ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل راكمت عائلة الأزهري أرباحاً في لوكسمبورغ على وقع انهيار بنك لبنان والمهجر؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يكشف تحقيق “درج” أن “بلوم بنك” حوّل نحو 40 مليون دولار أرباحاً إلى شركة “بانوراب” في لوكسمبورغ، فأعادت “بانوراب” توزيع ما يقارب 18 مليون دولار على مساهميها، في أكبر دفعة أرباح في تاريخها عن سنة 2018، وذلك قبل أشهر قليلة من انفجار الأزمة المالية اللبنانية في 2019.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يعرض هذا التحقيق كيف حوّل مساهمو بنك لبنان والمهجر “بلوم”، وفي مقدّمهم عائلة الأزهري ورئيس مجلس الإدارة سعد الأزهري، أرباح البنك إلى الخارج عبر شركة عائلية في لوكسمبورغ اسمها “بانوراب”. على مدى سنوات، راكمت “بانوراب” حصّة كبيرة في أسهم “بلوم”، واعتمدت تقريباً بالكامل على هذا الاستثمار من خلال الأسهم والودائع داخل مجموعة البنك.

بين عامَي 2010 و2019 حوّل “بلوم” إلى “بانوراب” أكثر من 250 مليون دولار من توزيعات الأرباح. وفي المقابل، وزّعت “بانوراب” على مساهميها ما لا يقلّ عن 100 مليون دولار، ذهب الجزء الأكبر منها إلى عائلتَي الأزهري وشاكر. حدثت آخر دفعة كبيرة في منتصف 2019، حين حوّل “بلوم” نحو 40 مليون دولار أرباحاً لـ”بانوراب” عن سنة 2018، فأعادت الأخيرة توزيع 18 مليون دولار تقريباً على مساهميها، قبل أشهر قليلة من انفجار الأزمة اللبنانية.

المفارقة الصارخة أن الصحافي مهدي كريّم، وهو مودع حُجزت أمواله في “بلوم بنك” وطالب بها إثر أزمة صحّية في عام 2021، صدر بحقّه قبل نحو أسبوع حكم قضائي غيابي بتهمة “التخريب” في المصرف. يأتي هذا الحكم المجحف في وقت دمّر فيه القصف الإسرائيلي منزل كريّم في صور قبلها بنحو عشرة أيّام، وبينما لا يزال يحاول استعادة توازن حياته وسط الاعتداءات المستمرّة على لبنان. يأتي هذا الحكم في ظلّ إفلات رؤساء مجالس المصارف ومساهميها من أيّ محاسبة. وفي مقابلة مع موقع “درج”، يلخّص كريّم المشهد قائلاً: “هناك ثلاث قضايا أساسية في البلد اليوم: الحرب الإسرائيلية على لبنان، الأزمة المصرفية والودائع، وحقيقة أنني رفعت صوتي في مصرف لاستعادة وديعتي”.

في الوقت الذي كان فيه “بلوم بنك” يحقّق أرباحاً مرتفعة من توظيف كثيف لأموال المودعين لدى مصرف لبنان وفي أدوات دين سيادية، كانت “بانوراب” تحصل بدورها على تدفّقات ثابتة ومتزايدة من توزيعات أرباح “بلوم” والفوائد على ودائعها لديه، وتعيد ضخّ جزء كبير منها كتوزيعات سخيّة على مساهميها، وفي مقدّمهم عائلة الأزهري وسعد الأزهري وعائلة شاكر.

هكذا تحوّل هذا الانكشاف المزدوج: من مصرف لبنان إلى “بلوم”، ومن “بلوم” إلى “بانوراب”، التي راكمت أكثر من 100 مليون دولار (2010 – 2019) في جيوب العائلتين، قبل أن تتكشّف على الملأ الخسائر التي أصابت الأصل اللبناني الذي يستند إليه هذا البناء. فهل سيُدرِج الأزهري هذه الأرقام أيضاً في خانة “الأساطير”، على غرار ما فعل في عرضه الذي حمل عنوان “الحقائق والأساطير في الأزمة المالية اللبنانية” في جلسة في الجامعة اليسوعية العام الفائت؟

هذا التحقيق جزء من مشروع “أوبن لوكس” (OpenLux)، وهو مشروع استقصائي عابر للحدود يُنسّقه مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد (OCCRP) وصحيفة “لوموند” الفرنسية، ويستند إلى بيانات جُمعت من السجلّ التجاري في لوكسمبورغ.

لا بدّ من الإشارة أن “بلوم بنك” كان ثالث أكثر المصارف تلقّياً للقروض من مصرف لبنان في عامَي 2019 و2020، بمجموع قدره 1.522 مليار دولار أميركي (32 مليون دولار في 30 أيلول/ سبتمبر 2019، و1.022 مليار دولار في 25 كانون الثاني/ يناير 2020)، وذلك بعد بنك عودة (2.727 مليار دولار) وبنك مد (1.939 مليار دولار) في التاريخين نفسيهما، بحسب وثيقة اطّلع عليها “درج”.

لم يردّ كلّ من سعد الأزهري وأحمد شاكر أو “بلوم بنك” على أسئلة “درج” قبل نشر التحقيق. 

شركة “بانوراب” في لوكسمبورغ

تأسّست شركة “بانوراب” في لوكسمبورغ في عام 1979، وهي من أبرز المساهمين في بنك لبنان والمهجر. وحتى أيلول/ سبتمبر 2025 كانت “بانوراب” تمتلك نحو 18.73% من أسهم “بلوم بنك”، بحسب موقع المصرف تُعدّ “بانوراب” أداة عائلية مقرّها لوكسمبورغ أُنشئت خصوصاً لحيازة أسهم “بلوم” لصالح مساهميها، وفي مقدّمهم عائلتا الأزهري وشاكر.

تكاد تقتصر موجوداتها على أسهم “بلوم” وودائع لدى مصارف المجموعة، في رهان شبه كامل على بنك واحد، ولا يخفي المصرف نفسه هذه الصلة، إذ يشير في ملاحظة مقتضبة أسفل صفحة كبار المساهمين، إلى أن مساهمي “بانوراب” هم في الأساس المساهمون أنفسهم في “بلوم بنك”، باستثناء بنك نيويورك.

