ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل ستشهد سوريا ظهور “علي الديك” جديد؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يميل سوريون عبر الأغاني الى ممارسة تمايزاتهم وخصوماتهم وشيئاً من الشماتة ببعضهم البعض. لذلك لم يعد غريباً أن تدّعي بعض العشائر اليوم أن “لبت لبت” أصبحت أغنيتها الخاصة، أو كأنها أغنيتها الرسمية أو تنتهي حفلة ضرب أو تأييد للسلطة بدبكة سريعة على أنغام “لبت لبت”

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بدأ المغني السوري المعروف علي الديك مسيرته الفنيّة على الأسطح والمنازل وفي نواحي مدينة اللاذقية. 

بحسب مقابلة له عام 2003 مع ميشيل قزي على قناة “المستقبل”، فهو أنتج كاسيته الأول بنفسه. حينها كانت سوريا تحوي استديوهات بسيطة تسجّل مباشرة على الكاسيت، مثل استديوهات وشركات إنتاج صغيرة كـ”العالمية للإنتاج” و”الأرز”.

في تلك الحقبة، كان انتشار الكاسيت كوسيط سمعي في سوريا خاضعاً للرقابة خصوصاً في الثمانينات، إذ ظهرت كاسيتات ذات طابع ديني إسلامي ضمّت خطباً لمشايخ تتحدث عن قضايا من نوع “عذاب القبر للنساء السافرات” وتدعو إلى الحجاب، وتحمل ترويجاً لـ”ثورة إسلامية” ومحاربة الاشتراكية. كانت بعض هذه الكاسيتات تُباع في أسواق مثل سوق البحصة ومكتبة جامع أبو النور في دمشق، حيث انتشرت أيضاً أشرطة لمشايخ مصريين ومحاضرات دينية مسجلة.

لكن لم يمنع ذلك من انتشار الأغنية الشعبية في سوريا، إذ نجت “الأغاني” من الرقابة ، في حين أن أشرطة لفنانين مثل مارسيل خليفة وزياد الرحباني كانت تثير شبهة، مع ذلك شكّل الوسيط عتبة أدت إلى ظهور نجوم سوريين، ربما كان أبرزهم جورج وسّوف.

علي الديك: صوت الألفيّة الجديدة؟

علاقة السلطة في سوريا بـ”الغناء” و”الاحتفال في سوريا متغيّرة، خصوصاً مع انتشار العساكر القادمين من الريف في المدن الكبرى، فكما كان رفعت الأسد يقيم حفلات داخل معسكرات التدريب، ويحضر أخرى في ملاهي دمشق الليلية، مراهناً على الموسيقى الشعبية الريفية، أبقى حافظ الأسد بعض شيوخ الكار في الطرب قريبين منه بوصفهم جزءاً من صورة رسمية لهوية سوريا الثقافية كمصطفى نصري مثلاً.

علاقة دائرة السلطة مع “الفن” تتسع لتشمل مغامرات مصطفى طلاس، وزير الدفاع في عهد حافظ الأسد، لكن مع وصول بشار الأسد الذي ترافق مع انفتاح تكنولوجي وظهور الإنترنت، وأساليب الاستماع الجديدة (قراءات رقمية و قارئات أقراص..)، “ظهر” علي الديك مطلع الألفيّة، حتى بدا وكأن البلد انفجر بعلي الديك، أغنيات مثل “جاية تسنبل” لم تكن مجرد أغانٍ ناجحة، بل كانت تأسيساً لانتشار أصوات جديدة، أو ما يسمى الظاهرية “العلي ديكية” التي شملت أفراد أسرة علي الديك نفسه ومقلّديهم.

صنعت هذه الأغنيات سطحاً حسياً مشتركاً. الإيقاع نفسه كان يُسمع في المطعم والسرفيس والباص والعرس، نشأ فضاء صوتي موحّد تقريباً، مرتبط بصناعة الفرح وارتفاع الأدرينالين للتعبير والحماسة، اللحن الإيقاعي السهل والسيولة في الانتشار سمحا بتعميمه سريعاً، بل وأصبح ذا معان طبقيّة وسياسيّة.

تغيّر الوسيط نفسه كان عاملاً حاسماً في انتشار الظاهرة. لم يعد الكاسيت وحده الوسيط، وقد قال علي الديك نفسه إن جمهور أستراليا مثلاً يفاجئه، بمعرفة أغانيه. كان عصر الوسيط الديناميكي يغيّر قواعد الانتشار، فالوسائط الجديدة سمحت للثقافات الشعبية بأن تنتشر بسرعة أكبر وتتحول إلى رموز مشتركة داخل المجال الجماهيري.

لا تكمن المسألة في أن الوسائط الجديدة تنقل المحتوى بسرعة أكبر فقط، بل في أنها تعيد تشكيل بنية الحضور الاجتماعي نفسها. المجتمع الشبكي لا يغيّر ما نسمعه فحسب، بل يغيّر أيضاً الطريقة التي يدخل بها الشيء الثقافي إلى الحياة العامة. ما كان يبقى محصوراً في قرية أو مدينة أو شريط كاسيت محدود التداول يصبح قابلاً لأن يُفصل عن مكانه الأصلي ويعاد تركيبه داخل شبكة أوسع من التداول. هنا لا تنتشر الأغنية لأنها جيدة فقط، بل لأن الشبكة نفسها تمنحها قدرة جديدة على الحركة والظهور والتكرار.

طغيان الاستهلاك و”الكيتش”

لم يعد علي الديك مجرد ظاهرة خرجت من الساحل ثم نجحت شعبياً، بل صار مثالاً على تحوّل أعمق، تحوّل الثقافة المحلية إلى عنصر داخل فضاء شبكي أوسع. الشبكة لا تلغي الأصل المحلي، لكنها تجرّده من حدوده القديمة. ما كان ابن مكان محدد يصبح قابلاً لأن يُستهلك في أمكنة متعددة، وأن يُستعاد بوصفه رمزاً مشتركاً بين جمهور لا تجمعه جغرافيا واحدة بل تجمعه قابلية الاتصال نفسها. 

انتهى زمن الأيديولوجيات الكبرى في سوريا بعد وفاة حافظ الأسد، لم يحدث ذلك بسقوط نظام كما حدث في أوروبا الشرقية، بل بسقوط الأيديولوجيا بوصفها مرجعية يومية للحياة، وربما أوضح مثال على ذلك ما يقال على لسان بشار الأسد بأنه منع نشر صوره بصورة مفرطة، “البعثية” لم تعد كافية، وحلّت مكانها الأسرة الحاكمة و”السوق المفتوح” ومنظمات المجتمع المدني.

 لم يعد الصراع يُعاش كنص سياسي أو خطاب، بل كإيقاع يخفي الشر المضمر في  الانخلاع عن الأيديولوجيا، وأصبحت الأغنية قابلة للحمل السياسي داخل سياق الترفيه، حتى الرموز السياسية كانت تمر أحياناً داخل هذا الفضاء الاحتفالي. أسماء مثل حسن نصر الله أو نبيه بري وشعارات المقاومة والعروبة كانت تظهر في حفلات علي الديك.

حيث أصبحت بعض عناصر الأيديولوجيا تمر عبر الإيقاع الشعبي لا عبر الخطاب السياسي. الطالب المُجبر على تحية حافظ الأسد وبشار وصلت إليه في الحفلات العمومية أسماء مضافة أكثر، مع مواويل عرفانية تقديس لنصر الله والأسد والإمام علي. مرور رموز السلطة داخل الأغنية الشعبية لا يعني خضوعاً لها، بل يعكس الطريقة التي تعمل بها الهيمنة الثقافية ودرجات السماح بوصول خطاب أو سقوط خطاب. تدخل الرموز السياسية هنا في الثقافة اليومية وتصبح جزءاً من الإيقاع الاجتماعي من دون خطاب سياسي مصطنع أو خطاب ثقيل، بل عبر حضور يومي خفيف يتسلل إلى المشهد الاحتفالي نفسه.

الاحتفالية والموسيقى المشبعة بالسياسة حملتها أيضاً عناصر تكنولوجيّة رخيصة، إذ ظهرت مكبرات الصوت الرخيصة التي حلّت مكان الأجهزة اليابانية أو الألمانية المكلفة. ظهرت أيضاً مفردات محلية لهذه الثقافة الصوتية مثل “الهبرلو” و”البفل” و”المذياع القوي”، ومعها شبكات الإضاءة المرتبطة بالميكروفونات.

 هذه التكنولوجيا سمحت لأفراد كثيرين بأن يرفعوا الصوت إلى أقصى حد، وخرجت الدبكة من القرية ومن العرس إلى الشارع نفسه. السيارات والباصات والمطاعم والساحات الصغيرة في الأحياء أصبحت مسارح للإيقاع نفسه. الفضاء الصوتي الجديد استباح علي الديك الشارع السوري وبات يُقلَّد. لم يعد مجرد صوت جماعي بل أيضاً أصبح تعبيراً عن فرد يريد أن يعلن حضوره عبر الضجيج، عبر مكبر الصوت، وعبر الإيقاع الذي يملأ المجال العام.

ما بعد الأسد: ما هو “صوت” الشارع؟

 سقط النظام السوري، وظهرت أغانٍ لا تقل جموحاً وسيولة عن نماذج غنائية كالتي أرساها علي الديك. الأغنية الثورية نفسها أصبحت أقرب إلى الدبكة. لم يعد اللحن حكراً على أحد، بل صارت لكل جهة قدرتها على صنع إيقاعها الخاص. هذا الإيقاع استعار من علي الديك قدرته على التحول إلى أداة للتسييس.

لكن في خضم الأناشيد التي تلعن روح آل الأسد، وأهازيج “أبو عمشة القيادة” عادت للظهور أغنيات مثل “لبت لبت”، الأغنية تعود الى عهد صدام حسين وهي أقرب الى أهزوجة حماسية عن الفزعة والافتخار الجماعي. لكن الأغنية بعد سقوط نظام الأسد تجاوزت كونها تعبيراً عن ذائقة موسيقية وخطاب بعثي، إلى  امتداد لمسار أصبحت فيه الأغنية حمالة لمعانٍ حياتية وسياسية وثقافية في آن.

تحولت الأغنية الإيقاعية إلى قالب مفتوح قادر على استيعاب كلمات جديدة وسياقات مختلفة، اللحن الواحد بدأ يستوعب عشرات الكلمات والسياقات المختلفة في الحرب والسلم، في الاحتفال والفرح وحتى في السخرية. الطابع الاستعمالي للأغنية جعلها قالباً جاهزاً يمكن ملؤه بأي معنى. 

يميل سوريون عبر الأغاني الى ممارسة تمايزاتهم وخصوماتهم وشيئاً من الشماتة ببعضهم البعض. لذلك لم يعد غريباً أن تدّعي بعض العشائر اليوم أن “لبت لبت” أصبحت أغنيتها الخاصة، أو كأنها أغنيتها الرسمية  أو تنتهي حفلة ضرب أو تأييد للسلطة بدبكة سريعة على أنغام “لبت لبت”، إنها طريقة سورية لإظهار احتمال سياسي أو إعلان انتماء، عبر الإيقاع أكثر مما عبر الخطاب.

ثم إن الهوس بالتعبير الفردي عن السياسة بوصفها أغنية أو تفاعلاً حسياً أصبح اليوم أسهل. لم يعد الشبان بحاجة إلى سيارات أو تجهيزات كبيرة. يكفي شارع أو ساحة صغيرة ومجموعة من الشبان يحملون قطعة صينية رخيصة، مذياع “هبرلو”، يضعونه في الشارع ويبدأون بالدبكة على “لبت لبت”. 

لا يهم الثياب ولا المظهر ولا حتى المكان العام. كأن “المجتمع” كله صار قابلاً لهذا الشكل من الانتماء الهوسي للاحتفال والدبكة، نوع من “العليديكية” التي تحوّل السياسة إلى إيقاع جماعي أكثر مما تبقيها خطاباً أو فكرة. لا مشكلة في الاحتفال ولا التضامن، لكن إلى ماذا يستند هذا؟ لا شيء من المعية السياسية أو إنتاج للمعنى، إنه طقس أقرب الى الوثنية أكثر منه كونه تعبيراً سياسياً مُحتفلاً به.

 الإيقاع الجماعي أكثر من مجرد متعة، إنه يصنع جماعة مؤقتة. هذا المؤقت بات تعبيراً قهرياً في الحياة السورية، حيث يتبادل الناس الانتماء عبر أغنية مشتركة. جماعة “لبت لبت” لا تعبر فقط عن ذائقة موسيقية بل عن موقف اجتماعي وسياسي أيضاً. الأغنية هنا تتحول إلى وسيلة لتحويل الصراع إلى تجربة جماعية مشتركة، حيث تختفي الحجة ويحل الإيقاع مكانها، ويحلّ شيء غير مفهوم حتى في النقاشات النخبوية، لا يُفرَّغ الحديث من مثال. نزلوا جماعة “لبت لبت” ضد جماعة “الموال”، اقتباسات تُركّب في الشارع وتُعاد صياغتها كمحاولات للفهم والتبسيط.

لا يبدو أن السلطة الجديدة توجّه هذا الاستخدام أو تعلّمه بشكل مباشر. فلا أحد يفرض على الأعراس والاحتفالات أن تحمل دعماً صوتياً داخل الأغنية لشخصية سياسية معينة، سواء للرئيس الجولاني أو مثلاً للملك سعود. ومع ذلك، يظهر شيء لافت في تصدر هذه الأغنيات داخل الأعراس والحفلات، موقف سياسي متبنّى لكنه غير مفروض. كأن المجتمع نفسه ينتج هذا التعبير من داخله، لا عبر تعليمات السلطة بل عبر تداول الإيقاع في الحياة اليومية، تسمح الموسيقى بنقل الموقف السياسي عبر العاطفة لا عبر الحجة، لذلك تصبح أحياناً أكثر قدرة على التعبئة من الخطاب السياسي نفسه. 

برأيي، لم يعد ظهور علي الديك جديد ممكناً. علي الديك لم يكن موهبة فردية بقدر ما كان لحظة تواصل اجتماعي خاص. كان هناك فضاء صوتي واحد تقريباً ووسائط محدودة، ومجتمع يعيش انتقالاً بين أيديولوجيا لا تزال حاضرة شكلياً، وثقافة يومية بدأت تتشكل خارجها. في مثل هذا السياق كان بإمكان صوت واحد أن يملأ المجال العام وأن يتحول إلى ظاهرة جامعة.

لكن ما تغيّر لاحقاً هو قدرة المجتمع نفسه على حمل السياسة. المجتمع الذي يفقد قدرته على إنتاج معنى سياسي جامع لا يتوقف عن التعبير، بل ينقل هذا التعبير إلى مستويات أبسط من الحياة اليومية. تتحول السياسة إلى مظاهر ثقافية، أغنية، شعار، دبكة، أو وسم يتداوله الناس. لا تختفي السياسة، لكنها تنزل درجة أخرى في الحياة الاجتماعية.

في سوريا يبدو أن المجتمع  يخوض صراعاته حول برامج أو أفكار كبرى، تظهر إشاراتها وتختفي، خصوصاً أن المجتمع لا يواجه السلطة عبر خطاب سياسي منظم، بل يعيش داخل فضاء ثقافي تتكاثر فيه الرموز اليومية. الأغنية أو الإيقاع لا تصبح مجرد ترفيه، بل صيغةً مختصرة للتعبير الجماعي، وأحياناً بديلاً عن السياسة نفسها.

