يترقّب أردنيون مُخرجات مفاوضات وسجالات ساخنة بعيداً عن الأضواء، بين مرجعيات صناعة القرار والهيئة المستقلّة للانتخاب من جهة، وحزب “جبهة العمل الإسلامي” من جهة أخرى، على خلفية إعادة هندسة المشهد الداخلي، وتحسّباً لتداعيات قرارات استكماله في واشنطن التي قد تفاقم حدّة المشهد الداخلي المحتقن.
قبل أيّام قليلة، أعلنت الهيئة المستقلّة للانتخاب التي باتت مسؤولة عن ملفّ الأحزاب ضمن قانون الأحزاب 2022، أن سجلّ الأحزاب لديها رفع توصياته إلى مجلس المفوّضين بعد مراجعة النظام الأساسي لحزب “جبهة العمل الإسلامي”، وخاطبته رسمياً بضرورة تصويب المخالفات الواردة، بما ينسجم مع أحكام الدستور وقانون الأحزاب السياسية النافذ.
وعكس بيان الهيئة بين سطوره، أن على الحزب تغيير مسمّاه بحسب المادّة الخامسة من قانون الأحزاب، التي تمنع تأسيس أيّ تنظيم سياسي على أسس دينية، أو عرقية، أو طائفية، لكنّ أمينه العامّ المهندس وائل السقا نفي وجود أيّ طلب رسمي موجّه إلى الحزب من الهيئة، بشأن تعديل الاسم أو تغييره.
فهل يناور الحزب أم يساوم ويزايد على الحكومة باستدعاء الدين، وتوظيفه للاستقواء من خلال دغدغة مشاعر مجتمع محافظ وتقليدي، وإحراج السلطات عبر وضعها في موقف مناهض للدين؟
الضغط على التيّار الإسلامي في المنطقة
السجال الدائر يطال جوهر حزب “جبهة العمل الإسلامي” ودوره وعقيدته السياسية ذات المرجعية الدينية، بعد ثلاثة عقود على ولادته من رحم جماعة “الإخوان المسلمين”، بمسار شبه مستقلّ وشبه متداخل في الآن ذاته.
يقول السقا إن “الحزب قدّم تعديلاته للهيئة على نظامه الأساسي”، دون أن يتطرّق أبداً إلى اسم الحزب.
وبحسب التسريبات الداخلية للحزب، فإنه يرفض حتى الآن تغيير اسمه، وإزاله وصف “الإسلامي” منه، بدعوى توافقه مع دستور المملكة؛ الذي ينصّ في مادّته الثانية على أن “الإسلام دين الدولة”، ويعكس هويّة المجتمع وثقافته العربية والإسلامية، ويعتبر هذا التيّار أن التضييق المفرط يعرقل مسار التحديث السياسي.
في المقابل، هناك تيّار يقول إن التوقّف أمام تلك الجزئية، له ثمن باهظ سيمسّ “الجبهة” وقدرتها على البقاء في المشهد السياسي التعدّدي، وإن كانت غالبية أحزاب الموالاة تسيطر عليه.
تعديلات تحت سقف “الاسم”
ما عدا ذلك، أقرّت قيادة “الجبهة” سلسلة تغييرات جذرية في نظامها الداخلي، بحسب طلب ورد من الهيئة في حزيران/ يونيو الماضي، يطلب من الأحزاب كافّة اعتماد المعايير الواردة في أنظمتها الأساسية، بهدف “تعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية”.
يقول نائب الأمين العامّ لـ”الجبهة” الشيخ جميل أبو بكر إن “الجبهة صوّبت أموراً عديدة، ومنها التنازل عن بنود إعداد الأمّة لجهاد أعدائها من الصهاينة والمستعمرين، والمنطلقات التي تذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كجزء من أسباب تأسيس الحزب وإطار رؤيته”.
كما اقترحت “الجبهة” في ردّها، تخفيض سنّ الترشّح لانتخابات مجلس شورتها، عبر تقليص مدّة التأهيل التنظيمي من سنتين إلى سنة واحدة، بهدف توسيع المشاركة وضخّ دماء شابّة، لا سيّما بعد انتقال عدد من أعضاء جماعة “الإخوان المسلمين” إلى صفوفها، عقب حظر الجماعة في نيسان/ أبريل الماضي.
