fbpx

هل هناك حظوظ لتيار علماني ضمن الطيف السني في سوريا؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

البحث عن صيغة تمثل الاعتدال، هو الخيار الوحيد المتاح لتمثيل المتن السني العريض في سوريا. والاعتدال لا يعني مجرد “تقية”، إنه خيار واضح ومحدد يبدأ مما يجب أن يكون “فاتحة” لأي كلام سياسي: الدولة بصفتها دولة لجميع مواطنيها، ومحايدة تجاههم بالمجمل، لا هوية دينية أو عرقية لها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تتكرر مشاعر المرارة عند الحديث مع أشخاص من الطائفة السنية في سوريا. بالتأكيد، لا يمكن اختصار أي طائفة من الطوائف المشكِّلة للطيف السوري متعدّد الألوان، أو أية مجموعة بشرية في أي مكان في العالم، بموقف أو صوت واحد يمثّلها. لكن، عندما يتعلق الأمر بالحال التي وصلت إليها أوضاع تلك الطائفة بالذات في السياق السوري المعقّد، بصفتها من دفع الثمن الأفدح لثورة 2011، فإن الأسى يصبح القاسم المشترك الأعظم لكل ما يمكن أن تسمعه.

 مردّ هذا الإحساس بالمرارة إلى ذلك الظلم الهائل الذي تعرضت له تلك الطائفة التي بات النظر إلى مساهمتها في ثورة 2011، بل حتى تاريخها كله في بعض الأحيان، مقروناً بصفة “الإرهاب” حسبما تورد هذه الجملة الصادمة: “الإرهاب بات سنياً، كما قرر المجتمع الدولي!”. يمكنك أن تسمع هذه الجملة من قطاع واسع من أبناء الطائفة السنية في سوريا، بصفتها تلخّص شكواهم من الحال التي وصلوا إليها، كما يرون، في نظر مجتمع، أو رأي عام، دولي.  

لا شك في أن تعميماً كهذا  (لإرهاب السني) أو أي تعميم كائناً ما كان، يُطلق على مجموعة بشرية محددة، هو الظلم بعينه، سواء صدر عن أفراد أم عن رأي عام أجمع على صفة محددة لهذه المجموعة البشرية. لكن في المقابل، فإن السؤال حول حقيقة موقف كهذا، ومبرراته إن وُجدت، بغض النظر عن صحة هذا الموقف من عدمها، يصبح أمراً مطلوباً بإلحاح، وهذا حتى لا تقع “الضحية”، سنّة سوريا هنا، في دوامة ستبقيها حبيسة حالة التظلّم هذه، وكأنه قدر أعمى لا رادع له. 

وإن كان لا بد من الحديث عن مظلمة متعمدة تجاه العرب السنة في سوريا، وبصفتهم الطائفية والعرقية معاً، فإن قطاعاً واسعاً من أبناء هذا المتن العريض للمجتمع السوري، قد ظُلم فعلاً، بأن صار من يمثله أمام العالم كله مجموعة من التيارات الإسلامية، المتطرفة في معظمها، ما جعل هذا المتن في مواجهة رأي عام دولي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقبل أولئك المتطرفين، ولا أي دور سياسي لهم في أي مكان في العالم، إلا ضمن تسويات محدودة ومحدّدة وبحسابات سياسية ضيّقة جداً تمثل الأطراف المنخرطة فيها فقط. بحيث تتم تلك التسويات بالخفاء وبعيداً من أعين رأي عام شديد التوجس والرفض لدور تيارات كهذه (الوساطة القطرية بين الإدارة الأميركية وحركة طالبان، التي كشفت تفاصيلها بعد الخروج المباغت للقوات الأميركية من أفغانستان؛ المحادثات السرية الأميركية –  الإيرانية كتوطئة لاتفاق حول السلاح النووي الإيراني، مثال على ذلك) ولا داعٍ لأن نعيد سرد ما حدث في العالم كله، وليس في أميركا فقط، إثر جريمة 11 أيلول/ سبتمبر، لفهم أسباب هذا الموقف شديد التوجس والرفض تجاه تيارات الإسلام السياسي في عمومها، وليس المتطرفة فقط. 

