ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل يتحمّل العراق وزر الحرب الإيرانيّة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الاحتجاجات حول السفارة لم تكن مجرد تعبير عن غضب سياسي، بل مؤشراً إلى تصاعد خطاب العنف المباشر في ظل غياب إطار تنسيقي واضح. اقتحام السفارة الأميركية في بغداد لم يحدث، لكن محاولة الاقتحام كانت رسالة بحد ذاتها: الشارع يمكن أن يُستخدم كسلاح.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يكن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي باستهداف أميركي – إسرائيلي مباشر حدثاً عابراً في سجل الصراعات الإقليمية، ولا مجرد ضربة تستهدف رأس النظام الإيراني، بل لحظة كاشفة لبنية كانت تعاني من تصدعات داخلية قبل أن تهتز علناً.
الضربة لم تُسقط الرجل فحسب، بل نزعت الغطاء عن توازنات دقيقة داخل طهران، وفتحت باب الأسئلة الثقيلة في بغداد.

في العراق، لم يحتج الارتداد إلى وقت طويل ليصل. الفصائل الموالية لإيران تحركت كأنها كانت تنتظر إشارة غير منطوقة. “كتائب حزب الله”، “حركة النجباء”، و”سرايا أولياء الدم” دفعت بمنتسبيها من الحشد الشعبي إلى الشارع، لا باعتبار الاحتجاج فعل غضب عفوياً، بل كأداة ضغط محسوبة.

المنطقة الخضراء تحولت إلى ساحة اختبار، والسفارة الأميركية إلى عنوان رمزي للصراع. أُحرقت الإطارات، أُغلقت الطرق، وتقدمت مجموعات نحو محيط السفارة، في مشهد يعكس ما يمكن تسميته بقرار عراقي في إطار إيراني، وتنفيذ ميداني لا ينتظر اتصالاً طارئاً من طهران.

النتيجة كانت إصابة 13 عنصراً من القوات الأمنية و7 متظاهرين، واعتقال 15 آخرين. أرقام كافية للدلالة على أن الفصائل قادرة على تحويل الصدمة الإقليمية إلى فعل أمني داخلي سريع ومتواصل.

الميدان لم يهدأ، استهدفت الغارات الأميركية ـ الإسرائيلية المقدادية وسقط أربعة من عناصر “عصائب أهل الحق” وأصيب اثنان، وقُتل سبعة من “كتائب حزب الله” في الوجيهية. وفي جرف الصخر، سقط قتيل وأصيب آخر، وتكرر المشهد في الأنبار حيث قُتل ثلاثة من كتائب حزب الله في عكاشات.

كركوك وحدها نجت من الخسائر البشرية، مكتفية بأضرار مادية. خريطة الضربات تعكس تفاوتًا في الجاهزية الدفاعية، لكنها تكشف أيضًا هشاشة إدارة الأزمة على المستوى الحكومي.

الاحتجاجات حول السفارة لم تكن مجرد تعبير عن غضب سياسي، بل مؤشراً إلى تصاعد خطاب العنف المباشر في ظل غياب إطار تنسيقي واضح. اقتحام السفارة الأميركية في بغداد لم يحدث، لكن محاولة الاقتحام كانت رسالة بحد ذاتها: الشارع يمكن أن يُستخدم كسلاح.

وفي ذروة الاحتجاجات، برز مشهد لافت تمثل برفع الأعلام الإيرانية إلى جانب رايات الفصائل، في سلوك حمل دلالات سياسية تتجاوز التعبير التضامني، حضور علم دولة أخرى في ساحة احتجاج داخل العاصمة العراقية أعاد إلى الواجهة سؤال الهوية والانتماء، وفتح نقاشاً صريحاً حول تغليب الاعتبار المذهبي والارتباط الخارجي على حساب الرمزية الوطنية العراقية. 

وفي السياق، تحسباً لاحتمال تطورات أمنية خلال الفترة المقبلة، دعت وزارة الخارجية الأميركية إلى مغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم من البحرين والعراق والأردن.

وفي خضم التوتر الإقليمي بعد اغتيال علي خامنئي، يوضح مهند سلوم، أستاذ السياسات الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا، أن “الحدث لم يكن مجرد ضربة رأسية للنظام الإيراني، بل كشف هشاشة بنيوية كامنة داخله”. وبحسب سلوم، تواجه المؤسسة الدينية ـ الأمنية في طهران ثلاث أزمات متزامنة: أزمة خلافة غير محسومة، تصدّع في سردية “الولي الفقيه الحصين”، وضغط عسكري خارجي يعجّل بالاستحقاقات الداخلية.

الانعكاس الفوري على العراق يظهر من خلال تصاعد “التفعيل غير الرسمي” للتحرك. بحسب سلوم، ضعف المركزية في طهران لا يعني إلغاء قرار الفصائل، بل تفويضه إلى الميدان. والهجمات التي استهدفت المصالح الأميركية في العراق بعد الضربة نُفذت ضمن تفويض عملياتي مُسبق، لا كرد فعل طارئ، إذ إن بنية هذه الفصائل تحتوي أصلًا على آليات اشتباك جاهزة للتفعيل.

في رسمه السيناريوهات المحتملة، يحدد سلوم ثلاثة مسارات:الأول، استنزاف رمزي منخفض الوتيرة يستهدف إبقاء تكلفة الوجود الأميركي مرتفعة من دون استدراج مواجهة واسعة. والثاني، تصعيد اضطراري إذا احتاجت طهران إلى ورقة ضغط تفاوضية، فيتحول العراق إلى ساحة ضغط مباشر على البنية اللوجستية الأميركية.
أما الثالث والأخطر، فهو الانهيار العملياتي في حال تفككت منظومة القيادة والسيطرة في الحرس الثوري وفيلق القدس، ما يجعل الفصائل فاعلًا غير قابل للضبط حتى من داخل إيران.

يمكن مقاربة المشهد العراقي بوصفه حالة انكشاف بنيوي أمام انعكاسات الحرب في إيران، أكثر منه مجرد ارتباك ظرفي. فالعراق يرتبط بإيران بشبكات طاقة وتجارة وحدود طويلة وتداخل أمني ـ سياسي، ما يجعل أي تصعيد هناك ينعكس تلقائيًا على الداخل العراقي، هذا الترابط يضع بغداد في موقع المتأثر المباشر من دون امتلاك أدوات تأثير موازية.

بالنسبة الى كثيرين، من الخطأ النظر إلى الفصائل إما كأدوات إيرانية خالصة أو كقوى مستقلة بالكامل. ويبرز أن توصيف “الاستقلالية المقيّدة” هو الأدق: قيادات عراقية ذات مصالح محلية، شبكات اقتصادية موازية، وقواعد اجتماعية راسخة، مقابل شرعية أيديولوجية وتمويل وتسليح مرتبطين بطهران. من هنا يعتبر سلوم أن هذا التداخل البنيوي يفسر قدرتها على الصمود حتى في حال تراجع النفوذ الإيراني.

ويخلص سلوم إلى أن أي تراجع إيراني كبير لن يؤدي إلى تفكك الفصائل، بل إلى إعادة هيكلة وظيفية تنتقل فيها من الهيمنة العسكرية المباشرة إلى تعميق النفوذ السياسي والاقتصادي، غير أن الخطر يتمثل في احتمال تحولها إلى فاعل هجين إجرامي ـ سياسي أقل انضباطًا أيديولوجيًا وأكثر صعوبة في الاحتواء.

وعن موقع الحكومة العراقية، يصف سلوم سياستها بأنها “الهامش المنضبط”، أي إدارة التوازن بين واشنطن وطهران بدل الانحياز الحاسم الى أي منهما. ويرى أن هذه السياسة وفرت حدًا أدنى من الاستقرار، لكنها في المقابل قيّدت القرار السيادي، لأن الفصائل جزء من النظام السياسي، فيما تبقى الشراكة الأمنية والمالية مع الولايات المتحدة ركيزة يصعب التفريط بها.

كما أن اعتماد الاقتصاد العراقي على مسارات استيراد محددة، وارتباط ملف الطاقة بتفاهمات إقليمية، يحدّان من قدرة الدولة على المناورة السريعة. بالتالي، لا يظهر الخلل فقط في غياب خطط طوارئ معلنة، بل في طبيعة البنية الاقتصادية والأمنية نفسها، التي تجعل العراق يتعامل مع الأزمات الكبرى بمنطق الاحتواء المرحلي لا إعادة التموضع الاستراتيجي.

يمثل إيقاف الإنتاج في حقل الرميلة النفطي وتعليق عمليات الضخ في عدد من الحقول العراقية مؤشراً مباشراً إلى حجم الانكشاف العراقي أمام تداعيات الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز.

 فالعراق، بوصفه اقتصادًا ريعيًا يعتمد بأكثر من 90 في المئة على عائدات النفط، يتأثر فورًا بأي تعطّل في سلاسل التصدير أو الملاحة الخليجية. توقف التحميل وارتفاع مستويات الخزين يضعان المالية العامة تحت ضغط حاد، ويهددان رواتب الدولة والإنفاق التشغيلي والاستثماري. كما أن توقف إنتاج الغاز في إقليم كردستان يفاقم أزمة الكهرباء، ما يربط الاستقرار الاقتصادي والأمني في العراق مباشرة بمسار التصعيد الإقليمي.

بالنظر إلى واقع العراق الحالي، يظل تحقيق موقف مستقل عن إيران تحديًا بالغ الصعوبة. ويرى سلوم أن الاستقلالية لا تعني قطيعة كلاسيكية، بل تقليص هامش التدخل الإيراني تدريجيًا. ويحدد ثلاثة شروط ضرورية لذلك:  احتكار وطني فعلي للعنف المشروع، قدرة اقتصادية تقلل الاعتمادية، وقيادة سياسية بمشروع وطني واضح. ويشير إلى أن هذه الشروط لا تزال غائبة أو ناقصة، ما يجعل أي محاولة للتمايز عن طهران مرتفعة الكلفة سياسيًا وأمنيًا.

هل ستتجه الحكومة العراقية فعليًا نحو التحرر من الإملاءات الخارجية وصناعة قرار وطني مستقل يحدد مسار الدولة ويؤسس لمستقبلها؟ الإجابة ترتبط مباشرة بقدرتها على بسط سيطرة حقيقية على السلاح المنفلت الذي تحتفظ به جهات مسلحة خارج الإطار المؤسسي الكامل. 

فاحتكار الدولة لاستخدام القوة ليس شرطًا أمنيًا فحسب، بل قاعدة سيادية لأي مشروع استقلال سياسي. من دون ضبط هذا السلاح وإخضاعه لقيادة وطنية موحدة، سيظل القرار العراقي عرضة للتجاذبات الإقليمية، وستبقى الحكومة محكومة بمعادلة توازنات قسرية، لا برؤية استراتيجية مستقلة تصوغ أولويات الداخل بمعزل عن ضغط الخارج.

ويعتقد سلوم أن السيناريوهات الأعلى احتمالًا وخطورة تتمثل في تحول العراق إلى ساحة ردود متبادلة إيرانية ـ أميركية، أو انزلاق الفصائل إلى صراع داخلي على تمثيل الإرث، أو استثمار قوى إقليمية لحالة الفراغ لتعزيز نفوذها. وبرأيه، فإن العراق يبقى متغيرًا مركزيًا في معادلة المنطقة، لكن الفارق تصنعه كيفية إدارة هذه الأهمية، إما توظيفها وطنيًا، أو استهلاكها في أزمات الآخرين.

ما بعد اغتيال خامنئي يبرز تحديًا أساسيًا أمام العراق يتعلق بمتانة الدولة نفسها، وليس فقط على مستوى السياسات أو التوازنات الخارجية.

فالدولة العراقية تواجه إشكالية مزدوجة، من جهة، وجود فصائل مسلحة مؤسساتها متغلغلة في الاقتصاد والإدارة والمجتمع، تمنحها قدرة على النفوذ السياسي المباشر، ومن جهة أخرى، هشاشة الأجهزة الحكومية التي لم تبن بعد آليات فعّالة لاحتكار القوة أو تنظيم الاقتصاد بطريقة تقلل الاعتماد على الخارج.

هذا المزيج يخلق وضعًا فريدًا، تصبح الدولة أكثر عرضة للتأرجح بين ضغط الفاعلين المحليين وتنافس القوى الإقليمية، بدل أن تكون صانعة لموازينها بنفسها. الدرس المستقبلي هنا لا يقتصر على إدارة الأزمات، بل يمتد الى إعادة التفكير في نموذج الدولة العراقية، مؤسسات قوية، آليات رقابة اقتصادية حقيقية، وسيادة قانونية تُفرغ النفوذ المسلّح من تأثيره المباشر على القرار.

في غياب ذلك، سيظل العراق محكومًا بمعادلة التبعية الجزئية، حيث أي صراع إقليمي يُترجم فورًا إلى ضغط داخلي، والتطورات الخارجية تحوّل السياسة الوطنية إلى لعبة دفاع مستمرة. 

الطريق نحو الاستقلالية الوطنية لا يمر فقط عبر توازن القوى، بل عبر بناء دولة فعليًا، قادرة على فرض قواعدها على الداخل قبل الخارج، وإعادة تعريف العلاقة بين الفاعل المسلّح والمؤسسة الرسمية.

05.03.2026
زمن القراءة: 6 minutes

الاحتجاجات حول السفارة لم تكن مجرد تعبير عن غضب سياسي، بل مؤشراً إلى تصاعد خطاب العنف المباشر في ظل غياب إطار تنسيقي واضح. اقتحام السفارة الأميركية في بغداد لم يحدث، لكن محاولة الاقتحام كانت رسالة بحد ذاتها: الشارع يمكن أن يُستخدم كسلاح.

لم يكن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي باستهداف أميركي – إسرائيلي مباشر حدثاً عابراً في سجل الصراعات الإقليمية، ولا مجرد ضربة تستهدف رأس النظام الإيراني، بل لحظة كاشفة لبنية كانت تعاني من تصدعات داخلية قبل أن تهتز علناً.
الضربة لم تُسقط الرجل فحسب، بل نزعت الغطاء عن توازنات دقيقة داخل طهران، وفتحت باب الأسئلة الثقيلة في بغداد.

في العراق، لم يحتج الارتداد إلى وقت طويل ليصل. الفصائل الموالية لإيران تحركت كأنها كانت تنتظر إشارة غير منطوقة. “كتائب حزب الله”، “حركة النجباء”، و”سرايا أولياء الدم” دفعت بمنتسبيها من الحشد الشعبي إلى الشارع، لا باعتبار الاحتجاج فعل غضب عفوياً، بل كأداة ضغط محسوبة.

المنطقة الخضراء تحولت إلى ساحة اختبار، والسفارة الأميركية إلى عنوان رمزي للصراع. أُحرقت الإطارات، أُغلقت الطرق، وتقدمت مجموعات نحو محيط السفارة، في مشهد يعكس ما يمكن تسميته بقرار عراقي في إطار إيراني، وتنفيذ ميداني لا ينتظر اتصالاً طارئاً من طهران.

النتيجة كانت إصابة 13 عنصراً من القوات الأمنية و7 متظاهرين، واعتقال 15 آخرين. أرقام كافية للدلالة على أن الفصائل قادرة على تحويل الصدمة الإقليمية إلى فعل أمني داخلي سريع ومتواصل.

الميدان لم يهدأ، استهدفت الغارات الأميركية ـ الإسرائيلية المقدادية وسقط أربعة من عناصر “عصائب أهل الحق” وأصيب اثنان، وقُتل سبعة من “كتائب حزب الله” في الوجيهية. وفي جرف الصخر، سقط قتيل وأصيب آخر، وتكرر المشهد في الأنبار حيث قُتل ثلاثة من كتائب حزب الله في عكاشات.

كركوك وحدها نجت من الخسائر البشرية، مكتفية بأضرار مادية. خريطة الضربات تعكس تفاوتًا في الجاهزية الدفاعية، لكنها تكشف أيضًا هشاشة إدارة الأزمة على المستوى الحكومي.

الاحتجاجات حول السفارة لم تكن مجرد تعبير عن غضب سياسي، بل مؤشراً إلى تصاعد خطاب العنف المباشر في ظل غياب إطار تنسيقي واضح. اقتحام السفارة الأميركية في بغداد لم يحدث، لكن محاولة الاقتحام كانت رسالة بحد ذاتها: الشارع يمكن أن يُستخدم كسلاح.

وفي ذروة الاحتجاجات، برز مشهد لافت تمثل برفع الأعلام الإيرانية إلى جانب رايات الفصائل، في سلوك حمل دلالات سياسية تتجاوز التعبير التضامني، حضور علم دولة أخرى في ساحة احتجاج داخل العاصمة العراقية أعاد إلى الواجهة سؤال الهوية والانتماء، وفتح نقاشاً صريحاً حول تغليب الاعتبار المذهبي والارتباط الخارجي على حساب الرمزية الوطنية العراقية. 

وفي السياق، تحسباً لاحتمال تطورات أمنية خلال الفترة المقبلة، دعت وزارة الخارجية الأميركية إلى مغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم من البحرين والعراق والأردن.

وفي خضم التوتر الإقليمي بعد اغتيال علي خامنئي، يوضح مهند سلوم، أستاذ السياسات الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا، أن “الحدث لم يكن مجرد ضربة رأسية للنظام الإيراني، بل كشف هشاشة بنيوية كامنة داخله”. وبحسب سلوم، تواجه المؤسسة الدينية ـ الأمنية في طهران ثلاث أزمات متزامنة: أزمة خلافة غير محسومة، تصدّع في سردية “الولي الفقيه الحصين”، وضغط عسكري خارجي يعجّل بالاستحقاقات الداخلية.

الانعكاس الفوري على العراق يظهر من خلال تصاعد “التفعيل غير الرسمي” للتحرك. بحسب سلوم، ضعف المركزية في طهران لا يعني إلغاء قرار الفصائل، بل تفويضه إلى الميدان. والهجمات التي استهدفت المصالح الأميركية في العراق بعد الضربة نُفذت ضمن تفويض عملياتي مُسبق، لا كرد فعل طارئ، إذ إن بنية هذه الفصائل تحتوي أصلًا على آليات اشتباك جاهزة للتفعيل.

في رسمه السيناريوهات المحتملة، يحدد سلوم ثلاثة مسارات:الأول، استنزاف رمزي منخفض الوتيرة يستهدف إبقاء تكلفة الوجود الأميركي مرتفعة من دون استدراج مواجهة واسعة. والثاني، تصعيد اضطراري إذا احتاجت طهران إلى ورقة ضغط تفاوضية، فيتحول العراق إلى ساحة ضغط مباشر على البنية اللوجستية الأميركية.
أما الثالث والأخطر، فهو الانهيار العملياتي في حال تفككت منظومة القيادة والسيطرة في الحرس الثوري وفيلق القدس، ما يجعل الفصائل فاعلًا غير قابل للضبط حتى من داخل إيران.

يمكن مقاربة المشهد العراقي بوصفه حالة انكشاف بنيوي أمام انعكاسات الحرب في إيران، أكثر منه مجرد ارتباك ظرفي. فالعراق يرتبط بإيران بشبكات طاقة وتجارة وحدود طويلة وتداخل أمني ـ سياسي، ما يجعل أي تصعيد هناك ينعكس تلقائيًا على الداخل العراقي، هذا الترابط يضع بغداد في موقع المتأثر المباشر من دون امتلاك أدوات تأثير موازية.

بالنسبة الى كثيرين، من الخطأ النظر إلى الفصائل إما كأدوات إيرانية خالصة أو كقوى مستقلة بالكامل. ويبرز أن توصيف “الاستقلالية المقيّدة” هو الأدق: قيادات عراقية ذات مصالح محلية، شبكات اقتصادية موازية، وقواعد اجتماعية راسخة، مقابل شرعية أيديولوجية وتمويل وتسليح مرتبطين بطهران. من هنا يعتبر سلوم أن هذا التداخل البنيوي يفسر قدرتها على الصمود حتى في حال تراجع النفوذ الإيراني.

ويخلص سلوم إلى أن أي تراجع إيراني كبير لن يؤدي إلى تفكك الفصائل، بل إلى إعادة هيكلة وظيفية تنتقل فيها من الهيمنة العسكرية المباشرة إلى تعميق النفوذ السياسي والاقتصادي، غير أن الخطر يتمثل في احتمال تحولها إلى فاعل هجين إجرامي ـ سياسي أقل انضباطًا أيديولوجيًا وأكثر صعوبة في الاحتواء.

وعن موقع الحكومة العراقية، يصف سلوم سياستها بأنها “الهامش المنضبط”، أي إدارة التوازن بين واشنطن وطهران بدل الانحياز الحاسم الى أي منهما. ويرى أن هذه السياسة وفرت حدًا أدنى من الاستقرار، لكنها في المقابل قيّدت القرار السيادي، لأن الفصائل جزء من النظام السياسي، فيما تبقى الشراكة الأمنية والمالية مع الولايات المتحدة ركيزة يصعب التفريط بها.

كما أن اعتماد الاقتصاد العراقي على مسارات استيراد محددة، وارتباط ملف الطاقة بتفاهمات إقليمية، يحدّان من قدرة الدولة على المناورة السريعة. بالتالي، لا يظهر الخلل فقط في غياب خطط طوارئ معلنة، بل في طبيعة البنية الاقتصادية والأمنية نفسها، التي تجعل العراق يتعامل مع الأزمات الكبرى بمنطق الاحتواء المرحلي لا إعادة التموضع الاستراتيجي.

يمثل إيقاف الإنتاج في حقل الرميلة النفطي وتعليق عمليات الضخ في عدد من الحقول العراقية مؤشراً مباشراً إلى حجم الانكشاف العراقي أمام تداعيات الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز.

 فالعراق، بوصفه اقتصادًا ريعيًا يعتمد بأكثر من 90 في المئة على عائدات النفط، يتأثر فورًا بأي تعطّل في سلاسل التصدير أو الملاحة الخليجية. توقف التحميل وارتفاع مستويات الخزين يضعان المالية العامة تحت ضغط حاد، ويهددان رواتب الدولة والإنفاق التشغيلي والاستثماري. كما أن توقف إنتاج الغاز في إقليم كردستان يفاقم أزمة الكهرباء، ما يربط الاستقرار الاقتصادي والأمني في العراق مباشرة بمسار التصعيد الإقليمي.

بالنظر إلى واقع العراق الحالي، يظل تحقيق موقف مستقل عن إيران تحديًا بالغ الصعوبة. ويرى سلوم أن الاستقلالية لا تعني قطيعة كلاسيكية، بل تقليص هامش التدخل الإيراني تدريجيًا. ويحدد ثلاثة شروط ضرورية لذلك:  احتكار وطني فعلي للعنف المشروع، قدرة اقتصادية تقلل الاعتمادية، وقيادة سياسية بمشروع وطني واضح. ويشير إلى أن هذه الشروط لا تزال غائبة أو ناقصة، ما يجعل أي محاولة للتمايز عن طهران مرتفعة الكلفة سياسيًا وأمنيًا.

هل ستتجه الحكومة العراقية فعليًا نحو التحرر من الإملاءات الخارجية وصناعة قرار وطني مستقل يحدد مسار الدولة ويؤسس لمستقبلها؟ الإجابة ترتبط مباشرة بقدرتها على بسط سيطرة حقيقية على السلاح المنفلت الذي تحتفظ به جهات مسلحة خارج الإطار المؤسسي الكامل. 

فاحتكار الدولة لاستخدام القوة ليس شرطًا أمنيًا فحسب، بل قاعدة سيادية لأي مشروع استقلال سياسي. من دون ضبط هذا السلاح وإخضاعه لقيادة وطنية موحدة، سيظل القرار العراقي عرضة للتجاذبات الإقليمية، وستبقى الحكومة محكومة بمعادلة توازنات قسرية، لا برؤية استراتيجية مستقلة تصوغ أولويات الداخل بمعزل عن ضغط الخارج.

ويعتقد سلوم أن السيناريوهات الأعلى احتمالًا وخطورة تتمثل في تحول العراق إلى ساحة ردود متبادلة إيرانية ـ أميركية، أو انزلاق الفصائل إلى صراع داخلي على تمثيل الإرث، أو استثمار قوى إقليمية لحالة الفراغ لتعزيز نفوذها. وبرأيه، فإن العراق يبقى متغيرًا مركزيًا في معادلة المنطقة، لكن الفارق تصنعه كيفية إدارة هذه الأهمية، إما توظيفها وطنيًا، أو استهلاكها في أزمات الآخرين.

ما بعد اغتيال خامنئي يبرز تحديًا أساسيًا أمام العراق يتعلق بمتانة الدولة نفسها، وليس فقط على مستوى السياسات أو التوازنات الخارجية.

فالدولة العراقية تواجه إشكالية مزدوجة، من جهة، وجود فصائل مسلحة مؤسساتها متغلغلة في الاقتصاد والإدارة والمجتمع، تمنحها قدرة على النفوذ السياسي المباشر، ومن جهة أخرى، هشاشة الأجهزة الحكومية التي لم تبن بعد آليات فعّالة لاحتكار القوة أو تنظيم الاقتصاد بطريقة تقلل الاعتماد على الخارج.

هذا المزيج يخلق وضعًا فريدًا، تصبح الدولة أكثر عرضة للتأرجح بين ضغط الفاعلين المحليين وتنافس القوى الإقليمية، بدل أن تكون صانعة لموازينها بنفسها. الدرس المستقبلي هنا لا يقتصر على إدارة الأزمات، بل يمتد الى إعادة التفكير في نموذج الدولة العراقية، مؤسسات قوية، آليات رقابة اقتصادية حقيقية، وسيادة قانونية تُفرغ النفوذ المسلّح من تأثيره المباشر على القرار.

في غياب ذلك، سيظل العراق محكومًا بمعادلة التبعية الجزئية، حيث أي صراع إقليمي يُترجم فورًا إلى ضغط داخلي، والتطورات الخارجية تحوّل السياسة الوطنية إلى لعبة دفاع مستمرة. 

الطريق نحو الاستقلالية الوطنية لا يمر فقط عبر توازن القوى، بل عبر بناء دولة فعليًا، قادرة على فرض قواعدها على الداخل قبل الخارج، وإعادة تعريف العلاقة بين الفاعل المسلّح والمؤسسة الرسمية.