ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل كان كأس العالم “وورك شوب” علوم سياسية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

انتهى كأس العالم وعادت الأمور إلى مجاريها. ترك الناس العواطف القومية التي استنهضتها البطولة، ونسوا عصبياتهم القومية، ليعودوا إلى الخضوع لضغط الشركات والعنف البيروقراطي الذي تقوم به دولهم (الدول نفسها التي كانوا يشجّعونها). توقّفت النوستاليجيا الوطنية وعادت ربما أسطوانات لعن الأوطان ورغبات السفر حيث الحياة هي في مكان آخر.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تذكّرني “خصوصية” كأس العالم المنصرم بما يقال عن خصوصية المونديالات السابقة. بالنسبة إلى مَن لا يتابعون كرة القدم، انتقاص وانتقاد لهذه الرياضة، ووصمات جندرية، واتّهامات بأنها تقوم بتغييب الشعوب عن الوعي السياسي. 

وبالنسبة إلى المتابعين، خرجت أيضاً جهود مكرورة لاستنباط دلالات سياسية واجتماعية، وانتقادات لتدخّل السياسيين في سير المباريات، والدول المضيفة، ومحاباة الحكّام لهذه الدول لضمان الحماسة الجماهيرية المحلّية لأبعد نقطة، والتلاعب بالقرعة (وهو ما اعترف به الفرنسيون عند استضافتهم كأس العالم 1998). 

الأحاديث نفسها والشكاوى نفسها والمحاولات البائسة نفسها لـ”فصل الرياضة عن السياسة”، أو ما هو أسوأ “فهم السياسة من خلال كرة القدم”!

ومع الهوس ببهلوانيات الإسقاطات السياسية يأتي السؤال: ما هي هذه السياسة التي ننتظر من كرة القدم أن تعكسها: هل هي العصبية القومية ورفع الأعلام، أم أنها التحكّم بتوزيع الثروات؟ وهل تقوم السياسة بتحريك كرة القدم، أم أن السياسة تؤدّي الدور الجديد المنوط بها: تغطية ما يحدث على المستوى المالي، بينما يعتقد الناس أنهم يستنبطون النتائج السياسية والمشاعر الوطنية والأحكام الجندرية المسبقة؟

اللافت للنظر هو أن هذه الرياضة الموصومة بالذكورية (ومؤخّراً تمّ إلحاق كلمة السامّة على هذه الذكورة) هي أكثر النشاطات التي نرى فيها هؤلاء الذكور وهم يبكون. لم أرَ مكاناً يجتمع فيه الذكور ويتعانقون بدموعهم المنهارة إلا في بعض التعازي وفي كرة القدم.

مثل كل الرياضات الأخرى، تصرّح كرة القدم بأن العدالة تلك التي لا تتحقّق خارج الملاعب، ستتحقّق داخل الملاعب بوجود القواعد والحكّام، والاحتكام إلى المهارات، وأحياناً الحظّ، وأحياناً أخرى التدخّلات والمحسوبيات وما يتمّ الاتّفاق عليه قبل المباريات. 

ماذا بقي من كأس العالم؟ 

انتهى كأس العالم وعادت الأمور إلى مجاريها. ترك الناس العواطف القومية التي استنهضتها البطولة، ونسوا عصبياتهم القومية، ليعودوا إلى الخضوع لضغط الشركات والعنف البيروقراطي الذي تقوم به دولهم (الدول نفسها التي كانوا يشجّعونها). توقّفت النوستاليجيا الوطنية وعادت ربما أسطوانات لعن الأوطان ورغبات السفر حيث الحياة هي في مكان آخر.

عاد كأس العالم ليكون حوضاً لما سيبقى من ذكريات: إسبانيا البطلة الجديدة، وميسي المعجزة المتجدّدة، والأرجنتين في مرمى الانتقادات لعنف لاعبيها وشجاراتهم الصبيانية، أما منتخبات البرازيل وألمانيا وإيطاليا التي تسيّدت كرة القدم خلال القرن الماضي فباتت الآن بلا هيبة، لا يشفع لها التفوّق التاريخي والرخاء الاقتصادي والروح القومية. 