الحديث بالعموم عن أي طائفة في منطقتنا، يثير الكثير من الإشكالات. ليس لأن الحديث “الطائفي” ما زال محرماً، بل بالعكس. في الفترة الأخيرة، وبعد ما حدث إبان الربيع العربي، صار الكلام مباحاً، شريطة أن يكون ذا معنى. والمعنى لا يمكن أن يتولد من خلال التعميم، وهنا المشكلة الكبرى في تناول وضع أية طائفة في منطقتنا. مأزق التعميم يبقى قائماً عند كل منعطف. لذلك وحتى نتمكن من المتابعة في مسعانا هذا، لفهم حقيقة وضع الطائفة السنية في سوريا، بعد انهيار الدولة الأسدية وهزيمة ثورة 2011 في آن، لا بد من الإشارة إلى أن الحديث عن غالبية ما، أو رأي عام وازن، بين جمهور هذه الطائفة أو تلك، لا يعني بأي حال من الأحوال أن الطائفة كلها اجتمعت على قلب رجل واحد في تأييد هذا التيار أو رفض تيار آخر، بقدر ما هي محاولة لسبر الاتجاه العام السائد بين غالبية وازنة يمكن من خلالها فهم المسار العام الذي اتخذته هذه الطائفة والتحديات التي تواجهه، والبدائل الممكنة في الوقت نفسه. المحاولة هنا، من خلال هذه السطور، هي لفهم كيف استطاعت تيارات الإسلام السياسي، الادعاء بأنها تمثل هذا المتن الهائل ضمن المجتمع السوري، بكل ما يمتلكه من تاريخ وتأثير وحضور. 

وللحقّ أيضاً، فإن المتن السني العريض في سوريا، لم يبد أي رد فعل جدي، حتى يومنا هذا، للتخلص من نير هذا التمثيل الذي عاد به إلى عصور ظلام فعلي… من العنت الهائل في شؤون حياتهم اليومية في ظل قوانين تعسفية، بما فيها كود اللباس الصارم المفروض في المناطق المسماة “محررة”؛ إلى المناهج الدراسية التي تضمنت تحويل إرهابيين دوليين (كأبي خالد السوري من قادة القاعدة وأحد المسؤولين عن جريمة 11 أيلول، بالإضافة إلى خطاب السعودي الذي مات في الشيشان) أبطال مفروضون على جيل كامل من الأطفال السوريين، يزاحمون حتى “حمزة الخطيب”، أطهر رموز ثورة السوريين وفي مرحلتها السلمية، على صفحات الكتب المدرسية هناك؛ وصولاً إلى العجز الكامل عن إقامة أي نوع من التواصل الجدي مع مكونات أخرى من الشعب السوري، متضررة بشكل هائل من الاستبداد والفساد الأسديين، ومن مصلحة السنة، كما هو من مصلحة تلك المكونات، أن تتّحد جهودهم معاً للخلاص من هذا النير، لكن وجود هذا التمثيل الإسلامي المتطرف يلعب دور العقبة الكبرى في مواجهة طموح كهذا. 

جرت العادة، لجهة عدد من المهتمين بالشأن العام السوري، من المعلقين السوريين، ومن خارج الطيف الإسلامي، على توصيف القوى الإسلامية المسيطرة على المناطق “المحررة”، قبل مرحلة إدلب وبعدها، بأنها قوى أمر واقع. ولكن الحقائق على الأرض تقول غير ذلك. وهذا من جهة رأي عام وازن، ضمن المتن السني العريض، ينظر إلى تلك القوى بصفتها تمثله، أقله من ناحية كونها تجسد تلك “الثقافة” التي ارتضاها لنفسه. وهي الكلمة نفسها، “الثقافة”، التي وجد مهتمون كثر بالشأن السوري، سوريون وغيرهم، جميعهم ذوو هوى إسلامي، أو محابون له، أنها الكلمة السحرية التي تفك لغز هذا الوضع، وذلك فقط للهروب من مواجهة حقيقة أن وضع كهذا هو فعلياً كارثي لعموم أهل السنة في سوريا، الذين وجدوا أنفسهم دفعة واحدة في العراء ومن دون أي تمثيل مناسب ومتوازن لهم، بعد سقوط الدولة الأسدية التي منعت طرح سؤال التمثيل والهوية الطائفية والعرقية، ولو بواسطة فرض البسطار العسكري على رؤوس الجميع من دون تمييز. 

لكن، إن أمعنا النظر قليلاً في الوضع القائم في سوريا، والذي لم يهبط على رؤوس الجميع بغتة، بل هو بدوره نتاج قطيعة مع عقود متواصلة، سبقت حقبة الاستبداد والتمييز الطائفي الأسدية، والتي تزامنت مع حقبة فورة البترودولار وما حملته معها من ارتكاسات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية لمجمل منطقتنا، فسنلاحظ أن تلك “الثقافة”، وخلال ما قبل مرحلة الاستبداد الأسدي والارتكاسة البترودولارية، وجدت مليون طريقة للتعايش مع الجميع في بلاد كانت تعيد رسم هويتها، بكامل وجوهها، من جديد وبانفتاح كامل على خيارات متنوعة، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً. 

