كنتُ في التاسعة عشرة حين وثّق محمود درويش تجربة “الانقسام/الانقلاب” كإسمين لفعل واحد هو السقوط، وكتب: «أنت منذ الآن غيرك»! قرأتُها كدليل أبدي لرثاء البلاد في لقاء مع فريق أدبي كنتُ أحد أعضائه، واسمه “يراعات”، ومن ثم كتبت عن أثرها عليّ حين اختبرت معنى آخر للسقوط في داخلي، مختلفاً عمّا مرّ بي سابقًا.
أرى نفسي وليدة اختبار اللحظة في تكويني الذاتي؛ فكل معنى تضخّه الحياة في رأسي هو مساحة اختبار لتعريف يخصّني وحدي. السقوط الذي كان بالنسبة إلي آنذاك صورة ممتدة لمعناه في طفولتي، حين وضعتني أمي على كرسي في بيت صديقتها لتقرّرا عني شكل شعري الذي كان يزعجها. كان يغضبها مظهري حين أعود من المدرسة بشعرٍ “غير مستقر”، فتقصّه وتمشّطه لتصنع منه شكلًا ثابتًا يليق بهويتها الممتدة فينا.
الشعر المنكوش لا يليق بالسيدة المنضبطة التي كانت شغوفة بالفيزياء والرياضيات؛ وما إن خرجتُ عن تلك القواعد حتى صار جزائي أن أساق إلى كرسي في بيت صديقتها أراقب من مرآتها ابتسامتها المنتصرة على فعلها، فعلٌ تمارسه من خلال سقوطٍ وتهذيب لكل شكل يؤذي صورتها. كلما أستذكر هذا الموقف أستعيد كيف يبدو وجهها المنتصر، وطلبها بأن ما تريده قد تحقق: السقوط الذي يعيد تهذيب صورتها.
ربما الآن أقنع نفسي بأن ما جربته أمي فعل متحايل وعادي جدًا، لكن المشهد الذي كنت فيه بنتًا في الثامنة تُعاقَب على عدم حفاظها على شكل هويتها – بأن يسقط عن رأسها هذا الشعر – ما زال عالقًا. مع كل خصلة شعر كانت تسقط معها صوت حجر الحجلة، ذلك الصوت الذي كان سببًا دائمًا في “نكش شعري” حين أعود من لعبة الحجلة مع الأصدقاء في المدرسة.
المدرسة المختلطة كانت مساحة اكتشاف الندية، فنمارس كل منا عكس هويته الاجتماعية: يشاركنا زميل باسم “سامي” لعبة الحجلة – وهي لعبة “تخصّ البنات” – لكن لكونه ابن معلمة الصف يحصل على امتياز المشاركة؛ فعله مقبول لأنّ ذلك يحمي صورة والدته المعلمة، ولا يُسمح لك بالاعتراض حفاظًا على “صورة” الأم. وقد أقفز أنا من فوق السور المرتفع قليلًا لأثبت رشاقتي وقدرتي التنافسية، لنؤكد أننا نحن البنات نستطيع ذلك أيضًا.
في النهاية كان الأمر سواء بين لعبتي القفز والحجلة؛ فإما ينكش شعري وأعود إلى أمي بصورة غير التي تبتغيها، أو أُقحم ضمن صورتها التي تريدها لبناتها – بالذات بالنسبة إلي، ابنة السيدة التي تقود سيارتها وتقلّنا إلى المدرسة. كنتُ أول من شاكس هذه الصورة، فأسقط عن نفسي كل ما تريده أمي.
كبرت وأنا أشكّل مفهوم السقوط باعتباره مناددة: أنادد فعل والدتي حتى لعبة الحجلة نفسها، فأرسم الحجلة خارج ظل الشجرة في ساحة المدرسة لأن ظلّها قد يعيق اتجاه سقوط الحجر في خانته المخصّصة؛ أريد أن يبدو السقوط واضحًا في معناه الذي تشكّله الصورة، بلا احتمال للتأويل.
السؤال الذي بدأ يعيد مفهوم السقوط في نص درويش منذ 18 عامًا كان مساحة أخرى لتحديد مفهوم السقوط الذي كنت أمارسه ضد أمي كي أبتعد عن صورة الهوية الثابتة التي تريدها. لكنه لم يكن سقوطًا شاهقًا بحجم بلاد تتهيأ للموت أو بداية الدخول في النزاع والاحتضار. الفارق أن أمي تشعر بانتصار استعادة ثبات صورتها، لكن الآن نحن كجمع ندفع أنفسنا نحو السقوط لنعيد اكتشاف المعنى وتهشيم صورة الملائكية التي تختزلها الهوية وتفرض أدوارًا وقوالب جاهزة. فهل كنا جاهزين لفعل شقّ الصورة عن أنفسنا منذ 18 سنة فقط، أم أننا مهيأون لنفضها منذ البداية؟
تسألني صحافية في توثيق رأيي: “ما شكل المستقبل في غزة بعد هذه الحرب؟” الجميع لديه تصوّر جاهز بأننا نمتلك حق تصوّر المستقبل بعد كل هذا السقوط الممتد. كلّما سمعت هذا السؤال أصاب بنوبة من ضحك هستيري أو سخرية حادة من نوع الثقب الذي يرانا العالم من خلاله. كأنّ الجميع يسأل الغريق وهو في خضم دوامة البحر التي تبتلعه ثم يقولون له: «عطشان، والبحر معك؟».
ربما أختصر صورة المستقبل أيضًا بشكل السقوط: العالم الذي يتهيأ لأن يعترف بدولة فلسطينية. فأطرح لنفسي، بينما أنا في طريقي لقص شعري في بيت نزوح صديقي – أو بيته البديل – السؤال: أي دولة؟ وما حدودها؟
هذه المرة الخامسة التي أقصّ فيها شعري خلال أيام الحرب. المرة الأولى كانت حين بحثت عن مكان نزوح صديقي في رفح، وهناك خضنا تجربة البحث عن مكان نعيد فيه تعريف السقوط مرة أخرى: أن أقلم على رأسي صورة المرأة التي تقبل شكلها الذي تفرضه الحرب؛ كي يصدق الجميع أني “أعيش الحرب” بحواجب غير مهذبة، وشعر غير مهندَم، وملابس تخصّ الحرب وحدها.
لكن، هل يعني هذا أنني أمارس سياحة الحرب؟ بالتأكيد لا. لكنني، بكل حال، أنادد كل صورة تريدها الحياة لي منذ أن كنتُ في الثامنة. المرة الثانية والثالثة كانتا بالطريقة نفسها: أعيد تعريف السقوط عن نفسي بأن الشعر الذي طال يذكرني بأنني ما زلتُ محاصرة بالحرب، والنزوح يأكل ملامحي، فنهرب أنا وصديق إلى بيت صديقة لنقصّ حكايا الحرب ونقصّ فعل الحرب عن شعري.
وفي مرة أخرى، كنت أخشى أن البيت الذي استقريت فيه بدير البلح صار أمراً واقعًا، فاستدعيت من علاقتي القديمة صديقًا يأتي إلى بيتي لأتذكّر أنني لم أسقُط بعد في صورة الحرب الأبدية.
المرة الرابعة كانت استعادة: بحثت عن صديقي فكان يرفض أن يسقط في صورة المهزوم العائد بلا بيت، فظل نازحًا مقيماً في بيت نزوحه جنوب القطاع. فبدّلت السقوط بصورة أخرى مع تلميذته، بأن أعود إلى المدينة فأستعيد شكلي القديم لتعرفني المدينة – لكنها كانت عبئًا آخر، فكل شيء الآن يسقط أكثر.
إذًا أيها المستقبل، هل ستأتي لتؤكد أننا نستعيد شيئًا واحدًا على الأقل؟
في المرة الخامسة، قررت أن أقصّ شعري كاستعادة لمفهوم السقوط الأبدي في ذاكرتي عن الصور الثابتة. في طريقي إلى بيت الصديق البديل تمر عيناي حيث صار كل شيء بديلًا: “المجلس التشريعي” حين كان حلم أوسلو الوليد الصغير لشكل دولة المؤسسات، هو الكيان هذا الذي يعيد الآن تعريف نفسه بهوية بديلة. بيوت بديلة لكل النازحين الذين استظلّوا ببقايا جدرانه. وإن سألني أحد عن شكل المستقبل لكيان دولة المؤسسة أجيب: لقد حضن المجلس أعضاءه، وفي المقر ذاته يبني الرجل النازح حمّامًا تقضي فيه أسرته حاجتها.
إنه المقر الذي كان يمنح لنفسه حصانة تمنعك من التظاهر أمامه لأنك تساهم في حرف البوصلة؛ أما الآن فالبوصلة هي أن تنصب خيمة تسندها بقايا الحائط.
ومضيت أضحك على هيئة المستقبل الذي قال له درويش قبل 18 عامًا: «أيها المستقبل، لا تسألنا من أنتم؟ فنحن أيضًا لا نعرف». إننا محض تجربة السقوط. إنها المرة الخامسة التي أعيد فيها اختبار السقوط الذي حملته منذ عمر الثامنة. وصلت بيت صديقي البديل، وهو ملحق صغير بمبنى “لجنة الانتخابات المركزية”؛ والدخول إليه يتطلّب أن تقفز من فوق سور المقر هذا. الآن أقفز بالطريقة نففسها التي أقفزها منذ الثامنة، لكن لأصل حيث يسكن صديقي في البيت البديل – ذاك المقر الذي دخلته عام 2021 بحلم صغير برفقة شباب آخرين لنسجّل قائمة انتخابية – أقفز عن حائطه اليوم كي أعيد تعريف السقوط القديم. وقفت فوق الحجر الصغير وتذكّرت:
أيها الماضي… لا تغيّرنا كلّما ابتعدنا عنك.
الآن، وبعد 18 عامًا، يعيد السقوط تعريف نفسه أمامي بشكل لا تختزل فيه الهوية أبعادها الملائكية، بل يشقّ عنها صورة حلمها أيضًا. بينما تمر طائرة المساعدات لتلقي بعد حين مناطيدها الطارئة، وأمضي نحو مساحة أي تعريف يعيد تشكيل هويته، تذكّرت مشهدًا أحبه لسامية الجزائري في سلسلة “النجوم الخمسة وحتى الثمانية” حين قالت في حوار: «التاريخ له مدخلين: مدخل من فوق، ومدخل من تحت، وإحنا مو شايلين ندخل التاريخ من فوق؛ فنحنا عم ندخله من تحت».
نحن ندخل التاريخ من بوابات السقوط، من بوابات المحو. فأي تاريخ سيبتلع مفاهيم الحاضر لعابري السبيل الذين انغمسوا في دم إبادتهم، ويسألهم الجميع: «ما شكل مستقبلكم؟» فنحن أيضًا لا نعرف… لأننا ما زلنا نورث السقوط أيضًا. ولكنه أبعد بكثير من مفهوم خصلات الشعر التي تسقط عن كتفي للمرة الخامسة، فيما الطائرة تُسقط مساعداتها على خيمة فتقتل الحاجة وصاحبها.
كم مرة سنعيد تهشيم فساد المرآة؟!
إقرأوا أيضاً:










