ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل دخلت العلاقات الأميركية – الإسرائيلية في نهج تعامُليّ؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا شكّ في أن تصريحات الرئيس دونالد ترامب في قمّة مجموعة السبع وفي المقابلات اللاحقة، وتصريحات نائبه فانس، تمثّل انحرافاً تاريخياً عن الطريقة التي اعتاد الرؤساء الأميركيون التحدّث بها عن إسرائيل. ومن الواضح أنّ الإدارة الأميركية تنظر إلى السياسة الخارجية اليوم من منظور نفعي صارم. وإذا تعارضت أهداف إسرائيل الحربية مع مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية، فإنّ الأخيرة لن تتوانى بشكلٍ علني عن مواجهة نتانياهو، بما يبدّد وهم التحالف المنسجم بشكلٍ تام.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا شكّ في أنّ سياسة الرئيس الأميركي المثير للجدل دونالد ترامب “أميركا أوّلًا” تنعكس بعمق على طبيعة العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، التي تشهد في الآونة الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا من صورة “تحالف مقدّس” إلى علاقة نفعية ذات طابع تعاملي transactional أكثر من أيّ وقت مضى.

يمرّ التحالف الأميركي – الإسرائيلي اليوم بمرحلة إعادة تنظيم عميقة، ويخضع لتحوّل بنيوي جذري، فما كان يُعتبَر سابقًا إجماعاً بين الحزبين الأساسيين، الديمقراطيين والجمهوريين، على دعم غير مشروط وإيديولوجي لإسرائيل، بات يتّخذ شكل علاقة تعاملية براغماتية تقوم إلى حدّ كبير على حسابات المنفعة والمصلحة المباشرة الأميركية. هذا التحوّل يظهر في مواقف عدد متزايد من السياسيين الأميركيين، في مشهد يقلب موازين عمل اللوبيات التقليدية، أهمها لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك)، رأسًا على عقب، قبيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.

توّج هذا المسار الخطاب اللافت لنائب ترامب، جاي دي فانس، الذي صرّح في مقابلة مع Blaze TV أنّ انتقاد حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، أو أيّ حكومة إسرائيلية أخرى، لا يعني معاداة السامية، محذّرًا من خطورة التعامل مع كل نقد لسياسة إسرائيلية بوصفه تعبيرًا معاديًا للسامية، لأنّه “حين يصبح كلّ شيء معاداةً للسامية، لا يعود أيّ شيء كذلك فعلًا”. وقد شكّل هذا التصريح مفاجأة كبيرة بالنظر إلى أنّه يصدر عن نائب رئيس جمهوري ومن حزب عُرف بقربه الشديد من إسرائيل وبحرصه الدائم على خوض معارك شرسة دفاعًا عنها.

تحدّث فانس أيضًا عن حلفاء الولايات المتحدة، واضعًا إسرائيل في خانة الحلفاء التقليديين مثل فرنسا وبريطانيا، الذين قد تتقاطع مصالحهم مع مصالح واشنطن وقد لا تتقاطع. وللمرّة الأولى، يُنزِل نائبُ رئيس جمهوريّ إسرائيل من مرتبة الشريك ذي المكانة الاستثنائية إلى موقعٍ موازٍ لبقيّة حلفاء الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أنّه على الرغم من كونهم شركاء جيّدين، “فهذا لا يعني أنّ مصالحنا ستكون متطابقة دائمًا”.

وحذر فانس الوزراء الإسرائيليين الذين ينتقدون البيت الأبيض بضرورة “أن يستيقظوا ليدركوا حقيقة الوضع”. وأضاف: “لو كنت عضواً في مجلس الوزراء الإسرائيلي، فربما لم أكن لأهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم بأسره”.

وجاء ذلك أيضًا في سياق تصريحات ترامب الحادّة، التي قال فيها إنّه “لولاي لما كانت إسرائيل لتكون موجودة اليوم… لو لم أكن موجودًا، لما كانت هناك إسرائيل في الوقت الحالي”. وقبل ولايته الحالية، كان ترامب قد حذّر نتانياهو من أنّ إسرائيل تخسر الرأي العام العالمي، وأنّ عليها إنهاء عملياتها العسكرية بسرعة.

وكانت مرشحة الكونغرس الديمقراطية دوروثي مكأوليف، قد أجرت استطلاعاً للرأي في شهر نيسان/ أبريل الماضي، تضمن “سؤالاً نادراً ما كان يُطرح في سباقات الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي حتى قبل عامين فقط: هل ينبغي للولايات المتحدة قطع مبيعات الأسلحة لإسرائيل؟ وقد أظهر هذا الاستطلاع… كيف تحول التحالف الأميركي-الإسرائيلي سريعاً من نقطة إجماع بين الحزبين إلى قضية خلافية تُحدث انقساماً داخل كليهما”، بحسب صحيفة واشنطن بوست.

فهل دخلت العلاقات الأميركية – الإسرائيلية في نهج “التعامُليّة” في السياسة الخارجية (transactionalism)؟ تعرّف دراسة بعنوان “The rise of transactionalism in international relations” أي “تصاعد النزعة التعامُليّة في العلاقات الدولية”، المقاربة التعامُليّة في السياسة الخارجية، بأنها تفضّل العلاقات الثنائية على العلاقات المتعدّدة الأطراف، وتركّز على المكاسب القصيرة الأجل بدلًا من الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، وتتبنّى منظورًا يعتبر كل المكاسب نسبية وتغيب فيها المعاملة بالمثل، وترفض صنع السياسات على أساس قيمي.
واليوم، تنظر الإدارة الأميركية إلى السياسة الخارجية من منظور المنفعة الصارمة. فإذا تعارضت أهداف الحرب الإسرائيلية مع الاستقرار الإقليمي أو مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية، فإن الإدارة الأميركية مستعدة علناً للضغط على نتانياهو ومعارضته، ما يحطم وهم التحالف الوثيق غير القابل للشرخ. 

يبقى السؤال الأساسي: كيف ينعكس ذلك على اللوبي الصهيوني الضخم داخل أميركا، تحديدًا  لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك) AIPAC؟ وكيف يؤثر على الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل؟

لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك)

حديثاً، وصف رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك) بـ”أنّهم وحوش”، متّهمًا إيّاها بإنفاق “ملايين الدولارات ذات المصادر المشبوهة” بهدف “تفريقنا وإشعال الخلاف في ما بيننا”، ومشيرًا إلى أنّها تخشى الديمقراطية و”إنهاء حرب الإبادة الجماعية وحروب نتانياهو”.

أدّت التحوّلات في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل إلى أن تصبح أيباك أكثر وقاحة في تمويلها ودعمها للمرشّحين المؤيّدين لإسرائيل، وفي “التآمر” لإقصاء المرشّحين المناهضين لها أو غير المتحمّسين لدعمها. غير أنّ هذا النهج خلّف تداعيات سلبية متزايدة داخل المجتمع الأميركي.

فكتبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أنّ أيباك اليوم تواجه واقعًا لم يعد فيه رهانها على ترامب والحزب الجمهوري يؤتي ثماره. ويقول منتقدوها إنها تحصد الآن ما زرعته من استقطاب حاد في السياسة الإسرائيلية في أميركا. ويرتكز المقال في تحليله على بيانات أيباك عقب المفاوضات الأميركية – الإيرانية الأخيرة، التي وصفتها هآرتس بأنّها “معتدلة للغاية إلى درجة تكاد تكون مثيرة للسخرية، مقارنةً بالغضب الشديد الذي عبرت عنه المنظمة تجاه الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما عام 2015″، وأنّ تردد أيباك في توجيه انتقادات علنية إلى ترامب يرسم صورة واضحة للمأزق الذي تجد نفسها فيه اليوم، بحسب هآرتس.

فلطالما كان مصدرُ قوةِ أيباك الأساسيّ دائمًا قدرتَها على فرضِ خط ثنائي صارم بمبدأ إمّا معنا أو ضدّنا ومعادٍ للسامية، وغالبًا ما كانت تُعاقب المرشّحين الذين يخرجون عن هذا الخط. ومع تصريح نائب جمهوريّ لرئيس الجمهوريّة بشكلٍ علني بأنّ سياسات نتانياهو باتت مشروعة كموضوع للنقد، تراجعت قدرة أيباك على وصم المعترضين على هذه السياسات بأنّهم متطرفون.

الأثر على الرأي العام الأميركي

أظهر استطلاع رأي أجراه مركز Pew Research أن 80 في المئة من الديمقراطيين والمستقلين المقربين من الحزب الديمقراطي ينظرون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بارتفاع عن 69 في المئة في العام الماضي و53 في المئة في عام 2022. كما أن الديمقراطيين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً هم أكثر ميلاً من الديمقراطيين الأكبر سناً الى القول إن لديهم نظرة سلبية للغاية تجاه إسرائيل (47 في المئة مقابل 39 في المئة). 

في المقابل، فإن عدد الجمهوريين والمنتمين لهم الذين لديهم نظرة إيجابية تجاه إسرائيل يفوق أولئك الذين لديهم نظرة سلبية (58 في المئة مقابل 41 في المئة). ومع ذلك، فإن نسبة الجمهوريين الذين يتبنون نظرة سلبية قد ارتفعت بشكل طفيف منذ العام الماضي، مدفوعة بآراء أولئك الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً. واليوم، يحمل 57 في المئة من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً رأياً غير مواتٍ تجاه إسرائيل، مقارنة بنسبة 50 في المئة في العام الماضي. وفي الوقت نفسه، لا تزال الغالبية العظمى من الجمهوريين الذين تبلغ أعمارهم 50 عاماً وما فوق تنظر إلى إسرائيل بشكل إيجابي، وذلك بحسب الاستطلاع نفسه.

لا شكّ في أن تصريحات الرئيس دونالد ترامب في قمّة مجموعة السبع وفي المقابلات اللاحقة، وتصريحات نائبه فانس، تمثّل انحرافاً تاريخياً عن الطريقة التي اعتاد الرؤساء الأميركيون التحدّث بها عن إسرائيل. ومن الواضح أنّ الإدارة الأميركية تنظر إلى السياسة الخارجية اليوم من منظور نفعي صارم. وإذا تعارضت أهداف إسرائيل الحربية مع مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية، فإنّ الأخيرة لن تتوانى بشكلٍ علني عن مواجهة نتانياهو، بما يبدّد وهم التحالف المنسجم بشكلٍ تام. وسيتحدّد المدى الفعلي لهذا التحوّل، وشكل هذا المسار في صورته النهائية، في ضوء ما ستسفر عنه انتخابات التجديد النصفي المقبلة في الولايات المتحدة.

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…

لا شكّ في أن تصريحات الرئيس دونالد ترامب في قمّة مجموعة السبع وفي المقابلات اللاحقة، وتصريحات نائبه فانس، تمثّل انحرافاً تاريخياً عن الطريقة التي اعتاد الرؤساء الأميركيون التحدّث بها عن إسرائيل. ومن الواضح أنّ الإدارة الأميركية تنظر إلى السياسة الخارجية اليوم من منظور نفعي صارم. وإذا تعارضت أهداف إسرائيل الحربية مع مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية، فإنّ الأخيرة لن تتوانى بشكلٍ علني عن مواجهة نتانياهو، بما يبدّد وهم التحالف المنسجم بشكلٍ تام.


لا شكّ في أنّ سياسة الرئيس الأميركي المثير للجدل دونالد ترامب “أميركا أوّلًا” تنعكس بعمق على طبيعة العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، التي تشهد في الآونة الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا من صورة “تحالف مقدّس” إلى علاقة نفعية ذات طابع تعاملي transactional أكثر من أيّ وقت مضى.

يمرّ التحالف الأميركي – الإسرائيلي اليوم بمرحلة إعادة تنظيم عميقة، ويخضع لتحوّل بنيوي جذري، فما كان يُعتبَر سابقًا إجماعاً بين الحزبين الأساسيين، الديمقراطيين والجمهوريين، على دعم غير مشروط وإيديولوجي لإسرائيل، بات يتّخذ شكل علاقة تعاملية براغماتية تقوم إلى حدّ كبير على حسابات المنفعة والمصلحة المباشرة الأميركية. هذا التحوّل يظهر في مواقف عدد متزايد من السياسيين الأميركيين، في مشهد يقلب موازين عمل اللوبيات التقليدية، أهمها لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك)، رأسًا على عقب، قبيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.

توّج هذا المسار الخطاب اللافت لنائب ترامب، جاي دي فانس، الذي صرّح في مقابلة مع Blaze TV أنّ انتقاد حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، أو أيّ حكومة إسرائيلية أخرى، لا يعني معاداة السامية، محذّرًا من خطورة التعامل مع كل نقد لسياسة إسرائيلية بوصفه تعبيرًا معاديًا للسامية، لأنّه “حين يصبح كلّ شيء معاداةً للسامية، لا يعود أيّ شيء كذلك فعلًا”. وقد شكّل هذا التصريح مفاجأة كبيرة بالنظر إلى أنّه يصدر عن نائب رئيس جمهوري ومن حزب عُرف بقربه الشديد من إسرائيل وبحرصه الدائم على خوض معارك شرسة دفاعًا عنها.

تحدّث فانس أيضًا عن حلفاء الولايات المتحدة، واضعًا إسرائيل في خانة الحلفاء التقليديين مثل فرنسا وبريطانيا، الذين قد تتقاطع مصالحهم مع مصالح واشنطن وقد لا تتقاطع. وللمرّة الأولى، يُنزِل نائبُ رئيس جمهوريّ إسرائيل من مرتبة الشريك ذي المكانة الاستثنائية إلى موقعٍ موازٍ لبقيّة حلفاء الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أنّه على الرغم من كونهم شركاء جيّدين، “فهذا لا يعني أنّ مصالحنا ستكون متطابقة دائمًا”.

وحذر فانس الوزراء الإسرائيليين الذين ينتقدون البيت الأبيض بضرورة “أن يستيقظوا ليدركوا حقيقة الوضع”. وأضاف: “لو كنت عضواً في مجلس الوزراء الإسرائيلي، فربما لم أكن لأهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم بأسره”.

وجاء ذلك أيضًا في سياق تصريحات ترامب الحادّة، التي قال فيها إنّه “لولاي لما كانت إسرائيل لتكون موجودة اليوم… لو لم أكن موجودًا، لما كانت هناك إسرائيل في الوقت الحالي”. وقبل ولايته الحالية، كان ترامب قد حذّر نتانياهو من أنّ إسرائيل تخسر الرأي العام العالمي، وأنّ عليها إنهاء عملياتها العسكرية بسرعة.

وكانت مرشحة الكونغرس الديمقراطية دوروثي مكأوليف، قد أجرت استطلاعاً للرأي في شهر نيسان/ أبريل الماضي، تضمن “سؤالاً نادراً ما كان يُطرح في سباقات الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي حتى قبل عامين فقط: هل ينبغي للولايات المتحدة قطع مبيعات الأسلحة لإسرائيل؟ وقد أظهر هذا الاستطلاع… كيف تحول التحالف الأميركي-الإسرائيلي سريعاً من نقطة إجماع بين الحزبين إلى قضية خلافية تُحدث انقساماً داخل كليهما”، بحسب صحيفة واشنطن بوست.

فهل دخلت العلاقات الأميركية – الإسرائيلية في نهج “التعامُليّة” في السياسة الخارجية (transactionalism)؟ تعرّف دراسة بعنوان “The rise of transactionalism in international relations” أي “تصاعد النزعة التعامُليّة في العلاقات الدولية”، المقاربة التعامُليّة في السياسة الخارجية، بأنها تفضّل العلاقات الثنائية على العلاقات المتعدّدة الأطراف، وتركّز على المكاسب القصيرة الأجل بدلًا من الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، وتتبنّى منظورًا يعتبر كل المكاسب نسبية وتغيب فيها المعاملة بالمثل، وترفض صنع السياسات على أساس قيمي.
واليوم، تنظر الإدارة الأميركية إلى السياسة الخارجية من منظور المنفعة الصارمة. فإذا تعارضت أهداف الحرب الإسرائيلية مع الاستقرار الإقليمي أو مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية، فإن الإدارة الأميركية مستعدة علناً للضغط على نتانياهو ومعارضته، ما يحطم وهم التحالف الوثيق غير القابل للشرخ. 

يبقى السؤال الأساسي: كيف ينعكس ذلك على اللوبي الصهيوني الضخم داخل أميركا، تحديدًا  لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك) AIPAC؟ وكيف يؤثر على الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل؟

لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك)

حديثاً، وصف رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك) بـ”أنّهم وحوش”، متّهمًا إيّاها بإنفاق “ملايين الدولارات ذات المصادر المشبوهة” بهدف “تفريقنا وإشعال الخلاف في ما بيننا”، ومشيرًا إلى أنّها تخشى الديمقراطية و”إنهاء حرب الإبادة الجماعية وحروب نتانياهو”.

أدّت التحوّلات في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل إلى أن تصبح أيباك أكثر وقاحة في تمويلها ودعمها للمرشّحين المؤيّدين لإسرائيل، وفي “التآمر” لإقصاء المرشّحين المناهضين لها أو غير المتحمّسين لدعمها. غير أنّ هذا النهج خلّف تداعيات سلبية متزايدة داخل المجتمع الأميركي.

فكتبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أنّ أيباك اليوم تواجه واقعًا لم يعد فيه رهانها على ترامب والحزب الجمهوري يؤتي ثماره. ويقول منتقدوها إنها تحصد الآن ما زرعته من استقطاب حاد في السياسة الإسرائيلية في أميركا. ويرتكز المقال في تحليله على بيانات أيباك عقب المفاوضات الأميركية – الإيرانية الأخيرة، التي وصفتها هآرتس بأنّها “معتدلة للغاية إلى درجة تكاد تكون مثيرة للسخرية، مقارنةً بالغضب الشديد الذي عبرت عنه المنظمة تجاه الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما عام 2015″، وأنّ تردد أيباك في توجيه انتقادات علنية إلى ترامب يرسم صورة واضحة للمأزق الذي تجد نفسها فيه اليوم، بحسب هآرتس.

فلطالما كان مصدرُ قوةِ أيباك الأساسيّ دائمًا قدرتَها على فرضِ خط ثنائي صارم بمبدأ إمّا معنا أو ضدّنا ومعادٍ للسامية، وغالبًا ما كانت تُعاقب المرشّحين الذين يخرجون عن هذا الخط. ومع تصريح نائب جمهوريّ لرئيس الجمهوريّة بشكلٍ علني بأنّ سياسات نتانياهو باتت مشروعة كموضوع للنقد، تراجعت قدرة أيباك على وصم المعترضين على هذه السياسات بأنّهم متطرفون.

الأثر على الرأي العام الأميركي

أظهر استطلاع رأي أجراه مركز Pew Research أن 80 في المئة من الديمقراطيين والمستقلين المقربين من الحزب الديمقراطي ينظرون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، بارتفاع عن 69 في المئة في العام الماضي و53 في المئة في عام 2022. كما أن الديمقراطيين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً هم أكثر ميلاً من الديمقراطيين الأكبر سناً الى القول إن لديهم نظرة سلبية للغاية تجاه إسرائيل (47 في المئة مقابل 39 في المئة). 

في المقابل، فإن عدد الجمهوريين والمنتمين لهم الذين لديهم نظرة إيجابية تجاه إسرائيل يفوق أولئك الذين لديهم نظرة سلبية (58 في المئة مقابل 41 في المئة). ومع ذلك، فإن نسبة الجمهوريين الذين يتبنون نظرة سلبية قد ارتفعت بشكل طفيف منذ العام الماضي، مدفوعة بآراء أولئك الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً. واليوم، يحمل 57 في المئة من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً رأياً غير مواتٍ تجاه إسرائيل، مقارنة بنسبة 50 في المئة في العام الماضي. وفي الوقت نفسه، لا تزال الغالبية العظمى من الجمهوريين الذين تبلغ أعمارهم 50 عاماً وما فوق تنظر إلى إسرائيل بشكل إيجابي، وذلك بحسب الاستطلاع نفسه.

لا شكّ في أن تصريحات الرئيس دونالد ترامب في قمّة مجموعة السبع وفي المقابلات اللاحقة، وتصريحات نائبه فانس، تمثّل انحرافاً تاريخياً عن الطريقة التي اعتاد الرؤساء الأميركيون التحدّث بها عن إسرائيل. ومن الواضح أنّ الإدارة الأميركية تنظر إلى السياسة الخارجية اليوم من منظور نفعي صارم. وإذا تعارضت أهداف إسرائيل الحربية مع مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية، فإنّ الأخيرة لن تتوانى بشكلٍ علني عن مواجهة نتانياهو، بما يبدّد وهم التحالف المنسجم بشكلٍ تام. وسيتحدّد المدى الفعلي لهذا التحوّل، وشكل هذا المسار في صورته النهائية، في ضوء ما ستسفر عنه انتخابات التجديد النصفي المقبلة في الولايات المتحدة.

|

اشترك بنشرتنا البريدية