كان السنّة آنذاك، ينظرون إلى أنفسهم بصفتهم موضع إجماع الأمة بمختلف مكوناتها، طائفياً وعرقياً. وبالتالي، فإن صفتهم الوطنية، كسوريين، تسبق صفتهم الطائفية، كسنة، لأنهم عماد الوطن كله، كونهم الغالبية العددية فيه. والحق أن شعوراً كهذا، بقي طاغياً عند عموم السنة، حتى بعد الدخول في ظلام الاستبداد الطائفي والارتكاسات البترودولارية. ولكنه صار، وبالنظر إلى حال سنة سوريا الآن، كمن يتغنى بماض ما عاد بعيداً فحسب، بل وشبه منسي أيضاً، الى درجة أن فئة كبيرة من الجيل الجديد الذي نشأ في ظل الاستبدادين الأسدي والإسلامي، لم تعد لديها أية فكرة عن تلك المرحلة ورجالاتها… حتى التغني بفارس بك الخوري وخطبته العصماء من على منبر الأموي، بات لا يعني شيئاً لقطاع واسع ممن نشأوا في ظل البراميل الحقودة المتفجرة المتساقطة فوق رؤوس العباد، واللحى المخضّبة بالحناء والكراهية.  

ورغم أن استعادة هذا الماضي كملهم لمستقبل يرنو إليه جميع السوريين، أمر لا بد منه، ولكنه غير كاف أبداً للشروع في الخروج من تلك الورطة، التي وجد أهل السنة في سوريا أنفسهم واقعين فيها. الأمر يتطلب خطوة أبعد من مجرد تغنٍّ بماض تليد. 

لا بد من بعض الشجاعة في مواجهة هذا الاستعصاء، غير القابل للحل من دون تفكير جريء ومن خارج الصندوق المعتاد. والمسألة فعلاً لا علاقة لها بموقف، من جهة “المجتمع الدولي”، معاد لتلك “الثقافة” التي تخص أهل السنة (حتى اللاجئين السوريين شديدي التديّن باتوا يستخدمون هذا المصطلح في تبرير سلوك غريب تجاه أطفالهم أمام المشرفين الاجتماعيين المسؤولين عنهم في بلاد اللجوء الأوروبية، كفرض حجاب مثلاً على طفلة لا يتجاوز عمرها الخمسة عشر عاماً… عندما يُسأل الأهل لماذا فعلوا هذا… تقفز تلك “الثقافة” بصفتها خشبة الإنقاذ!). بل يمكن أيضاً القول إن “المجتمع الدولي” هذا ليس أصلاً كتلة واحدة متراصة وشديدة التآمر على فئة محددة من الناس، أي سنّة سوريا، بل إن هذا “المجتمع الدولي” شديد التبعثر تجاه قضايا مصيرية تخص المجتمعات الغربية نفسها، قبل حتى النظر إلى أحوال مناطق لا يريد أحد تذكّرها… هل يكفي أن نشير إلى المعضلة الحقيقية داخل المجتمع الأميريكي تجاه ما تمثله الترامبية من ورطة لكامل السيستم الديموقراطي هناك؟ وهذا من دون الدخول في متاهة صعود أسهم اليمين المتطرف في مجمل دول القارة العجوز. 

مشكلة أهل السنة تخصّهم، وهم المعنيون فيها قبل الجميع، ليس في العالم وفي مواجهة “مجتمع دولي” فحسب، بل في سوريا نفسها أيضاً وفي مواجهة “رأي عام سوري” آخذ في التشكّل بهم أو من دونهم. والشجاعة هنا تبدأ أولاً من جهة أهل الرأي بين سنة سوريا، وكثر من هؤلاء ليسوا إسلاميين، لا بالمعنى التنظيمي ولا حتى بالمعنى السياسي أو الأيديولوجي. ولكنهم في المقابل، يخشون على “نفوذهم” في أوساط جمهور السنة العريض، فيضطرون لمجاملة الاتجاه العام السائد. وبعضهم يذهب أبعد، فيجامل الممول الإقليمي (قطر الآن، بالحضور الجبار لثروتها، صار ينظر إليها بصفتها الوكيل الحصري لتيارات الإسلام السياسي السنية في المنطقة كلها) عساه يحظى ببعض المرق من وليمة سبقته إليها لحى كثيرة. 