كرة القدم هي رياضة، ومنها ينبض التنافس والعواطف والشجار والروح الرياضية، وكما هي الكرنفالات، هي لحظات تنقلب فيها الأدوار، يبقى كأس العالم بطولة رياضية وطقساً اجتماعياً تتوزّع خلاله الأدوار لفترة محدّدة إلى أن يعود الجميع إلى حياتهم اليومية، وفي هذه الفترة الطقسية، يتنفّس المقهورون ويجدون المكان للتعبير، ولكن يبقى تعبيرهم وحبّهم ودموعهم وسخطهم مرهوناً بنتيجة المباراة، وكل ما يجري من حشد للرأي العامّ يتلاشى بعد انتهاء البطولة. 

المقهورون هم قطاعات كبيرة من جمهور كرة القدم في العالم كله، الناس البسطاء والفقراء. وأمام اتّهام هذه الرياضة بالتسييس، وأمام اتّهامات لاعبي كرة القدم بالذكورية والتطلّع إلى أن يكون اللاعبون وسطاء سياسيين، ينسى الكثيرون المنبت الطبقي الفقير للاعبي كرة القدم، كما ينسون الرضّات النفسية التي يتعرّضون إليها بعد انتقالهم من حياة شديدة الفقر، إلى الحياة وسط الملايين من الدولارات وأرقام تبدو عصيّة على الفهم. 

بعد فوزهم على الإنكليز، بسط لاعبو الأرجنتين على أرض الملعب قطعة قماشية كبيرة مكتوب عليها: “جزر الفوكلاند أرجنتينية”. استفزّ الأمر الكثيرين، وانتهى كأس العالم وبقيت تلك الجزر بريطانية. كانت المباراة استعادة لمباراة مارادونا التاريخية أمام الإنكليز بعد حرب جزر الفوكلاند تماماً، وهدفيه الشهيرين (هدف يد الله، وهدف القرن). خرج الرئيس الأرجنتيني معلّقاً على ما قام به لاعبو بلده من استفزاز: “علينا أن نتحلّى بالهدوء. هدف مارادونا ضد الإنكليز، أو أي هدف آخر، لم يُرجع لنا جزر فوكلاند…”.

هناك الكثير ممّا يحدث، بينما ينصرف الكثيرون إلى استنتاجات سياسية وآنية متعلّقة بسير المباريات ونتائجها. فعندما يرى حيتان الاقتصاد والرؤساء هذا الاهتمام، يقومون بدغدغة هذه العواطف لكسب المزيد من الأموال والتحكّم، كما يفعلون يومياً مع الاستثمار بالعواطف في قطاعات الحياة جميعها، بدءاً من الفالنتاين، مروراً بجوائز نوبل والأوسكار، وانتهاء بخزّان الغضب الذي بات ممتلئاً بحقد الهويّات.

المراوغة السياسية والأهداف المالية

لم يغفل المتابعون العامل الاقتصادي، وسرت انتقادات عديدة لأسعار التذاكر، وتحكّم الإعلانات بالمباريات إلى درجة تغيير قواعد اللعبة بإدخال وقتين جديدين للاستراحة أو ما يُعرف بفترات الترطيب (أو ما يُعرف باللغة المالية: فرصة لبث الإعلانات). 

بدأ الأمر باعتباره إجراءً طبّياً يهدف إلى حماية اللاعبين من الإجهاد الحراري، ثم فتحت تلك الدقائق القليلة باباً جديداً لعائدات بمئات الملايين من الدولارات، وفي فرنسا على سبيل المثال، بلغ سعر الإعلان التلفزيوني لمدّة 20 ثانية خلال إحدى فترات الترطيب نحو 425 ألف يورو.

مثل الكرنفال الذي يتيح تعليق بعض القواعد اليومية لفترة محدودة، تطلق كرة القدم عواطف وانتماءات لا تجد مكاناً سهلاً للتعبير عنها في الحياة العادية. 

في هذه الرياضة الشعبية نرى الرجال يبكون ويتعانقون ويكشفون عن عواطفهم علناً. هذه العاطفة الجماعية هي تحديداً ما يجعل كرة القدم مساحة قابلة للاستثمار الاقتصادي، بينما تأتي العبارات السياسية وكلمات من نوع مباريات مسيّسة للتغطية على دورة رأسمالية هائلة، لا يفقه بها الجمهور الواسع من كرة القدم، كما يفقهون بالرياضة والسياسة. 

كما كانت الحال طوال عقود، يستمرّ التدخّل الرأسمالي في اللعبة الشعبية دون الحديث عنه أثناء الانشغال بتحليلات سياسية وعرقية وهويّاتية. يمكن تلمّس كيف تحوّلت هذه اللعبة إلى استثمارات، بدءاً من تدخّل شركة أديداس الألمانية في كرة القدم في سبعينيات القرن الماضي، وإيغالها في التحكّم بناء على ضخّ الأموال التي تستطيع الابتزاز بها، مروراً بدخول القنوات التلفزيونية والتحكّم الحصري بالبثّ الفضائي في التسعينيات، وليس انتهاء بما يمكن أن تقوم به الشركات العابرة للقارّات من تلاعب بمهارات الصبية الصغار، وعواطف المشجّعين من كل الأعمار. 

بلغت إيرادات “فيفا” في بطولة 2026 ما يزيد عن 10 مليارات دولار. تأتي هذه المبالغ الخيالية من التذاكر، والرعاية والضيافة وحقوق البثّ والتسويق، وتضمّنت عقود الرعاية شركات عملاقة مثل أديداس وكوكا كولا، وبنوك عديدة. ومؤخّراً، استمرّ هذا المسار عبر عقود رعاية جديدة مع شركة ADI Predictstreet، وهي منصّة لأسواق المراهنات، وكانت هذه المرّة الأولى التي تتعاقد فيها FIFA مع شركة تنشط في مجال المراهنة على المباريات، وهو نموذج قريب من عمل Kalshi، التي أعلنت لاحقاً عن شراكة استراتيجية مع ADI Predictstre. 

اتّفق الجميع على بيع وهم التوقّع واستغلال إدمان المراهنات والقمار، التي تتزايد حسب العيادات التي تعالج المدمنين عليها. ولكنّ المراهنات هنا مرتبطة بعاطفة قويّة ورغبات تتطلّع إلى فوز الفرق التي يرتبط فيها المقامرون عاطفياً وقومياً ورياضياً، وقد تجاوز حجم المراهنات على المباراة النهائية لهذه البطولة المليار دولار، وهو أكبر من قيمة المراهنات التي طرحتها Kalshi على الانتخابات الأميركية والتي فاز بها دونالد ترامب، الذي كان نصف مليار دولار. 

أجل، يمكن لهذه الفترة الطقوسية أن تنفلت وأن تنتقل فعلاً إلى الحياة اليومية والاضطرابات السياسية كما حدث في الحرب بين هندوراس والسلفادور في عام 1969، ولكن كانت تلك الحرب نتيجة توتّرات نشبت بسبب الأرض والإصلاح الزراعي والديون والكثير من الأسباب التي تجعل من ساعة ونصف كروية شرارة للحرب. 

وحصل أيضاً ذلك التوتّر بين مصر والجزائر في عام 2009، وتمّ التحكّم بمشاعر المشجّعين (أو الشعب) عبر وسائل الإعلام والعديد من المنصّات.

في المقابل تحقّقت بعض الانتصارات باعتبارات رمزية، كأن يتمّ الاعتراف بمنتخب فلسطين. وبعد تأهّل ساحل العاج إلى كأس العالم 2006، ظهر دروغبا وزملاؤه في المنتخب وجثوا على ركبهم مطالبين طرفي الحرب الأهلية بوقف القتال. وفي 2007، أسهم دروغبا في نقل مباراة للمنتخب إلى بواكيه، معقل المتمرّدين، في خطوة رمزية لجمع طرفي النزاع. 

الوقت السياسي الضائع 

هناك اختزال سياسي/ هويّاتي لكرة القدم، وغالباً ما يتمّ استخدام الاهتمام السياسي والجندري والهويّاتي بكرة القدم لإخفاء البنية الاقتصادية التي أصبحت تحكم اللعبة، وهذا ما يحدث منذ عقود. في الوقت الذي تنشغل فيه الأكاديميات بالتهليل للفكرة القائلة إن السرديات الكبرى بدأت بالانهيار لصالح السرديات الهامشية، نرى أن هناك سردية كبرى، بل عملاقة، متمثّلة بالشركات الكبرى والبنوك، التي تتحكّم بالبشر أجمعين وبكرة القدم، دون أن يتطرّق أحد إليها بحجّة انهيار السرديات الكبرى. 

ما تقوم به الشركات وعوالم المال في كرة القدم هو أعنف وأفظع ممّا يقوم به ترامب متدخّلاً لإلغاء بطاقة حمراء رُفعت بوجه لاعب أميركي. سال الحبر الكثير للحديث عن هذه الفضيحة الترامبية (وكأن الرجل بلا فضائح، وكأنه بلا استهتار بالقواعد والأعراف العالمية)، ولكن إن كان هناك حديث عمّا يجري خارج الملاعب، فهو فضح الاستثمار الرأسمالي الذي يستغلّ هذه العاطفة الجماهيرية. 

ولكن لنكن صريحين: الكثيرون، ومنهم كاتب هذه السطور، لا نفقه في الاقتصاد وعوالم المال. ينصرف الكثيرون إلى السخرية من الغباء السياسي المكشوف والمفضوح والمتكرّر، بينما نبقى عاجزين عن فهم عوالم المال والاقتصاد، تلك العوالم الغامضة الأسطورية، التي نتهرّب من الحديث عنها، تماماً كما نقوم عند قراءة الجرائد، نبدأ بالأخبار السياسية والحروب، ثم نقفز عن الصفحة الاقتصادية، لنقرأ الصفحة الرياضية وتنتهي الأخبار. 

في كأس العالم الماضي في قطر العام 2022، صدف أن كان معنا أحد الأكاديميين السوريين الذي عمل في السياسة طويلاً، ونحن نحضر كأس العالم ونهتف للفرق التي نشجّعها، نظر الأكاديمي إلينا بشزر ليُعيد الكلام المكرور عن تغييب كرة القدم لوعي الشعوب السياسي. نظرنا إليه بالشزر نفسه، وتساءلت: “أنسيت أن الشعوب العربية، التي تعشق كرة القدم، هي الجماهير العريضة نفسها التي خرجت في تظاهرات الربيع العربي، وقدّمت التضحيات رغم ولعها بكرة القدم؟”.

خرجت المظاهرات الأولى بهتافات وأهازيج جماهير كرة القدم التي تحوّلت إلى مطالبات اجتماعية، وهنا لا بدّ أن نستحضر أهازيج الجمهور المغربي (في بلادي ظلموني) التي أبكت كل من بكى خلال الربيع العربي من كل الأعمار والأجناس. قد يكون ما يُلهي العالم عن السياسة ليست متابعة كرنفالات كرة القدم، بل الإدمان اليومي على متابعة نشرات الأخبار وكأنها مسلسلات تلفزيونية أو ريلات على الموبايلات. 

والورطة الحقيقية هي أن ننتظر من كأس العالم أن يبرهن السرديات السياسية، والقهر الذي تعاني منه الشعوب. من المعيب أن ننتظر كأس العالم لنكشف حجم مأساة الشعب الفلسطيني، بالطريقة التي ننتظر كرة القدم كي نعرف كيف تعامل هتلر مع لاعبي كرة القدم والرياضيين، في الوقت الذي وصل بطشه إلى أوروبا والألمان نفسهم. 

وبتعبير كروي، تبدو هذه السجالات إضاعة للوقت. بينما يلهو الجميع بإسقاط ما نعرفه سياسياً عن كرة القدم، تقوم تلك الاستنتاجات السياسية من هذا الكرنفال بتورية ملفّات مالية هائلة تتحكّم بعواطفنا وفرحنا ودموعنا. 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
22.08.2026
زمن القراءة: 7 minutes

انتهى كأس العالم وعادت الأمور إلى مجاريها. ترك الناس العواطف القومية التي استنهضتها البطولة، ونسوا عصبياتهم القومية، ليعودوا إلى الخضوع لضغط الشركات والعنف البيروقراطي الذي تقوم به دولهم (الدول نفسها التي كانوا يشجّعونها). توقّفت النوستاليجيا الوطنية وعادت ربما أسطوانات لعن الأوطان ورغبات السفر حيث الحياة هي في مكان آخر.


تذكّرني “خصوصية” كأس العالم المنصرم بما يقال عن خصوصية المونديالات السابقة. بالنسبة إلى مَن لا يتابعون كرة القدم، انتقاص وانتقاد لهذه الرياضة، ووصمات جندرية، واتّهامات بأنها تقوم بتغييب الشعوب عن الوعي السياسي. 

وبالنسبة إلى المتابعين، خرجت أيضاً جهود مكرورة لاستنباط دلالات سياسية واجتماعية، وانتقادات لتدخّل السياسيين في سير المباريات، والدول المضيفة، ومحاباة الحكّام لهذه الدول لضمان الحماسة الجماهيرية المحلّية لأبعد نقطة، والتلاعب بالقرعة (وهو ما اعترف به الفرنسيون عند استضافتهم كأس العالم 1998). 

الأحاديث نفسها والشكاوى نفسها والمحاولات البائسة نفسها لـ”فصل الرياضة عن السياسة”، أو ما هو أسوأ “فهم السياسة من خلال كرة القدم”!

ومع الهوس ببهلوانيات الإسقاطات السياسية يأتي السؤال: ما هي هذه السياسة التي ننتظر من كرة القدم أن تعكسها: هل هي العصبية القومية ورفع الأعلام، أم أنها التحكّم بتوزيع الثروات؟ وهل تقوم السياسة بتحريك كرة القدم، أم أن السياسة تؤدّي الدور الجديد المنوط بها: تغطية ما يحدث على المستوى المالي، بينما يعتقد الناس أنهم يستنبطون النتائج السياسية والمشاعر الوطنية والأحكام الجندرية المسبقة؟

اللافت للنظر هو أن هذه الرياضة الموصومة بالذكورية (ومؤخّراً تمّ إلحاق كلمة السامّة على هذه الذكورة) هي أكثر النشاطات التي نرى فيها هؤلاء الذكور وهم يبكون. لم أرَ مكاناً يجتمع فيه الذكور ويتعانقون بدموعهم المنهارة إلا في بعض التعازي وفي كرة القدم.

مثل كل الرياضات الأخرى، تصرّح كرة القدم بأن العدالة تلك التي لا تتحقّق خارج الملاعب، ستتحقّق داخل الملاعب بوجود القواعد والحكّام، والاحتكام إلى المهارات، وأحياناً الحظّ، وأحياناً أخرى التدخّلات والمحسوبيات وما يتمّ الاتّفاق عليه قبل المباريات. 

ماذا بقي من كأس العالم؟ 

انتهى كأس العالم وعادت الأمور إلى مجاريها. ترك الناس العواطف القومية التي استنهضتها البطولة، ونسوا عصبياتهم القومية، ليعودوا إلى الخضوع لضغط الشركات والعنف البيروقراطي الذي تقوم به دولهم (الدول نفسها التي كانوا يشجّعونها). توقّفت النوستاليجيا الوطنية وعادت ربما أسطوانات لعن الأوطان ورغبات السفر حيث الحياة هي في مكان آخر.

عاد كأس العالم ليكون حوضاً لما سيبقى من ذكريات: إسبانيا البطلة الجديدة، وميسي المعجزة المتجدّدة، والأرجنتين في مرمى الانتقادات لعنف لاعبيها وشجاراتهم الصبيانية، أما منتخبات البرازيل وألمانيا وإيطاليا التي تسيّدت كرة القدم خلال القرن الماضي فباتت الآن بلا هيبة، لا يشفع لها التفوّق التاريخي والرخاء الاقتصادي والروح القومية. 