خلال الفترة ما بين 2010 و2019، تلقّت “بانوراب” أكثر من 250 مليون دولار من توزيعات الأرباح من “بلوم”، ودفعت لمساهميها ما لا يقلّ عن 100 مليون دولار. بحسب البيانات المالية التي اطلّعنا عليها، جاء توزيع الأرباح على الشكل التالي: 

في عام 2017، قُدِّرت حصة “بانوراب” في “بلوم” بنحو 439 مليون دولار، مع تسجيل مكاسب ضخمة غير محقّقة في احتياطي القيمة العادلة. وفي عام 2018، بدأت هذه المكاسب غير المحقّقة تتآكل، إذ تراجعت القيمة الدفترية لحصّة “بانوراب” في أسهم “بلوم” وحدها بنحو 91 مليون دولار. رغم ذلك، وافق مجلس الإدارة في منتصف 2019 على توزيع أرباح بقيمة 18 مليون دولار عن أرباح 2018، أي ما يقارب نصف أرباح تلك السنة، مواصلاً سحب السيولة، فيما كان الأصل الأساسي (أسهم بلوم) يفقد جزءاً كبيراً من قيمته على الورق.

من 2010 حتى 2018 كانت شركة “بانوراب” أشبه بـقناة أرباح خارجية لصالح “بلوم”. خلال هذه الفترة ارتفعت حصّتها فيه من نحو 13% إلى نحو 19٪، وجاء تقريباً كل دخلها من توزيعات أرباحه ومن الفوائد على الودائع الموضوعة في بنوك “مجموعة بلوم” وقُدّرت بنحو 231 مليون دولار أميركي.

في كل سنة كانت “بانوراب” تتلقّى توزيعات نقدية كبيرة من “بلوم”، ارتفعت من نحو 9 ملايين دولار في عام 2010 إلى نحو 40 مليون دولار في عام 2018، إضافة إلى أكثر من 1-2 مليون دولار سنوياً من الفوائد على ودائعها في “بلوم”. جزء مهمّ من هذه الأموال كان يُحوَّل من “بانوراب” إلى مالكيها عبر توزيعات أرباح سنوية متزايدة تراوحت بين 6 و18 مليون دولار. كان عام 2018 هو الذروة، حيث امتلكت “بانوراب” تقريباً خُمس “بلوم”، وحصلت في منتصف عام 2019 على نحو 40 مليون دولار توزيعات أرباح من “بلوم” (عن 2018)، ووُزّعت القيمة الأكبر من الأرباح (18 مليون دولار) عن عام 2018.

تغيّرت الصورة بعد 2018 من مرحلة سحب الأرباح إلى مرحلة امتصاص الخسائر. ففي عام 2019، ومع بداية انفجار الأزمة اللبنانية، انهار السعر السوقي لحصّة “بانوراب” في “بلوم” وسجّلت الشركة خسائر كبيرة في القيمة العادلة، لكنّها رغم ذلك مرّرت أعلى توزيعات نقدية على أرباح “بلوم” لعام 2018، فدفعت 18 مليون دولار إضافية لمساهميها. هذا يثير سؤالاً أساسياً: ألم يكن البنك ومجلس إدارته، في حزيران/ يونيو 2019، على علم أو على الأقلّ يتوقّع احتمال الانهيار المقبل بعد نحو أربعة أشهر، قبل أن يقرّر توزيع هذا المبلغ الضخم كأرباح إلى جيوب المساهمين، بينما علقت أموال المودعين بعد ذلك بفترة قصيرة؟

من 2020 حتى 2024، وامتثالاً لتعاميم مصرف لبنان في تلك الفترة، توقّف “بلوم” بالكامل عن دفع أيّ توزيعات أرباح لـ”بانوراب”، وتراجعت إيرادات الفوائد على الودائع بالليرة والدولار، وبدأت “بانوراب” تعكس الأزمة في دفاترها عبر مؤونات ضخمة للخسائر المتوقَّعة على الودائع، ثم مؤونات “قيود” هائلة على أسهم “بلوم” نفسها. 

مع ذلك، لم يظهر الاعتراف الصريح بحجم الخسارة إلّا في 2024، حين اضطرّت الشركة اللوكسمبورغية لخفض رأسمالها من 50 مليون دولار إلى نحو 12.6 مليون دولار، في إقرار عملي بأن ثلاثة أرباع رأسمالها تآكلت بفعل انكشافها على “بلوم”. ما نراه هنا هو أداة أوفشور مركّزة وخاضعة لسيطرة عائلية، استخرجت عشرات ملايين الدولارات من أرباح “بلوم” في سنوات الازدهار، بل حتى في سنة الانهيار، قبل أن تتبخّر إلى حدّ كبير القيمة الحقيقية للأصل اللبناني الذي تستند إليه، لتتحوّل فجأة في عام 2024 إلى الاستثمار في مصارف أجنبية مثل Standard Chartered وUBS Group وBarclays وHSBC Holdings وKBC Group. النتيجة: خسائر ثقيلة في دفاتر “بانوراب” انتهت إلى ميزانية أنظف في لوكسمبورغ واستثمارات دولية جديدة، مع بقاء حصّة كبيرة في “بلوم” وسنوات من التوزيعات النقدية ما قبل الأزمة آمنة في أيدي المالكين الأساسيين، بينما تُرك المودعون في الداخل محرومين من ودائعهم.

لا يمكننا الجزم في هذا المجال، إلّا أنه من المرجّح أن مساهمي “بلوم بنك” وشركة “بانوراب” استخدموا “الوعاء” اللوكسمبورغي لتحقيق أرباح شخصية وحمايتها في الوقت الذي حُرم مودعو البنك من الوصول إلى مدخّراتهم.

استنادًا إلى نسب ملكية الأسهم المصرَّح به، يتبيّن أن عائلتي الأزهري وشاكر كانتا المستفيدتين الأساسيتين من توزيعات “بانوراب” خلال العقد الذي سبق الانهيار. تمتلك شركة “Actionnaires Unis Holding Libanais SAL” نحو 46.34٪ من أسهم “بانوراب” و1.83% من أسهم “بلوم بنك”، فيما تملك تقريبياً عائلة الأزهري 51٪ من هذه الشركة، وعائلة شاكر 49٪، إضافة إلى حصص مباشرة لعائلة الأزهري في “بانوراب” تُقدَّر بنحو 8.32٪، وحصّة مباشرة لعائلة شاكر تبلغ نحو 20.34٪. عند جمع الحصص المباشرة وغير المباشرة، يصبح نصيب عائلة الأزهري الفعلي في “بانوراب” في حدود 32٪، مقابل نحو 43٪ لعائلة شاكر، أيّ أن العائلتين معاً تسيطران على ما يقارب ثلاثة أرباع رأس مال الشركة. وبناءً على مجموع التوزيعات التي دفعتها “بانوراب” لمساهميها بين 2010 و2019 والبالغة 108 ملايين دولار، يمكن تقدير نصيب عائلة الأزهري بنحو 34–35 مليون دولار، فيما يصل نصيب عائلة شاكر إلى نحو 46–47 مليون دولار. هذا يعني أن عشرات ملايين الدولارات من العائدات الخارجة من “بلوم” عبر “بانوراب” انتهت في حسابات العائلتين المالكتيْن، في الوقت الذي كانت فيه قيمة الأصل الأساسي، أي أسهم “بلوم” تتعرّض لخسائر متراكمة لم تُكشف للعلن بالكامل إلا في مراحل متأخّرة.

لا بدّ من التذكير أن “شاكر هولدينغ” باعت المتبقّي من حصّتها في “بلوم بنك”، والبالغ 6.5 ملايين سهم عادي، إلى كلّ من شركة “بانوراب” والبنك نفسه، مقابل مجموع قدره 69.8 مليون دولار في عام 2017. كما استحوذت شركة “بانوراب” على خمسة ملايين سهم بقيمة إجمالية قدرها 53.5 مليون دولار، بحسب موقع Business News. إلّا أنه ما زالت عائلة شاكر تملك 4.83% من أسهم البنك، وفق البيانات المنشورة على موقع “بلوم بنك”. 

أمّا على مستوى شركة “بانوراب” نفسها، فتُظهر بيانات السجل التجاري في لوكسمبورغ لعام 2021 أن “Actionnaires Unis Holding Libanais S.A.L” والشيخ غسّان شاكر شُطبا من لائحة أعضاء مجلس الإدارة، في حين بقي كلّ من مروان جارودي، سامر الأزهري، سعد الأزهري ونعمان الأزهري أعضاء في المجلس، وانضمّ إلى الإدارة كلّ من رجل الأعمال رامي حورية وعمرو الأزهري كمديرين جديدين.

تقارير بلوم بنك المالية

بحسب التقرير المالي السنوي لعام 2018 “فإن ربح سنة 2018 مُبالَغ في تقديره بمبلغ 49,934 مليون ليرة لبنانية (2017: 89,720 مليون ليرة)، كما أن بند “مؤونات للمخاطر والنفقات” مُبالَغ في تقديره، في حين أن إجمالي حقوق الملكية في 31 كانون الأوّل/ ديسمبر 2018 مُنتقَص بمبلغ 160,945 مليون ليرة لبنانية (2017: 337,177 مليون ليرة)”. 

في حسابات عام 2018 (المودَعة في حزيران/ يونيو 2019)، تعترف “بانوراب” بـ: انخفاض قدره 73.8 مليون دولار في بند “التجميدات المالية” (حصّة بلوم)، وضربة قدرها 91.5 مليون دولار لاحتياطي إعادة التقييم، وتراجع في حقوق الملكية بقيمة 70 مليون دولار، من دون أيّ خفض في رأس المال، مع تسجيل ربح كبير (37.47 مليون دولار) وتوزيع أرباح بقيمة 18 مليون دولار. فقط في أيلول/ سبتمبر 2024 أقدمت “بانوراب” رسمياً على خفض رأس مالها. 

إذاً، حتى بعد تراجع قيمة استثمارها في “بلوم” وخسارتها عشرات ملايين الدولارات واصلَت “بانوراب” الإبقاء على رأسمالها الاسمي وتوزيع أرباح كبيرة حتى 2018، ولم تعترف فعلياً بالخسائر عبر خفض رأس المال إلى 12.58 مليون دولار إلا في أيلول/ سبتمبر 2024.

وبالتالي، رغم تعذّر الجزم القاطع في هذا المجال، كانت المؤشّرات واضحة ومتاحة، ولا سيّما أمام المصرفيين ومصرف لبنان، بأنّ الأزمة قادمة لا محالة. وفي حالة “بلوم بنك” تحديداً، يبرز ذلك جليّاً في التقارير المالية الصادرة عنه. وإذا كان ربح “بلوم” مبالَغاً فيه، فإن ذلك يعني أن “بانوراب” تبدو وكأنها تتلقّى توزيعات من مصرف يحقّق أرباحاً، ما يبرّر ظاهرياً استمرار توزيع أرباح مرتفعة أو متزايدة على مساهميها، رغم أن الربح الفعلي أقلّ من الصورة المعلَنة. بناءً على ذلك، رفعت “بانوراب” مستوى توزيع الأرباح حتى عام 2018، ممّا ساهم بتمرير مزيد من السيولة إلى العائلتين، بينما كان الأصل الذي تستند إليه هذه التوزيعات، أسهم “بلوم”، في حالة تدهور لم تكن ظاهرة بالكامل بسبب المعالجات المحاسبية في بيانات المصرف.

أمّا في نهاية عام 2019، جاء رأي مدقّق حسابات “بلوم بنك” متحفِّظاً وذلك بعد أن “جرى تضخيم ربح السنة المنتهية في 31 كانون الأوّل/ ديسمبر 2019 بمبلغ 160,945 مليون ليرة لبنانية، في حين جرى التقليل من الأرباح المحتجزة الافتتاحية كما في 1 كانون الثاني/ يناير 2019 بالقيمة نفسها (2018: ربح سنة 2018 مُبالَغ فيه بمبلغ 49,934 مليون ليرة لبنانية، 2017: 89,720 مليون ليرة لبنانية)، كما أن بند “المؤونات للمخاطر والأعباء” مُبالَغ فيه، وإجمالي حقوق الملكية مُقلَّل بمبلغ 160,945 مليون ليرة لبنانية كما في 31 كانون الأوّل/ ديسمبر 2018 (2017: 337,177 مليون ليرة لبنانية).

تجدر الإشارة إلى أن مدقّقي حسابات شركة “بانوراب” اللوكسمبورغية هم شركة “سمعان غلام وشركاه”، وهم أنفسهم من بين مدقّقي حسابات “بلوم بنك” ومصرف لبنان، إلى جانب شركة “إرنست أند يونغ”، لم تردّ شركة “سمعان غلام وشركاه” على أسئلة “درج” قبل نشر التحقيق. 

“الأساطير” تلاحق الأزهري

في جلسة عقدتها كليّة الحقوق والعلوم السياسية في مركز الدراسات الحقوقية للعالم العربي في الجامعة اليسوعية في لبنان بعنوان “الإصلاح المالي: نحو المساءلة أو العفو العامّ” في 14 أيّار/ مايو 2025، شارك رئيس مجلس الإدارة المدير العام لبنك لبنان والمهجر (بلوم بنك) سعد الأزهري ممثّلاً وجهة نظر المصارف. يحسب له أنه تجرّأ على الحضور إلى قاعة يعرف مسبقاً أن معظم من فيها سيعارضونه، لكنّ حدّة محاولته تحميل الدولة وحدها مسؤولية الانهيار المالي كانت فاقعة إلى درجة استدعت ردّاً مباشراً من الحاضرين والمتحدّثين الآخرين.

قدّم الأزهري عرضاً بعنوان “الحقائق و”الأساطير“ في الأزمة المالية اللبنانية واقتراح لاسترداد الودائع”، سعى فيه إلى تفكيك ما سمّاه “أساطير” حول دور المصارف، قبل أن ينتهي إلى طرح حلّ يقوم على إنشاء صندوق سيادي لاسترداد الودائع. في هذا السياق عرض “مقترح لاسترداد الودائع” قائلاً إن المصارف كانت، إلى حدّ كبير، “ضحيّة” للأزمة المالية، وبالتالي لا ينبغي أن تدفع ثمنها من خلال تصفيتها، بل ينبغي منحها فرصة لإعادة الهيكلة والتعافي عبر “توزيع عادل وقابل للتطبيق” لخسائر مصرف لبنان، أي الفجوة المالية التي تعكس نفسها في الودائع العالقة لدى المصارف. واعتبر أن ذلك “أمر ضروري وصحيح” يجب إنجازه في أسرع وقت، تمهيداً لاقتراحه العملي لاسترداد الودائع.

صورة من جلسة “الإصلاح المالي: نحو المساءلة أو العفو العامّ” التي عقدتها كلية الحقوق والعلوم السياسية في مركز الدراسات الحقوقية للعالم العربي في الجامعة اليسوعية في لبنان  في 14 أيّار/ مايو 2025
مصدر الصورة: هلا نصرالدين

أما اقتراحه المركزي فتمثّل في إنشاء “صندوق استرداد الودائع” (DRF) يموّل من أربعة مصادر أساسية: أوّلاً، 30% من الأرباح الموزّعة من المصارف. ثانياً، جزء من إيرادات أصول مصرف لبنان مثل الذهب، وكازينو لبنان، وشركة طيران الشرق الأوسط، وبنك إنترا وغيرها. ثالثاً، مساهمة من الدولة عبر نسبة من إيرادات أصولها، و2.5 مليار دولار لإعادة رسملة مصرف لبنان، إضافة إلى نسبة من عائدات الغاز المستقبلية. ورابعاً، “مصادر أخرى محتملة” مثل إيرادات ضريبة استثنائية على الأرباح التي حقّقها المدينون الذين سدّدوا قروضهم بـ”اللولار” أو بالليرة على السعر الرسمي. وبموجب الخطّة، يصدر الصندوق أسهماً تناسبية للمودعين بقيمة ودائعهم وتُدرج هذه الأسهم لاحقاً للتداول في بورصة بيروت.

اللافت في طرح الأزهري أن الذهب ورد كأوّل أصل من أصول مصرف لبنان والدولة المرشَّحة للتسييل أو الرهن لصالح هذا الصندوق، في استمرارٍ لخطاب يقدّم حماية المصارف وإعادة تعافِيها كمدخل لاسترداد الودائع، حتى لو كان الثمن توظيف أبرز أصول الدولة والمال العامّ في خدمة هذه المعادلة. 

أرباح بلوم بنك من معاملات مصرف لبنان 

تُظهر مسوّدة التدقيق الجنائي التي أعدّتها شركة “ألفاريز ومارسال” في آب/ أغسطس 2023 أن تعاملات المصارف مع مصرف لبنان لم تكن نشاطاً هامشياً، بل شكّلت أحد أهم مصادر أرباحها في تلك الفترة. وبالنسبة إلى “بلوم بنك”، تشير الأرقام إلى أن المصرف حقّق أرباحاً كبيرة من آليّات الـ leverage، أي من قروض حصل عليها من مصرف لبنان مقابل رهن سندات خزينة لبنانية وودائع لأجل لديه.

ووفق تقديرات “ألفاريز ومارسال”، حصد المصرف ما يقارب 236 إلى 320 مليار ليرة سنوياً من القروض المموّلة برهن سندات الخزينة بين 2017 و2020. كما حقّق، ابتداءً من 2018، أرباحاً إضافية تراوحت بين ما يقارب 160 إلى 283 مليار ليرة سنوياً من القروض المموّلة برهن الودائع لأجل. هذا يعني أن العلاقة مع مصرف لبنان لم تكن مجرّد مصدر سيولة لـ”بلوم”، بل كانت أيضاً أحد أكثر خطوط أعماله ربحية في مرحلة سبقت الانهيار.

ومع أن هذه الأرباح كانت بالليرة اللبنانية، فإن أهمّيتها لا تكمن فقط في قيمتها النهائية بعد الانهيار، بل في كونها أسهمت في تضخيم أرباح المصرف قبل الأزمة، وهي الأرباح نفسها التي استفاد منها المساهمون عبر التوزيعات. في حين ردّ الأزهري على ذلك في جلسة “اليسوعية” معتبراً أن “هذه الأرباح بالليرة اللبنانية قد ذابت قيمتها جرّاء انهيار العملة اللبنانية”.

شركات إضافية:

تذكر تقارير “بانوراب” أيضاً شركة تابعة صغيرة وغامضة اسمها Polygarnator S.A. برأسمال لا يتجاوز 100 ألف دولار، تمتلك “بانوراب” كامل أسهمها. تُظهر الحسابات أن “بانوراب” أقرضت هذه الشركة أكثر من 1.4 مليون دولار، ثم كوّنت مؤونات تغطّي كامل هذه السلفات، ما يعني عملياً أنها اعتبرت أن الشركة التابعة غير قادرة على تسديدها. لا توجد معلومات علنية إضافية تُذكر عن نشاط Polygarnator أو دورها خارج ما يرد في ملاحظات “بانوراب” نفسها.

في المقابل، تذكر تقارير “بانوراب” شركة AZA Holding، إذ كانت هذه الشركة القابضة واحدة من أهمّ حاملي أسهم البنك، قبل أن تُصفّى في 2016 وتُنقَل حصّة أساسية من أسهم “بلوم” مباشرة إلى المساهمين الأساسيين، وفي مقدّمهم عائلة الأزهري. ووفقاً لما تورده ملاحظات “بانوراب” نفسها، فقد حصلت الأخيرة عند تصفية AZA على أسهم إضافية في “بلوم” (عادية وGDR) بقيمة تقارب 25.9 مليون دولار، إضافة إلى مبلغ نقدي صغير، محقّقة ربحاً محاسبياً بنحو 2.4 مليون دولار، الأمر الذي زاد من انكشافها المباشر على أسهم “بلوم”، ورسّخ دورها كوعاء استثماري مركزي للعائلة في هيكل المجموعة.

يكشف تحقيق “درج” أن “بلوم بنك” حوّل نحو 40 مليون دولار أرباحاً إلى شركة “بانوراب” في لوكسمبورغ، فأعادت “بانوراب” توزيع ما يقارب 18 مليون دولار على مساهميها، في أكبر دفعة أرباح في تاريخها عن سنة 2018، وذلك قبل أشهر قليلة من انفجار الأزمة المالية اللبنانية في 2019.

يعرض هذا التحقيق كيف حوّل مساهمو بنك لبنان والمهجر “بلوم”، وفي مقدّمهم عائلة الأزهري ورئيس مجلس الإدارة سعد الأزهري، أرباح البنك إلى الخارج عبر شركة عائلية في لوكسمبورغ اسمها “بانوراب”. على مدى سنوات، راكمت “بانوراب” حصّة كبيرة في أسهم “بلوم”، واعتمدت تقريباً بالكامل على هذا الاستثمار من خلال الأسهم والودائع داخل مجموعة البنك.

بين عامَي 2010 و2019 حوّل “بلوم” إلى “بانوراب” أكثر من 250 مليون دولار من توزيعات الأرباح. وفي المقابل، وزّعت “بانوراب” على مساهميها ما لا يقلّ عن 100 مليون دولار، ذهب الجزء الأكبر منها إلى عائلتَي الأزهري وشاكر. حدثت آخر دفعة كبيرة في منتصف 2019، حين حوّل “بلوم” نحو 40 مليون دولار أرباحاً لـ”بانوراب” عن سنة 2018، فأعادت الأخيرة توزيع 18 مليون دولار تقريباً على مساهميها، قبل أشهر قليلة من انفجار الأزمة اللبنانية.

المفارقة الصارخة أن الصحافي مهدي كريّم، وهو مودع حُجزت أمواله في “بلوم بنك” وطالب بها إثر أزمة صحّية في عام 2021، صدر بحقّه قبل نحو أسبوع حكم قضائي غيابي بتهمة “التخريب” في المصرف. يأتي هذا الحكم المجحف في وقت دمّر فيه القصف الإسرائيلي منزل كريّم في صور قبلها بنحو عشرة أيّام، وبينما لا يزال يحاول استعادة توازن حياته وسط الاعتداءات المستمرّة على لبنان. يأتي هذا الحكم في ظلّ إفلات رؤساء مجالس المصارف ومساهميها من أيّ محاسبة. وفي مقابلة مع موقع “درج”، يلخّص كريّم المشهد قائلاً: “هناك ثلاث قضايا أساسية في البلد اليوم: الحرب الإسرائيلية على لبنان، الأزمة المصرفية والودائع، وحقيقة أنني رفعت صوتي في مصرف لاستعادة وديعتي”.

في الوقت الذي كان فيه “بلوم بنك” يحقّق أرباحاً مرتفعة من توظيف كثيف لأموال المودعين لدى مصرف لبنان وفي أدوات دين سيادية، كانت “بانوراب” تحصل بدورها على تدفّقات ثابتة ومتزايدة من توزيعات أرباح “بلوم” والفوائد على ودائعها لديه، وتعيد ضخّ جزء كبير منها كتوزيعات سخيّة على مساهميها، وفي مقدّمهم عائلة الأزهري وسعد الأزهري وعائلة شاكر.

هكذا تحوّل هذا الانكشاف المزدوج: من مصرف لبنان إلى “بلوم”، ومن “بلوم” إلى “بانوراب”، التي راكمت أكثر من 100 مليون دولار (2010 – 2019) في جيوب العائلتين، قبل أن تتكشّف على الملأ الخسائر التي أصابت الأصل اللبناني الذي يستند إليه هذا البناء. فهل سيُدرِج الأزهري هذه الأرقام أيضاً في خانة “الأساطير”، على غرار ما فعل في عرضه الذي حمل عنوان “الحقائق والأساطير في الأزمة المالية اللبنانية” في جلسة في الجامعة اليسوعية العام الفائت؟

هذا التحقيق جزء من مشروع “أوبن لوكس” (OpenLux)، وهو مشروع استقصائي عابر للحدود يُنسّقه مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد (OCCRP) وصحيفة “لوموند” الفرنسية، ويستند إلى بيانات جُمعت من السجلّ التجاري في لوكسمبورغ.

لا بدّ من الإشارة أن “بلوم بنك” كان ثالث أكثر المصارف تلقّياً للقروض من مصرف لبنان في عامَي 2019 و2020، بمجموع قدره 1.522 مليار دولار أميركي (32 مليون دولار في 30 أيلول/ سبتمبر 2019، و1.022 مليار دولار في 25 كانون الثاني/ يناير 2020)، وذلك بعد بنك عودة (2.727 مليار دولار) وبنك مد (1.939 مليار دولار) في التاريخين نفسيهما، بحسب وثيقة اطّلع عليها “درج”.

لم يردّ كلّ من سعد الأزهري وأحمد شاكر أو “بلوم بنك” على أسئلة “درج” قبل نشر التحقيق. 

شركة “بانوراب” في لوكسمبورغ

تأسّست شركة “بانوراب” في لوكسمبورغ في عام 1979، وهي من أبرز المساهمين في بنك لبنان والمهجر. وحتى أيلول/ سبتمبر 2025 كانت “بانوراب” تمتلك نحو 18.73% من أسهم “بلوم بنك”، بحسب موقع المصرف تُعدّ “بانوراب” أداة عائلية مقرّها لوكسمبورغ أُنشئت خصوصاً لحيازة أسهم “بلوم” لصالح مساهميها، وفي مقدّمهم عائلتا الأزهري وشاكر.

تكاد تقتصر موجوداتها على أسهم “بلوم” وودائع لدى مصارف المجموعة، في رهان شبه كامل على بنك واحد، ولا يخفي المصرف نفسه هذه الصلة، إذ يشير في ملاحظة مقتضبة أسفل صفحة كبار المساهمين، إلى أن مساهمي “بانوراب” هم في الأساس المساهمون أنفسهم في “بلوم بنك”، باستثناء بنك نيويورك.

خلال الفترة ما بين 2010 و2019، تلقّت “بانوراب” أكثر من 250 مليون دولار من توزيعات الأرباح من “بلوم”، ودفعت لمساهميها ما لا يقلّ عن 100 مليون دولار. بحسب البيانات المالية التي اطلّعنا عليها، جاء توزيع الأرباح على الشكل التالي: 

في عام 2017، قُدِّرت حصة “بانوراب” في “بلوم” بنحو 439 مليون دولار، مع تسجيل مكاسب ضخمة غير محقّقة في احتياطي القيمة العادلة. وفي عام 2018، بدأت هذه المكاسب غير المحقّقة تتآكل، إذ تراجعت القيمة الدفترية لحصّة “بانوراب” في أسهم “بلوم” وحدها بنحو 91 مليون دولار. رغم ذلك، وافق مجلس الإدارة في منتصف 2019 على توزيع أرباح بقيمة 18 مليون دولار عن أرباح 2018، أي ما يقارب نصف أرباح تلك السنة، مواصلاً سحب السيولة، فيما كان الأصل الأساسي (أسهم بلوم) يفقد جزءاً كبيراً من قيمته على الورق.

من 2010 حتى 2018 كانت شركة “بانوراب” أشبه بـقناة أرباح خارجية لصالح “بلوم”. خلال هذه الفترة ارتفعت حصّتها فيه من نحو 13% إلى نحو 19٪، وجاء تقريباً كل دخلها من توزيعات أرباحه ومن الفوائد على الودائع الموضوعة في بنوك “مجموعة بلوم” وقُدّرت بنحو 231 مليون دولار أميركي.

في كل سنة كانت “بانوراب” تتلقّى توزيعات نقدية كبيرة من “بلوم”، ارتفعت من نحو 9 ملايين دولار في عام 2010 إلى نحو 40 مليون دولار في عام 2018، إضافة إلى أكثر من 1-2 مليون دولار سنوياً من الفوائد على ودائعها في “بلوم”. جزء مهمّ من هذه الأموال كان يُحوَّل من “بانوراب” إلى مالكيها عبر توزيعات أرباح سنوية متزايدة تراوحت بين 6 و18 مليون دولار. كان عام 2018 هو الذروة، حيث امتلكت “بانوراب” تقريباً خُمس “بلوم”، وحصلت في منتصف عام 2019 على نحو 40 مليون دولار توزيعات أرباح من “بلوم” (عن 2018)، ووُزّعت القيمة الأكبر من الأرباح (18 مليون دولار) عن عام 2018.

تغيّرت الصورة بعد 2018 من مرحلة سحب الأرباح إلى مرحلة امتصاص الخسائر. ففي عام 2019، ومع بداية انفجار الأزمة اللبنانية، انهار السعر السوقي لحصّة “بانوراب” في “بلوم” وسجّلت الشركة خسائر كبيرة في القيمة العادلة، لكنّها رغم ذلك مرّرت أعلى توزيعات نقدية على أرباح “بلوم” لعام 2018، فدفعت 18 مليون دولار إضافية لمساهميها. هذا يثير سؤالاً أساسياً: ألم يكن البنك ومجلس إدارته، في حزيران/ يونيو 2019، على علم أو على الأقلّ يتوقّع احتمال الانهيار المقبل بعد نحو أربعة أشهر، قبل أن يقرّر توزيع هذا المبلغ الضخم كأرباح إلى جيوب المساهمين، بينما علقت أموال المودعين بعد ذلك بفترة قصيرة؟

من 2020 حتى 2024، وامتثالاً لتعاميم مصرف لبنان في تلك الفترة، توقّف “بلوم” بالكامل عن دفع أيّ توزيعات أرباح لـ”بانوراب”، وتراجعت إيرادات الفوائد على الودائع بالليرة والدولار، وبدأت “بانوراب” تعكس الأزمة في دفاترها عبر مؤونات ضخمة للخسائر المتوقَّعة على الودائع، ثم مؤونات “قيود” هائلة على أسهم “بلوم” نفسها. 

مع ذلك، لم يظهر الاعتراف الصريح بحجم الخسارة إلّا في 2024، حين اضطرّت الشركة اللوكسمبورغية لخفض رأسمالها من 50 مليون دولار إلى نحو 12.6 مليون دولار، في إقرار عملي بأن ثلاثة أرباع رأسمالها تآكلت بفعل انكشافها على “بلوم”. ما نراه هنا هو أداة أوفشور مركّزة وخاضعة لسيطرة عائلية، استخرجت عشرات ملايين الدولارات من أرباح “بلوم” في سنوات الازدهار، بل حتى في سنة الانهيار، قبل أن تتبخّر إلى حدّ كبير القيمة الحقيقية للأصل اللبناني الذي تستند إليه، لتتحوّل فجأة في عام 2024 إلى الاستثمار في مصارف أجنبية مثل Standard Chartered وUBS Group وBarclays وHSBC Holdings وKBC Group. النتيجة: خسائر ثقيلة في دفاتر “بانوراب” انتهت إلى ميزانية أنظف في لوكسمبورغ واستثمارات دولية جديدة، مع بقاء حصّة كبيرة في “بلوم” وسنوات من التوزيعات النقدية ما قبل الأزمة آمنة في أيدي المالكين الأساسيين، بينما تُرك المودعون في الداخل محرومين من ودائعهم.

لا يمكننا الجزم في هذا المجال، إلّا أنه من المرجّح أن مساهمي “بلوم بنك” وشركة “بانوراب” استخدموا “الوعاء” اللوكسمبورغي لتحقيق أرباح شخصية وحمايتها في الوقت الذي حُرم مودعو البنك من الوصول إلى مدخّراتهم.

استنادًا إلى نسب ملكية الأسهم المصرَّح به، يتبيّن أن عائلتي الأزهري وشاكر كانتا المستفيدتين الأساسيتين من توزيعات “بانوراب” خلال العقد الذي سبق الانهيار. تمتلك شركة “Actionnaires Unis Holding Libanais SAL” نحو 46.34٪ من أسهم “بانوراب” و1.83% من أسهم “بلوم بنك”، فيما تملك تقريبياً عائلة الأزهري 51٪ من هذه الشركة، وعائلة شاكر 49٪، إضافة إلى حصص مباشرة لعائلة الأزهري في “بانوراب” تُقدَّر بنحو 8.32٪، وحصّة مباشرة لعائلة شاكر تبلغ نحو 20.34٪. عند جمع الحصص المباشرة وغير المباشرة، يصبح نصيب عائلة الأزهري الفعلي في “بانوراب” في حدود 32٪، مقابل نحو 43٪ لعائلة شاكر، أيّ أن العائلتين معاً تسيطران على ما يقارب ثلاثة أرباع رأس مال الشركة. وبناءً على مجموع التوزيعات التي دفعتها “بانوراب” لمساهميها بين 2010 و2019 والبالغة 108 ملايين دولار، يمكن تقدير نصيب عائلة الأزهري بنحو 34–35 مليون دولار، فيما يصل نصيب عائلة شاكر إلى نحو 46–47 مليون دولار. هذا يعني أن عشرات ملايين الدولارات من العائدات الخارجة من “بلوم” عبر “بانوراب” انتهت في حسابات العائلتين المالكتيْن، في الوقت الذي كانت فيه قيمة الأصل الأساسي، أي أسهم “بلوم” تتعرّض لخسائر متراكمة لم تُكشف للعلن بالكامل إلا في مراحل متأخّرة.

لا بدّ من التذكير أن “شاكر هولدينغ” باعت المتبقّي من حصّتها في “بلوم بنك”، والبالغ 6.5 ملايين سهم عادي، إلى كلّ من شركة “بانوراب” والبنك نفسه، مقابل مجموع قدره 69.8 مليون دولار في عام 2017. كما استحوذت شركة “بانوراب” على خمسة ملايين سهم بقيمة إجمالية قدرها 53.5 مليون دولار، بحسب موقع Business News. إلّا أنه ما زالت عائلة شاكر تملك 4.83% من أسهم البنك، وفق البيانات المنشورة على موقع “بلوم بنك”. 

أمّا على مستوى شركة “بانوراب” نفسها، فتُظهر بيانات السجل التجاري في لوكسمبورغ لعام 2021 أن “Actionnaires Unis Holding Libanais S.A.L” والشيخ غسّان شاكر شُطبا من لائحة أعضاء مجلس الإدارة، في حين بقي كلّ من مروان جارودي، سامر الأزهري، سعد الأزهري ونعمان الأزهري أعضاء في المجلس، وانضمّ إلى الإدارة كلّ من رجل الأعمال رامي حورية وعمرو الأزهري كمديرين جديدين.

تقارير بلوم بنك المالية

بحسب التقرير المالي السنوي لعام 2018 “فإن ربح سنة 2018 مُبالَغ في تقديره بمبلغ 49,934 مليون ليرة لبنانية (2017: 89,720 مليون ليرة)، كما أن بند “مؤونات للمخاطر والنفقات” مُبالَغ في تقديره، في حين أن إجمالي حقوق الملكية في 31 كانون الأوّل/ ديسمبر 2018 مُنتقَص بمبلغ 160,945 مليون ليرة لبنانية (2017: 337,177 مليون ليرة)”. 

في حسابات عام 2018 (المودَعة في حزيران/ يونيو 2019)، تعترف “بانوراب” بـ: انخفاض قدره 73.8 مليون دولار في بند “التجميدات المالية” (حصّة بلوم)، وضربة قدرها 91.5 مليون دولار لاحتياطي إعادة التقييم، وتراجع في حقوق الملكية بقيمة 70 مليون دولار، من دون أيّ خفض في رأس المال، مع تسجيل ربح كبير (37.47 مليون دولار) وتوزيع أرباح بقيمة 18 مليون دولار. فقط في أيلول/ سبتمبر 2024 أقدمت “بانوراب” رسمياً على خفض رأس مالها. 

إذاً، حتى بعد تراجع قيمة استثمارها في “بلوم” وخسارتها عشرات ملايين الدولارات واصلَت “بانوراب” الإبقاء على رأسمالها الاسمي وتوزيع أرباح كبيرة حتى 2018، ولم تعترف فعلياً بالخسائر عبر خفض رأس المال إلى 12.58 مليون دولار إلا في أيلول/ سبتمبر 2024.

وبالتالي، رغم تعذّر الجزم القاطع في هذا المجال، كانت المؤشّرات واضحة ومتاحة، ولا سيّما أمام المصرفيين ومصرف لبنان، بأنّ الأزمة قادمة لا محالة. وفي حالة “بلوم بنك” تحديداً، يبرز ذلك جليّاً في التقارير المالية الصادرة عنه. وإذا كان ربح “بلوم” مبالَغاً فيه، فإن ذلك يعني أن “بانوراب” تبدو وكأنها تتلقّى توزيعات من مصرف يحقّق أرباحاً، ما يبرّر ظاهرياً استمرار توزيع أرباح مرتفعة أو متزايدة على مساهميها، رغم أن الربح الفعلي أقلّ من الصورة المعلَنة. بناءً على ذلك، رفعت “بانوراب” مستوى توزيع الأرباح حتى عام 2018، ممّا ساهم بتمرير مزيد من السيولة إلى العائلتين، بينما كان الأصل الذي تستند إليه هذه التوزيعات، أسهم “بلوم”، في حالة تدهور لم تكن ظاهرة بالكامل بسبب المعالجات المحاسبية في بيانات المصرف.

أمّا في نهاية عام 2019، جاء رأي مدقّق حسابات “بلوم بنك” متحفِّظاً وذلك بعد أن “جرى تضخيم ربح السنة المنتهية في 31 كانون الأوّل/ ديسمبر 2019 بمبلغ 160,945 مليون ليرة لبنانية، في حين جرى التقليل من الأرباح المحتجزة الافتتاحية كما في 1 كانون الثاني/ يناير 2019 بالقيمة نفسها (2018: ربح سنة 2018 مُبالَغ فيه بمبلغ 49,934 مليون ليرة لبنانية، 2017: 89,720 مليون ليرة لبنانية)، كما أن بند “المؤونات للمخاطر والأعباء” مُبالَغ فيه، وإجمالي حقوق الملكية مُقلَّل بمبلغ 160,945 مليون ليرة لبنانية كما في 31 كانون الأوّل/ ديسمبر 2018 (2017: 337,177 مليون ليرة لبنانية).

تجدر الإشارة إلى أن مدقّقي حسابات شركة “بانوراب” اللوكسمبورغية هم شركة “سمعان غلام وشركاه”، وهم أنفسهم من بين مدقّقي حسابات “بلوم بنك” ومصرف لبنان، إلى جانب شركة “إرنست أند يونغ”، لم تردّ شركة “سمعان غلام وشركاه” على أسئلة “درج” قبل نشر التحقيق. 

“الأساطير” تلاحق الأزهري

في جلسة عقدتها كليّة الحقوق والعلوم السياسية في مركز الدراسات الحقوقية للعالم العربي في الجامعة اليسوعية في لبنان بعنوان “الإصلاح المالي: نحو المساءلة أو العفو العامّ” في 14 أيّار/ مايو 2025، شارك رئيس مجلس الإدارة المدير العام لبنك لبنان والمهجر (بلوم بنك) سعد الأزهري ممثّلاً وجهة نظر المصارف. يحسب له أنه تجرّأ على الحضور إلى قاعة يعرف مسبقاً أن معظم من فيها سيعارضونه، لكنّ حدّة محاولته تحميل الدولة وحدها مسؤولية الانهيار المالي كانت فاقعة إلى درجة استدعت ردّاً مباشراً من الحاضرين والمتحدّثين الآخرين.

قدّم الأزهري عرضاً بعنوان “الحقائق و”الأساطير“ في الأزمة المالية اللبنانية واقتراح لاسترداد الودائع”، سعى فيه إلى تفكيك ما سمّاه “أساطير” حول دور المصارف، قبل أن ينتهي إلى طرح حلّ يقوم على إنشاء صندوق سيادي لاسترداد الودائع. في هذا السياق عرض “مقترح لاسترداد الودائع” قائلاً إن المصارف كانت، إلى حدّ كبير، “ضحيّة” للأزمة المالية، وبالتالي لا ينبغي أن تدفع ثمنها من خلال تصفيتها، بل ينبغي منحها فرصة لإعادة الهيكلة والتعافي عبر “توزيع عادل وقابل للتطبيق” لخسائر مصرف لبنان، أي الفجوة المالية التي تعكس نفسها في الودائع العالقة لدى المصارف. واعتبر أن ذلك “أمر ضروري وصحيح” يجب إنجازه في أسرع وقت، تمهيداً لاقتراحه العملي لاسترداد الودائع.

صورة من جلسة “الإصلاح المالي: نحو المساءلة أو العفو العامّ” التي عقدتها كلية الحقوق والعلوم السياسية في مركز الدراسات الحقوقية للعالم العربي في الجامعة اليسوعية في لبنان  في 14 أيّار/ مايو 2025
مصدر الصورة: هلا نصرالدين

أما اقتراحه المركزي فتمثّل في إنشاء “صندوق استرداد الودائع” (DRF) يموّل من أربعة مصادر أساسية: أوّلاً، 30% من الأرباح الموزّعة من المصارف. ثانياً، جزء من إيرادات أصول مصرف لبنان مثل الذهب، وكازينو لبنان، وشركة طيران الشرق الأوسط، وبنك إنترا وغيرها. ثالثاً، مساهمة من الدولة عبر نسبة من إيرادات أصولها، و2.5 مليار دولار لإعادة رسملة مصرف لبنان، إضافة إلى نسبة من عائدات الغاز المستقبلية. ورابعاً، “مصادر أخرى محتملة” مثل إيرادات ضريبة استثنائية على الأرباح التي حقّقها المدينون الذين سدّدوا قروضهم بـ”اللولار” أو بالليرة على السعر الرسمي. وبموجب الخطّة، يصدر الصندوق أسهماً تناسبية للمودعين بقيمة ودائعهم وتُدرج هذه الأسهم لاحقاً للتداول في بورصة بيروت.

اللافت في طرح الأزهري أن الذهب ورد كأوّل أصل من أصول مصرف لبنان والدولة المرشَّحة للتسييل أو الرهن لصالح هذا الصندوق، في استمرارٍ لخطاب يقدّم حماية المصارف وإعادة تعافِيها كمدخل لاسترداد الودائع، حتى لو كان الثمن توظيف أبرز أصول الدولة والمال العامّ في خدمة هذه المعادلة. 

أرباح بلوم بنك من معاملات مصرف لبنان 

تُظهر مسوّدة التدقيق الجنائي التي أعدّتها شركة “ألفاريز ومارسال” في آب/ أغسطس 2023 أن تعاملات المصارف مع مصرف لبنان لم تكن نشاطاً هامشياً، بل شكّلت أحد أهم مصادر أرباحها في تلك الفترة. وبالنسبة إلى “بلوم بنك”، تشير الأرقام إلى أن المصرف حقّق أرباحاً كبيرة من آليّات الـ leverage، أي من قروض حصل عليها من مصرف لبنان مقابل رهن سندات خزينة لبنانية وودائع لأجل لديه.

ووفق تقديرات “ألفاريز ومارسال”، حصد المصرف ما يقارب 236 إلى 320 مليار ليرة سنوياً من القروض المموّلة برهن سندات الخزينة بين 2017 و2020. كما حقّق، ابتداءً من 2018، أرباحاً إضافية تراوحت بين ما يقارب 160 إلى 283 مليار ليرة سنوياً من القروض المموّلة برهن الودائع لأجل. هذا يعني أن العلاقة مع مصرف لبنان لم تكن مجرّد مصدر سيولة لـ”بلوم”، بل كانت أيضاً أحد أكثر خطوط أعماله ربحية في مرحلة سبقت الانهيار.

ومع أن هذه الأرباح كانت بالليرة اللبنانية، فإن أهمّيتها لا تكمن فقط في قيمتها النهائية بعد الانهيار، بل في كونها أسهمت في تضخيم أرباح المصرف قبل الأزمة، وهي الأرباح نفسها التي استفاد منها المساهمون عبر التوزيعات. في حين ردّ الأزهري على ذلك في جلسة “اليسوعية” معتبراً أن “هذه الأرباح بالليرة اللبنانية قد ذابت قيمتها جرّاء انهيار العملة اللبنانية”.

شركات إضافية:

تذكر تقارير “بانوراب” أيضاً شركة تابعة صغيرة وغامضة اسمها Polygarnator S.A. برأسمال لا يتجاوز 100 ألف دولار، تمتلك “بانوراب” كامل أسهمها. تُظهر الحسابات أن “بانوراب” أقرضت هذه الشركة أكثر من 1.4 مليون دولار، ثم كوّنت مؤونات تغطّي كامل هذه السلفات، ما يعني عملياً أنها اعتبرت أن الشركة التابعة غير قادرة على تسديدها. لا توجد معلومات علنية إضافية تُذكر عن نشاط Polygarnator أو دورها خارج ما يرد في ملاحظات “بانوراب” نفسها.

في المقابل، تذكر تقارير “بانوراب” شركة AZA Holding، إذ كانت هذه الشركة القابضة واحدة من أهمّ حاملي أسهم البنك، قبل أن تُصفّى في 2016 وتُنقَل حصّة أساسية من أسهم “بلوم” مباشرة إلى المساهمين الأساسيين، وفي مقدّمهم عائلة الأزهري. ووفقاً لما تورده ملاحظات “بانوراب” نفسها، فقد حصلت الأخيرة عند تصفية AZA على أسهم إضافية في “بلوم” (عادية وGDR) بقيمة تقارب 25.9 مليون دولار، إضافة إلى مبلغ نقدي صغير، محقّقة ربحاً محاسبياً بنحو 2.4 مليون دولار، الأمر الذي زاد من انكشافها المباشر على أسهم “بلوم”، ورسّخ دورها كوعاء استثماري مركزي للعائلة في هيكل المجموعة.