والشجاعة هنا تقتضي القول وبصريح العبارة: لا مكان لأي شكل من أشكال الإسلام السياسي في عالم اليوم. سيبقى العالم كله، حتى تلك الأجزاء الغارقة في مشاكلها المحلية، رافضاً وبشكل قاطع لأي دور لهؤلاء الفاشيين. ولا داعٍ لأن نكذب على أنفسنا هنا، إذ إن حركات الإسلام السياسي، بشقّيها السني والشيعي، هي في جوهرها فاشية. والموقف الرافض دور إيران وسياساتها في المنطقة والعالم، هو بدوره نتاج إدراك واضح تماماً لهذه الحقيقة (لحظة أوباما كانت مجرد استثناء، وهذا ما يؤكده كامل المسار السياسي الدولي الحالي الذي يتعامل مع إيران، الملالي، بصفتها دولة مارقة). 

وبالتالي، فإن البحث عن صيغة تمثل الاعتدال، هو الخيار الوحيد المتاح لتمثيل المتن السني العريض في سوريا. والاعتدال لا يعني مجرد “تقية”، إنه خيار واضح ومحدد يبدأ مما يجب أن يكون “فاتحة” لأي كلام سياسي: الدولة بصفتها دولة لجميع مواطنيها، ومحايدة تجاههم بالمجمل، لا هوية دينية أو عرقية لها، وهي نتاج اتفاق جماعي، “عقد”، بين مكونات ما يفترض أن يكون أمة ما. 

كلام شجاع وصريح كهذا، وليس تبنياً غامضاً لخرافة “الدولة المدنية”، كما ذهب إخوان سوريا مرة، بات مطلوباً بإلحاح لعرض وجهة نظر مختلفة عن الوجهة السائدة أمام الرأي العام السني في سوريا أولاً. فسنة سوريا، في معظمهم، لم يجدوا أمامهم خطاباً متماسكاً وواضحاً، بعد سقوط الدولة الأسدية، سوى ذاك الإسلامي، فتبنوه بصفته خياراً وحيداً متاحاً. ولكن عندما يكون هناك خيار آخر، واضح ومتماسك بدوره، فالموقف سيختلف في عمومه، بما فيه الموقف المتعامل مع العلمانية بصفتها شتيمة أو كفر صريح. بينما هي، كمبدأ أساسي للحكم، حماية حقيقية لحرية المعتقد، ليس عند مسلمي السنة فقط، بل لكل مواطني الدولة أياً كان دينهم أو طائفتهم أو عرقهم. 

أي أن الرأي العام السني، هذه المرة، يصبح في مواجهة خيار آخر، يمكن أن يشير، وبوضوح، إلى تنوع التوجهات والخيارات ضمن هذه الطائفة الواسعة جداً من الناس، ككل طائفة أو مجموعة بشرية، لا يمكن أن تُختزل بتوجه واحد، ولكنها في المقابل بحاجة ماسة إلى تحريك القوى الكامنة فيها لطرح خيارات وبدائل متنوعة أمام الجميع.  

بهذا، وبوجود تيار علماني يمثل أهل السنة في سوريا، ويتبنى الأسس أعلاه بشكل واضح، يمكننا الحديث عن تيار شبيه بالتيار الديموقراطي المسيحي الأوروبي. حيث علمانية التوجه، والإيمان بقدسية حرية المعتقد للجميع، وحيادية الدولة تجاه جميع مواطنيها، تشكل الأسس التي يقف عليها هذا التيار ويتشارك بها مع بقية التيارات السياسية في أوروبا. وهذه ليست أياً من الأسس التي يعتمدها حزب الإخوان المسلمين، في سوريا وباقي المنطقة، حيث ذهب البعض إلى الاعتقاد أنهم يمكن أن يكونوا تياراً شبيهاً بالتيار الديموقراطي المسيحي، إذ إن مبدأ “دين الدولة هو الإسلام” وحده كاف لنسف كل ما قيل أعلاه. 

وبهذا أيضاً، يمكن أن توجد طريقة لمد الجسور مع بقية مكونات الشعب السوري، بحيث يمكن فعلاً الحديث عن “شعب سوري واحد”، باستطاعته أن يقدم نفسه للعالم بهذه الصفة، كشعب اختار طريقه وفرض احترامه على الجميع من دون اللجوء إلى الشكوى، أو الغرق في محاولة دفع تهم، باطلة بالتأكيد، عن أي مكون من مكوناته. 

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
07.09.2023
زمن القراءة: 9 minutes

البحث عن صيغة تمثل الاعتدال، هو الخيار الوحيد المتاح لتمثيل المتن السني العريض في سوريا. والاعتدال لا يعني مجرد “تقية”، إنه خيار واضح ومحدد يبدأ مما يجب أن يكون “فاتحة” لأي كلام سياسي: الدولة بصفتها دولة لجميع مواطنيها، ومحايدة تجاههم بالمجمل، لا هوية دينية أو عرقية لها.

تتكرر مشاعر المرارة عند الحديث مع أشخاص من الطائفة السنية في سوريا. بالتأكيد، لا يمكن اختصار أي طائفة من الطوائف المشكِّلة للطيف السوري متعدّد الألوان، أو أية مجموعة بشرية في أي مكان في العالم، بموقف أو صوت واحد يمثّلها. لكن، عندما يتعلق الأمر بالحال التي وصلت إليها أوضاع تلك الطائفة بالذات في السياق السوري المعقّد، بصفتها من دفع الثمن الأفدح لثورة 2011، فإن الأسى يصبح القاسم المشترك الأعظم لكل ما يمكن أن تسمعه.

 مردّ هذا الإحساس بالمرارة إلى ذلك الظلم الهائل الذي تعرضت له تلك الطائفة التي بات النظر إلى مساهمتها في ثورة 2011، بل حتى تاريخها كله في بعض الأحيان، مقروناً بصفة “الإرهاب” حسبما تورد هذه الجملة الصادمة: “الإرهاب بات سنياً، كما قرر المجتمع الدولي!”. يمكنك أن تسمع هذه الجملة من قطاع واسع من أبناء الطائفة السنية في سوريا، بصفتها تلخّص شكواهم من الحال التي وصلوا إليها، كما يرون، في نظر مجتمع، أو رأي عام، دولي.  

لا شك في أن تعميماً كهذا  (لإرهاب السني) أو أي تعميم كائناً ما كان، يُطلق على مجموعة بشرية محددة، هو الظلم بعينه، سواء صدر عن أفراد أم عن رأي عام أجمع على صفة محددة لهذه المجموعة البشرية. لكن في المقابل، فإن السؤال حول حقيقة موقف كهذا، ومبرراته إن وُجدت، بغض النظر عن صحة هذا الموقف من عدمها، يصبح أمراً مطلوباً بإلحاح، وهذا حتى لا تقع “الضحية”، سنّة سوريا هنا، في دوامة ستبقيها حبيسة حالة التظلّم هذه، وكأنه قدر أعمى لا رادع له. 

وإن كان لا بد من الحديث عن مظلمة متعمدة تجاه العرب السنة في سوريا، وبصفتهم الطائفية والعرقية معاً، فإن قطاعاً واسعاً من أبناء هذا المتن العريض للمجتمع السوري، قد ظُلم فعلاً، بأن صار من يمثله أمام العالم كله مجموعة من التيارات الإسلامية، المتطرفة في معظمها، ما جعل هذا المتن في مواجهة رأي عام دولي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقبل أولئك المتطرفين، ولا أي دور سياسي لهم في أي مكان في العالم، إلا ضمن تسويات محدودة ومحدّدة وبحسابات سياسية ضيّقة جداً تمثل الأطراف المنخرطة فيها فقط. بحيث تتم تلك التسويات بالخفاء وبعيداً من أعين رأي عام شديد التوجس والرفض لدور تيارات كهذه (الوساطة القطرية بين الإدارة الأميركية وحركة طالبان، التي كشفت تفاصيلها بعد الخروج المباغت للقوات الأميركية من أفغانستان؛ المحادثات السرية الأميركية –  الإيرانية كتوطئة لاتفاق حول السلاح النووي الإيراني، مثال على ذلك) ولا داعٍ لأن نعيد سرد ما حدث في العالم كله، وليس في أميركا فقط، إثر جريمة 11 أيلول/ سبتمبر، لفهم أسباب هذا الموقف شديد التوجس والرفض تجاه تيارات الإسلام السياسي في عمومها، وليس المتطرفة فقط. 