16.04.2026
زمن القراءة: 7 minutes

يميل سوريون عبر الأغاني الى ممارسة تمايزاتهم وخصوماتهم وشيئاً من الشماتة ببعضهم البعض. لذلك لم يعد غريباً أن تدّعي بعض العشائر اليوم أن “لبت لبت” أصبحت أغنيتها الخاصة، أو كأنها أغنيتها الرسمية أو تنتهي حفلة ضرب أو تأييد للسلطة بدبكة سريعة على أنغام “لبت لبت”

بدأ المغني السوري المعروف علي الديك مسيرته الفنيّة على الأسطح والمنازل وفي نواحي مدينة اللاذقية. 

بحسب مقابلة له عام 2003 مع ميشيل قزي على قناة “المستقبل”، فهو أنتج كاسيته الأول بنفسه. حينها كانت سوريا تحوي استديوهات بسيطة تسجّل مباشرة على الكاسيت، مثل استديوهات وشركات إنتاج صغيرة كـ”العالمية للإنتاج” و”الأرز”.

في تلك الحقبة، كان انتشار الكاسيت كوسيط سمعي في سوريا خاضعاً للرقابة خصوصاً في الثمانينات، إذ ظهرت كاسيتات ذات طابع ديني إسلامي ضمّت خطباً لمشايخ تتحدث عن قضايا من نوع “عذاب القبر للنساء السافرات” وتدعو إلى الحجاب، وتحمل ترويجاً لـ”ثورة إسلامية” ومحاربة الاشتراكية. كانت بعض هذه الكاسيتات تُباع في أسواق مثل سوق البحصة ومكتبة جامع أبو النور في دمشق، حيث انتشرت أيضاً أشرطة لمشايخ مصريين ومحاضرات دينية مسجلة.

لكن لم يمنع ذلك من انتشار الأغنية الشعبية في سوريا، إذ نجت “الأغاني” من الرقابة ، في حين أن أشرطة لفنانين مثل مارسيل خليفة وزياد الرحباني كانت تثير شبهة، مع ذلك شكّل الوسيط عتبة أدت إلى ظهور نجوم سوريين، ربما كان أبرزهم جورج وسّوف.

علي الديك: صوت الألفيّة الجديدة؟

علاقة السلطة في سوريا بـ”الغناء” و”الاحتفال في سوريا متغيّرة، خصوصاً مع انتشار العساكر القادمين من الريف في المدن الكبرى، فكما كان رفعت الأسد يقيم حفلات داخل معسكرات التدريب، ويحضر أخرى في ملاهي دمشق الليلية، مراهناً على الموسيقى الشعبية الريفية، أبقى حافظ الأسد بعض شيوخ الكار في الطرب قريبين منه بوصفهم جزءاً من صورة رسمية لهوية سوريا الثقافية كمصطفى نصري مثلاً.

علاقة دائرة السلطة مع “الفن” تتسع لتشمل مغامرات مصطفى طلاس، وزير الدفاع في عهد حافظ الأسد، لكن مع وصول بشار الأسد الذي ترافق مع انفتاح تكنولوجي وظهور الإنترنت، وأساليب الاستماع الجديدة (قراءات رقمية و قارئات أقراص..)، “ظهر” علي الديك مطلع الألفيّة، حتى بدا وكأن البلد انفجر بعلي الديك، أغنيات مثل “جاية تسنبل” لم تكن مجرد أغانٍ ناجحة، بل كانت تأسيساً لانتشار أصوات جديدة، أو ما يسمى الظاهرية “العلي ديكية” التي شملت أفراد أسرة علي الديك نفسه ومقلّديهم.

صنعت هذه الأغنيات سطحاً حسياً مشتركاً. الإيقاع نفسه كان يُسمع في المطعم والسرفيس والباص والعرس، نشأ فضاء صوتي موحّد تقريباً، مرتبط بصناعة الفرح وارتفاع الأدرينالين للتعبير والحماسة، اللحن الإيقاعي السهل والسيولة في الانتشار سمحا بتعميمه سريعاً، بل وأصبح ذا معان طبقيّة وسياسيّة.

تغيّر الوسيط نفسه كان عاملاً حاسماً في انتشار الظاهرة. لم يعد الكاسيت وحده الوسيط، وقد قال علي الديك نفسه إن جمهور أستراليا مثلاً يفاجئه، بمعرفة أغانيه. كان عصر الوسيط الديناميكي يغيّر قواعد الانتشار، فالوسائط الجديدة سمحت للثقافات الشعبية بأن تنتشر بسرعة أكبر وتتحول إلى رموز مشتركة داخل المجال الجماهيري.

لا تكمن المسألة في أن الوسائط الجديدة تنقل المحتوى بسرعة أكبر فقط، بل في أنها تعيد تشكيل بنية الحضور الاجتماعي نفسها. المجتمع الشبكي لا يغيّر ما نسمعه فحسب، بل يغيّر أيضاً الطريقة التي يدخل بها الشيء الثقافي إلى الحياة العامة. ما كان يبقى محصوراً في قرية أو مدينة أو شريط كاسيت محدود التداول يصبح قابلاً لأن يُفصل عن مكانه الأصلي ويعاد تركيبه داخل شبكة أوسع من التداول. هنا لا تنتشر الأغنية لأنها جيدة فقط، بل لأن الشبكة نفسها تمنحها قدرة جديدة على الحركة والظهور والتكرار.

طغيان الاستهلاك و”الكيتش”

لم يعد علي الديك مجرد ظاهرة خرجت من الساحل ثم نجحت شعبياً، بل صار مثالاً على تحوّل أعمق، تحوّل الثقافة المحلية إلى عنصر داخل فضاء شبكي أوسع. الشبكة لا تلغي الأصل المحلي، لكنها تجرّده من حدوده القديمة. ما كان ابن مكان محدد يصبح قابلاً لأن يُستهلك في أمكنة متعددة، وأن يُستعاد بوصفه رمزاً مشتركاً بين جمهور لا تجمعه جغرافيا واحدة بل تجمعه قابلية الاتصال نفسها. 

انتهى زمن الأيديولوجيات الكبرى في سوريا بعد وفاة حافظ الأسد، لم يحدث ذلك بسقوط نظام كما حدث في أوروبا الشرقية، بل بسقوط الأيديولوجيا بوصفها مرجعية يومية للحياة، وربما أوضح مثال على ذلك ما يقال على لسان بشار الأسد بأنه منع نشر صوره بصورة مفرطة، “البعثية” لم تعد كافية، وحلّت مكانها الأسرة الحاكمة و”السوق المفتوح” ومنظمات المجتمع المدني.

 لم يعد الصراع يُعاش كنص سياسي أو خطاب، بل كإيقاع يخفي الشر المضمر في  الانخلاع عن الأيديولوجيا، وأصبحت الأغنية قابلة للحمل السياسي داخل سياق الترفيه، حتى الرموز السياسية كانت تمر أحياناً داخل هذا الفضاء الاحتفالي. أسماء مثل حسن نصر الله أو نبيه بري وشعارات المقاومة والعروبة كانت تظهر في حفلات علي الديك.

حيث أصبحت بعض عناصر الأيديولوجيا تمر عبر الإيقاع الشعبي لا عبر الخطاب السياسي. الطالب المُجبر على تحية حافظ الأسد وبشار وصلت إليه في الحفلات العمومية أسماء مضافة أكثر، مع مواويل عرفانية تقديس لنصر الله والأسد والإمام علي. مرور رموز السلطة داخل الأغنية الشعبية لا يعني خضوعاً لها، بل يعكس الطريقة التي تعمل بها الهيمنة الثقافية ودرجات السماح بوصول خطاب أو سقوط خطاب. تدخل الرموز السياسية هنا في الثقافة اليومية وتصبح جزءاً من الإيقاع الاجتماعي من دون خطاب سياسي مصطنع أو خطاب ثقيل، بل عبر حضور يومي خفيف يتسلل إلى المشهد الاحتفالي نفسه.

الاحتفالية والموسيقى المشبعة بالسياسة حملتها أيضاً عناصر تكنولوجيّة رخيصة، إذ ظهرت مكبرات الصوت الرخيصة التي حلّت مكان الأجهزة اليابانية أو الألمانية المكلفة. ظهرت أيضاً مفردات محلية لهذه الثقافة الصوتية مثل “الهبرلو” و”البفل” و”المذياع القوي”، ومعها شبكات الإضاءة المرتبطة بالميكروفونات.

 هذه التكنولوجيا سمحت لأفراد كثيرين بأن يرفعوا الصوت إلى أقصى حد، وخرجت الدبكة من القرية ومن العرس إلى الشارع نفسه. السيارات والباصات والمطاعم والساحات الصغيرة في الأحياء أصبحت مسارح للإيقاع نفسه. الفضاء الصوتي الجديد استباح علي الديك الشارع السوري وبات يُقلَّد. لم يعد مجرد صوت جماعي بل أيضاً أصبح تعبيراً عن فرد يريد أن يعلن حضوره عبر الضجيج، عبر مكبر الصوت، وعبر الإيقاع الذي يملأ المجال العام.

ما بعد الأسد: ما هو “صوت” الشارع؟

 سقط النظام السوري، وظهرت أغانٍ لا تقل جموحاً وسيولة عن نماذج غنائية كالتي أرساها علي الديك. الأغنية الثورية نفسها أصبحت أقرب إلى الدبكة. لم يعد اللحن حكراً على أحد، بل صارت لكل جهة قدرتها على صنع إيقاعها الخاص. هذا الإيقاع استعار من علي الديك قدرته على التحول إلى أداة للتسييس.

لكن في خضم الأناشيد التي تلعن روح آل الأسد، وأهازيج “أبو عمشة القيادة” عادت للظهور أغنيات مثل “لبت لبت”، الأغنية تعود الى عهد صدام حسين وهي أقرب الى أهزوجة حماسية عن الفزعة والافتخار الجماعي. لكن الأغنية بعد سقوط نظام الأسد تجاوزت كونها تعبيراً عن ذائقة موسيقية وخطاب بعثي، إلى  امتداد لمسار أصبحت فيه الأغنية حمالة لمعانٍ حياتية وسياسية وثقافية في آن.

تحولت الأغنية الإيقاعية إلى قالب مفتوح قادر على استيعاب كلمات جديدة وسياقات مختلفة، اللحن الواحد بدأ يستوعب عشرات الكلمات والسياقات المختلفة في الحرب والسلم، في الاحتفال والفرح وحتى في السخرية. الطابع الاستعمالي للأغنية جعلها قالباً جاهزاً يمكن ملؤه بأي معنى. 

يميل سوريون عبر الأغاني الى ممارسة تمايزاتهم وخصوماتهم وشيئاً من الشماتة ببعضهم البعض. لذلك لم يعد غريباً أن تدّعي بعض العشائر اليوم أن “لبت لبت” أصبحت أغنيتها الخاصة، أو كأنها أغنيتها الرسمية  أو تنتهي حفلة ضرب أو تأييد للسلطة بدبكة سريعة على أنغام “لبت لبت”، إنها طريقة سورية لإظهار احتمال سياسي أو إعلان انتماء، عبر الإيقاع أكثر مما عبر الخطاب.

ثم إن الهوس بالتعبير الفردي عن السياسة بوصفها أغنية أو تفاعلاً حسياً أصبح اليوم أسهل. لم يعد الشبان بحاجة إلى سيارات أو تجهيزات كبيرة. يكفي شارع أو ساحة صغيرة ومجموعة من الشبان يحملون قطعة صينية رخيصة، مذياع “هبرلو”، يضعونه في الشارع ويبدأون بالدبكة على “لبت لبت”. 

لا يهم الثياب ولا المظهر ولا حتى المكان العام. كأن “المجتمع” كله صار قابلاً لهذا الشكل من الانتماء الهوسي للاحتفال والدبكة، نوع من “العليديكية” التي تحوّل السياسة إلى إيقاع جماعي أكثر مما تبقيها خطاباً أو فكرة. لا مشكلة في الاحتفال ولا التضامن، لكن إلى ماذا يستند هذا؟ لا شيء من المعية السياسية أو إنتاج للمعنى، إنه طقس أقرب الى الوثنية أكثر منه كونه تعبيراً سياسياً مُحتفلاً به.

 الإيقاع الجماعي أكثر من مجرد متعة، إنه يصنع جماعة مؤقتة. هذا المؤقت بات تعبيراً قهرياً في الحياة السورية، حيث يتبادل الناس الانتماء عبر أغنية مشتركة. جماعة “لبت لبت” لا تعبر فقط عن ذائقة موسيقية بل عن موقف اجتماعي وسياسي أيضاً. الأغنية هنا تتحول إلى وسيلة لتحويل الصراع إلى تجربة جماعية مشتركة، حيث تختفي الحجة ويحل الإيقاع مكانها، ويحلّ شيء غير مفهوم حتى في النقاشات النخبوية، لا يُفرَّغ الحديث من مثال. نزلوا جماعة “لبت لبت” ضد جماعة “الموال”، اقتباسات تُركّب في الشارع وتُعاد صياغتها كمحاولات للفهم والتبسيط.

لا يبدو أن السلطة الجديدة توجّه هذا الاستخدام أو تعلّمه بشكل مباشر. فلا أحد يفرض على الأعراس والاحتفالات أن تحمل دعماً صوتياً داخل الأغنية لشخصية سياسية معينة، سواء للرئيس الجولاني أو مثلاً للملك سعود. ومع ذلك، يظهر شيء لافت في تصدر هذه الأغنيات داخل الأعراس والحفلات، موقف سياسي متبنّى لكنه غير مفروض. كأن المجتمع نفسه ينتج هذا التعبير من داخله، لا عبر تعليمات السلطة بل عبر تداول الإيقاع في الحياة اليومية، تسمح الموسيقى بنقل الموقف السياسي عبر العاطفة لا عبر الحجة، لذلك تصبح أحياناً أكثر قدرة على التعبئة من الخطاب السياسي نفسه. 

برأيي، لم يعد ظهور علي الديك جديد ممكناً. علي الديك لم يكن موهبة فردية بقدر ما كان لحظة تواصل اجتماعي خاص. كان هناك فضاء صوتي واحد تقريباً ووسائط محدودة، ومجتمع يعيش انتقالاً بين أيديولوجيا لا تزال حاضرة شكلياً، وثقافة يومية بدأت تتشكل خارجها. في مثل هذا السياق كان بإمكان صوت واحد أن يملأ المجال العام وأن يتحول إلى ظاهرة جامعة.

لكن ما تغيّر لاحقاً هو قدرة المجتمع نفسه على حمل السياسة. المجتمع الذي يفقد قدرته على إنتاج معنى سياسي جامع لا يتوقف عن التعبير، بل ينقل هذا التعبير إلى مستويات أبسط من الحياة اليومية. تتحول السياسة إلى مظاهر ثقافية، أغنية، شعار، دبكة، أو وسم يتداوله الناس. لا تختفي السياسة، لكنها تنزل درجة أخرى في الحياة الاجتماعية.

في سوريا يبدو أن المجتمع  يخوض صراعاته حول برامج أو أفكار كبرى، تظهر إشاراتها وتختفي، خصوصاً أن المجتمع لا يواجه السلطة عبر خطاب سياسي منظم، بل يعيش داخل فضاء ثقافي تتكاثر فيه الرموز اليومية. الأغنية أو الإيقاع لا تصبح مجرد ترفيه، بل صيغةً مختصرة للتعبير الجماعي، وأحياناً بديلاً عن السياسة نفسها.