ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“هل مصر على شفير انفجار؟”… رشا قنديل تجيب في نيابة أمن الدولة !

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تواجه رشا قنديل الآن اتهامات خطيرة من 31 بلاغاً “كيديًا” من مواطنين، واتهامات متعددة من نيابة أمن الدولة العليا حصر طوارئ، وذلك على خلفية تحقيقات صحافية لها تناولت فيها قضايا اقتصادية وشبهات فساد. تشمل هذه الاتهامات محاولات تكدير السلم العام، وترويع المواطنين الآمنين، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإشاعة الفوضى، ونشر بيانات وأخبار كاذبة، والمساس بهيبة الدولة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“استجوابي في الأمن الوطني استغرق ثماني ساعات من التحقيقات الماراثونية، وبالنسبة لي، لم يكن هذا الاستجواب متعبًا، فحرفتي هي إدارة الحوارات لساعات طويلة على الهواء مباشرة، لكن هذه المرة لم أكن في موضع المحاور، بل كنت في موقع ‘المقاتل’ من أجل حرية الصحافة”.

عام 2022، أغلقت رشا قنديل الباب خلف تجربتها مع “بي بي سي” بعد مسيرة مهنية امتدت الى 21 عامًا. صرحت وقتها بأنها ستعود إلى مصر لتبدأ رحلة السلام النفسي والصحي والعائلي. لم تنقطع رشا قنديل عن عملها الصحافي، فهي تشارك في تقارير وتحقيقات أسبوعية على موقع “سطور”، لكن السلام النفسي الذي أملت به عند عودتها الى مصر تحول الآن إلى تحدٍّ ومعركة جديدة، غير منفصلة عن أوجاع المهنة، بل في صميمها.

تواجه رشا قنديل الآن اتهامات خطيرة من 31 بلاغاً “كيديًا” من مواطنين، واتهامات متعددة من نيابة أمن الدولة العليا حصر طوارئ
، وذلك على خلفية تحقيقات صحافية لها تناولت فيها قضايا اقتصادية وشبهات فساد. تشمل هذه الاتهامات محاولات تكدير السلم العام، وترويع المواطنين الآمنين، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإشاعة الفوضى، ونشر بيانات وأخبار كاذبة، والمساس بهيبة الدولة.

مثلت رشا أمام رئيس نيابة أمن الدولة العليا حصر طوارئ  (القضية رقم ٤١٩٦ لسنة ٢٠٢٥) واستمعت خلال ثماني ساعات الى اتهامات البلاغات من المواطنين. وقالت في تصريحات لـ”درج”: “البلاغات التي قُدمت من المواطنين تحتوي على معلومات شخصية يظهر فيها اسمي بالكامل وتاريخ ميلادي وعناوين سكني، أحدها لم أسكن فيه منذ 25 عامًا. وأنا لست شخصًا يتيح معلومات عن حياته الشخصية بشكل عام، فكيف علم هؤلاء المواطنون بهذه المعلومات بهذه الدقة؟ علاوة على أن صياغة البلاغات متطابقة، وهو أمر مثير للارتياب والشفقة”.

ما فطنت إليه رشا قنديل بخصوص البلاغات أكده المحامي خالد علي، الذي لفت في تصريحاته لـ”درج” الى قدر التطابق في الصياغة والاتهامات، ما يجعل هذه البلاغات كيدية بالفعل، وهي الاتهامات نفسها التي تبنتها النيابة وجهاز الأمن الوطني.

بلاغات كيديّة وتشويه سمعة

ما يجعل البلاغات كيدية أيضًا هو شبهة أن تكون إما بقصد تشويه السمعة أو إثارة الشبهات. والغريب أن رشا قنديل تعرضت بالفعل لحملة “تشويه سمعة” على شاشات التلفزيون المحلي قبل أن يتم استدعاؤها للتحقيق. فقد اتهمها “الإعلامي” نشأت الديهي بالمروق والفساد والتماهي مع المؤامرات ضد الدولة، وكانت الحلقة بلاغًا علنيًا وتحريضًا واضحًا ضد رشا قنديل، علاوة على تلميحات جنسية مسيئة لها في برنامجه “بالورقة والقلم”، الذي، للمفارقة، يحمل عنوان أغنية “عسل أسود” التي تظهر حجم الظلم والنفاق الكاسحين في مصر.

لكن استوديوهات “بي بي سي” التي تُذاع فيها الحوارات السياسية ليست كالاستوديوهات التي يجلس فيها المذيعون “بجهاز السامسونغ”، وهي العبارة التي باتت تستخدم للسخرية بعد حادثة قراءة أحد مذيعي الأخبار التابعين للسلطة بيانًا حتى مع إشارة الجهاز في نهايته. والأدهى أن هذا التحريض كفيل -في بلاد تحترم الصحافة والإعلام- بإغلاق القناة. لكن لتمتد التراجيديا، استُدعيت رشا قنديل بدلًا من استدعاء نشأت الديهي!

تقول رشا قنديل في تصريحاتها لـ”درج”: “كان استجوابي استهدافًا واضحًا لمحاولة اغتيال معنوي فاشل، وتعريض حياتي وسلامتي الشخصية للخطر، والنيل من حرية الصحافة. كما أن ما جاء في البلاغات عن ترويعي الآمنين والمواطنين والمساس بهيبة الدولة لم يرد في تحقيقاتي الصحافية. ولم أتعب أو أتهاون للحظة في الاستجواب، وشرحت أن التحقيقات كلها مبنية على بيانات من الحكومة المصرية، والخارجية المصرية، والبنك المركزي المصري، وبيانات جهات الإقراض الدولية، وبيانات الاتحاد الأوروبي، والبيانات جميعها مدققة”.

“هل مصر على شفير انفجار ؟”

ركز الاستجواب مع رشا قنديل حول تقاريرها الصحافية، منها تقرير “هل مصر على شفير انفجار؟”، وحول تقاريرها عن صناديق مصر السيادية وعن بيع أصول الدولة المصرية. وتحديدً، مقالها حول الانفجار الوشيك، الذي تساءلت فيه، وفقًا للحقائق المتعلقة بالاعتقالات وحال السجون والتهجير القسري لمواطني الوراق وإضراب العمال، هل المواطنون غاضبون أو سيغضبون؟

وقالت رشا قنديل في المقال الذي أزعج الأجهزة الأمنية: “حالة الاعتقال لكل من أدلى برأي أو بحث أو لقاء صحافي أو حتى همس لم يعجب هذه السلطة، كالتحقيق الجديد الذي استُدعي إليه الزميل الصحافي رئيس المبادرة المصرية لحقوق الإنسان حسام بهجت، بعدما انتقد ما انتقدناه جميعًا، أي تصريحات أخيرة للسفيرة الجديدة للاتحاد الأوروبي عما وصفته بالإنجازات الديمقراطية في مصر؛ كيف نجرؤ نحن أو حسام أن نقول إنه لا إنجازات ولا ديمقراطية في مصر؟!”.

لكن يبدو أن رشا قنديل نسيت أن تغلق القوس بعدما أدانت التحقيق مع حسام بهجت، فأصبحت من ضمن المذكورين في سردها ليتم التحقيق معها واستدعاؤها على ما استنكرته منذ البداية.

إشكالية صندوق مصر السياديّ

تحدثت رشا قنديل في تقريرين لها عن صندوق مصر السيادي غير الخاضع للرقابة المباشرة، وعن “تشابك فكرة استحواذ الصندوق السيادي للدولة على شركات التأمين تحت شركة واحدة قابضة كخطوة (مصر القابضة للتأمين)، ثم استحواذ الصندوق السيادي على عقارات منطقة وسط البلد في العاصمة المصرية القاهرة بالامتلاك والحيازة والإخلاء والبيع والشراء. ما يعني ببساطة حق البيع لأي ‘كيانات’ أو ‘أفراد’ أو جهات ‘استثمارية’ لم يحدد السيد رئيس الوزراء لا شروطًا من حيث جنسيتها أو شراكاتها”.

الحديث عن الصندوق السيادي المصري بات أشبه بالحديث عن التابو الأخطر، إذ يُثير الصندوق السيادي المصري منذ تأسيسه جدلًا واسعًا وتحفظات متزايدة في الأوساط الاقتصادية والسياسية، نتيجة ما يعتبره منتقدوه غيابًا واضحًا للشفافية، وضعف الرقابة، وتوسعًا في صلاحياته بطريقة قد تمس أصول الدولة وثرواتها السيادية.

واحدة من أبرز النقاط المثيرة للقلق هي عدم خضوع الصندوق السيادي المصري للرقابة البرلمانية الكاملة، وهو ما تجلى في رفض مقترحات لإخضاعه لمتابعة مجلس النواب، الأمر الذي فُسّر على أنه محاولة لعزله عن أي شكل من أشكال الرقابة الشعبية أو المؤسسية. وقد تزامن ذلك مع تعديلات قانونية منحته حماية قانونية غير مسبوقة، من خلال منع الطعن القضائي على العقود التي يبرمها، وهو ما اعتبره قانونيون ومراقبون خطوة تُشرعن الفساد وتُضعف من آليات التقاضي العادل، بخاصة في صفقات تتعلق بأصول الدولة وممتلكاتها العامة.

في السياق نفسه، يتمتع الصندوق بصلاحيات كبيرة تتيح له نقل ملكية الأراضي والشركات العامة إلى حيازته من دون مراجعة مؤسسية واضحة، ومن دون ضمانات كافية لوجود رقابة مستقلة على هذه العمليات. وتُثير هذه الصلاحيات مخاوف من أن تُستخدم كنافذة خلفية للتصرف في الأصول العامة بطرق لا تُراعي الصالح العام أو الشفافية المفترضة في التعامل مع ممتلكات الدولة.

من النقاط الأخرى المثيرة للجدل أن الصندوق السيادي والشركات التابعة له يحصلون على إعفاءات ضريبية وجمركية وتسهيلات مالية غير متاحة للقطاع الخاص أو للجهات الحكومية الأخرى، وهو ما يُثير تساؤلات عن العدالة في المعاملة الضريبية، ويمنح الصندوق ميزة تنافسية تُضعف من بيئة الأعمال وتعزز من مخاوف الاحتكار والتمييز.

كما أن إدارة الصندوق تجريها بشكل شبه حصري السلطة التنفيذية، من دون إشراك فعّال للجهات الرقابية أو ممثلي المجتمع المدني، وهو ما يُقلل من فرص المساءلة ويزيد من احتمالات سوء الإدارة أو تضارب المصالح. وقد نُقلت بالفعل ملكية شركات تابعة للجيش إلى الصندوق، ومن ثم عُرضت للبيع لمستثمرين أجانب، ما زاد من الشكوك بشأن آلية تسعير الأصول، ومعايير اختيار المشترين، وجدوى هذه الصفقات في دعم الاقتصاد الوطني.

إلى جانب ذلك، يُستخدم الصندوق عمليًا كأداة للخصخصة غير المعلنة، إذ تُنقل الأصول العامة إليه ومن ثم تُباع، بما فيها شركات رابحة واستراتيجية. وهذا التوجه أثار انتقادات من داخل مصر وخارجها، بخاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، والتي يرى البعض أن حلّها لا يجب أن يكون عبر بيع أصول الدولة، بل بإصلاح هيكلي شامل يتضمن دعم القطاع الخاص، وتحقيق بيئة استثمارية عادلة، والحد من التدخل الحكومي غير الرشيد.

صندوق مصر السيادي خطّ أحمر 

كل هذه العوامل مجتمعة تضع الصندوق السيادي المصري تحت مجهر الجدل العام، وتُثير مخاوف حقيقية من تحوّله إلى كيان مُحصّن قانونيًا وسياسيًا، يمارس صلاحيات مالية واسعة من دون رقابة كافية، ومن دون شفافية حقيقية في إدارة أصول الدولة. وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها مصر، تزداد أهمية المطالبة بإخضاع هذا الصندوق إلى المساءلة والرقابة المؤسسية، لضمان ألا يكون أداة لإعادة توزيع الثروة بطريقة غير عادلة، أو نافذة خلفية لخصخصة ممتلكات الدولة من دون مساءلة.

كان متوقعًا أن تُسأل رشا قنديل في الاستجواب الأمني عن تقاريرها عن الجيش والترسانة العسكرية أو عن “ميليشيا العرجاني”، لكن ظهر واضحًا أن كل هذه الموضوعات بات يُنظر إليها باللون الأزرق مقارنة بالحديث عن صندوق مصر السيادي، الذي بدأ وسيظل باللون الأحمر وتحته ألف خط تحذيري.

تقول رشا قنديل لـ”درج”: “لم يتم استجوابي عن تقاريري عن الترسانة العسكرية، ولا عن سلسلة العرجاني، وهو شيء لافت. كانت الثماني ساعات في غالبيتها استجوابًا عن صندوق مصر السيادي وبيع أصول الدولة. كان الاستجواب عبارة عن ثماني ساعات من المحاولات المستميتة لإرهاقي، لكنها لم تجدِ نفعًا. كنت في كامل نشاطي الذهني لمناقشة كل كلمة بالتفصيل. كانت معظم الأسئلة مأخوذة من اتهامات وتحريات الأمن الوطني، ومن القطع الترويجي للتحقيق، وأي قطع ترويجي، وبالتأكيد تكون فيه عبارات رنانة، لا تثبت أي شيء من الاتهامات الموجهة ضدي”.

تم إخلاء سبيل رشا قنديل بكفالة مالية قدرها 5000 جنيه مصري (1000 دولار)، بديلًا عن حبسها احتياطيًا لحين انتهاء التحقيقات.

ورشا قنديل، التي أمضت أكثر من عقدين في بلاط صاحبة الجلالة، لم تكن يومًا صوتًا عابرًا، بل مثالًا على الصحافية التي دفعت بكلمة الرأي إلى مساحات الجدل، لا الخوف. تنتظر الآن، هي ومحاميها، قرار النيابة بحفظ القضية أم إحالتها مرة أخرى، وفي كلتَي الحالتين تقول رشا: إنها لن تتوقف عن دفاعها المستميت عن حقها في التقصي الصحافي، وعن الدفاع عن حرية الصحافة في مصر.

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
27.05.2025
زمن القراءة: 7 minutes

تواجه رشا قنديل الآن اتهامات خطيرة من 31 بلاغاً “كيديًا” من مواطنين، واتهامات متعددة من نيابة أمن الدولة العليا حصر طوارئ، وذلك على خلفية تحقيقات صحافية لها تناولت فيها قضايا اقتصادية وشبهات فساد. تشمل هذه الاتهامات محاولات تكدير السلم العام، وترويع المواطنين الآمنين، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإشاعة الفوضى، ونشر بيانات وأخبار كاذبة، والمساس بهيبة الدولة.

“استجوابي في الأمن الوطني استغرق ثماني ساعات من التحقيقات الماراثونية، وبالنسبة لي، لم يكن هذا الاستجواب متعبًا، فحرفتي هي إدارة الحوارات لساعات طويلة على الهواء مباشرة، لكن هذه المرة لم أكن في موضع المحاور، بل كنت في موقع ‘المقاتل’ من أجل حرية الصحافة”.

عام 2022، أغلقت رشا قنديل الباب خلف تجربتها مع “بي بي سي” بعد مسيرة مهنية امتدت الى 21 عامًا. صرحت وقتها بأنها ستعود إلى مصر لتبدأ رحلة السلام النفسي والصحي والعائلي. لم تنقطع رشا قنديل عن عملها الصحافي، فهي تشارك في تقارير وتحقيقات أسبوعية على موقع “سطور”، لكن السلام النفسي الذي أملت به عند عودتها الى مصر تحول الآن إلى تحدٍّ ومعركة جديدة، غير منفصلة عن أوجاع المهنة، بل في صميمها.

تواجه رشا قنديل الآن اتهامات خطيرة من 31 بلاغاً “كيديًا” من مواطنين، واتهامات متعددة من نيابة أمن الدولة العليا حصر طوارئ
، وذلك على خلفية تحقيقات صحافية لها تناولت فيها قضايا اقتصادية وشبهات فساد. تشمل هذه الاتهامات محاولات تكدير السلم العام، وترويع المواطنين الآمنين، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإشاعة الفوضى، ونشر بيانات وأخبار كاذبة، والمساس بهيبة الدولة.

