الشيعي المؤيد لولاية الفقيه، تتعدد التفسيرات، ولم تُطرح القضية يوماً بشكل دقيق وواضح. ثم إنّ ولاية الفقيه لم تنشأ من فراغ، فغالبية الحجج السياسية التي تُبنى عليها ترتكز على تقاطعات بين الإسلام السياسي ومجموعة من التصوّرات الحداثية المتباينة (يسارية، قومية، تحررية، جمهورية، اكتفائية، وغيرها).

تأسّس لبنان الحديث منذ زمن غير بعيد، وكل الحركات السياسية فيه تفاعلت بدرجات متفاوتة مع مفاهيم أممية وعالمية. كما أنّ دور الدولة ووظيفتها لم يتكرّسا بعد بشكل كامل. ويمكن معالجة هذا الواقع عبر شكل من اللامركزية الموسّعة في إطار عقد اجتماعي غير طائفي. أمّا الانطلاق من فرضية وجود “حضارات” متنازعة داخل البلد بشكل “طبيعي” و”نهائي”، فلا يساهم في أي حل، بل يعمّق الأزمة ويُبعد النقاش عن جذوره المادية.

استثناء عسكري بدون استثناء حضاري

فالمأزق لا يتمحور حول “استثنائية” حزب الله العقائدية، ولا يرتبط باختلافات الشيعة “الحضاروية” الثابتة بالمقارنة مع الطوائف الأخرى.

القبلية الشيعية لا تختلف كثيراً عن القبليات الطائفية والهوياتية الأخرى، وهي أولاً خاصية الطوائف في النظام السياسي اللبناني. هذه الصفة القبلية هي خاصية الطائفة ككل، بشقّيها العقائدي وغير العقائدي، من الذين يعتبرون أنفسهم معنيين بشؤون “الجماعة” ومصالحها. لكن في الواقع، “استثنائية حزب الله” بشكل خاص هي حقيقة، وتمثّلت ببُعده الإقليمي، وتمويله الانتظامي المكثّف على اختلاف كلّ النماذج السياسية الأخرى.على سبيل المثال، في ظلّ حراك 17 تشرين، كان عدد كبير من الناشطين الشيعة يعبّرون عن تطلعات المساحة الشيعية، ولكن من دون مظلّة واحدة شيعية تحديداً تُظهر خطاباً مختلفاً عن القوى الطاغية في الطائفة. أمّا إذا عدنا الى البنى القبلية بفعلها وممارستها على الصعيد الطائفي الأوسع – عندما لا تظهر عبر الحزب وأدواته التنظيمية الإعلامية (كعلي برو وعلي مرتضى) والأدوات التنظيمية المحلية (كإرسال الدراجات النارية الى العاصمة للتهويل والمضايقات)، لا نستطيع أن نتحدث عن استثنائية شيعية “مجتمعية” تختلف عن النمط القبلي المهيمن عند الطوائف الأخرى. 

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه القبلية ترافقت أيضاً مع “مرونة شيعية” وبراغماتية مذهبية تاريخياً. ليس عند الطائفة الشيعية حالة عامة من التشدد الفقهي، أو حالة تدعو الى الانتقام من الطوائف الأخرى أو عزل مناطق الشيعة عن باقي لبنان من حيث الوجود الجغرافي. بل على العكس تماماً، معظم الشيعة اللبنانيين يسعدون لرؤية مواطنين من طوائف أخرى يتسكعون في الضاحية والجنوب، ويقدّرون شعائر  الطوائف الأخرى وعاداتها علناً. 

وهذا يتجلّى في أمثلة عدة: المثل المعروف والمستهلك هو رغبة كثر من أبناء الطائفة الشيعية في زيارة المناطق المسيحية – كعنايا مثلاً للتبرّك من القديس شربل – إضافةً إلى الإقبال الكثيف على الفعاليات ذات الطابع المسيحي كسوق الميلاد في جبيل وبيروت. كلّ هذه المظاهر، بعيداً عن ممارسات الثنائي، تعبّر في جوهرها عن انفتاح وتأثّر بالثقافات و”الحضارات” اللبنانية الأخرى.

لذلك، استثنائية حزب الله التنظيمية لا تلغي كل التقاطعات بين شعوبٍ تفاعلت مع بعضها البعض بشكل مستمرّ في بقعة جغرافية ضيقة جداً. الشيعة هم جزء من خلطة “اللبننة”، وبل أكثر من ذلك، بعض ميزات حزب الله الثقافية والخطابية بالمقارنة مع الميليشيات الأخرى في المنطقة المسنودة ايرانياً قد تعود إلى هذه اللبننة الطاغية على قياداته التاريخية والتأسيسية في فترة الثمانينات.

“مرحلة انتقالية شيعية”: شجاعة التخلّي عن العسكرة 

“لبنانية” حزب الله هي واقع سوسيولوجي وتاريخي وموضوعي، ولكن كما ذكرنا أعلاه، تعود “استثنائية” التنظيم إلى إطاره العسكري المتين وموارده الكثيرة وارتباطه العضوي بالجمهورية الإسلامية، التي شكّلت أساس وجوده المعنوي والفكري. من هنا، استصعب الحزب هذا الفصل بين العسكر والسياسة – بالنسبة الى الدائرة الأولية الصغرى، حزب الله هو “المقاومة الإسلامية” و”المقاومة الإسلامية” هي حزب الله. وهنا يخرج فعلياً الحزب عن الغالبية اللبنانية عبر ثقافة العسكرة السائدة التي تنتج بنى اجتماعية وثقافية تتمحور حول استسهال القتال وتمجيد فكرة الاستشهاد من أجل قضايا وشبكات عابرة للحدود والجغرافيا. وتستسهل أيضاً تربية الأطفال نحو طموح الانخراط الحربي المباشر – لذلك، هذه البنى العسكرية أنتجت ثقافة تنظيمية تحوّلت إلى “ثقافة عامة” بحدّ ذاتها. 

وهنا يكمن جزء كبير من الصراع الراهن والحديث المستجد بين الشيعة وغيرهم الذين يرون في هذه الثقافة أزمة متواصلة. اليوم، في مواجهة أزمة الحزب الوجودية، يُفرض هذا الفصل بين العسكر والسياسة بقوة النار الإسرائيلي. واستمرارية النكبة تستوجب عنواناً سياسياً جديداً وصادماً يأتي من الحزب نفسه: لا بديل عن إعلان مرحلة انتقالية كاملة وجذرية للطائفة الشيعية، أي إنهاء مهمة الحزب العسكرية بشكل معلن ومن دون التباس. لا بديل عن إعادة بناء الدولة الوطنية على رغم ضعفها الموضوعي (الذي ساهم الحزب في تعزيزه). “اللبننة” ليست فقط نكهة ثقافية وكتابية ولغوية نابعة من التجربة اللبنانية المعاصرة. هي أيضاً حالة سياسية قائمة على التعددية تحت دولة نملكها جميعاً. الوصول إلى هذه القناعة أيضاً يحتاج إلى تطوير حجج فكرية ومساحات اجتماعية وتربوية جريئة داخل الضاحية والجنوب والبقاع بما يكفي لكسر الاحتكار، على رغم الكلفة الباهظة والمستمرة لهذا الأخير. والجرأة شيعياً تشترط العمل الجماعي مع كلّ “المكونات” الأخرى، بعيداً عن تخوين الآخر من جهة وحصر مقاربة الشيعة بـ”أزمة حضارية دائمة” من جهة أخرى.