الحديث بالعموم عن أي طائفة في منطقتنا، يثير الكثير من الإشكالات. ليس لأن الحديث “الطائفي” ما زال محرماً، بل بالعكس. في الفترة الأخيرة، وبعد ما حدث إبان الربيع العربي، صار الكلام مباحاً، شريطة أن يكون ذا معنى. والمعنى لا يمكن أن يتولد من خلال التعميم، وهنا المشكلة الكبرى في تناول وضع أية طائفة في منطقتنا. مأزق التعميم يبقى قائماً عند كل منعطف. لذلك وحتى نتمكن من المتابعة في مسعانا هذا، لفهم حقيقة وضع الطائفة السنية في سوريا، بعد انهيار الدولة الأسدية وهزيمة ثورة 2011 في آن، لا بد من الإشارة إلى أن الحديث عن غالبية ما، أو رأي عام وازن، بين جمهور هذه الطائفة أو تلك، لا يعني بأي حال من الأحوال أن الطائفة كلها اجتمعت على قلب رجل واحد في تأييد هذا التيار أو رفض تيار آخر، بقدر ما هي محاولة لسبر الاتجاه العام السائد بين غالبية وازنة يمكن من خلالها فهم المسار العام الذي اتخذته هذه الطائفة والتحديات التي تواجهه، والبدائل الممكنة في الوقت نفسه. المحاولة هنا، من خلال هذه السطور، هي لفهم كيف استطاعت تيارات الإسلام السياسي، الادعاء بأنها تمثل هذا المتن الهائل ضمن المجتمع السوري، بكل ما يمتلكه من تاريخ وتأثير وحضور. 

وللحقّ أيضاً، فإن المتن السني العريض في سوريا، لم يبد أي رد فعل جدي، حتى يومنا هذا، للتخلص من نير هذا التمثيل الذي عاد به إلى عصور ظلام فعلي… من العنت الهائل في شؤون حياتهم اليومية في ظل قوانين تعسفية، بما فيها كود اللباس الصارم المفروض في المناطق المسماة “محررة”؛ إلى المناهج الدراسية التي تضمنت تحويل إرهابيين دوليين (كأبي خالد السوري من قادة القاعدة وأحد المسؤولين عن جريمة 11 أيلول، بالإضافة إلى خطاب السعودي الذي مات في الشيشان) أبطال مفروضون على جيل كامل من الأطفال السوريين، يزاحمون حتى “حمزة الخطيب”، أطهر رموز ثورة السوريين وفي مرحلتها السلمية، على صفحات الكتب المدرسية هناك؛ وصولاً إلى العجز الكامل عن إقامة أي نوع من التواصل الجدي مع مكونات أخرى من الشعب السوري، متضررة بشكل هائل من الاستبداد والفساد الأسديين، ومن مصلحة السنة، كما هو من مصلحة تلك المكونات، أن تتّحد جهودهم معاً للخلاص من هذا النير، لكن وجود هذا التمثيل الإسلامي المتطرف يلعب دور العقبة الكبرى في مواجهة طموح كهذا. 

جرت العادة، لجهة عدد من المهتمين بالشأن العام السوري، من المعلقين السوريين، ومن خارج الطيف الإسلامي، على توصيف القوى الإسلامية المسيطرة على المناطق “المحررة”، قبل مرحلة إدلب وبعدها، بأنها قوى أمر واقع. ولكن الحقائق على الأرض تقول غير ذلك. وهذا من جهة رأي عام وازن، ضمن المتن السني العريض، ينظر إلى تلك القوى بصفتها تمثله، أقله من ناحية كونها تجسد تلك “الثقافة” التي ارتضاها لنفسه. وهي الكلمة نفسها، “الثقافة”، التي وجد مهتمون كثر بالشأن السوري، سوريون وغيرهم، جميعهم ذوو هوى إسلامي، أو محابون له، أنها الكلمة السحرية التي تفك لغز هذا الوضع، وذلك فقط للهروب من مواجهة حقيقة أن وضع كهذا هو فعلياً كارثي لعموم أهل السنة في سوريا، الذين وجدوا أنفسهم دفعة واحدة في العراء ومن دون أي تمثيل مناسب ومتوازن لهم، بعد سقوط الدولة الأسدية التي منعت طرح سؤال التمثيل والهوية الطائفية والعرقية، ولو بواسطة فرض البسطار العسكري على رؤوس الجميع من دون تمييز. 

لكن، إن أمعنا النظر قليلاً في الوضع القائم في سوريا، والذي لم يهبط على رؤوس الجميع بغتة، بل هو بدوره نتاج قطيعة مع عقود متواصلة، سبقت حقبة الاستبداد والتمييز الطائفي الأسدية، والتي تزامنت مع حقبة فورة البترودولار وما حملته معها من ارتكاسات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية لمجمل منطقتنا، فسنلاحظ أن تلك “الثقافة”، وخلال ما قبل مرحلة الاستبداد الأسدي والارتكاسة البترودولارية، وجدت مليون طريقة للتعايش مع الجميع في بلاد كانت تعيد رسم هويتها، بكامل وجوهها، من جديد وبانفتاح كامل على خيارات متنوعة، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً. 

كان السنّة آنذاك، ينظرون إلى أنفسهم بصفتهم موضع إجماع الأمة بمختلف مكوناتها، طائفياً وعرقياً. وبالتالي، فإن صفتهم الوطنية، كسوريين، تسبق صفتهم الطائفية، كسنة، لأنهم عماد الوطن كله، كونهم الغالبية العددية فيه. والحق أن شعوراً كهذا، بقي طاغياً عند عموم السنة، حتى بعد الدخول في ظلام الاستبداد الطائفي والارتكاسات البترودولارية. ولكنه صار، وبالنظر إلى حال سنة سوريا الآن، كمن يتغنى بماض ما عاد بعيداً فحسب، بل وشبه منسي أيضاً، الى درجة أن فئة كبيرة من الجيل الجديد الذي نشأ في ظل الاستبدادين الأسدي والإسلامي، لم تعد لديها أية فكرة عن تلك المرحلة ورجالاتها… حتى التغني بفارس بك الخوري وخطبته العصماء من على منبر الأموي، بات لا يعني شيئاً لقطاع واسع ممن نشأوا في ظل البراميل الحقودة المتفجرة المتساقطة فوق رؤوس العباد، واللحى المخضّبة بالحناء والكراهية.  

ورغم أن استعادة هذا الماضي كملهم لمستقبل يرنو إليه جميع السوريين، أمر لا بد منه، ولكنه غير كاف أبداً للشروع في الخروج من تلك الورطة، التي وجد أهل السنة في سوريا أنفسهم واقعين فيها. الأمر يتطلب خطوة أبعد من مجرد تغنٍّ بماض تليد. 

لا بد من بعض الشجاعة في مواجهة هذا الاستعصاء، غير القابل للحل من دون تفكير جريء ومن خارج الصندوق المعتاد. والمسألة فعلاً لا علاقة لها بموقف، من جهة “المجتمع الدولي”، معاد لتلك “الثقافة” التي تخص أهل السنة (حتى اللاجئين السوريين شديدي التديّن باتوا يستخدمون هذا المصطلح في تبرير سلوك غريب تجاه أطفالهم أمام المشرفين الاجتماعيين المسؤولين عنهم في بلاد اللجوء الأوروبية، كفرض حجاب مثلاً على طفلة لا يتجاوز عمرها الخمسة عشر عاماً… عندما يُسأل الأهل لماذا فعلوا هذا… تقفز تلك “الثقافة” بصفتها خشبة الإنقاذ!). بل يمكن أيضاً القول إن “المجتمع الدولي” هذا ليس أصلاً كتلة واحدة متراصة وشديدة التآمر على فئة محددة من الناس، أي سنّة سوريا، بل إن هذا “المجتمع الدولي” شديد التبعثر تجاه قضايا مصيرية تخص المجتمعات الغربية نفسها، قبل حتى النظر إلى أحوال مناطق لا يريد أحد تذكّرها… هل يكفي أن نشير إلى المعضلة الحقيقية داخل المجتمع الأميريكي تجاه ما تمثله الترامبية من ورطة لكامل السيستم الديموقراطي هناك؟ وهذا من دون الدخول في متاهة صعود أسهم اليمين المتطرف في مجمل دول القارة العجوز. 

مشكلة أهل السنة تخصّهم، وهم المعنيون فيها قبل الجميع، ليس في العالم وفي مواجهة “مجتمع دولي” فحسب، بل في سوريا نفسها أيضاً وفي مواجهة “رأي عام سوري” آخذ في التشكّل بهم أو من دونهم. والشجاعة هنا تبدأ أولاً من جهة أهل الرأي بين سنة سوريا، وكثر من هؤلاء ليسوا إسلاميين، لا بالمعنى التنظيمي ولا حتى بالمعنى السياسي أو الأيديولوجي. ولكنهم في المقابل، يخشون على “نفوذهم” في أوساط جمهور السنة العريض، فيضطرون لمجاملة الاتجاه العام السائد. وبعضهم يذهب أبعد، فيجامل الممول الإقليمي (قطر الآن، بالحضور الجبار لثروتها، صار ينظر إليها بصفتها الوكيل الحصري لتيارات الإسلام السياسي السنية في المنطقة كلها) عساه يحظى ببعض المرق من وليمة سبقته إليها لحى كثيرة. 

والشجاعة هنا تقتضي القول وبصريح العبارة: لا مكان لأي شكل من أشكال الإسلام السياسي في عالم اليوم. سيبقى العالم كله، حتى تلك الأجزاء الغارقة في مشاكلها المحلية، رافضاً وبشكل قاطع لأي دور لهؤلاء الفاشيين. ولا داعٍ لأن نكذب على أنفسنا هنا، إذ إن حركات الإسلام السياسي، بشقّيها السني والشيعي، هي في جوهرها فاشية. والموقف الرافض دور إيران وسياساتها في المنطقة والعالم، هو بدوره نتاج إدراك واضح تماماً لهذه الحقيقة (لحظة أوباما كانت مجرد استثناء، وهذا ما يؤكده كامل المسار السياسي الدولي الحالي الذي يتعامل مع إيران، الملالي، بصفتها دولة مارقة). 

وبالتالي، فإن البحث عن صيغة تمثل الاعتدال، هو الخيار الوحيد المتاح لتمثيل المتن السني العريض في سوريا. والاعتدال لا يعني مجرد “تقية”، إنه خيار واضح ومحدد يبدأ مما يجب أن يكون “فاتحة” لأي كلام سياسي: الدولة بصفتها دولة لجميع مواطنيها، ومحايدة تجاههم بالمجمل، لا هوية دينية أو عرقية لها، وهي نتاج اتفاق جماعي، “عقد”، بين مكونات ما يفترض أن يكون أمة ما. 

كلام شجاع وصريح كهذا، وليس تبنياً غامضاً لخرافة “الدولة المدنية”، كما ذهب إخوان سوريا مرة، بات مطلوباً بإلحاح لعرض وجهة نظر مختلفة عن الوجهة السائدة أمام الرأي العام السني في سوريا أولاً. فسنة سوريا، في معظمهم، لم يجدوا أمامهم خطاباً متماسكاً وواضحاً، بعد سقوط الدولة الأسدية، سوى ذاك الإسلامي، فتبنوه بصفته خياراً وحيداً متاحاً. ولكن عندما يكون هناك خيار آخر، واضح ومتماسك بدوره، فالموقف سيختلف في عمومه، بما فيه الموقف المتعامل مع العلمانية بصفتها شتيمة أو كفر صريح. بينما هي، كمبدأ أساسي للحكم، حماية حقيقية لحرية المعتقد، ليس عند مسلمي السنة فقط، بل لكل مواطني الدولة أياً كان دينهم أو طائفتهم أو عرقهم. 

أي أن الرأي العام السني، هذه المرة، يصبح في مواجهة خيار آخر، يمكن أن يشير، وبوضوح، إلى تنوع التوجهات والخيارات ضمن هذه الطائفة الواسعة جداً من الناس، ككل طائفة أو مجموعة بشرية، لا يمكن أن تُختزل بتوجه واحد، ولكنها في المقابل بحاجة ماسة إلى تحريك القوى الكامنة فيها لطرح خيارات وبدائل متنوعة أمام الجميع.  

بهذا، وبوجود تيار علماني يمثل أهل السنة في سوريا، ويتبنى الأسس أعلاه بشكل واضح، يمكننا الحديث عن تيار شبيه بالتيار الديموقراطي المسيحي الأوروبي. حيث علمانية التوجه، والإيمان بقدسية حرية المعتقد للجميع، وحيادية الدولة تجاه جميع مواطنيها، تشكل الأسس التي يقف عليها هذا التيار ويتشارك بها مع بقية التيارات السياسية في أوروبا. وهذه ليست أياً من الأسس التي يعتمدها حزب الإخوان المسلمين، في سوريا وباقي المنطقة، حيث ذهب البعض إلى الاعتقاد أنهم يمكن أن يكونوا تياراً شبيهاً بالتيار الديموقراطي المسيحي، إذ إن مبدأ “دين الدولة هو الإسلام” وحده كاف لنسف كل ما قيل أعلاه. 

وبهذا أيضاً، يمكن أن توجد طريقة لمد الجسور مع بقية مكونات الشعب السوري، بحيث يمكن فعلاً الحديث عن “شعب سوري واحد”، باستطاعته أن يقدم نفسه للعالم بهذه الصفة، كشعب اختار طريقه وفرض احترامه على الجميع من دون اللجوء إلى الشكوى، أو الغرق في محاولة دفع تهم، باطلة بالتأكيد، عن أي مكون من مكوناته. 

07.09.2023
زمن القراءة: 9 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية