على رغم فشل اليمين المتطرف الفرنسي في تصدُّر نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة وتشكيل الحكومة المقبلة، لكن لا يمكن تجاهل قدرته على فرض خطابه وسردياته.
برنامج الأحزاب اليمينية المتطرفة وتصريحات قادتها على درجة عالية من الديماغوجية، مما يفرض التفاعل مع تلك الطروحات حتى لو كان ذلك في معرض الدحض أو التفنيد.
يشير الواقع إلى مدى تغلغل اليمين المتطرف الفرنسي في الفضاء العام بصورة تسمح له بالتحكم في إيقاع الحياة السياسية الفرنسية. واقع لم يكن ممكناً لولا وجود وسائل إعلامية تسوّق له.
بولوريه المتحمّس لـ”اتحاد اليمينيين”
من يتناول أسباب صعود أحزاب اليمين المتطرف في الشارع الفرنسي لا بد وأن يتوقف ملياً عند اسم فانسان بولوريه، رجل الأعمال الذي يحتل المرتبة الحادية عشرة في قائمة فوربس لأغنى أغنياء فرنسا لعام 2023 بثروة تقدّر بـ 9.5 مليار دولار. صحيح أن أنشطته الصناعية والتجارية متعددة الأوجه وتتعدى فرنسا لتصل إلى أفريقيا، لكن إمبراطوريته الإعلامية هي التي وضعته تحت الأضواء.
يُعتبر بولوريه من أشدّ المتحمّسين لفكرة “اتحاد اليمينيين”. هذه الفكرة التي تعود جذورها إلى زمن الجمهورية الفرنسية الثالثة لتصبح في الوقت الحالي مرادفاً للتقارب بين مختلف الأحزاب اليمينية الهوى سواء كانت “معتدلة” أو “متطرفة”.
بولوريه سخّر إمبراطوريته الإعلامية لدعم أحزاب اليمين المتطرف، وعلى وجه الخصوص قناتَي CNews و C8 وإذاعة Europe1 وصحيفة JDD، وهو ما اتضح أخيراً خلال معركة الانتخابات النيابية الأخيرة عندما ردد المذيعون وضيوف البرامج الحوارية (المنتقون بعناية) على كونها أول فرصة حقيقية تفتح أبواب السلطة لليمين المتطرف، مما يفرض استغلالها .
انحياز بلغ مداه حين بادر سيريل هانونا، مقدم البرامج المشهور على قناة C8 والمقرب جداً من بولوريه، إلى الاتصال بجوردان بارديلا، رئيس حزب “التجمع الوطني”، ليدفعه إلى التحدث مباشرة على الهواء مع سارة كنافو، مستشارة رئيس حزب “الاسترداد” إيريك زمور، كمبادرة منه لإعطاء تحالفهما الانتخابي فرصة جديدة بعد فشل المفاوضات بين الطرفين.
منابر بولوريه الشعبوية!
يعتبر خصوم بولوريه أن ما يملكه هو قنوات رأي وليس قنوات إخبارية. انتقاد يستهدف تحديداً قناة CNews التي تعتبر واجهة إمبراطورية بولوريه الإعلامية بسياستها المتشدّدة وخطها التحريري المناهض للمهاجرين والمسلمين وربطها الدائم بين انعدام الأمن والمهاجرين وما ينتج منه بطبيعة الحال من أخبار مضلّلة. خط تحريري ينسجم مع قناعات بولوريه ذي الخلفية المتدينة مسيحياً والمتشددة اجتماعياً، الذي يعتبر أنه يخوض “صراعاً حضارياً” وفقاً لما ينقل مقربون عنه.
ساهم بولوريه بفاعلية في نشر خطاب اليمين المتطرف وجعل طروحاته أكثر قبولاً لدى الناخب الفرنسي. المثال الأبرز كان تخصيص فقرة يومية للصحافي والكاتب اليميني المتطرف المثير للجدل إيريك زمور على قناة CNews، وذلك طوال العامين اللذين سبقا ترشّحه للانتخابات الرئاسية الأخيرة.
المداخلات اليومية لزمور لعبت دوراً في الترويج لأفكاره لا سيما نظرية “الاستبدال الكبير” التي ابتدعها رينو كامو، ويعتبر زمور من أبرز المروجين لها. كما كانت لمارين لوبان إطلالات شبه أسبوعية على قناة CNews، مما ساهم في تجيير سخط الفرنسيين لصالح أحزاب اليمين المتطرف.
تصدرت CNews خلال شهري أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 2024، قائمة القنوات الإخبارية الفرنسية الأكثر متابعة. ودفع تغلغل هذه الطروحات في المشهد السياسي الفرنسي بالبعض إلى وصف إمبراطورية بولوريه الإعلامية بـ “فوكس نيوز الفرنسية” وتشبيهه شخصياً بالقطب الإعلامي روبرت مردوخ لما تتضمنه مسيرة الرجلين من قواسم مشتركة، لا سيما السعي إلى دفع النقاش العام بمنحى شعبوي – محافظ.
في كلتا الحالتين، نجد تناغماً بين مختلف وسائل الإعلام، المرئية والمسموعة والمكتوبة، المتمركزة بيد شخص واحد، مما يثير جدلاً حول الأثر السلبي لهذا التمركز على الحياة الديمقراطية بسبب تجييرها ووضعها في خدمة سياسة أو أيديولوجيا محدّدة.
إقرأوا أيضاً:
تهديد الصحافة الجدّية
انطلاقاً من انحيازه الى طرح “اتحاد اليمينيين”، لا تنحصر جهود بولوريه في الدفع باتجاه التقارب بين أحزاب اليمين المتطرف، بل كذلك بين أحزاب اليمين المتطرف واليمين التقليدي.
إذ كشفت صحيفة Le Monde الدور الذي لعبه بولوريه في إبرام التحالف بين حزبي “الجمهوريون” و”التجمع الوطني“، قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة، قبل أن ينقلب الجمهوريون على رئيسهم الذي انفرد بالقرار.
وفي خضمّ التحضير للانتخابات التمهيدية التي نظمها حزب “الجمهوريون” عام 2021 لاختيار مرشحه للانتخابات الرئاسية الأخيرة، طلبت حملة كزافيه برتران دعماً مالياً من بولوريه الذي اشترط تعديلاً في البرنامج الانتخابي والأخذ بطروحات إيريك زمور.
لبلوغ هذا النفوذ والتأثير السياسي، انتهج بولوريه الاستراتيجية ذاتها: الاستثمار في وسيلة إعلامية بنسبة تجعله “صاحب الكلمة الفصل”، ثم العمل على تسليم مقربين منه مراكز إدارية عليا، والأهم من ذلك فرض رقابة على المحتوى.
المثال الصارخ ما حصل في البرنامج الشهير Les Guignols عقب استحواذ بولوريه على قناة Canal+ في العام 2016. هذا البرنامج القائم على محاكاة ساخرة للأحداث اليومية الفرنسية عبر دمى تجسد الشخصيات العامة، انطلق في العام 1988 وتحوّل إلى علامة فارقة في الإعلام الفرنسي وجزء من هوية Canal+. برنامج مؤثر في صناعة الرأي الفرنسي لم يرق لبولوريه، إذ بادر إلى تجفيف موارده والتضييق على القائمين عليه قبل توقفه نهائياً في العام 2018.
بالإضافة إلى الـ Guignols، أوقفت برامج التحقيقات الاستقصائية وانخفض الاهتمام بالعمل الميداني لصالح البرامج الإخبارية، التي تعكس وجهة نظر اليمين المتطرف من دون سواه.
إعادة هيكلة الوسائل الإعلامية بهذا الشكل تعني أن بولوريه يطمح إلى محتوى صحافي Low Cost . بعبارة أخرى، نشر المعلومة بتكلفة منخفضة من دون توفير الموارد اللازمة للتحقق من مصداقيتها، مما يعيدنا إلى ما ذُكر آنفاً حول المعلومات المضلّلة. إذا ما قيست المعادلة من زاوية العائد المادي، من الطبيعي أن تقيم إيجاباً: فالمعلومة أشبه ما تكون بسلعة تُسوَّق على نطاق واسع بأبسط تكلفة. لكن الأثر السلبي الحقيقي يتجلى في عدم مراعاة الأصول المهنية.
بطبيعة الحال، قاوم الصحافيون هذا الأسلوب الملتوي لتشهد قناة iTélé (التي تحولت إلى CNews) في العام 2016 إضراباً استمر شهراً، كذلك الإضراب الشهير لصحيفة JDD العام الماضي. لكن كل تلك التحركات لم تنجح في ثني بولوريه عن استراتيجيته ليلجأ إلى حملة تسريح طاولت معارضيه، مما منحه مرونة أوسع في توجيه الخط التحريري.
نهج إعلامي يكشف جانباً من عقلية اليمين المتطرف: مهما حاول هذا الفريق تجميل صورته، ستكشف ممارساته حجم معاداته للانفتاح وللرأي الآخر وللعبة الديمقراطية.
ازدراء بولوريه لمبادئ العمل الصحافي والإعلامي يتجلى أيضاً في أسلوب ملاحقته الصحافيين الذين ينجزون تحقيقات تتناول استثماراته وما يحوم حولها من علامات استفهام وآليتها.
بولوريه وجيش المحامين
بعد تواصله مع بولوريه لمنحه حق الرد خلال إعداده كتاب “فانسان ذي النفوذ الواسع”، فوجئ الصحافي جان بيار كانيه بملاحقة قضائية حتى قبل نشر الكتاب. تصرف غير مسبوق بحسب كانيه، إذ لم يسبق إن لوحق صحافي وهو لا يزال في مرحلة الإعداد.
بدوره، أشار نيكولا فيسكوفاسي، الذي شارك في إعداد الكتاب، إلى “الجانب الفكاهي” من الدعوى القضائية التي طاولته: طولب بتسديد مبلغ 700 ألف يورو على سبيل العطل والضرر، فالرسائل الإلكترونية والنصّية التي أرسلها لطلب المقابلة مع بولوريه ومنحه حق الرد، اعتبرها رجل الأعمال سبباً في التشويش على موظّفيه وعرقلة سير العمل اليومي في شركاته.
بدورها، تشير آنييس روسو الى أنه بعد نشر تحقيق على موقع Basta تطرق إلى آلية استيلاء شركات فرنسية عدة على الأراضي الزراعية في أفريقيا، لم يكتف بولوريه بملاحقتهم قضائياً، بل لاحق أيضاً كل الصحافيين والوسائل الإعلامية التي روّجت للتحقيق.
تجربة تريستيان والكيس كانت فريدة من نوعها على حد تعبيره: بعد مشاركته في إعداد الفيلم الوثائقي “بولوريه … صديق يتمنى لك الخير؟”، لجأ رجل الأعمال إلى رفع نحو 5 دعاوى قضائية. يتابع والكيس أن الوسط الصحافي والإعلامي معتاد على دعاوى التشهير، لكن بولوريه توجّه أيضاً إلى المحاكم التجارية متهماً صناع الفيلم باتباع أساليب “المنافسة غير العادلة” لعرضهم الفيلم على شاشة France2 المنافسة لوسائله الإعلامية، وكأن الغاية هي التضييق على إمبراطوريته الإعلامية الآخذة في التوسع. كما لم يكتف بولوريه بالمحاكم الفرنسية بل لجأ إلى محاكم البلدان الأفريقية، التي زارها صناع الفيلم بغرض التحقق من طبيعة استثماراته الدولية.
الغاية من تلك “الملاحقات القضائية الخلاقة” هي الردع: صحيح أن بولوريه خسر كل تلك القضايا، لكنه نجح في استنزاف خصومه مالياً وإدخالهم في متاهات قضائية تقتضي وقتاً وجهداً، ما قد يدفع صحافيين أو وسائل إعلامية إلى العدول عن تناول مواضيع تخصّ بولوريه تجنباً لهذا “الصداع القضائي”.
اللافت هو تحوّل بولوريه إلى “مرجع وقدوة للآخرين”: بعد استحواذ رجل الأعمال الفرنسي، اللبناني الأصل، رودولف سعادة على قناة BFMTV وإذاعة RMC منتصف العام الحالي، سارع الإعلام الفرنسي الى المقارنة بينه وبين بولوريه.
سعادة الذي يترأس شركة CMA CGM للنقل البحري بثروة شخصية تقدر بـ 8.9 مليار دولار، يسير على خطى فانسان بولوريه في ما يخص تشييد إمبراطورية إعلامية تجمع صحفاً وقنوات وإذاعات ومنصات افتراضية ذات ثقل: قناة BFMTV على سبيل المثال تعتبر المنافس الأول لـ CNews.
العلاقة التي تجمع سعادة بإيمانوبل ماكرون دفعت صحيفة Marianne الى التساؤل عمن سيكون الأكثر تأثيراً في انتخابات 2027 الرئاسية: سعادة أم بولوريه؟
حتى الساعة، يحاول رودولف سعادة تجنّب الأخطاء التي ارتكبها فانسان بولوريه، لا سيما فرض رقابة على وسائله الإعلامية، لكن إلى متى؟ فعند سؤاله عن موقفه حول ما إذا نشرت إحدى الوسائل الإعلامية التابعة له تحقيقاً يتناول أنشطته التجارية، كانت إجابته: “لن أتدخل، لكن التعاطي على هذا النحو مع صاحب رأسمال هو تصرّف عدواني”.
إقرأوا أيضاً:











