ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل تُصبح الجماعات المسلّحة عقبة أمام استقرار السودان؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يشير تاريخ الحركات إلى أنها تتخذ السلاح وخطاب المظلومية وسيلة للوصول إلى السلطة والموارد من دون التقيّد بأي أسس أخلاقية، وإن وصل الأمر إلى الانشقاقات وقتال بعضها البعض والارتزاق وتأييد الحكم العسكري وصولًا إلى المشاركة في الصراع الحالي مع طرفيه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا يمكن فصل وجود الميليشيات والجماعات المسلحة في السودان عن البنية القبلية والطموح السياسي والسيطرة على الموارد، إذ تكاثرت إلى درجة أن البلاد أصبحت مراكز نفوذ من دون سلطة مركزية موحدة.

لم يستقرّ محمد عباس، وهو واحد من جملة مليون شخص عادوا إلى العاصمة الخرطوم بعدما استعادها الجيش في أيار/ مايو 2025، في منزله بشرق النيل سوى أيام معدودة، وسرعان ما عاد إلى مدينة سنار جنوب شرقي السودان، بعدما شاهد انتشار السلاح وتزايد أعمال النهب المسلّح.

يقول عباس لـ”درج” إن الحكومة منعت وجود الجماعات المسلّحة في الخرطوم، لكن المسلّحين ينشطون في الشوارع بمجرد غياب الشمس في نهب المارة، على رغم مساعي السلطات المحلّية في مطاردتهم.

تنتشر الجرائم في الخرطوم والمناطق الأخرى، ويرتكبها مسلحون يحتمون بالجماعات المنتسبين إليها، في ظل ارتفاع نسبة البطالة جراء تدمير النزاع القائم سبل العيش في الريف والحضر، إذ يواجه 86 في المائة من السودانيين صعوبات في توفير احتياجاتهم، ما يجعل الهجرة أو الانضمام إلى الميليشيات بما توفره من حماية، الخيار الوحيد المتاح.

رحم الفوضى

أحصى الناشط مهادن الزعيم وجود 104 ميليشيات ناشطة حاليًا، منها 69 تستند إلى أساس قبلي و11 تملك غطاءً قبليًا، وتوجد 40 جماعة في دارفور والبقية في مناطق السودان الأخرى.

وأوضح أن 95 ميليشيا تملك قوات، إذ نشأت 50 ميليشيا كقوات مساندة للجيش، بعضها حوّل ولاءه لاحقًا، فيما تأسست 54 جماعة ضد الجيش قبل أن يتحول بعضها إلى القتال معه ضد الدعم السريع.

وتؤكد تقارير صحافية وجود أكثر من 100 ميليشيا يتوزع ولاؤها بين الجيش وقوات الدعم السريع، وقد ساهمت بصورة كبيرة في انتشار العنف وممارسة الانتهاكات على نطاق واسع ضد المدنيين في مناطق الصراع.

تأسست بعض الجماعات للقتال ضد الحكومة في دارفور وجنوب كردفان بدوافع تتعلق باختلال نظام توزيع السلطة والثروة. وتسيطر بعض هذه الجماعات على مناطق واسعة تُدار بواسطة إدارات مدنية منذ سنوات طويلة، مثل جبل مرة وكاودا. وقد اعتمدت قوات الدعم السريع على هذا الإرث في إدارة المناطق التي استولت عليها، قبل أن تُشكّل حكومة موازية.

وعلى الرغم من خروج جبل مرة وكاودا ومناطق أخرى عن سلطة الحكومة المركزية، فإن الأوضاع لم تنفلت من السيطرة إلا في دارفور، نتيجة للصراع حول الزراعة والرعي، والمغذّى بانتشار السلاح. غير أن المشهد الآن يشير إلى بوادر خروج الوضع عن السيطرة على نحو أوسع.

تتمثّل هذه المؤشرات في تزايد عدد الجماعات المقاتلة وانتشار السلاح في مختلف أنحاء السودان، وتعمّق الاستقطاب الأهلي والسياسي، واستمرار حالة التعبئة العامة والاستنفار، وعسكرة الحياة اليومية، إضافة إلى سباق محموم للحصول على الموارد، وبخاصة الذهب، وسيطرة قوات الدعم السريع على معظم إقليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان الكبرى.

كما تشمل المؤشرات سيطرة الميليشيات على طرق الإمداد عبر نصب الارتكازات، وفرض جبايات على السيارات، واستحداث نظم ضرائب على المجتمعات المحلية، واستخدام منع وصول الإغاثة والغذاء كأداة للهيمنة والسيطرة.

تاريخ طويل من عدم الاستقرار

شهد السودان أول قتال أهلي قبل أشهر قليلة من استقلاله في 1956، في ما عُرف بـ”تمرد توريت“، ليتحول إلى حرب عصابات بلغت ذروتها عند تأسيس الحركة الشعبية في 1983 بقيادة الضابط في الجيش جون قرنق، الذي أصبح لاحقًا رمزًا وطنيًا في جنوب السودان بعد الانفصال في 2011.

وبعد الانفصال، أعلنت القوات المنحدرة من عرقية النوبة، فك الارتباط مع الحركة الشعبية من دون أن تتخلى عن الاسم، لتدخل في قتال مع الحكومة انتهى بسيطرة هذه القوات على مناطق عدة في جنوب كردفان، بما في ذلك معقلها الرئيسي في كاودا. وانقسمت هذه الحركة إلى فصيلين، أحدهما بقيادة مالك عقار الذي يتولى حاليًا عضوية مجلس السيادة، والآخر بقيادة عبد العزيز الحلو الذي تحالف مع الدعم السريع.

وفي 2003، تمردت حركة تحرير السودان والعدل والمساواة على الحكومة المركزية، ما دفع الأخيرة إلى استحداث ميليشيات الجنجويد من القبائل العربية واستخدامها في قمع التمرد، ومن هذه الميليشيات أُسست قوات الدعم السريع التي تخوض قتالًا ضد الجيش منذ نيسان/ أبريل 2023.

انشقت الحركتان اللتان قادتا التمرد في دارفور إلى عشرات الجماعات بسبب الخلافات العشائرية والقبلية والمساعي الانتهازية لتوقيع اتفاق سلام يقوم على تقاسم السلطة والحصول على المال، وهذه المساعي دفعت حركات كثيرة إلى الارتزاق في ليبيا.

وقّعت جميع الحركات – باستثناء فصيل عبد الواحد الذي يسيطر على جبل مرة وفصيل الحلو – على اتفاق سلام مع الحكومة الانتقالية التي تولت مقاليد الحكم بعد عزل الرئيس عمر البشير، ومُنح قادتها مناصب حكومية مع امتيازات أخرى.

عمل قادة الحركات على تقويض الحكومة الانتقالية بذريعة توسيع قاعدة المشاركة، وشاركوا بفعالية في الاعتصام أمام القصر الرئاسي، الذي دعا الجيش صراحة إلى الانقلاب، ليتخذ قائدا الجيش والدعم السريع الاعتصام ذريعة لإبعاد المدنيين وزجهم في السجن، فيما أُبقي قادة الحركات في مناصبهم.

يشير تاريخ الحركات إلى أنها تتخذ السلاح وخطاب المظلومية وسيلة للوصول إلى السلطة والموارد من دون التقيّد بأي أسس أخلاقية، وإن وصل الأمر إلى الانشقاقات وقتال بعضها البعض والارتزاق وتأييد الحكم العسكري وصولًا إلى المشاركة في الصراع الحالي مع طرفيه.

عقبة أمام الاستقرار

أدّى النزاع القائم إلى فراغ أمني تبعته حالة من التعبئة العامة، ما وفّر مناخًا مناسبًا لتوسّع نفوذ الجماعات وتزايد أعدادها ومقاتليها وعتادها، مع غياب الرقابة على أنشطتها، بخاصة بعد تجريم القوى المدنية وملاحقة كوادرها عبر الاعتقالات والمحاكمات والاغتيالات.

وقد استغلّ فصيل عبد الواحد هذا الفراغ، فأحكم سيطرته على مدينة طويلة في شمال دارفور، كما تمددت الحركة الشعبية إلى مناطق جديدة، فيما نشأت حركات مسلّحة في معظم مناطق السودان، لتتحوّل مع مرور الوقت إلى أمرٍ واقعٍ يتغذى على التهريب والتجارة غير المشروعة، في ظل استمرار تراخي قبضة السلطة المركزية.

وتعتمد معظم هذه الجماعات في التجنيد على الانتماء القبلي، عبر القادة الأهليين الذين تعاظم نفوذهم بعد اندلاع الصراع، حيث تُتّخذ القبلية درعًا واقيًا؛ فكل نقدٍ يُوجَّه إلى الفصائل المسلحة يُعتبر انتقاصًا من المكوّن الاجتماعي نفسه.

وبالنظر إلى دارفور قبل اندلاع الحرب الحالية، نجد أنها كانت المثال الأبرز لفشل الدولة في السيطرة على الميليشيات التي تحالفت معها: بدءًا من الاقتتال الأهلي والقتل والنهب والعنف الجنسي، وصولًا إلى تمرّد قوات الدعم السريع. وهذا يشير إلى أن الدولة لن تنجح في نزع سلاح الجماعات المنتشرة في عموم البلاد.

ففي حملة جمع السلاح عام 2017، رفضت القبائل العربية التي سلحتها الحكومة تسليم سلاحها، واحتفظت به لتواصل الهجوم على المزارع والقرى ومخيمات النزوح داخل المدن. وعلى رغم ذلك، تُعاد التجربة اليوم على نطاق أوسع، مع تدريب المقاتلين على أسلحة ثقيلة.

ويظهر تمدّد نفوذ الميليشيات في رفضها القاطع مقترح الهدنة الإنسانية الذي قدمته الآلية الرباعية المؤلفة من الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، ضمن خارطة طريق طرحتها لتسوية النزاع في السودان، بينما ظل موقف الجيش الرسمي غير واضح على رغم إرساله وفدًا عسكريًا إلى واشنطن لبحث الوصول إلى الهدنة.

ولا يقتصر هذا النفوذ على الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل شمل الجانب الاجتماعي، إذ إن اغتيال رئيس النيابة العامة في ولاية شمال كردفان داخل منزله الواقع في حي سكني يقيم فيه كبار مسؤولي الولاية وقادة الجيش، والقريب من القاعدة العسكرية، أعقبه اختطاف والده في شمال دارفور واندلاع قتال عشائري، يعدّ مثالًا صارخًا على خروج الجماعات المسلحة عن السيطرة.

ولا يُعتقد أن الميليشيات ستوافق على تسوية سلمية للنزاع إذا لم تُلبَّ طموحاتها في الحكم والثروة، ولا يستطيع أي طرف منحها ما تريد، ما يجعلها عقبة أمام الاستقرار، وهذا يعني أننا أمام مستقبل تُحسم فيه الخلافات بالقوة.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
11.11.2025
زمن القراءة: 5 minutes

يشير تاريخ الحركات إلى أنها تتخذ السلاح وخطاب المظلومية وسيلة للوصول إلى السلطة والموارد من دون التقيّد بأي أسس أخلاقية، وإن وصل الأمر إلى الانشقاقات وقتال بعضها البعض والارتزاق وتأييد الحكم العسكري وصولًا إلى المشاركة في الصراع الحالي مع طرفيه.

لا يمكن فصل وجود الميليشيات والجماعات المسلحة في السودان عن البنية القبلية والطموح السياسي والسيطرة على الموارد، إذ تكاثرت إلى درجة أن البلاد أصبحت مراكز نفوذ من دون سلطة مركزية موحدة.

لم يستقرّ محمد عباس، وهو واحد من جملة مليون شخص عادوا إلى العاصمة الخرطوم بعدما استعادها الجيش في أيار/ مايو 2025، في منزله بشرق النيل سوى أيام معدودة، وسرعان ما عاد إلى مدينة سنار جنوب شرقي السودان، بعدما شاهد انتشار السلاح وتزايد أعمال النهب المسلّح.

يقول عباس لـ”درج” إن الحكومة منعت وجود الجماعات المسلّحة في الخرطوم، لكن المسلّحين ينشطون في الشوارع بمجرد غياب الشمس في نهب المارة، على رغم مساعي السلطات المحلّية في مطاردتهم.

تنتشر الجرائم في الخرطوم والمناطق الأخرى، ويرتكبها مسلحون يحتمون بالجماعات المنتسبين إليها، في ظل ارتفاع نسبة البطالة جراء تدمير النزاع القائم سبل العيش في الريف والحضر، إذ يواجه 86 في المائة من السودانيين صعوبات في توفير احتياجاتهم، ما يجعل الهجرة أو الانضمام إلى الميليشيات بما توفره من حماية، الخيار الوحيد المتاح.

رحم الفوضى

أحصى الناشط مهادن الزعيم وجود 104 ميليشيات ناشطة حاليًا، منها 69 تستند إلى أساس قبلي و11 تملك غطاءً قبليًا، وتوجد 40 جماعة في دارفور والبقية في مناطق السودان الأخرى.

وأوضح أن 95 ميليشيا تملك قوات، إذ نشأت 50 ميليشيا كقوات مساندة للجيش، بعضها حوّل ولاءه لاحقًا، فيما تأسست 54 جماعة ضد الجيش قبل أن يتحول بعضها إلى القتال معه ضد الدعم السريع.

وتؤكد تقارير صحافية وجود أكثر من 100 ميليشيا يتوزع ولاؤها بين الجيش وقوات الدعم السريع، وقد ساهمت بصورة كبيرة في انتشار العنف وممارسة الانتهاكات على نطاق واسع ضد المدنيين في مناطق الصراع.

تأسست بعض الجماعات للقتال ضد الحكومة في دارفور وجنوب كردفان بدوافع تتعلق باختلال نظام توزيع السلطة والثروة. وتسيطر بعض هذه الجماعات على مناطق واسعة تُدار بواسطة إدارات مدنية منذ سنوات طويلة، مثل جبل مرة وكاودا. وقد اعتمدت قوات الدعم السريع على هذا الإرث في إدارة المناطق التي استولت عليها، قبل أن تُشكّل حكومة موازية.

وعلى الرغم من خروج جبل مرة وكاودا ومناطق أخرى عن سلطة الحكومة المركزية، فإن الأوضاع لم تنفلت من السيطرة إلا في دارفور، نتيجة للصراع حول الزراعة والرعي، والمغذّى بانتشار السلاح. غير أن المشهد الآن يشير إلى بوادر خروج الوضع عن السيطرة على نحو أوسع.

تتمثّل هذه المؤشرات في تزايد عدد الجماعات المقاتلة وانتشار السلاح في مختلف أنحاء السودان، وتعمّق الاستقطاب الأهلي والسياسي، واستمرار حالة التعبئة العامة والاستنفار، وعسكرة الحياة اليومية، إضافة إلى سباق محموم للحصول على الموارد، وبخاصة الذهب، وسيطرة قوات الدعم السريع على معظم إقليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان الكبرى.

كما تشمل المؤشرات سيطرة الميليشيات على طرق الإمداد عبر نصب الارتكازات، وفرض جبايات على السيارات، واستحداث نظم ضرائب على المجتمعات المحلية، واستخدام منع وصول الإغاثة والغذاء كأداة للهيمنة والسيطرة.

تاريخ طويل من عدم الاستقرار

شهد السودان أول قتال أهلي قبل أشهر قليلة من استقلاله في 1956، في ما عُرف بـ”تمرد توريت“، ليتحول إلى حرب عصابات بلغت ذروتها عند تأسيس الحركة الشعبية في 1983 بقيادة الضابط في الجيش جون قرنق، الذي أصبح لاحقًا رمزًا وطنيًا في جنوب السودان بعد الانفصال في 2011.

وبعد الانفصال، أعلنت القوات المنحدرة من عرقية النوبة، فك الارتباط مع الحركة الشعبية من دون أن تتخلى عن الاسم، لتدخل في قتال مع الحكومة انتهى بسيطرة هذه القوات على مناطق عدة في جنوب كردفان، بما في ذلك معقلها الرئيسي في كاودا. وانقسمت هذه الحركة إلى فصيلين، أحدهما بقيادة مالك عقار الذي يتولى حاليًا عضوية مجلس السيادة، والآخر بقيادة عبد العزيز الحلو الذي تحالف مع الدعم السريع.

وفي 2003، تمردت حركة تحرير السودان والعدل والمساواة على الحكومة المركزية، ما دفع الأخيرة إلى استحداث ميليشيات الجنجويد من القبائل العربية واستخدامها في قمع التمرد، ومن هذه الميليشيات أُسست قوات الدعم السريع التي تخوض قتالًا ضد الجيش منذ نيسان/ أبريل 2023.

انشقت الحركتان اللتان قادتا التمرد في دارفور إلى عشرات الجماعات بسبب الخلافات العشائرية والقبلية والمساعي الانتهازية لتوقيع اتفاق سلام يقوم على تقاسم السلطة والحصول على المال، وهذه المساعي دفعت حركات كثيرة إلى الارتزاق في ليبيا.

وقّعت جميع الحركات – باستثناء فصيل عبد الواحد الذي يسيطر على جبل مرة وفصيل الحلو – على اتفاق سلام مع الحكومة الانتقالية التي تولت مقاليد الحكم بعد عزل الرئيس عمر البشير، ومُنح قادتها مناصب حكومية مع امتيازات أخرى.

عمل قادة الحركات على تقويض الحكومة الانتقالية بذريعة توسيع قاعدة المشاركة، وشاركوا بفعالية في الاعتصام أمام القصر الرئاسي، الذي دعا الجيش صراحة إلى الانقلاب، ليتخذ قائدا الجيش والدعم السريع الاعتصام ذريعة لإبعاد المدنيين وزجهم في السجن، فيما أُبقي قادة الحركات في مناصبهم.

يشير تاريخ الحركات إلى أنها تتخذ السلاح وخطاب المظلومية وسيلة للوصول إلى السلطة والموارد من دون التقيّد بأي أسس أخلاقية، وإن وصل الأمر إلى الانشقاقات وقتال بعضها البعض والارتزاق وتأييد الحكم العسكري وصولًا إلى المشاركة في الصراع الحالي مع طرفيه.

عقبة أمام الاستقرار

أدّى النزاع القائم إلى فراغ أمني تبعته حالة من التعبئة العامة، ما وفّر مناخًا مناسبًا لتوسّع نفوذ الجماعات وتزايد أعدادها ومقاتليها وعتادها، مع غياب الرقابة على أنشطتها، بخاصة بعد تجريم القوى المدنية وملاحقة كوادرها عبر الاعتقالات والمحاكمات والاغتيالات.

وقد استغلّ فصيل عبد الواحد هذا الفراغ، فأحكم سيطرته على مدينة طويلة في شمال دارفور، كما تمددت الحركة الشعبية إلى مناطق جديدة، فيما نشأت حركات مسلّحة في معظم مناطق السودان، لتتحوّل مع مرور الوقت إلى أمرٍ واقعٍ يتغذى على التهريب والتجارة غير المشروعة، في ظل استمرار تراخي قبضة السلطة المركزية.

وتعتمد معظم هذه الجماعات في التجنيد على الانتماء القبلي، عبر القادة الأهليين الذين تعاظم نفوذهم بعد اندلاع الصراع، حيث تُتّخذ القبلية درعًا واقيًا؛ فكل نقدٍ يُوجَّه إلى الفصائل المسلحة يُعتبر انتقاصًا من المكوّن الاجتماعي نفسه.

وبالنظر إلى دارفور قبل اندلاع الحرب الحالية، نجد أنها كانت المثال الأبرز لفشل الدولة في السيطرة على الميليشيات التي تحالفت معها: بدءًا من الاقتتال الأهلي والقتل والنهب والعنف الجنسي، وصولًا إلى تمرّد قوات الدعم السريع. وهذا يشير إلى أن الدولة لن تنجح في نزع سلاح الجماعات المنتشرة في عموم البلاد.

ففي حملة جمع السلاح عام 2017، رفضت القبائل العربية التي سلحتها الحكومة تسليم سلاحها، واحتفظت به لتواصل الهجوم على المزارع والقرى ومخيمات النزوح داخل المدن. وعلى رغم ذلك، تُعاد التجربة اليوم على نطاق أوسع، مع تدريب المقاتلين على أسلحة ثقيلة.

ويظهر تمدّد نفوذ الميليشيات في رفضها القاطع مقترح الهدنة الإنسانية الذي قدمته الآلية الرباعية المؤلفة من الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، ضمن خارطة طريق طرحتها لتسوية النزاع في السودان، بينما ظل موقف الجيش الرسمي غير واضح على رغم إرساله وفدًا عسكريًا إلى واشنطن لبحث الوصول إلى الهدنة.

ولا يقتصر هذا النفوذ على الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل شمل الجانب الاجتماعي، إذ إن اغتيال رئيس النيابة العامة في ولاية شمال كردفان داخل منزله الواقع في حي سكني يقيم فيه كبار مسؤولي الولاية وقادة الجيش، والقريب من القاعدة العسكرية، أعقبه اختطاف والده في شمال دارفور واندلاع قتال عشائري، يعدّ مثالًا صارخًا على خروج الجماعات المسلحة عن السيطرة.

ولا يُعتقد أن الميليشيات ستوافق على تسوية سلمية للنزاع إذا لم تُلبَّ طموحاتها في الحكم والثروة، ولا يستطيع أي طرف منحها ما تريد، ما يجعلها عقبة أمام الاستقرار، وهذا يعني أننا أمام مستقبل تُحسم فيه الخلافات بالقوة.