كرة القدم هي رياضة، ومنها ينبض التنافس والعواطف والشجار والروح الرياضية، وكما هي الكرنفالات، هي لحظات تنقلب فيها الأدوار، يبقى كأس العالم بطولة رياضية وطقساً اجتماعياً تتوزّع خلاله الأدوار لفترة محدّدة إلى أن يعود الجميع إلى حياتهم اليومية، وفي هذه الفترة الطقسية، يتنفّس المقهورون ويجدون المكان للتعبير، ولكن يبقى تعبيرهم وحبّهم ودموعهم وسخطهم مرهوناً بنتيجة المباراة، وكل ما يجري من حشد للرأي العامّ يتلاشى بعد انتهاء البطولة. 

المقهورون هم قطاعات كبيرة من جمهور كرة القدم في العالم كله، الناس البسطاء والفقراء. وأمام اتّهام هذه الرياضة بالتسييس، وأمام اتّهامات لاعبي كرة القدم بالذكورية والتطلّع إلى أن يكون اللاعبون وسطاء سياسيين، ينسى الكثيرون المنبت الطبقي الفقير للاعبي كرة القدم، كما ينسون الرضّات النفسية التي يتعرّضون إليها بعد انتقالهم من حياة شديدة الفقر، إلى الحياة وسط الملايين من الدولارات وأرقام تبدو عصيّة على الفهم. 

بعد فوزهم على الإنكليز، بسط لاعبو الأرجنتين على أرض الملعب قطعة قماشية كبيرة مكتوب عليها: “جزر الفوكلاند أرجنتينية”. استفزّ الأمر الكثيرين، وانتهى كأس العالم وبقيت تلك الجزر بريطانية. كانت المباراة استعادة لمباراة مارادونا التاريخية أمام الإنكليز بعد حرب جزر الفوكلاند تماماً، وهدفيه الشهيرين (هدف يد الله، وهدف القرن). خرج الرئيس الأرجنتيني معلّقاً على ما قام به لاعبو بلده من استفزاز: “علينا أن نتحلّى بالهدوء. هدف مارادونا ضد الإنكليز، أو أي هدف آخر، لم يُرجع لنا جزر فوكلاند…”.

هناك الكثير ممّا يحدث، بينما ينصرف الكثيرون إلى استنتاجات سياسية وآنية متعلّقة بسير المباريات ونتائجها. فعندما يرى حيتان الاقتصاد والرؤساء هذا الاهتمام، يقومون بدغدغة هذه العواطف لكسب المزيد من الأموال والتحكّم، كما يفعلون يومياً مع الاستثمار بالعواطف في قطاعات الحياة جميعها، بدءاً من الفالنتاين، مروراً بجوائز نوبل والأوسكار، وانتهاء بخزّان الغضب الذي بات ممتلئاً بحقد الهويّات.

المراوغة السياسية والأهداف المالية

لم يغفل المتابعون العامل الاقتصادي، وسرت انتقادات عديدة لأسعار التذاكر، وتحكّم الإعلانات بالمباريات إلى درجة تغيير قواعد اللعبة بإدخال وقتين جديدين للاستراحة أو ما يُعرف بفترات الترطيب (أو ما يُعرف باللغة المالية: فرصة لبث الإعلانات). 

بدأ الأمر باعتباره إجراءً طبّياً يهدف إلى حماية اللاعبين من الإجهاد الحراري، ثم فتحت تلك الدقائق القليلة باباً جديداً لعائدات بمئات الملايين من الدولارات، وفي فرنسا على سبيل المثال، بلغ سعر الإعلان التلفزيوني لمدّة 20 ثانية خلال إحدى فترات الترطيب نحو 425 ألف يورو.

مثل الكرنفال الذي يتيح تعليق بعض القواعد اليومية لفترة محدودة، تطلق كرة القدم عواطف وانتماءات لا تجد مكاناً سهلاً للتعبير عنها في الحياة العادية. 

في هذه الرياضة الشعبية نرى الرجال يبكون ويتعانقون ويكشفون عن عواطفهم علناً. هذه العاطفة الجماعية هي تحديداً ما يجعل كرة القدم مساحة قابلة للاستثمار الاقتصادي، بينما تأتي العبارات السياسية وكلمات من نوع مباريات مسيّسة للتغطية على دورة رأسمالية هائلة، لا يفقه بها الجمهور الواسع من كرة القدم، كما يفقهون بالرياضة والسياسة. 

كما كانت الحال طوال عقود، يستمرّ التدخّل الرأسمالي في اللعبة الشعبية دون الحديث عنه أثناء الانشغال بتحليلات سياسية وعرقية وهويّاتية. يمكن تلمّس كيف تحوّلت هذه اللعبة إلى استثمارات، بدءاً من تدخّل شركة أديداس الألمانية في كرة القدم في سبعينيات القرن الماضي، وإيغالها في التحكّم بناء على ضخّ الأموال التي تستطيع الابتزاز بها، مروراً بدخول القنوات التلفزيونية والتحكّم الحصري بالبثّ الفضائي في التسعينيات، وليس انتهاء بما يمكن أن تقوم به الشركات العابرة للقارّات من تلاعب بمهارات الصبية الصغار، وعواطف المشجّعين من كل الأعمار. 

بلغت إيرادات “فيفا” في بطولة 2026 ما يزيد عن 10 مليارات دولار. تأتي هذه المبالغ الخيالية من التذاكر، والرعاية والضيافة وحقوق البثّ والتسويق، وتضمّنت عقود الرعاية شركات عملاقة مثل أديداس وكوكا كولا، وبنوك عديدة. ومؤخّراً، استمرّ هذا المسار عبر عقود رعاية جديدة مع شركة ADI Predictstreet، وهي منصّة لأسواق المراهنات، وكانت هذه المرّة الأولى التي تتعاقد فيها FIFA مع شركة تنشط في مجال المراهنة على المباريات، وهو نموذج قريب من عمل Kalshi، التي أعلنت لاحقاً عن شراكة استراتيجية مع ADI Predictstre. 

اتّفق الجميع على بيع وهم التوقّع واستغلال إدمان المراهنات والقمار، التي تتزايد حسب العيادات التي تعالج المدمنين عليها. ولكنّ المراهنات هنا مرتبطة بعاطفة قويّة ورغبات تتطلّع إلى فوز الفرق التي يرتبط فيها المقامرون عاطفياً وقومياً ورياضياً، وقد تجاوز حجم المراهنات على المباراة النهائية لهذه البطولة المليار دولار، وهو أكبر من قيمة المراهنات التي طرحتها Kalshi على الانتخابات الأميركية والتي فاز بها دونالد ترامب، الذي كان نصف مليار دولار. 

أجل، يمكن لهذه الفترة الطقوسية أن تنفلت وأن تنتقل فعلاً إلى الحياة اليومية والاضطرابات السياسية كما حدث في الحرب بين هندوراس والسلفادور في عام 1969، ولكن كانت تلك الحرب نتيجة توتّرات نشبت بسبب الأرض والإصلاح الزراعي والديون والكثير من الأسباب التي تجعل من ساعة ونصف كروية شرارة للحرب. 

وحصل أيضاً ذلك التوتّر بين مصر والجزائر في عام 2009، وتمّ التحكّم بمشاعر المشجّعين (أو الشعب) عبر وسائل الإعلام والعديد من المنصّات.

في المقابل تحقّقت بعض الانتصارات باعتبارات رمزية، كأن يتمّ الاعتراف بمنتخب فلسطين. وبعد تأهّل ساحل العاج إلى كأس العالم 2006، ظهر دروغبا وزملاؤه في المنتخب وجثوا على ركبهم مطالبين طرفي الحرب الأهلية بوقف القتال. وفي 2007، أسهم دروغبا في نقل مباراة للمنتخب إلى بواكيه، معقل المتمرّدين، في خطوة رمزية لجمع طرفي النزاع. 

الوقت السياسي الضائع 

هناك اختزال سياسي/ هويّاتي لكرة القدم، وغالباً ما يتمّ استخدام الاهتمام السياسي والجندري والهويّاتي بكرة القدم لإخفاء البنية الاقتصادية التي أصبحت تحكم اللعبة، وهذا ما يحدث منذ عقود. في الوقت الذي تنشغل فيه الأكاديميات بالتهليل للفكرة القائلة إن السرديات الكبرى بدأت بالانهيار لصالح السرديات الهامشية، نرى أن هناك سردية كبرى، بل عملاقة، متمثّلة بالشركات الكبرى والبنوك، التي تتحكّم بالبشر أجمعين وبكرة القدم، دون أن يتطرّق أحد إليها بحجّة انهيار السرديات الكبرى. 

ما تقوم به الشركات وعوالم المال في كرة القدم هو أعنف وأفظع ممّا يقوم به ترامب متدخّلاً لإلغاء بطاقة حمراء رُفعت بوجه لاعب أميركي. سال الحبر الكثير للحديث عن هذه الفضيحة الترامبية (وكأن الرجل بلا فضائح، وكأنه بلا استهتار بالقواعد والأعراف العالمية)، ولكن إن كان هناك حديث عمّا يجري خارج الملاعب، فهو فضح الاستثمار الرأسمالي الذي يستغلّ هذه العاطفة الجماهيرية. 

ولكن لنكن صريحين: الكثيرون، ومنهم كاتب هذه السطور، لا نفقه في الاقتصاد وعوالم المال. ينصرف الكثيرون إلى السخرية من الغباء السياسي المكشوف والمفضوح والمتكرّر، بينما نبقى عاجزين عن فهم عوالم المال والاقتصاد، تلك العوالم الغامضة الأسطورية، التي نتهرّب من الحديث عنها، تماماً كما نقوم عند قراءة الجرائد، نبدأ بالأخبار السياسية والحروب، ثم نقفز عن الصفحة الاقتصادية، لنقرأ الصفحة الرياضية وتنتهي الأخبار. 

في كأس العالم الماضي في قطر العام 2022، صدف أن كان معنا أحد الأكاديميين السوريين الذي عمل في السياسة طويلاً، ونحن نحضر كأس العالم ونهتف للفرق التي نشجّعها، نظر الأكاديمي إلينا بشزر ليُعيد الكلام المكرور عن تغييب كرة القدم لوعي الشعوب السياسي. نظرنا إليه بالشزر نفسه، وتساءلت: “أنسيت أن الشعوب العربية، التي تعشق كرة القدم، هي الجماهير العريضة نفسها التي خرجت في تظاهرات الربيع العربي، وقدّمت التضحيات رغم ولعها بكرة القدم؟”.

خرجت المظاهرات الأولى بهتافات وأهازيج جماهير كرة القدم التي تحوّلت إلى مطالبات اجتماعية، وهنا لا بدّ أن نستحضر أهازيج الجمهور المغربي (في بلادي ظلموني) التي أبكت كل من بكى خلال الربيع العربي من كل الأعمار والأجناس. قد يكون ما يُلهي العالم عن السياسة ليست متابعة كرنفالات كرة القدم، بل الإدمان اليومي على متابعة نشرات الأخبار وكأنها مسلسلات تلفزيونية أو ريلات على الموبايلات. 

والورطة الحقيقية هي أن ننتظر من كأس العالم أن يبرهن السرديات السياسية، والقهر الذي تعاني منه الشعوب. من المعيب أن ننتظر كأس العالم لنكشف حجم مأساة الشعب الفلسطيني، بالطريقة التي ننتظر كرة القدم كي نعرف كيف تعامل هتلر مع لاعبي كرة القدم والرياضيين، في الوقت الذي وصل بطشه إلى أوروبا والألمان نفسهم. 

وبتعبير كروي، تبدو هذه السجالات إضاعة للوقت. بينما يلهو الجميع بإسقاط ما نعرفه سياسياً عن كرة القدم، تقوم تلك الاستنتاجات السياسية من هذا الكرنفال بتورية ملفّات مالية هائلة تتحكّم بعواطفنا وفرحنا ودموعنا.