مثلت رشا أمام رئيس نيابة أمن الدولة العليا حصر طوارئ  (القضية رقم ٤١٩٦ لسنة ٢٠٢٥) واستمعت خلال ثماني ساعات الى اتهامات البلاغات من المواطنين. وقالت في تصريحات لـ”درج”: “البلاغات التي قُدمت من المواطنين تحتوي على معلومات شخصية يظهر فيها اسمي بالكامل وتاريخ ميلادي وعناوين سكني، أحدها لم أسكن فيه منذ 25 عامًا. وأنا لست شخصًا يتيح معلومات عن حياته الشخصية بشكل عام، فكيف علم هؤلاء المواطنون بهذه المعلومات بهذه الدقة؟ علاوة على أن صياغة البلاغات متطابقة، وهو أمر مثير للارتياب والشفقة”.

ما فطنت إليه رشا قنديل بخصوص البلاغات أكده المحامي خالد علي، الذي لفت في تصريحاته لـ”درج” الى قدر التطابق في الصياغة والاتهامات، ما يجعل هذه البلاغات كيدية بالفعل، وهي الاتهامات نفسها التي تبنتها النيابة وجهاز الأمن الوطني.

بلاغات كيديّة وتشويه سمعة

ما يجعل البلاغات كيدية أيضًا هو شبهة أن تكون إما بقصد تشويه السمعة أو إثارة الشبهات. والغريب أن رشا قنديل تعرضت بالفعل لحملة “تشويه سمعة” على شاشات التلفزيون المحلي قبل أن يتم استدعاؤها للتحقيق. فقد اتهمها “الإعلامي” نشأت الديهي بالمروق والفساد والتماهي مع المؤامرات ضد الدولة، وكانت الحلقة بلاغًا علنيًا وتحريضًا واضحًا ضد رشا قنديل، علاوة على تلميحات جنسية مسيئة لها في برنامجه “بالورقة والقلم”، الذي، للمفارقة، يحمل عنوان أغنية “عسل أسود” التي تظهر حجم الظلم والنفاق الكاسحين في مصر.

لكن استوديوهات “بي بي سي” التي تُذاع فيها الحوارات السياسية ليست كالاستوديوهات التي يجلس فيها المذيعون “بجهاز السامسونغ”، وهي العبارة التي باتت تستخدم للسخرية بعد حادثة قراءة أحد مذيعي الأخبار التابعين للسلطة بيانًا حتى مع إشارة الجهاز في نهايته. والأدهى أن هذا التحريض كفيل -في بلاد تحترم الصحافة والإعلام- بإغلاق القناة. لكن لتمتد التراجيديا، استُدعيت رشا قنديل بدلًا من استدعاء نشأت الديهي!

تقول رشا قنديل في تصريحاتها لـ”درج”: “كان استجوابي استهدافًا واضحًا لمحاولة اغتيال معنوي فاشل، وتعريض حياتي وسلامتي الشخصية للخطر، والنيل من حرية الصحافة. كما أن ما جاء في البلاغات عن ترويعي الآمنين والمواطنين والمساس بهيبة الدولة لم يرد في تحقيقاتي الصحافية. ولم أتعب أو أتهاون للحظة في الاستجواب، وشرحت أن التحقيقات كلها مبنية على بيانات من الحكومة المصرية، والخارجية المصرية، والبنك المركزي المصري، وبيانات جهات الإقراض الدولية، وبيانات الاتحاد الأوروبي، والبيانات جميعها مدققة”.

“هل مصر على شفير انفجار ؟”

ركز الاستجواب مع رشا قنديل حول تقاريرها الصحافية، منها تقرير “هل مصر على شفير انفجار؟”، وحول تقاريرها عن صناديق مصر السيادية وعن بيع أصول الدولة المصرية. وتحديدً، مقالها حول الانفجار الوشيك، الذي تساءلت فيه، وفقًا للحقائق المتعلقة بالاعتقالات وحال السجون والتهجير القسري لمواطني الوراق وإضراب العمال، هل المواطنون غاضبون أو سيغضبون؟

وقالت رشا قنديل في المقال الذي أزعج الأجهزة الأمنية: “حالة الاعتقال لكل من أدلى برأي أو بحث أو لقاء صحافي أو حتى همس لم يعجب هذه السلطة، كالتحقيق الجديد الذي استُدعي إليه الزميل الصحافي رئيس المبادرة المصرية لحقوق الإنسان حسام بهجت، بعدما انتقد ما انتقدناه جميعًا، أي تصريحات أخيرة للسفيرة الجديدة للاتحاد الأوروبي عما وصفته بالإنجازات الديمقراطية في مصر؛ كيف نجرؤ نحن أو حسام أن نقول إنه لا إنجازات ولا ديمقراطية في مصر؟!”.

لكن يبدو أن رشا قنديل نسيت أن تغلق القوس بعدما أدانت التحقيق مع حسام بهجت، فأصبحت من ضمن المذكورين في سردها ليتم التحقيق معها واستدعاؤها على ما استنكرته منذ البداية.

إشكالية صندوق مصر السياديّ

تحدثت رشا قنديل في تقريرين لها عن صندوق مصر السيادي غير الخاضع للرقابة المباشرة، وعن “تشابك فكرة استحواذ الصندوق السيادي للدولة على شركات التأمين تحت شركة واحدة قابضة كخطوة (مصر القابضة للتأمين)، ثم استحواذ الصندوق السيادي على عقارات منطقة وسط البلد في العاصمة المصرية القاهرة بالامتلاك والحيازة والإخلاء والبيع والشراء. ما يعني ببساطة حق البيع لأي ‘كيانات’ أو ‘أفراد’ أو جهات ‘استثمارية’ لم يحدد السيد رئيس الوزراء لا شروطًا من حيث جنسيتها أو شراكاتها”.

الحديث عن الصندوق السيادي المصري بات أشبه بالحديث عن التابو الأخطر، إذ يُثير الصندوق السيادي المصري منذ تأسيسه جدلًا واسعًا وتحفظات متزايدة في الأوساط الاقتصادية والسياسية، نتيجة ما يعتبره منتقدوه غيابًا واضحًا للشفافية، وضعف الرقابة، وتوسعًا في صلاحياته بطريقة قد تمس أصول الدولة وثرواتها السيادية.

واحدة من أبرز النقاط المثيرة للقلق هي عدم خضوع الصندوق السيادي المصري للرقابة البرلمانية الكاملة، وهو ما تجلى في رفض مقترحات لإخضاعه لمتابعة مجلس النواب، الأمر الذي فُسّر على أنه محاولة لعزله عن أي شكل من أشكال الرقابة الشعبية أو المؤسسية. وقد تزامن ذلك مع تعديلات قانونية منحته حماية قانونية غير مسبوقة، من خلال منع الطعن القضائي على العقود التي يبرمها، وهو ما اعتبره قانونيون ومراقبون خطوة تُشرعن الفساد وتُضعف من آليات التقاضي العادل، بخاصة في صفقات تتعلق بأصول الدولة وممتلكاتها العامة.

في السياق نفسه، يتمتع الصندوق بصلاحيات كبيرة تتيح له نقل ملكية الأراضي والشركات العامة إلى حيازته من دون مراجعة مؤسسية واضحة، ومن دون ضمانات كافية لوجود رقابة مستقلة على هذه العمليات. وتُثير هذه الصلاحيات مخاوف من أن تُستخدم كنافذة خلفية للتصرف في الأصول العامة بطرق لا تُراعي الصالح العام أو الشفافية المفترضة في التعامل مع ممتلكات الدولة.

من النقاط الأخرى المثيرة للجدل أن الصندوق السيادي والشركات التابعة له يحصلون على إعفاءات ضريبية وجمركية وتسهيلات مالية غير متاحة للقطاع الخاص أو للجهات الحكومية الأخرى، وهو ما يُثير تساؤلات عن العدالة في المعاملة الضريبية، ويمنح الصندوق ميزة تنافسية تُضعف من بيئة الأعمال وتعزز من مخاوف الاحتكار والتمييز.

كما أن إدارة الصندوق تجريها بشكل شبه حصري السلطة التنفيذية، من دون إشراك فعّال للجهات الرقابية أو ممثلي المجتمع المدني، وهو ما يُقلل من فرص المساءلة ويزيد من احتمالات سوء الإدارة أو تضارب المصالح. وقد نُقلت بالفعل ملكية شركات تابعة للجيش إلى الصندوق، ومن ثم عُرضت للبيع لمستثمرين أجانب، ما زاد من الشكوك بشأن آلية تسعير الأصول، ومعايير اختيار المشترين، وجدوى هذه الصفقات في دعم الاقتصاد الوطني.

إلى جانب ذلك، يُستخدم الصندوق عمليًا كأداة للخصخصة غير المعلنة، إذ تُنقل الأصول العامة إليه ومن ثم تُباع، بما فيها شركات رابحة واستراتيجية. وهذا التوجه أثار انتقادات من داخل مصر وخارجها، بخاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، والتي يرى البعض أن حلّها لا يجب أن يكون عبر بيع أصول الدولة، بل بإصلاح هيكلي شامل يتضمن دعم القطاع الخاص، وتحقيق بيئة استثمارية عادلة، والحد من التدخل الحكومي غير الرشيد.

صندوق مصر السيادي خطّ أحمر 

كل هذه العوامل مجتمعة تضع الصندوق السيادي المصري تحت مجهر الجدل العام، وتُثير مخاوف حقيقية من تحوّله إلى كيان مُحصّن قانونيًا وسياسيًا، يمارس صلاحيات مالية واسعة من دون رقابة كافية، ومن دون شفافية حقيقية في إدارة أصول الدولة. وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها مصر، تزداد أهمية المطالبة بإخضاع هذا الصندوق إلى المساءلة والرقابة المؤسسية، لضمان ألا يكون أداة لإعادة توزيع الثروة بطريقة غير عادلة، أو نافذة خلفية لخصخصة ممتلكات الدولة من دون مساءلة.

كان متوقعًا أن تُسأل رشا قنديل في الاستجواب الأمني عن تقاريرها عن الجيش والترسانة العسكرية أو عن “ميليشيا العرجاني”، لكن ظهر واضحًا أن كل هذه الموضوعات بات يُنظر إليها باللون الأزرق مقارنة بالحديث عن صندوق مصر السيادي، الذي بدأ وسيظل باللون الأحمر وتحته ألف خط تحذيري.

تقول رشا قنديل لـ”درج”: “لم يتم استجوابي عن تقاريري عن الترسانة العسكرية، ولا عن سلسلة العرجاني، وهو شيء لافت. كانت الثماني ساعات في غالبيتها استجوابًا عن صندوق مصر السيادي وبيع أصول الدولة. كان الاستجواب عبارة عن ثماني ساعات من المحاولات المستميتة لإرهاقي، لكنها لم تجدِ نفعًا. كنت في كامل نشاطي الذهني لمناقشة كل كلمة بالتفصيل. كانت معظم الأسئلة مأخوذة من اتهامات وتحريات الأمن الوطني، ومن القطع الترويجي للتحقيق، وأي قطع ترويجي، وبالتأكيد تكون فيه عبارات رنانة، لا تثبت أي شيء من الاتهامات الموجهة ضدي”.

تم إخلاء سبيل رشا قنديل بكفالة مالية قدرها 5000 جنيه مصري (1000 دولار)، بديلًا عن حبسها احتياطيًا لحين انتهاء التحقيقات.

ورشا قنديل، التي أمضت أكثر من عقدين في بلاط صاحبة الجلالة، لم تكن يومًا صوتًا عابرًا، بل مثالًا على الصحافية التي دفعت بكلمة الرأي إلى مساحات الجدل، لا الخوف. تنتظر الآن، هي ومحاميها، قرار النيابة بحفظ القضية أم إحالتها مرة أخرى، وفي كلتَي الحالتين تقول رشا: إنها لن تتوقف عن دفاعها المستميت عن حقها في التقصي الصحافي، وعن الدفاع عن حرية الصحافة في مصر.