وشملت التعديلات أيضاً، استبدال كلمة “المحاكم الداخلية” بـ”لجان لفضّ النزاعات”، إضافة إلى اقتراح تشكيل لجنة دائمة للرقابة والشفافية، بدل اللجان الموسمية المرتبطة بالانتخابات، بحسب أبو بكر.
ويقول أبو بكر في مقابلة مع كاتبة المقال في مكتب الحزب في عمّان إن “حظر جماعة الإخوان فرض على الجبهة استيعاب المتغيّرات، واحتضان الحالة الإسلامية من خلال التجديد”.
ويشير إلى أن “النظام الداخلي السابق كان يغطّي نحو 70 % من متطلّبات الهيئة، قبل إدخال التعديلات التي أُرسلت إلى الهيئة نهاية 2025، ردّاً على مذكّرتها السابقة”.
يقرّ مسؤول أردني متابع للنقاشات بين الطرفين، أن “الحزب لم يتعامل بعد بصراحة مع طريقة انتخاب لجنة الشورى، ومصادر تمويلها وكيفية توزيعها”، وهنا بيت القصيد.
الهيئة المستقلّة للانتخاب كانت أعلنت مراجعة تعديلات تلقّتها من “الجبهة”، في إطار إلزام الأحزاب بمعايير الحوكمة الراشدة.
ومن أبرز ملاحظاتها مصير اسم الحزب، انطلاقاً من مبدأ أن “أهمّية بناء الأحزاب على برامج ورؤى وطنية، لا على توظيف الرموز أو الانتماءات الدينية”، بحسب ما يرشح من بعض السجالات، وطالبت “الجبهة” بـ”حتمية تصويب الأوضاع”.
إقرأوا أيضاً:
المعطيات تشير إلى انقسام عمودي داخل أكبر حزب معارض؛ مظلّة كبرى من الكتل النيابية بعد انتخابات خريف 2024، ٣١ من أصل ١٣٨من مقاعد المجلس.
يرى تيّار مدعوم من غالبية القواعد الشبابية، أن اسم الحزب ينسجم مع الدستور الأردني، الذي ينصّ على أن دين الدولة الإسلام، ويعكس هُويّة المجتمع وثقافته العربية الإسلامية، ويصرّ هذا التيّار على أن أيّ “تضييق إضافي” ينذر بعرقلة مسار التحديث السياسي، هذه الرؤية تحظى بتأييد واسع داخل صفوف الشباب.
في المقابل، يدعو تيّار آخر إلى تعديل الاسم، محذّراً من أن الصدام مع السلطات قد يكلّف الحزب أثماناً باهظة، بخاصّة بعد قرار الحكومة في نيسان/ أبريل الماضي حلّ جماعة “الإخوان المسلمين” واعتبارها كياناً غير مشروع، عقب اتّهام 16 من عناصرها، بينهم ثلاثة ينتسبون إلى “الجبهة”، بالتخطيط لأعمال تهدّد أمن الأردن واستقراره، ويستشهد هذا التيّار بتجربة الحزب “الوطني الإسلامي”، الذي قدّم ثلاثة مقترحات بديلة لاسمه لتفادي المواجهة.
وفي خلفية المشهد الإقليمي، بحسب الكاتب المختصّ في الشأن المحلّي حسين الرواشدة، تجارب “تكيّف” أحزاب إسلام سياسي مع محيطها الوطني والقومي والسياسي، ويشرح الرواشدة في مقال: “فيما تبدو تجربتنا الأردنية مع الإسلام السياسي مختلفة (في ثلاثة أرباع القرن)، بدءاً من التحالف الى الاحتواء ثم الحصار وربما الطلاق”.
ويتابع: “معقول حزب سياسي لا يشير نظامه الأساسي إلى الدستور كمرجعية، ولا إلى الدولة كإطار للعمل السياسي، ولا إلى الهويّة الوطنية الأردنية كعنوان للتوافق الوطني، ثم يصرّ على أن القضيّة محلّ النقاش هي الاسم فقط، وليست المرجعيات الخارجية والتوجّهات والمبادئ العامّة؟”.
سيناريوهات الربح والخسارة
داخل أروقة الدولة، تتردّد تحذيرات من أن عدم تصويب الاسم قد يفتح الباب أمام سلسلة تداعيات: اللجوء إلى القضاء، ثم الدخول في قرار استئناف القرار دون استبعاد حلّ الحزب لـ”مخالفته القانون”، وهذا يعني فقدانه كلّ مقاعده وإنهاء وجوده في المجلس، والخروج الكامل من المشهد السياسي.
وفي هذا السيناريو، قد يحلّ مجلس النوّاب مبكراً، وبعد ذلك تُجرى انتخابات خلال أربعة أشهر من حلّ المجلس، دون مشاركة “الجبهة” حتى لو أعادت الانطلاق تحت اسم آخر، بسبب اشتراط مرور ستّة أشهر على العضوية قبل السماح بالترشّح.
ويزداد القلق المجتمعي مع تحريك قضيّة ضدّ عشرة قياديين من “الجبهة” متّهمين بتلقّي أموال من جماعة “الإخوان المسلمين”، لتمويل الحملة الانتخابية الأخيرة، ويرى قانونيون أن “تغيير الاسم قد يخفّف العبء، بحيث يخضعون للمحاسبة كأفراد لا كحزب”.
وتشير مصادر سياسية إلى حرص رسمي على بقاء تمثيل الإسلام السياسي ضمن قواعد اللعبة والقانون، وفي هذا السياق، يؤكّد نائب الأمين العامّ لـ”الجبهة” جميل أبو بكر أنها “ستطلب لقاء مع الهيئة المستقلّة للانتخاب، لمناقشة التعديلات المقترحة”.
يبقى السؤال المركزي:
هل ستختار “جبهة العمل الإسلامي” تعديل الاسم وبنود أخرى تعدّها الهيئة المستقلّة مخالفة قانونية، لتفادي مصير جماعة “الإخوان”، بخاصّة بعد القرار الأميركي بتصنيف فروعها في الأردن ومصر ولبنان ضمن قوائم الإرهاب؟
رغم تأكيد الحكومة مراراً أن حلّ جماعة “الإخوان” لا يمسّ الحزب لأنه كيان أردني مرخّص يخضع لقانون الأحزاب، نصح مسؤولون نوّابه بالتركيز على جدول أعمال داخلي عنوانه “الأردن أوّلاً”، بدل الانخراط في قضايا خارجية.
الحزب تحت مجهر رقابة الدولة الرسمية
“الجبهة” برزت كلاعب رئيس في الاحتجاجات التي أعقبت حرب الإبادة الإسرائيلية في غزّة، إذ أجّجت مسيرات داعمة لحركة “حماس”، ما يفاقم التوتّر مع السلطات. ويرى معارضو الحزب أن “استغلال مشاعر المجتمع الأردني الجياشّة مع فلسطين وتجييرها إسلامياً، عزّز شعبية الجماعة على تذكّر حركة المقاومة الفلسطينية داخل المجتمع الأردني”.
في المقابل، لم تُدن الجماعة بعض الانتهاكات الأمنية التي كُشف عنها، واكتفت بوصفها تصرّفات فردية، ما أثار انتقادات رسمية وشعبية.
بدأ الحزب العمل على تعديل نظامه الداخلي، قبل إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كانون الثاني/ يناير، تصنيف فروع لـ”الإخوان” في الأردن ومصر ولبنان “منظّمات إرهابية”، وفرض عقوبات عليها.
وصنّفت وزارة الخارجية الأميركية الفرع اللبناني “منظّمة إرهابية أجنبية”، فيما أُدرج فرعا الأردن ومصر على قوائم وزارة الخزانة الأميركية، بسبب تهم بتقديم دعم لحركة “حماس”.
وبرّرت واشنطن هذه التصنيفات بتهم تتعلّق بتمويل العنف وزعزعة الاستقرار بعد زلزال 7 أكتوبر 2023، فيما علّقت الحكومة الأردنية بأن جماعة “الإخوان” منحلّة قانونياً منذ 2020، قبل أن تحظر نشاطاتها رسمياً في نيسان/ أبريل 2025.
وكانت دول عدّة، بينها السعودية ومصر والإمارات وسوريا، قد صنّفت الجماعة إرهابية في سنوات سابقة.
تأسّست جماعة “الإخوان المسلمين” في مصر في عام 1928 على يد حسن البنّا، وتحوّلت لاحقاً إلى شبكة عابرة للحدود، فيما نشأت ذراعها في الأردن في عام 1946، وتدّعي واشنطن أن بعض فروعها شارك في أنشطة “عنيفة”، بينما تنفي الجماعة هذه التهم، لافتة إلى أنها “لا تستند إلى أدلّة قانونية”.
إقرأوا أيضاً:












