ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل توقّف “أداء الطاعة” في سوريا بعد سقوط الأسد؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

اليوم، تكمن صعوبة المواجهة في أن ما يجب تفكيكه لم يعد ظاهراً بالقدر نفسه. لم يعد القمع حدثاً يمكن تحديده دائماً، بل أصبح جزءاً من الإيقاع اليومي، ومن القرارات الصغيرة التي تُتخذ بصمت. وهذا ما يجعل الطاعة اليوم أكثر تعقيداً لأنها لا تُفرض بوضوح، بل تُمارس من دون أن تُسمّى.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يكن سقوط النظام السوري حدثاً يطوي ما سبقه بالكامل، ولا لحظة فاصلة يمكن عندها القول إن مرحلة انتهت تماماً. يمكن القول إن أدوات القمع المباشرة تراجعت حدّة قبضتها، وإن الخوف المرتبط بالملاحقة الأمنية لم يعد حاضراً بالشكل ذاته، لكن ذلك لا يعني أن البنية التي أنتجت الطاعة قد اختفت. ما تغيّر كان في الشكل أكثر مما كان في الجوهر. 

في الأشهر التي تلت هذا التحوّل، بدا وكأن هامش التعبير قد اتّسع، فظهرت مساحات للنقاش ولإعادة طرح أسئلة كانت مستحيلة سابقاً. غير أن هذا الاتّساع لم يدم بالوتيرة نفسها. تدريجياً، بدأت حدود جديدة بالتشكّل، من دون أن تأتي عبر قرارات أو قوانين واضحة، إنما من خلال ممارسات ضبط دقيقة اتّبعها الأفراد، تجلّت في اختيار مدروس للكلمات والتحرّكات، وفي ذلك التردّد الذي يسبق التعبير عن الرأي.

إذا كان القمع المباشر قد تراجع بضع خطوات، فإن السؤال لا يتوقّف عند ما تراجع أو اختفى، بل يمتدّ إلى ما استمرّ بأشكال أخرى. ما يهمّ هنا ليس فقط غياب السلطة بصيغتها التقليدية، بل الكيفية التي ظلّت فيها آثارها تعمل ضمن السلوك اليومي من دون أن تُعلن عن نفسها بوضوح دائماً.

لفهم ذلك، لا بدّ من التوقف عند مفهوم الطاعة نفسه، لا بوصفه استجابة لأوامر صريحة، بل كأداء اجتماعي يتشكّل عبر الزمن، ولا يتلاشى بسهولة، إنما يُعاد رسم حدوده من خلال أساليب الحضور والتصرّف في المجال العام. طاعة لا تُطلب بالضرورة، ولا يشترط الاقتناع بها، لكنها تتحول إلى شكل من أشكال “الحماية” داخل الحياة اليومية، فتضبط الأجساد والكلمات والأصوات. إنها طاعة بوصفها “أداءً” نمارسه خوفاً، حتى حين لا نؤمن بها. 

“الطاعة” في تفاصيل الحياة اليومية

لا تظهر الطاعة اليوم في شكلها الصريح كما في السابق، بل تتسلّل عبر ممارسات يومية قد تبدو فردية ومعزولة،كامرأة تُعيد النظر في ما سترتديه قبل الخروج، ليس استجابة لمنع واضح لأنماط محدّدة من اللباس، إنما لتجنّب لفت الانتباه في ظلّ ترويج السلطة الجديدة للاحتشام.

 الأمر ذاته مع شابّ يكتب رأياً على صفحته في فيسبوك، ثم يتراجع عن نشره لأنه قد يسبّب “وجعة راس”. وفي محادثة عائلية أو بين أصدقاء، ينتهي نقاش قبل أن يتعمّق، بجملة مقتضبة تحسم الأمر: “بلا ما ندخل بالسياسة هلق”.

هذه الأفعال، على بساطتها، تكشف عن نمط متكرّر من الضبط أو الرقابة الذاتية، أو ما يسمّى “أثر القشعريرة”، رقابة ذاتية وخوف من مجهول غير محدّد، يترك أثراً جسدياً على صاحبه. لا أحد يفرض الصمت بشكل مباشر، ولا تتدخّل السلطة بشكل واضح في التفاصيل اليومية والخاصّة، ومع ذلك يتخذ السوريون اليوم قرارات الحذر والتراجع باستمرار. ما يجمع هذه الحالات هو حضور نوع من الرقابة الداخلية التي تعمل بشكل استباقي، وتُعيد رسم حدود الممكن من دون حاجة إلى تدخّل خارجي صريح ومباشر.

أن تُعيد كتابة الشيء نفسه… مرّات عدّة

هذا النمط لا يمكن فهمه بمعزل عن التجربة الطويلة من العيش تحت القمع، فهي خلّفت ذكريات وعزّزت أنماط تفكير معيّنة، كما أنها تركت أثراً عميقاً في كيفية إدراك الأفراد العالم من حولهم. بمرور الوقت، تتحوّل آليّات الحذر إلى استجابات شبه تلقائية تمارَس من دون تفكير واعٍ، وتبدو في كثير من الأحيان منطقية أو حتى ضرورية.

يمكن ملاحظة تحوّل هذه الاستجابات إلى سلوك عملي في غرف الأخبار مثلاً، حيث يُعاد ضبط اللغة باستمرار لتفادي أي تأويل قد يسبّب مشكلة مع السلطة أو مع الجمهور، في ظل الاستقطاب الحاد. وحتى في الفضاء الرقمي، الذي بدا في لحظة ما بعد سقوط نظام الأسد أكثر تحرّراً، تظهر أنماط مشابهة: منشورات تُخفّف من حدّة لهجتها لتقترب من الحياد، أو أخرى تُحاط بتوضيحات استباقية خشية سوء الفهم أو ردود الفعل. 

في هذه الحالات، لا تتّخذ الطاعة شكل الصمت الكامل، بل تظهر كنوع من التكيّف. فيُقال الشيء، لكن بعد تعديله، ويُطرح الرأي لكن ضمن حدود محسوبة. وهذا ما يجعلها أكثر تعقيداً، لأنها لا تعني الغياب التامّ للصوت، بل إعادة تشكيله بما يتناسب مع سقف غير مُعلن لكنّه مفهوم ضمنياً.

فضاء الخوف و”مانا” الرعب

يمكن فهم استمرار الطاعة من خلال ما يُعرف بـ”مانا الرعب” -the  horror Mana،  تلك الطاقة الخفيّة التي تتحرّك بين الأفراد وفي الهواء، أشبه بطاقة سحرية، لا يتعلّق الأمر فقط بما يتذكّره الأفراد، بل بما يتشاركونه ضمنياً من تصوّرات وحدود غير معلنة.

فالسنوات الطويلة من القمع ساهمت في تشكيل “معرفة ضمنية” مشتركة حول ما يمكن قوله وما ينبغي تجنّبه. هذه المعرفة لا تُنقل بالضرورة عبر التعليم المباشر، وإنما تتكوّن عبر التكرار، والخبرة، والملاحظة. ومع الوقت، تصبح جزءاً من البنية الداخلية للأفراد حيث تُوجّه سلوكهم حتى في غياب الظروف التي أنتجتها.

الأهمّ أن هذه العمليّة لا تبقى على مستوى الفرد، بل يُعاد إنتاجها اجتماعياً. فالمجتمع نفسه، الذي كان خاضعاً للضبط، يبدأ بممارسته عبر أشكال ناعمة كالنصيحة، والتحذير، أو حتى السخرية. عبارات مثل “انتبه”، “خفّف من حدّة نبرتك”، أو “لا داعي للمبالغة”… تبدو في ظاهرها تعبيراً عن حرص، لكنّها في الوقت نفسه تساهم في تثبيت حدود غير مرئية وإعادة إنتاج نمط الطاعة ضمن سياق جديد.

بهذا المعنى، لا تختفي الطاعة مع تراجع القمع المباشر، بل تتحوّل إلى ممارسة داخلية وجماعية في آن معاً. صحيح أنها تصبح أقلّ وضوحاً، لكنّها تصبح أكثر رسوخاً لأنها لم تعد بحاجة إلى سلطة تُفرض من الخارج، بل باتت تُمارس من الداخل، ويُعاد إنتاجها باستمرار ضمن الحياة اليومية.

كيف تُستثمر الطاعة؟

لا تقف هذه البنية عند حدود السلوك الفردي أو الاجتماعي، بل تتقاطع أيضاً مع طريقة عمل السلطة الحالية في مرحلتها الجديدة. فبدل الاعتماد الحصري على أدوات القمع المباشر، يمكن ملاحظة ميلها إلى الاستفادة من هذا “الاستعداد المسبق” للطاعة بوصفه مورداً قائماً بحدّ ذاته.

تظهر هذه الاستفادة في خطاب السلطة الجديدة قبل أيّ شيء آخر: في الدعوات المتكرّرة إلى “الهدوء”، و”عدم التصعيد”، و”حماية المرحلة”. عبارات تبدو للوهلة الأولى منطقية، لكنّها تعمل ضمنياً على إعادة تفعيل ذلك الحدس القديم الذي يربط السلامة بتجنّب المواجهة. لا تُفرض الطاعة هنا كأمر، بل يُعاد تقديمها كخيار عقلاني ومسؤول.

كما يتجلّى ذلك في التعامل مع النقد، الذي لا يُقابَل بالضرورة بالقمع المباشر، بل بإعادة تأطيره بوصفه تهديداً للاستقرار، أو خروجاً عن الإجماع. في هذا السياق، لا تحتاج السلطة إلى ضبط كل صوت بشكل مباشر، لأن جزءاً من هذا الضبط يتمّ سلفاً من داخل الأفراد أنفسهم وضمن البيئة الاجتماعية المحيطة بهم.

بهذا المعنى، لا تبدأ السلطة من الصفر، بل تتحرّك ضمن أرضية مُهيّأة مسبقاً. أرضية تشكّلت عبر سنوات طويلة، واستقرّت في اللاوعي الجمعي، بحيث تصبح الطاعة خياراً مألوفاً ومفضّلاً أحياناً. وهذا ما يمنحها فاعلية إضافية، إذ لا تُمارس فقط من الأعلى إلى الأسفل، بل يُعاد إنتاجها من الداخل وبمشاركة غير مباشرة ممّن يخضعون لها.

أن تقول “لا”… ولو همساً

اليوم، تكمن صعوبة المواجهة في أن ما يجب تفكيكه لم يعد ظاهراً بالقدر نفسه. لم يعد القمع حدثاً يمكن تحديده دائماً، بل أصبح جزءاً من الإيقاع اليومي، ومن القرارات الصغيرة التي تُتخذ بصمت. وهذا ما يجعل الطاعة اليوم أكثر تعقيداً لأنها لا تُفرض بوضوح، بل تُمارس من دون أن تُسمّى.

مع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في الطاعة وحدها. فبالتوازي مع هذا الامتثال الصامت، تتشكّل أيضاً أنماط مختلفة من المقاومة التي تكون غالباً أقلّ وضوحاً لكنّها لا تقلّ أهمّية. هناك من يختار أن يقول ما كان يُحذف، ومن تختار أن ترتدي ما تشاء على رغم الكلفة المحتملة، وهناك من يوسّع تدريجياً هامش ما يمكن قوله، حتى لو ضمن دوائر محدودة.

ما يميّز هذه المحاولات ليس فقط مضمونها، بل وعيها الضمني بما تواجهه: ليس سلطة مباشرة فحسب، بل إرث مترسّخ في اللاوعي الجمعي يُعيد إنتاج نفسه باستمرار. ولذلك، فإن هذه الأفعال، مهما بدت محدودة، تشكّل نوعاً من الاشتباك مع هذا الإرث، ومحاولة لزعزعة ما استقرّ بوصفه بديهياً.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
12.05.2026
زمن القراءة: 6 minutes

اليوم، تكمن صعوبة المواجهة في أن ما يجب تفكيكه لم يعد ظاهراً بالقدر نفسه. لم يعد القمع حدثاً يمكن تحديده دائماً، بل أصبح جزءاً من الإيقاع اليومي، ومن القرارات الصغيرة التي تُتخذ بصمت. وهذا ما يجعل الطاعة اليوم أكثر تعقيداً لأنها لا تُفرض بوضوح، بل تُمارس من دون أن تُسمّى.

لم يكن سقوط النظام السوري حدثاً يطوي ما سبقه بالكامل، ولا لحظة فاصلة يمكن عندها القول إن مرحلة انتهت تماماً. يمكن القول إن أدوات القمع المباشرة تراجعت حدّة قبضتها، وإن الخوف المرتبط بالملاحقة الأمنية لم يعد حاضراً بالشكل ذاته، لكن ذلك لا يعني أن البنية التي أنتجت الطاعة قد اختفت. ما تغيّر كان في الشكل أكثر مما كان في الجوهر. 

في الأشهر التي تلت هذا التحوّل، بدا وكأن هامش التعبير قد اتّسع، فظهرت مساحات للنقاش ولإعادة طرح أسئلة كانت مستحيلة سابقاً. غير أن هذا الاتّساع لم يدم بالوتيرة نفسها. تدريجياً، بدأت حدود جديدة بالتشكّل، من دون أن تأتي عبر قرارات أو قوانين واضحة، إنما من خلال ممارسات ضبط دقيقة اتّبعها الأفراد، تجلّت في اختيار مدروس للكلمات والتحرّكات، وفي ذلك التردّد الذي يسبق التعبير عن الرأي.

إذا كان القمع المباشر قد تراجع بضع خطوات، فإن السؤال لا يتوقّف عند ما تراجع أو اختفى، بل يمتدّ إلى ما استمرّ بأشكال أخرى. ما يهمّ هنا ليس فقط غياب السلطة بصيغتها التقليدية، بل الكيفية التي ظلّت فيها آثارها تعمل ضمن السلوك اليومي من دون أن تُعلن عن نفسها بوضوح دائماً.

لفهم ذلك، لا بدّ من التوقف عند مفهوم الطاعة نفسه، لا بوصفه استجابة لأوامر صريحة، بل كأداء اجتماعي يتشكّل عبر الزمن، ولا يتلاشى بسهولة، إنما يُعاد رسم حدوده من خلال أساليب الحضور والتصرّف في المجال العام. طاعة لا تُطلب بالضرورة، ولا يشترط الاقتناع بها، لكنها تتحول إلى شكل من أشكال “الحماية” داخل الحياة اليومية، فتضبط الأجساد والكلمات والأصوات. إنها طاعة بوصفها “أداءً” نمارسه خوفاً، حتى حين لا نؤمن بها. 

“الطاعة” في تفاصيل الحياة اليومية

لا تظهر الطاعة اليوم في شكلها الصريح كما في السابق، بل تتسلّل عبر ممارسات يومية قد تبدو فردية ومعزولة،كامرأة تُعيد النظر في ما سترتديه قبل الخروج، ليس استجابة لمنع واضح لأنماط محدّدة من اللباس، إنما لتجنّب لفت الانتباه في ظلّ ترويج السلطة الجديدة للاحتشام.

 الأمر ذاته مع شابّ يكتب رأياً على صفحته في فيسبوك، ثم يتراجع عن نشره لأنه قد يسبّب “وجعة راس”. وفي محادثة عائلية أو بين أصدقاء، ينتهي نقاش قبل أن يتعمّق، بجملة مقتضبة تحسم الأمر: “بلا ما ندخل بالسياسة هلق”.

هذه الأفعال، على بساطتها، تكشف عن نمط متكرّر من الضبط أو الرقابة الذاتية، أو ما يسمّى “أثر القشعريرة”، رقابة ذاتية وخوف من مجهول غير محدّد، يترك أثراً جسدياً على صاحبه. لا أحد يفرض الصمت بشكل مباشر، ولا تتدخّل السلطة بشكل واضح في التفاصيل اليومية والخاصّة، ومع ذلك يتخذ السوريون اليوم قرارات الحذر والتراجع باستمرار. ما يجمع هذه الحالات هو حضور نوع من الرقابة الداخلية التي تعمل بشكل استباقي، وتُعيد رسم حدود الممكن من دون حاجة إلى تدخّل خارجي صريح ومباشر.

أن تُعيد كتابة الشيء نفسه… مرّات عدّة

هذا النمط لا يمكن فهمه بمعزل عن التجربة الطويلة من العيش تحت القمع، فهي خلّفت ذكريات وعزّزت أنماط تفكير معيّنة، كما أنها تركت أثراً عميقاً في كيفية إدراك الأفراد العالم من حولهم. بمرور الوقت، تتحوّل آليّات الحذر إلى استجابات شبه تلقائية تمارَس من دون تفكير واعٍ، وتبدو في كثير من الأحيان منطقية أو حتى ضرورية.

يمكن ملاحظة تحوّل هذه الاستجابات إلى سلوك عملي في غرف الأخبار مثلاً، حيث يُعاد ضبط اللغة باستمرار لتفادي أي تأويل قد يسبّب مشكلة مع السلطة أو مع الجمهور، في ظل الاستقطاب الحاد. وحتى في الفضاء الرقمي، الذي بدا في لحظة ما بعد سقوط نظام الأسد أكثر تحرّراً، تظهر أنماط مشابهة: منشورات تُخفّف من حدّة لهجتها لتقترب من الحياد، أو أخرى تُحاط بتوضيحات استباقية خشية سوء الفهم أو ردود الفعل. 

في هذه الحالات، لا تتّخذ الطاعة شكل الصمت الكامل، بل تظهر كنوع من التكيّف. فيُقال الشيء، لكن بعد تعديله، ويُطرح الرأي لكن ضمن حدود محسوبة. وهذا ما يجعلها أكثر تعقيداً، لأنها لا تعني الغياب التامّ للصوت، بل إعادة تشكيله بما يتناسب مع سقف غير مُعلن لكنّه مفهوم ضمنياً.

فضاء الخوف و”مانا” الرعب

يمكن فهم استمرار الطاعة من خلال ما يُعرف بـ”مانا الرعب” -the  horror Mana،  تلك الطاقة الخفيّة التي تتحرّك بين الأفراد وفي الهواء، أشبه بطاقة سحرية، لا يتعلّق الأمر فقط بما يتذكّره الأفراد، بل بما يتشاركونه ضمنياً من تصوّرات وحدود غير معلنة.

فالسنوات الطويلة من القمع ساهمت في تشكيل “معرفة ضمنية” مشتركة حول ما يمكن قوله وما ينبغي تجنّبه. هذه المعرفة لا تُنقل بالضرورة عبر التعليم المباشر، وإنما تتكوّن عبر التكرار، والخبرة، والملاحظة. ومع الوقت، تصبح جزءاً من البنية الداخلية للأفراد حيث تُوجّه سلوكهم حتى في غياب الظروف التي أنتجتها.

الأهمّ أن هذه العمليّة لا تبقى على مستوى الفرد، بل يُعاد إنتاجها اجتماعياً. فالمجتمع نفسه، الذي كان خاضعاً للضبط، يبدأ بممارسته عبر أشكال ناعمة كالنصيحة، والتحذير، أو حتى السخرية. عبارات مثل “انتبه”، “خفّف من حدّة نبرتك”، أو “لا داعي للمبالغة”… تبدو في ظاهرها تعبيراً عن حرص، لكنّها في الوقت نفسه تساهم في تثبيت حدود غير مرئية وإعادة إنتاج نمط الطاعة ضمن سياق جديد.

بهذا المعنى، لا تختفي الطاعة مع تراجع القمع المباشر، بل تتحوّل إلى ممارسة داخلية وجماعية في آن معاً. صحيح أنها تصبح أقلّ وضوحاً، لكنّها تصبح أكثر رسوخاً لأنها لم تعد بحاجة إلى سلطة تُفرض من الخارج، بل باتت تُمارس من الداخل، ويُعاد إنتاجها باستمرار ضمن الحياة اليومية.

كيف تُستثمر الطاعة؟

لا تقف هذه البنية عند حدود السلوك الفردي أو الاجتماعي، بل تتقاطع أيضاً مع طريقة عمل السلطة الحالية في مرحلتها الجديدة. فبدل الاعتماد الحصري على أدوات القمع المباشر، يمكن ملاحظة ميلها إلى الاستفادة من هذا “الاستعداد المسبق” للطاعة بوصفه مورداً قائماً بحدّ ذاته.

تظهر هذه الاستفادة في خطاب السلطة الجديدة قبل أيّ شيء آخر: في الدعوات المتكرّرة إلى “الهدوء”، و”عدم التصعيد”، و”حماية المرحلة”. عبارات تبدو للوهلة الأولى منطقية، لكنّها تعمل ضمنياً على إعادة تفعيل ذلك الحدس القديم الذي يربط السلامة بتجنّب المواجهة. لا تُفرض الطاعة هنا كأمر، بل يُعاد تقديمها كخيار عقلاني ومسؤول.

كما يتجلّى ذلك في التعامل مع النقد، الذي لا يُقابَل بالضرورة بالقمع المباشر، بل بإعادة تأطيره بوصفه تهديداً للاستقرار، أو خروجاً عن الإجماع. في هذا السياق، لا تحتاج السلطة إلى ضبط كل صوت بشكل مباشر، لأن جزءاً من هذا الضبط يتمّ سلفاً من داخل الأفراد أنفسهم وضمن البيئة الاجتماعية المحيطة بهم.

بهذا المعنى، لا تبدأ السلطة من الصفر، بل تتحرّك ضمن أرضية مُهيّأة مسبقاً. أرضية تشكّلت عبر سنوات طويلة، واستقرّت في اللاوعي الجمعي، بحيث تصبح الطاعة خياراً مألوفاً ومفضّلاً أحياناً. وهذا ما يمنحها فاعلية إضافية، إذ لا تُمارس فقط من الأعلى إلى الأسفل، بل يُعاد إنتاجها من الداخل وبمشاركة غير مباشرة ممّن يخضعون لها.

أن تقول “لا”… ولو همساً

اليوم، تكمن صعوبة المواجهة في أن ما يجب تفكيكه لم يعد ظاهراً بالقدر نفسه. لم يعد القمع حدثاً يمكن تحديده دائماً، بل أصبح جزءاً من الإيقاع اليومي، ومن القرارات الصغيرة التي تُتخذ بصمت. وهذا ما يجعل الطاعة اليوم أكثر تعقيداً لأنها لا تُفرض بوضوح، بل تُمارس من دون أن تُسمّى.

مع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في الطاعة وحدها. فبالتوازي مع هذا الامتثال الصامت، تتشكّل أيضاً أنماط مختلفة من المقاومة التي تكون غالباً أقلّ وضوحاً لكنّها لا تقلّ أهمّية. هناك من يختار أن يقول ما كان يُحذف، ومن تختار أن ترتدي ما تشاء على رغم الكلفة المحتملة، وهناك من يوسّع تدريجياً هامش ما يمكن قوله، حتى لو ضمن دوائر محدودة.

ما يميّز هذه المحاولات ليس فقط مضمونها، بل وعيها الضمني بما تواجهه: ليس سلطة مباشرة فحسب، بل إرث مترسّخ في اللاوعي الجمعي يُعيد إنتاج نفسه باستمرار. ولذلك، فإن هذه الأفعال، مهما بدت محدودة، تشكّل نوعاً من الاشتباك مع هذا الإرث، ومحاولة لزعزعة ما استقرّ بوصفه بديهياً.