ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل غيّر “لام شمسية” نظرة المجتمع تجاه ضحيّة العنف الجنسي ؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بعد عرض مسلسل “لام شمسية” في آذار/ مارس الماضي، ضمن الموسم الدرامي لشهر رمضان، بدأت تخرج إلى النور قضايا التحرّش بالأطفال، التي كانت قبل عرض المسلسل حدثاً تشعر معه الضحيّة وأهلها بالوصم والعار، وللدقّة، لا يزال قطاع كبير يفضّل الصمت في حالات تعرّض طفل في الأسرة للتحرّش، أو الاغتصاب، بخاصّة الأطفال الذكور، ولكن في شهر واحد تشجّعت أكثر من أسرة وضحيّة، وأعلنت ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي، وطلبت الدعم أو تقدّمت ببلاغ إلى النيابة العامّة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ومع آخر يوم من شهر نيسان/ أبريل الماضي، قضت محكمة جنايات دمنهور، ومن الجلسة الأولى، بمعاقبة مراقب حسابات في إحدى المدارس الخاصّة في مدينة دمنهور، بالسجن المؤبّد، لإدانته بـ”هتك عرض أحد تلاميذ رياض الأطفال في المدرسة باستخدام القوّة والتهديد”، حسب محامي أسرة الطفل عصام مهنا.

 هذا الحكم السريع لاقى ترحيباً كبيراً وتخوفاً في الوقت نفسه من الاستئناف عليه فيما بعد، واحتمالية البراءة، ولكنه أيضاً شجّع الكثير من الضحايا على التحدّث والتخلّي عن الخوف من الوصم، خاصّة بعد حضور الطفل إلى قاعة المحكمة، بملابس تنكرية تُخفي هوّيته، وتمنحه بعداً بطولياً مستوحى من شخصيّة “سبايدرمان” الذي يُحارب الأشرار، فأصبحت كلّ ضحية ترى نفسها خلف هذا القناع، تواجه مخاطر تهديد المعتدي، وتُعلن خوفها الطبيعي، وتنتظر الدعم والطبطبة مثل ياسين/ سبايدرمان.

البحث عن إبرة أرقام الضحايا في كومة قشّ الدول العربية

حين بدأنا في جمع أرقام عن نسب التحرّش أو اغتصاب الأطفال في الدول العربية، لم نجد إلا إحصائية تعود إلى العام 2017، صادرة عن مركز البحوث الجنائية والاجتماعية في القاهرة، ودراسة صدرت  العام قبل الماضي، عن مركز حماية الأطفال في لبنان، ورقم مقتضب من وزارة العدل السعودية عن حالات التحرّش بالأطفال. أما بقيّة دول أوروبا والأميركيتين، فمنظّمة الصحّة العالمية واليونيسيف، تُفرد لها مساحات للدراسة والتتبّع، وتفصيل المعلومات وتفنيدها بشكل يوضح المشكلة، ويرصد الضحايا، ويوفّر لهم الدعم النفسي والتوجيه القانوني.

ربما هذا أحد دلائل إنكار المجتمع – وبالتالي الباحثين – وجود مشكلة كبيرة كالتحرّش بالأطفال عموماً، والاغتصاب خاصّة. دراسات تتمّ على استحياء، وأرقام تخرج إلى العلن ذراً للرماد في العيون، وملئاً لخانة الدراسات النفسية والاجتماعية حول المشكلة، ولكن فعلياً هي أرقام غير كاشفة للواقع.

 فجزء من الواقع ترصده صفحات الحوادث في  المواقع الإخبارية. فإذا أدخلت كلمة “تحرّش طفل” في محرّك البحث، تطالعك إحصائية مركز البحوث الاجتماعية والجنائية، التي أعدّتها الباحثة فادية أبو شهبة، وقالت فيها “إن 20 ألف حالة تحرّش واغتصاب تقع في مصر سنوياً، 85% من الضحايا هم من الأطفال، كما أن 45% من حالات العنف الجنسي اغتصاب كامل، وإجبار الضحايا وتهديدهم بعدم إخبار الأهل، كما أن 20% من هذه الحالات تُقتل بعد الاغتصاب”.

سجّل لبنان ارتفاعاً في حالات العنف الجنسي ضدّ الأطفال بين العامين 2022 و2023، من 10% إلى 12%، حسب ما أصدرته جمعية “حماية”، وتوزّعت حالات العنف المسجّلة بين 46% للإناث و54% للذكور.

وبلغ عدد الحالات المتابَعة من قِبل الجمعية منذ تأسيسها في 2008 حتى 2023، بحسب ما كشفته منسّقة برنامج التوعية في الجمعية، آمنة حمادي: 2240 حالة، 22% منها كانت عرضة للعنف الجسدي، و26% للإهمال، و16% للاستغلال الجنسي، و11% للعنف الجنسي.

وكشف مؤشّر الإحصاء لوزارة العدل السعودية في عام 2014، أن عدد قضايا التحرّش بلغ 2797 قضيّة في محاكم المملكة، بمعدّل سبع حالات تحرّش في اليوم، فيما أوضحت دراسة لبرنامج الأمان الأسري الوطني أن 10% من الأطفال في المملكة تعرّضوا للتحرّش بمختلف أشكاله.

الأرقام العالمية أكثر تفنيداً، منظّمة الصحّة العالمية تقول إن هناك حوالي مليار طفل أعمارهم بين عامين و17 عاماً، تعرّضوا للعنف الجسدي او الجنسي أو العاطفي، وتحدّد بيانات “مركز تقييم الأطفال” العمر الأكثر عرضة للتحرّش بين الأطفال، بأنه بين 7 و13 عاماً، ويبلغ متوسّط جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال في سنّ التاسعة ذروته، ومع ذلك فإن نسبة لا يستهان بها من الأطفال يتعرّضون للاعتداء الجنسي قبل سنّ الثامنة.

منظّمة اليونيسيف تؤكّد أن ما لا يقلّ عن 120 مليون فتاة تحت سنّ العشرين، أبلغن عن إجبارهن على ممارسة الجنس، أو القيام بأفعال جنسية أخرى، ومن المرجّح أن يكون الرقم الفعلي أعلى من ذلك بكثير، خاصّة وأن ملايين الفتيات لا يُخبرن أحداً بتعرّضهن للتحرّش، كما تلفت اليونيسيف النظر إلى أن هذه الأرقام ليست حقيقية تماماً، بسبب عزوف الضحايا عن التحدّث، والأهل إن عرفوا فلا يتحدّثون خوفاً من الوصم، أما يونيسيف مصر فقد أصدرت تقريراً عن التحرّش الجنسي، وهتك العرض، وطرق التوعية والدعم النفسي والقانوني، وعلامات تعرّض الطفل لإساءة جنسية بدرجاتها، ولكنّها للأسف لم تقدّم رقماً عن عدد الحالات في مصر، بل  قالت إن  1 من كلّ 8 أطفال في “العالم” تعرّض لإساءة جنسية قبل سنّ الثامنة عشرة.

ليس كلّ بيدوفيليك متحرّش جنسياً

مفاجأة، أليس كذلك؟ حين بحثنا عن معنى البيدوفيليا وجدنا أنها اضطراب مرضي، وحين سألنا طبيباً نفسياً قال لنا إنه “مرض يستلزم العلاج”، ولكنّ ليس كلّ مريض بهذا الاضطراب التفضيلي يكون متحرشاً أو مغتصباً.

يُعرّف طلال فيصل استشاري الطبّ النفسي في جامعة ماربورج في ألمانيا، البيدوفيليا بأنها مرض اشتهاء الذكور والإناث جنسياً قبل سنّ البلوغ، ويوضح فيصل لـ “درج”: “من المهمّ التفرقة بين الاعتداء الجنسي الذي يقع على الطفل، وبين مشكلة الاشتهاء والرغبة من دون أي تعدٍ، فالاشتهاء هو مجرّد انحراف ولا يُعتبر جريمة، ولكنّه مرض يستلزم العلاج، أما الاعتداء فله صور كثيرة، وحين يقع نطرح السؤال: هل هو مرض أم جريمة؟ 

ويشرح بشكل أكثر وضوحاً: “تشخيص البيدوفيليا سهل لأنه يقع ضمن مجموعة تشخيصات، وهي تشخيصات اضطرابات التفضيل الجنسي”، ويضيف أن أشكال الاعتداء الجنسي على الأطفال، تتنوّع وتتدرّج، بداية من تتبّع الطفل ومراقبته، ومحاولة التقرّب منه وتهديده، ومشاهدة الأفلام والصور الإباحية لأطفال، وتصويرهم أيضاً، وبالطبع اللمس والاعتداء الجسدي المباشر، كلّ هذا يعتبَر اعتداء، وجرائم يُحاسب عليها القانون.

 ويطرح فيصل سؤالاً على نفسه: “هل يحاسب القانون على هذه الاعتداءات في المطلق؟”، ويُجيب: ” يُحاسب عليه طالما توفّرت الأهلية في المريض، معظم الجرائم التي يكون فيها الجاني مريضاً نفسياً تطرح السؤال: هل الجاني/ المريض فاقد أهليّته، أم يستطيع التفرقة بين الخطأ والصواب؟ فبعض الأمراض يكون المريض فاقداً أهليّته مثل مرضى الفصام الشديد، ومرضى اضطراب الوعي والاكتئاب الشديد المصاحب بهلاوس وضلالات، وعامّة فغالبية مرضى البيدوفيليا محتفظين بأهليّتهم، وغالباً أيضاً، يتمّ اعتبار حالات الاعتداء جريمة حتى لو بدافع خلل نفسي”.

أفلام مؤثّرة غيّرت القوانين

بالعودة إلى دور “لام شمسية” في تشجيع الضحيّة وأهلها على التحدّث عن الجريمة التي تعرّضت لها، هناك أيضاً 7 أفلام مصرية أدّت إلى تغيير بعض القوانين المصرية.

ففي عام 1954، عقب عرض فيلم “جعلوني مجرما”، صدر قانون ينصّ على الإعفاء من السابقة الأولى في الصحيفة الجنائية، حتى يستطيع المخطئ أن يبدأ صفحة جديدة في حياته وبعمل جديد.

أما أشهر هذه الأفلام فهو فيلم “أريد حلاً”، إنتاج العام 1975، الذي ساعد في إعادة النظر في قانون الأحوال الشخصيّة، والسماح للمرأة بحقّ الخُلع من زوجها، بشرط التخلّي عن مستحقّاتها المادية، كذلك التعجيل بالإجراءات القانونية وجلسات المحاكم في قضايا الطلاق، التي كانت تستمرّ لسنوات حتى يصدر الحكم. 

فيلم “كلمة شرف” أدّى إلى إعادة النظر في الحالات الإنسانية للسجناء، واشتقّ قانون جديد يسمح للسجناء بزيارة أهلية بضوابط محدّدة، وظروف خاصّة لأفراد عائلاتهم.

 فيلم “باب الحديد” إنتاج 1958، عرض لأهميّة تكوين نقابة عمّالية للشيّالين (الحمّالين) في محطّة السكّة الحديدية، وبالفعل تأسّست النقابة بعد عرض الفيلم بسنوات قليلة.

أما آخر هذه الأفلام فكان فيلم “678” إنتاج 2010، تناول الفيلم مشكلة التحرّش الجنسي بالفتيات في الشارع والمواصلات وأماكن العمل، وكيف يتعامل رجال الشرطة مع الضحايا، وبسبب هذا الفيلم فقد تمّ تعديل عقوبة المتحرّش لتصل إلى ثلاث سنوات، كما تمّ تشديد العقوبة في حالات هتك العرض، والاغتصاب في تعديلات قانون العقوبات لعام 2011.

مؤبّد في مصر وإعدام في السعودية

قبل أن يمرّ أسبوع على الحكم بالمؤبّد على المتّهم بهتك عرض الطفل ياسين،  نشرت وكالة الأنباء السعودية بياناً لوزارة الداخلية السعودية، تقول فيه إنها نفّذت حكماً بالإعدام على مواطن سعودي، ثبت عليه الاتّهام باغتصاب طفل في منطقة حائل، “ولأن ما قام به المدّعى عليه يستوجب عقوبة رادعة له ولمن تسوّل له نفسه الإقدام على مثل ذلك، فقد تمّ الحكم عليه بالقتل (تعزيراً) وأصبح الحكم نهائياً بعد استئنافه ثم تأييده من المحكمة العليا، وصدر أمر ملكي بإنفاذ ما تقرّر شرعاً”.

الغريب في القانون المصري، هو أن الاغتصاب الشرجي الذي يتعرّض له غالبية الأطفال الضحايا، لا يُعدّ في القانون اغتصاباً، بل هتك عرض.

 المادّة 267 من قانون العقوبات المتعلّقة بجرائم “هتك العرض وإفساد الأخلاق”، تنصّ على أنه من واقع أنثى بغير رضاها يُعاقب بالإعدام أو السجن المؤبّد.

ويُعاقَب الفاعل بالإعدام إذا كانت المجني عليها لم تبلغ سنها 18 سنة ميلادية كاملة، أو كان الفاعل من أصول المجني عليها، أو من المتولّين تربيتها أو ملاحظتها، أو ممن لهم سلطة عليها، أو كان خادماً بالأجر عندها أو عند من تقدّم ذكرهم، أو تعدّد فاعلي الجريمة.

وإذا كان عمر من وقعت عليه الجريمة المذكورة لم يبلغ 18 سنة، أو كان مرتكبها، أو أحد مرتكبيها ممن نُصّ عليهم في الفقرة الثانية من المادّة (267) تكون العقوبة السجن المشدّد لمدّة لا تقلّ عن 7 سنوات، وإذا اجتمع هذان الظرفان معاً يُحكم بالسجن المؤبّد.

أما هتك العرض الذي يقع على الأقلّ من 18 عاماً، فتحدّثت عنه المادّة (269): “كلّ من هتك عرض صبي أو صبية لم يبلغ سنّ كلّ منهما 18 سنة ميلادية كاملة، بغير قوّة أو تهديد يُعاقب بالسجن، وإذا كانت سنّه لم تتجاوز 12 سنة ميلادية كاملة، أو كان من وقعت منه الجريمة ممن نُصّ عليهم في الفقرة الثانية من المادّة (267) تكون العقوبة السجن المشدّد لمدّة لا تقلّ عن 7 سنوات”.

خمس سنوات تستحقّ الانتظار

 فريق عمل “لام شمسية” قال إن المسلسل ظهر بعد 5 سنوات من التحضير، ويقول المخرج كريم الشناوي: “في البداية كان من الممكن لو نظرنا إلى الورق (النصّ) من دون العمل عليه، وتحضير الشخصيّات وبنائها، لكنّا خفنا من عرضه، ولو تمّ عمله باستعجال، كان سيكون مضراً، مش مفيد… واحنا حبينا نبني شخصيّات ودراما مش بس بنعرض قضيّة بشكل مباشر”.

وتقول الكاتبة مريم نعوم: “كان هناك تخوف من الجمهور، لكنّه طلع عنده وعي كبير، واستقبل العمل بشكل مشجّع بالرغم من حساسيته، القوانين في مصر الخاصّة بالتحرّش واغتصاب الأطفال مفعّلة، لكن العمل بيوجّه الناس أنهم يتكلّموا ويتّجهوا للقانون، وكسر الصمت”. 

 وتضيف نعوم “إن مؤسّسات الدولة والرقابة كان موقفها إيجابي من العمل، نحن أيضاً ممتنّون للرقابة التي مرّرت المسلسل من دون قصّ أو تعديل، ليظهر العمل كاملاً من دون خلل “مية واحدة” كما يقول المصريون، ولينضمّ إلى الأعمال الفنّية التي صنعت فارقاً مع الناس، فأصبح كثيرون لا يشعرون بالخزي حين يتحدّثون عن كونهم ضحايا، أو أمّهات للضحايا، وكيف يتقدّمون بالبلاغ إلى النيابة، ويعرفون معنى الدعم النفسي والقانوني، بل بدأ الكثير من الأمّهات بتقديم الدعم لبعضهن بعضاً في رحلة محاسبة المجرم، بدءاً من صيغة البلاغ حتى الحضور في المحكمة”.

26.05.2025
زمن القراءة: 7 minutes

بعد عرض مسلسل “لام شمسية” في آذار/ مارس الماضي، ضمن الموسم الدرامي لشهر رمضان، بدأت تخرج إلى النور قضايا التحرّش بالأطفال، التي كانت قبل عرض المسلسل حدثاً تشعر معه الضحيّة وأهلها بالوصم والعار، وللدقّة، لا يزال قطاع كبير يفضّل الصمت في حالات تعرّض طفل في الأسرة للتحرّش، أو الاغتصاب، بخاصّة الأطفال الذكور، ولكن في شهر واحد تشجّعت أكثر من أسرة وضحيّة، وأعلنت ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي، وطلبت الدعم أو تقدّمت ببلاغ إلى النيابة العامّة.

ومع آخر يوم من شهر نيسان/ أبريل الماضي، قضت محكمة جنايات دمنهور، ومن الجلسة الأولى، بمعاقبة مراقب حسابات في إحدى المدارس الخاصّة في مدينة دمنهور، بالسجن المؤبّد، لإدانته بـ”هتك عرض أحد تلاميذ رياض الأطفال في المدرسة باستخدام القوّة والتهديد”، حسب محامي أسرة الطفل عصام مهنا.

 هذا الحكم السريع لاقى ترحيباً كبيراً وتخوفاً في الوقت نفسه من الاستئناف عليه فيما بعد، واحتمالية البراءة، ولكنه أيضاً شجّع الكثير من الضحايا على التحدّث والتخلّي عن الخوف من الوصم، خاصّة بعد حضور الطفل إلى قاعة المحكمة، بملابس تنكرية تُخفي هوّيته، وتمنحه بعداً بطولياً مستوحى من شخصيّة “سبايدرمان” الذي يُحارب الأشرار، فأصبحت كلّ ضحية ترى نفسها خلف هذا القناع، تواجه مخاطر تهديد المعتدي، وتُعلن خوفها الطبيعي، وتنتظر الدعم والطبطبة مثل ياسين/ سبايدرمان.

البحث عن إبرة أرقام الضحايا في كومة قشّ الدول العربية

حين بدأنا في جمع أرقام عن نسب التحرّش أو اغتصاب الأطفال في الدول العربية، لم نجد إلا إحصائية تعود إلى العام 2017، صادرة عن مركز البحوث الجنائية والاجتماعية في القاهرة، ودراسة صدرت  العام قبل الماضي، عن مركز حماية الأطفال في لبنان، ورقم مقتضب من وزارة العدل السعودية عن حالات التحرّش بالأطفال. أما بقيّة دول أوروبا والأميركيتين، فمنظّمة الصحّة العالمية واليونيسيف، تُفرد لها مساحات للدراسة والتتبّع، وتفصيل المعلومات وتفنيدها بشكل يوضح المشكلة، ويرصد الضحايا، ويوفّر لهم الدعم النفسي والتوجيه القانوني.

ربما هذا أحد دلائل إنكار المجتمع – وبالتالي الباحثين – وجود مشكلة كبيرة كالتحرّش بالأطفال عموماً، والاغتصاب خاصّة. دراسات تتمّ على استحياء، وأرقام تخرج إلى العلن ذراً للرماد في العيون، وملئاً لخانة الدراسات النفسية والاجتماعية حول المشكلة، ولكن فعلياً هي أرقام غير كاشفة للواقع.

 فجزء من الواقع ترصده صفحات الحوادث في  المواقع الإخبارية. فإذا أدخلت كلمة “تحرّش طفل” في محرّك البحث، تطالعك إحصائية مركز البحوث الاجتماعية والجنائية، التي أعدّتها الباحثة فادية أبو شهبة، وقالت فيها “إن 20 ألف حالة تحرّش واغتصاب تقع في مصر سنوياً، 85% من الضحايا هم من الأطفال، كما أن 45% من حالات العنف الجنسي اغتصاب كامل، وإجبار الضحايا وتهديدهم بعدم إخبار الأهل، كما أن 20% من هذه الحالات تُقتل بعد الاغتصاب”.

سجّل لبنان ارتفاعاً في حالات العنف الجنسي ضدّ الأطفال بين العامين 2022 و2023، من 10% إلى 12%، حسب ما أصدرته جمعية “حماية”، وتوزّعت حالات العنف المسجّلة بين 46% للإناث و54% للذكور.

وبلغ عدد الحالات المتابَعة من قِبل الجمعية منذ تأسيسها في 2008 حتى 2023، بحسب ما كشفته منسّقة برنامج التوعية في الجمعية، آمنة حمادي: 2240 حالة، 22% منها كانت عرضة للعنف الجسدي، و26% للإهمال، و16% للاستغلال الجنسي، و11% للعنف الجنسي.

وكشف مؤشّر الإحصاء لوزارة العدل السعودية في عام 2014، أن عدد قضايا التحرّش بلغ 2797 قضيّة في محاكم المملكة، بمعدّل سبع حالات تحرّش في اليوم، فيما أوضحت دراسة لبرنامج الأمان الأسري الوطني أن 10% من الأطفال في المملكة تعرّضوا للتحرّش بمختلف أشكاله.

الأرقام العالمية أكثر تفنيداً، منظّمة الصحّة العالمية تقول إن هناك حوالي مليار طفل أعمارهم بين عامين و17 عاماً، تعرّضوا للعنف الجسدي او الجنسي أو العاطفي، وتحدّد بيانات “مركز تقييم الأطفال” العمر الأكثر عرضة للتحرّش بين الأطفال، بأنه بين 7 و13 عاماً، ويبلغ متوسّط جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال في سنّ التاسعة ذروته، ومع ذلك فإن نسبة لا يستهان بها من الأطفال يتعرّضون للاعتداء الجنسي قبل سنّ الثامنة.

منظّمة اليونيسيف تؤكّد أن ما لا يقلّ عن 120 مليون فتاة تحت سنّ العشرين، أبلغن عن إجبارهن على ممارسة الجنس، أو القيام بأفعال جنسية أخرى، ومن المرجّح أن يكون الرقم الفعلي أعلى من ذلك بكثير، خاصّة وأن ملايين الفتيات لا يُخبرن أحداً بتعرّضهن للتحرّش، كما تلفت اليونيسيف النظر إلى أن هذه الأرقام ليست حقيقية تماماً، بسبب عزوف الضحايا عن التحدّث، والأهل إن عرفوا فلا يتحدّثون خوفاً من الوصم، أما يونيسيف مصر فقد أصدرت تقريراً عن التحرّش الجنسي، وهتك العرض، وطرق التوعية والدعم النفسي والقانوني، وعلامات تعرّض الطفل لإساءة جنسية بدرجاتها، ولكنّها للأسف لم تقدّم رقماً عن عدد الحالات في مصر، بل  قالت إن  1 من كلّ 8 أطفال في “العالم” تعرّض لإساءة جنسية قبل سنّ الثامنة عشرة.

ليس كلّ بيدوفيليك متحرّش جنسياً

مفاجأة، أليس كذلك؟ حين بحثنا عن معنى البيدوفيليا وجدنا أنها اضطراب مرضي، وحين سألنا طبيباً نفسياً قال لنا إنه “مرض يستلزم العلاج”، ولكنّ ليس كلّ مريض بهذا الاضطراب التفضيلي يكون متحرشاً أو مغتصباً.

يُعرّف طلال فيصل استشاري الطبّ النفسي في جامعة ماربورج في ألمانيا، البيدوفيليا بأنها مرض اشتهاء الذكور والإناث جنسياً قبل سنّ البلوغ، ويوضح فيصل لـ “درج”: “من المهمّ التفرقة بين الاعتداء الجنسي الذي يقع على الطفل، وبين مشكلة الاشتهاء والرغبة من دون أي تعدٍ، فالاشتهاء هو مجرّد انحراف ولا يُعتبر جريمة، ولكنّه مرض يستلزم العلاج، أما الاعتداء فله صور كثيرة، وحين يقع نطرح السؤال: هل هو مرض أم جريمة؟ 

ويشرح بشكل أكثر وضوحاً: “تشخيص البيدوفيليا سهل لأنه يقع ضمن مجموعة تشخيصات، وهي تشخيصات اضطرابات التفضيل الجنسي”، ويضيف أن أشكال الاعتداء الجنسي على الأطفال، تتنوّع وتتدرّج، بداية من تتبّع الطفل ومراقبته، ومحاولة التقرّب منه وتهديده، ومشاهدة الأفلام والصور الإباحية لأطفال، وتصويرهم أيضاً، وبالطبع اللمس والاعتداء الجسدي المباشر، كلّ هذا يعتبَر اعتداء، وجرائم يُحاسب عليها القانون.

 ويطرح فيصل سؤالاً على نفسه: “هل يحاسب القانون على هذه الاعتداءات في المطلق؟”، ويُجيب: ” يُحاسب عليه طالما توفّرت الأهلية في المريض، معظم الجرائم التي يكون فيها الجاني مريضاً نفسياً تطرح السؤال: هل الجاني/ المريض فاقد أهليّته، أم يستطيع التفرقة بين الخطأ والصواب؟ فبعض الأمراض يكون المريض فاقداً أهليّته مثل مرضى الفصام الشديد، ومرضى اضطراب الوعي والاكتئاب الشديد المصاحب بهلاوس وضلالات، وعامّة فغالبية مرضى البيدوفيليا محتفظين بأهليّتهم، وغالباً أيضاً، يتمّ اعتبار حالات الاعتداء جريمة حتى لو بدافع خلل نفسي”.

أفلام مؤثّرة غيّرت القوانين

بالعودة إلى دور “لام شمسية” في تشجيع الضحيّة وأهلها على التحدّث عن الجريمة التي تعرّضت لها، هناك أيضاً 7 أفلام مصرية أدّت إلى تغيير بعض القوانين المصرية.

ففي عام 1954، عقب عرض فيلم “جعلوني مجرما”، صدر قانون ينصّ على الإعفاء من السابقة الأولى في الصحيفة الجنائية، حتى يستطيع المخطئ أن يبدأ صفحة جديدة في حياته وبعمل جديد.

أما أشهر هذه الأفلام فهو فيلم “أريد حلاً”، إنتاج العام 1975، الذي ساعد في إعادة النظر في قانون الأحوال الشخصيّة، والسماح للمرأة بحقّ الخُلع من زوجها، بشرط التخلّي عن مستحقّاتها المادية، كذلك التعجيل بالإجراءات القانونية وجلسات المحاكم في قضايا الطلاق، التي كانت تستمرّ لسنوات حتى يصدر الحكم. 

فيلم “كلمة شرف” أدّى إلى إعادة النظر في الحالات الإنسانية للسجناء، واشتقّ قانون جديد يسمح للسجناء بزيارة أهلية بضوابط محدّدة، وظروف خاصّة لأفراد عائلاتهم.

 فيلم “باب الحديد” إنتاج 1958، عرض لأهميّة تكوين نقابة عمّالية للشيّالين (الحمّالين) في محطّة السكّة الحديدية، وبالفعل تأسّست النقابة بعد عرض الفيلم بسنوات قليلة.

أما آخر هذه الأفلام فكان فيلم “678” إنتاج 2010، تناول الفيلم مشكلة التحرّش الجنسي بالفتيات في الشارع والمواصلات وأماكن العمل، وكيف يتعامل رجال الشرطة مع الضحايا، وبسبب هذا الفيلم فقد تمّ تعديل عقوبة المتحرّش لتصل إلى ثلاث سنوات، كما تمّ تشديد العقوبة في حالات هتك العرض، والاغتصاب في تعديلات قانون العقوبات لعام 2011.

مؤبّد في مصر وإعدام في السعودية

قبل أن يمرّ أسبوع على الحكم بالمؤبّد على المتّهم بهتك عرض الطفل ياسين،  نشرت وكالة الأنباء السعودية بياناً لوزارة الداخلية السعودية، تقول فيه إنها نفّذت حكماً بالإعدام على مواطن سعودي، ثبت عليه الاتّهام باغتصاب طفل في منطقة حائل، “ولأن ما قام به المدّعى عليه يستوجب عقوبة رادعة له ولمن تسوّل له نفسه الإقدام على مثل ذلك، فقد تمّ الحكم عليه بالقتل (تعزيراً) وأصبح الحكم نهائياً بعد استئنافه ثم تأييده من المحكمة العليا، وصدر أمر ملكي بإنفاذ ما تقرّر شرعاً”.

الغريب في القانون المصري، هو أن الاغتصاب الشرجي الذي يتعرّض له غالبية الأطفال الضحايا، لا يُعدّ في القانون اغتصاباً، بل هتك عرض.

 المادّة 267 من قانون العقوبات المتعلّقة بجرائم “هتك العرض وإفساد الأخلاق”، تنصّ على أنه من واقع أنثى بغير رضاها يُعاقب بالإعدام أو السجن المؤبّد.

ويُعاقَب الفاعل بالإعدام إذا كانت المجني عليها لم تبلغ سنها 18 سنة ميلادية كاملة، أو كان الفاعل من أصول المجني عليها، أو من المتولّين تربيتها أو ملاحظتها، أو ممن لهم سلطة عليها، أو كان خادماً بالأجر عندها أو عند من تقدّم ذكرهم، أو تعدّد فاعلي الجريمة.

وإذا كان عمر من وقعت عليه الجريمة المذكورة لم يبلغ 18 سنة، أو كان مرتكبها، أو أحد مرتكبيها ممن نُصّ عليهم في الفقرة الثانية من المادّة (267) تكون العقوبة السجن المشدّد لمدّة لا تقلّ عن 7 سنوات، وإذا اجتمع هذان الظرفان معاً يُحكم بالسجن المؤبّد.

أما هتك العرض الذي يقع على الأقلّ من 18 عاماً، فتحدّثت عنه المادّة (269): “كلّ من هتك عرض صبي أو صبية لم يبلغ سنّ كلّ منهما 18 سنة ميلادية كاملة، بغير قوّة أو تهديد يُعاقب بالسجن، وإذا كانت سنّه لم تتجاوز 12 سنة ميلادية كاملة، أو كان من وقعت منه الجريمة ممن نُصّ عليهم في الفقرة الثانية من المادّة (267) تكون العقوبة السجن المشدّد لمدّة لا تقلّ عن 7 سنوات”.

خمس سنوات تستحقّ الانتظار

 فريق عمل “لام شمسية” قال إن المسلسل ظهر بعد 5 سنوات من التحضير، ويقول المخرج كريم الشناوي: “في البداية كان من الممكن لو نظرنا إلى الورق (النصّ) من دون العمل عليه، وتحضير الشخصيّات وبنائها، لكنّا خفنا من عرضه، ولو تمّ عمله باستعجال، كان سيكون مضراً، مش مفيد… واحنا حبينا نبني شخصيّات ودراما مش بس بنعرض قضيّة بشكل مباشر”.

وتقول الكاتبة مريم نعوم: “كان هناك تخوف من الجمهور، لكنّه طلع عنده وعي كبير، واستقبل العمل بشكل مشجّع بالرغم من حساسيته، القوانين في مصر الخاصّة بالتحرّش واغتصاب الأطفال مفعّلة، لكن العمل بيوجّه الناس أنهم يتكلّموا ويتّجهوا للقانون، وكسر الصمت”. 

 وتضيف نعوم “إن مؤسّسات الدولة والرقابة كان موقفها إيجابي من العمل، نحن أيضاً ممتنّون للرقابة التي مرّرت المسلسل من دون قصّ أو تعديل، ليظهر العمل كاملاً من دون خلل “مية واحدة” كما يقول المصريون، ولينضمّ إلى الأعمال الفنّية التي صنعت فارقاً مع الناس، فأصبح كثيرون لا يشعرون بالخزي حين يتحدّثون عن كونهم ضحايا، أو أمّهات للضحايا، وكيف يتقدّمون بالبلاغ إلى النيابة، ويعرفون معنى الدعم النفسي والقانوني، بل بدأ الكثير من الأمّهات بتقديم الدعم لبعضهن بعضاً في رحلة محاسبة المجرم، بدءاً من صيغة البلاغ حتى الحضور في المحكمة”.