ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل يحمي “الترند” النساء في مصر من خطر المتحرّشين؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لماذا تلجأ الضحايا/ الناجيات لنشر استغاثات على مواقع التواصل الاجتماعي بعد تحرير بلاغات بالفعل؟ هل المسار القانوني عاجز عن حماية الضحايا وأسرهن؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في إحدى حلقات مسلسل “ساعته وتاريخه” المبني على أحداث حقيقية للمخرج عمرو سلامة، تقرر أم تسليم ابنها لكمين الشرطة، بعدما اكتشفت تورطه في جرائم تحرش وتهديدات لفتيات عدة قمن على أثرها بفضحه على الإنترنت.  تصل الأم إلى كمين مرور وهي منهارة من البكاء، وبدون أن تفتح فمها بالكلام، يطمئن ضابط الكمين عليها، ويسألها بكثير من الاهتمام: “عاوزة تبلغي عن حاجة؟”.

موقف خيالي بالطبع، ولا يكمن الخيال فيه في تسليم الأم ابنها للعدالة بنفسها، بقدر ما يكمن في الاهتمام المبالغ فيه من السلطات بتلقّي البلاغ قبل أن تنطق صاحبته بكلمة!

يوضح هذا المشهد اهتمام مسلسلات المتحدة كثيراً بالعنف السيبراني ضد النساء والفتيات، لكنها لا تقدم حلولاً سوى تأكيد ضرورة تقديم الضحايا بلاغات للشرطة، كما يظهر في تتر كل حلقات المسلسل، كأن المشكلة تكمن في تقاعس الفتيات عن التبليغ. فيما لا تتساءل هذه المسلسلات، لماذا مثلاً تعجز الدولة أو تتهاون في تقديم الحماية الكافية للنساء اللواتي تقدمن بالفعل ببلاغات للجهات المختصة؟ أولئك اللاتي تعرضن للتهديدات والتعقب وحتى القتل؟

تلجأ بعض النساء إلى مواقع التواصل الاجتماعي للحديث عن تعرضهن للتحرش الجنسي، أو العنف البدني أو التهديد الإلكتروني، كحلّ أخير، وهي حركة يائسة لأنها لا تقدم أي ضمانات للناجية، إنها أداة لأي مواطن يعاني من مظلمة فيلجأ الى “التجريس” بالعامية المصرية، أداة استخدمها سيد العاطفي الذي صنع أغنية خصيصاً لخاله الذي استولى على إرث والدته، وانتشرت الأغنية بشكل كبير على كل مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من عدم حصوله على ذلك الإرث لكنه تسبب بفضيحة أو وصمة لخاله عوضاً عن بعض العدالة الغائبة.

وبالعودة الى تحرير بلاغات في جرائم العنف، ما الذي يحصل بعدما تحرّر الضحية بلاغاً؟ كيف تتعامل السلطات مع البلاغات؟ وهل تجد قراراً حاسماً قادراً على حمايتها؟ وإلى أي مدى تستطيع السلطات حمايتها إذا ما قرر المعتدي الانتقام؟

استغاثات عبر مواقع التواصل

كتب مصطفى الأعصر، الصحافي والحقوقي، بتاريخ 15 كانون الثاني/ يناير الماضي على حسابه على “فيسبوك”، استغاثة تفيد بتعرض أخته للتهديد والتشهير والابتزاز المستمر، من شخص خُطبت له سابقاً لفترة قصيرة، ووصل الأمر إلى أن استأجر هذا الشخص “بلطجية” ليهدّدوها، ويحررون محاضر كيدية ضدها وضد الأسرة أيضاً. وعلى الرغم من تحرير الفتاة وأسرتها محاضر عدة بحق هذا الشخص إلا أن تهديده ما زال مستمراً، وتساءل صاحب المنشور: “ماذا نفعل حتى نحمي الفتيات من أن يكنّ نيرة أشرف جديدة؟”. 

لاقى منشور مصطفى صدى كبيراً، وتواصل معه كما أعلن على صفحته المجلس القومي للمرأة، وتم القبض على الرجل، لكن الواقعة جعلت مؤسسات نسوية عدة تتخوف من غياب عدالة الإبلاغ، الأمر الذي دفعها الى نشر بيان مشترك تعلن فيه قلقها من غياب الثقة في منظومة العدالة ولجوء الضحايا الى مواقع التواصل بدلاً من أقسام الشرطة.

يقول مصطفى الأعصر لـ”درج” إن السوشيال ميديا قطعاً ليست بديلاً للعدالة التنفيذية، إنما هي أداة ومحاولة لوصول القضية الى الرأي العام والسلطات، وقد لجأ إليها بعدما فاض الكيل بأخته وبالأسرة، لأن هذه التهديدات مستمرة منذ خمس سنوات، من تشهير، وتهديدات ومحاضر كيدية. كما أن هذا الشخص يمتلك نمطاً متكرراً من التهديدات والتشهير مارسه مع فتيات عدة في المحافظة ذاتها، وهو خطر على أخته وعلى المجتمع. وبالرغم من اتخاذ إجراءات قانونية ضده، لم تنهه الأحكام بالغرامة عن تهديداته المستمرة. أما تأخر الأسرة في الكتابة خمسة أعوام كاملة، فيرجع إلى الأضرار النفسية والضغوط المجتمعية، بخاصة في محافظة إقليمية كالتي تعيش فيها الفتاة. 

يتابع الأعصر حديثه عن استخدام وسائل التواصل للاستغاثة قائلاً: “مش كل الناس هيبقى عندها الصلابة النفسية والدعم الأسري ومش كل الناس عندها سوشيال ميديا، ومش كل الناس تقدر تحكي الحكاية بدون ما تقع في مخالفات قانونية، كمان مش كل الناس هيوصل صوتها”. ويؤكد أن منظومة العدالة، خصوصاً في يتعلق بحماية النساء والتهديد والابتزاز الإلكتروني، لا يمكن أن تعتمد على “الترند”.

 تتسبب الشهادات التي تدوّنها النساء والجدل الذي يدور حولها أحياناً بتسهيل التحرك القانوني، مثلما حدث في قضية اتهام فتاة أحد شيوخ الطرق الصوفية بالتحرش بها، بعدها أعلنت مؤسسة قضايا المرأة تلقيها ثلاث شهادات أخرى ضد الشخص ذاته، وأعلن المجلس القومي للمرأة عن تقديم بلاغ للنائب العام ضده، لكن في النهاية أُخلي سبيله بكفالة مالية. 

وتبعاً لمؤسسة قضايا المرأة، من الإشكاليات التي تواجه النساء في الإبلاغ عن جرائم العنف هي أن تعدد الشاكيات لا يكفي لبدء التحقيق والتحريات وجمع الأدلة، فيتيح قانون العقوبات فرصاً للمشتكى عليه لدفع كفالة وإخلاء السبيل، والإفلات من الحبس الاحتياطي، وهو ما حدث في هذه القضية، ما جعل بقية الشاكيات يحجمن عن التقدم بشكوى.

تاريخ مختصر من استغاثات النساء على الإنترنت

يعود استخدام النساء الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر تعرضهن للعنف المبني على النوع الاجتماعي بشتى أنواعه الى محطات عدة، وربما من المحطات الأولى “كلنا ليلى”، هذا العنوان المستلهم من ليلى بطلة رواية “الباب المفتوح” للطيفة الزيات.

بدأت المدوّنات المصريات بالحكي عن قضاياهم وحكاياتهم الشخصية في عام 2006، حين كتبت كثيرات منهن شهادات عن تعرضهن للتحرش اعتُبرت صادمة آنذاك، أنكرت الدولة المصرية وقرينة الرئيس المصري وجود التحرش.

 جاءت ثورة 25 يناير وبدأت الفتيات بالتدوين عن التحرش في شوارع مصر، وعن استخدام التحرش بصورة منظمة ضد المتظاهرات. ظهرت مبادرات عدة مثل “شفت تحرش” و”افضح متحرش” وغيرهما، ترصد التحرش والاعتداءات التي تواجهها النساء، ثم وصلت الدولة متأخرة جداً كالعادة وبدأت في إطلاق حملات هي الأخرى لمناهضة العنف الإلكتروني بحملات مثل “اتكلمي واحمي نفسك وغيرك”. 

بدأت الفتيات في سرد  شهادات عن تعرضهن لحوادث تحرش واعتداء جنسي في الطفولة، أو في العمل، أو في الجامعة أو من الأهل، أو من شيوخ دين، من خلال حملات  “أنا أيضاً” و” نصدق الناجيات”، و”دفتر حكايات”، و Assault police. وكان الغرض من ذلك أحياناً هو الحكي فقط، أو كزفرة تعبر بها النساء عما كتمن في صدورهن لسنوات. 

امتد الحكي وامتدت الشهادات عن أشخاص يعملون بالوسط الحقوقي، والثقافي، والفني، نجحت هذه الحملات أحياناً في الإيقاع بالمعتدين، وتعرضت لهجمات في أحيان أخرى بعدما حرر المخرج المصري إسلام العزازي بلاغاً يتهم فيه الصحافية رشا عزب والمخرجة سلمى الطرزي بالسب والقذف بعد تضامنهما مع شهادات اتهمت المخرج بالتحرش، وحُكم عليهما بغرامة مالية.

تستخدم النساء في أحيان أخرى الــ “لايف”  على “فيسبوك” لتقديم نداء  للنائب العام والمجلس القومي للمرأة عن تعرضهن لوقائع عنف زوجية. وكما تسببت وسائل التواصل الاجتماعي في فضح المتحرشين، تسببت كذلك في حصول الكثير من الإشكاليات والمناقشات والمعارك لعدم وجود ضمانات كافية لتحقيق العدالة. وتساءل كثيرون: لماذا لا تحرر الشاكيات محضراً ضد الشخص المعتدي. 

والحقيقة، إن هناك أسباباً كثيرة تجعل من تحرير الضحية بلاغاً ضد الشخص المتحرش أو المعتدي أمراً صعباً، منها طبيعة جريمة التحرش، وصعوبة الإثبات، والضغوطات الاجتماعية، وعبء إثبات الجريمة الذي يقع على المجني عليها.

ترى منار عبد العزيز، الباحثة القانونية في مؤسسة المرأة الجديدة، أن لجوء ضحايا العنف الى مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من قسم الشرطة يرجع الى اعتبارات مختلفة منها؛ أن حوادث العنف والعنف الجنسي ليست على قائمة أولوية القضايا بالنسبة الى الجهات الرسمية، فلا يتحمس محررو البلاغات كثيراً لتلقي بلاغات في قضية عنف، بخاصة في المراكز أو الريف، فيلجأون الى أسلوب النصح الأبوي  وإخبار الشاكية بأنه”هيربوه وهيبقى كويس مش هيعمل كده تاني”، فيرى متلقي البلاغ أنه بذلك يحافظ على “سمعة البنت”. 

وفي مكاتب المساندة التي تعمل فيها منار، تنصح المحاميات الضحايا بتحرير محاضر بأقسام الشرطة في البداية، وفي خطوة متقدمة يصطحبن الضحايا لأقسام الشرطة، حتى لا يشعرن بأنهن بمفردهن ولا يضطررن للمساومة أو التنازل.

ماذا بعد تحرير بلاغ؟

السؤال الآن: لماذا تلجأ الضحايا/ الناجيات لنشر استغاثات على مواقع التواصل الاجتماعي بعد تحرير بلاغات بالفعل؟ هل المسار القانوني عاجز عن حماية الضحايا وأسرهن؟

تختلف القضية التي أثارها الأعصر بشكل ما عن شهادات الفتيات في المبادرات السابقة، وذلك لأن الفتاة قد اتخذت بالفعل مساراً قانونياً ضد الشخص المعتدي، لكن الخصم لا يزال مستمراً في تهديداته.

في هذا السياق، ترى منار عبدالعزيز أن  هذه التجربة أو هذه الحالات التي حررت بلاغات، والتي لم يتم البت فيها، هي موجة متقدمة عن “نصدق الناجيات” وأنا أيضاً”، لأنها حالات سلكت مساراً قانونياً بالفعل، لكن لم ينتج منه تحفظ على الجاني، أو اتخاذ  إجراء جاد يحمي الضحية.

كيف يؤثر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على سير القضايا؟

اعتبرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن قرار إعدام محمد عادل، قاتل “نيرة أشرف”، تم تحت ضغط الرأي العام، وجاءت المحاكمة بشكل عاجل، إذ دامت لمدة ثلاثة أيام فقط. ولا تجادل المفوضية في وجود مبررات لهذه الجريمة، أو أن المتهم يستحق الرأفة، لكنها تؤكد ضرورة إعمال ضمانات المحاكمة العادلة والنزيهة، لتحقيق سيادة القانون. 

وفي هذا الصدد تقول منار عبد العزيز أن السوشيال ميديا تحرك مؤسسات الدولة، وترى أن  قضية نيرة أشرف التي انتشر  فيديو مقتلها على السوشيال ميديا هي السبب في التعامل مع القضية بهذا الحسم والسرعة، لكن في النهاية هذه الاستغاثات تخلق نوعاً من أنواع المناصرة وتنبه الجهات الرسمية وتحثّها على التدخل. 

وتختم عبد العزيز قائلةً: “الأثر الإيجابي لشكاوى النساء على الإنترنت بشكل عام هو قيام  الضحية بتحرك ما، ومشاركة ما حدث معها في العلن، وهو جزء من التعافي والكشف عن الواقع المؤسف ومشاركته مع المجتمع، ما يخلق حالة عامة من رفض العنف. كما أن استغاثات النساء على وسائل التواصل تؤكد رغبة النساء في مسار واضح وقانوني للحصول على حقهن، وعندما لا يجدنه يتخذن مساراً بديلاً”.

تقول تسنيم منير، الباحثة في الحقوق الرقمية، في حديثها لـ”درج”: “إن أي محتوى على السوشيال ميديا يخضع لقواعد السوشيال ميديا، سواء كان سلعة أو قضية”، وترى أن القضايا التي تظهر على وسائل التواصل تخضع لعوامل عدة، منها فكرة الامتيازات التي قد تمتلكها الناجية ودائرة المعارف، ولآفة الترند في الوقت نفسه،  فتنتهي كل قضية وينتهي الزخم حولها بظهور قضية  أخرى”.

 ترى تسنيم منير أيضاً أن المجتمع المدني يحتاج إلى القيام بالمتابعة والتقييم لحالات العنف بنظام واضح،  لكن لا يمكنه أن يتحمل العبء وحده ولا يستطيع أن يحل محل الدولة، فهو لا يملك إمكانياتها في ظل طوفان العنف الموجه للنساء، إذ إن مسؤولية حماية النساء وتطبيق القانون والحماية الرقمية هي مسؤولية الدولة.

وتختم قائلةً: “استخدام النساء وسائل التواصل للاستغاثة يعد وسيلة لإظهار القضية على السطح والتعامل معها قانونياً، لكنه يُفقد الناجية خصوصيتها، والقضية سريتها، ويجعل النساء عرضة للأحكام والمزيد من العنف”.

قد يفيد فضح المتحرشين أو المعنّفين في بعض الأحيان على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن لا توجد ضمانات كافية للوصول الى العدالة، العدالة التي تراعي النوع الاجتماعي، واختلال موازين القوى، ولا يمكن أن تُبنى العدالة -أي عدالة- على خوارزميات فيسبوك، وأن تموت بموت الترند.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 11.04.2026

كيف يعيش إيرانيون في سوريا بعد سقوط الأسد؟ 

برز الحضور الإيراني في سوريا بشكل خاصّ غداة اندلاع ثورة آذار/ مارس 2011، ومسارعة طهران إلى مساندة نظام بشّار الأسد في قمع المحتجّين على امتداد السنوات اللاحقة. لكنّ حضور الإيرانيين في سوريا لم يكن نتيجة الثورة السورية وحدها، بل سابق على ذلك بكثير، إذ يعيش في سوريا جالية إيرانية يعود جذور بعض أفرادها إلى زمن…
03.03.2025
زمن القراءة: 8 minutes

لماذا تلجأ الضحايا/ الناجيات لنشر استغاثات على مواقع التواصل الاجتماعي بعد تحرير بلاغات بالفعل؟ هل المسار القانوني عاجز عن حماية الضحايا وأسرهن؟

في إحدى حلقات مسلسل “ساعته وتاريخه” المبني على أحداث حقيقية للمخرج عمرو سلامة، تقرر أم تسليم ابنها لكمين الشرطة، بعدما اكتشفت تورطه في جرائم تحرش وتهديدات لفتيات عدة قمن على أثرها بفضحه على الإنترنت.  تصل الأم إلى كمين مرور وهي منهارة من البكاء، وبدون أن تفتح فمها بالكلام، يطمئن ضابط الكمين عليها، ويسألها بكثير من الاهتمام: “عاوزة تبلغي عن حاجة؟”.

موقف خيالي بالطبع، ولا يكمن الخيال فيه في تسليم الأم ابنها للعدالة بنفسها، بقدر ما يكمن في الاهتمام المبالغ فيه من السلطات بتلقّي البلاغ قبل أن تنطق صاحبته بكلمة!

يوضح هذا المشهد اهتمام مسلسلات المتحدة كثيراً بالعنف السيبراني ضد النساء والفتيات، لكنها لا تقدم حلولاً سوى تأكيد ضرورة تقديم الضحايا بلاغات للشرطة، كما يظهر في تتر كل حلقات المسلسل، كأن المشكلة تكمن في تقاعس الفتيات عن التبليغ. فيما لا تتساءل هذه المسلسلات، لماذا مثلاً تعجز الدولة أو تتهاون في تقديم الحماية الكافية للنساء اللواتي تقدمن بالفعل ببلاغات للجهات المختصة؟ أولئك اللاتي تعرضن للتهديدات والتعقب وحتى القتل؟

تلجأ بعض النساء إلى مواقع التواصل الاجتماعي للحديث عن تعرضهن للتحرش الجنسي، أو العنف البدني أو التهديد الإلكتروني، كحلّ أخير، وهي حركة يائسة لأنها لا تقدم أي ضمانات للناجية، إنها أداة لأي مواطن يعاني من مظلمة فيلجأ الى “التجريس” بالعامية المصرية، أداة استخدمها سيد العاطفي الذي صنع أغنية خصيصاً لخاله الذي استولى على إرث والدته، وانتشرت الأغنية بشكل كبير على كل مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من عدم حصوله على ذلك الإرث لكنه تسبب بفضيحة أو وصمة لخاله عوضاً عن بعض العدالة الغائبة.

وبالعودة الى تحرير بلاغات في جرائم العنف، ما الذي يحصل بعدما تحرّر الضحية بلاغاً؟ كيف تتعامل السلطات مع البلاغات؟ وهل تجد قراراً حاسماً قادراً على حمايتها؟ وإلى أي مدى تستطيع السلطات حمايتها إذا ما قرر المعتدي الانتقام؟

استغاثات عبر مواقع التواصل

كتب مصطفى الأعصر، الصحافي والحقوقي، بتاريخ 15 كانون الثاني/ يناير الماضي على حسابه على “فيسبوك”، استغاثة تفيد بتعرض أخته للتهديد والتشهير والابتزاز المستمر، من شخص خُطبت له سابقاً لفترة قصيرة، ووصل الأمر إلى أن استأجر هذا الشخص “بلطجية” ليهدّدوها، ويحررون محاضر كيدية ضدها وضد الأسرة أيضاً. وعلى الرغم من تحرير الفتاة وأسرتها محاضر عدة بحق هذا الشخص إلا أن تهديده ما زال مستمراً، وتساءل صاحب المنشور: “ماذا نفعل حتى نحمي الفتيات من أن يكنّ نيرة أشرف جديدة؟”. 

لاقى منشور مصطفى صدى كبيراً، وتواصل معه كما أعلن على صفحته المجلس القومي للمرأة، وتم القبض على الرجل، لكن الواقعة جعلت مؤسسات نسوية عدة تتخوف من غياب عدالة الإبلاغ، الأمر الذي دفعها الى نشر بيان مشترك تعلن فيه قلقها من غياب الثقة في منظومة العدالة ولجوء الضحايا الى مواقع التواصل بدلاً من أقسام الشرطة.

يقول مصطفى الأعصر لـ”درج” إن السوشيال ميديا قطعاً ليست بديلاً للعدالة التنفيذية، إنما هي أداة ومحاولة لوصول القضية الى الرأي العام والسلطات، وقد لجأ إليها بعدما فاض الكيل بأخته وبالأسرة، لأن هذه التهديدات مستمرة منذ خمس سنوات، من تشهير، وتهديدات ومحاضر كيدية. كما أن هذا الشخص يمتلك نمطاً متكرراً من التهديدات والتشهير مارسه مع فتيات عدة في المحافظة ذاتها، وهو خطر على أخته وعلى المجتمع. وبالرغم من اتخاذ إجراءات قانونية ضده، لم تنهه الأحكام بالغرامة عن تهديداته المستمرة. أما تأخر الأسرة في الكتابة خمسة أعوام كاملة، فيرجع إلى الأضرار النفسية والضغوط المجتمعية، بخاصة في محافظة إقليمية كالتي تعيش فيها الفتاة. 

يتابع الأعصر حديثه عن استخدام وسائل التواصل للاستغاثة قائلاً: “مش كل الناس هيبقى عندها الصلابة النفسية والدعم الأسري ومش كل الناس عندها سوشيال ميديا، ومش كل الناس تقدر تحكي الحكاية بدون ما تقع في مخالفات قانونية، كمان مش كل الناس هيوصل صوتها”. ويؤكد أن منظومة العدالة، خصوصاً في يتعلق بحماية النساء والتهديد والابتزاز الإلكتروني، لا يمكن أن تعتمد على “الترند”.

 تتسبب الشهادات التي تدوّنها النساء والجدل الذي يدور حولها أحياناً بتسهيل التحرك القانوني، مثلما حدث في قضية اتهام فتاة أحد شيوخ الطرق الصوفية بالتحرش بها، بعدها أعلنت مؤسسة قضايا المرأة تلقيها ثلاث شهادات أخرى ضد الشخص ذاته، وأعلن المجلس القومي للمرأة عن تقديم بلاغ للنائب العام ضده، لكن في النهاية أُخلي سبيله بكفالة مالية. 

وتبعاً لمؤسسة قضايا المرأة، من الإشكاليات التي تواجه النساء في الإبلاغ عن جرائم العنف هي أن تعدد الشاكيات لا يكفي لبدء التحقيق والتحريات وجمع الأدلة، فيتيح قانون العقوبات فرصاً للمشتكى عليه لدفع كفالة وإخلاء السبيل، والإفلات من الحبس الاحتياطي، وهو ما حدث في هذه القضية، ما جعل بقية الشاكيات يحجمن عن التقدم بشكوى.

تاريخ مختصر من استغاثات النساء على الإنترنت

يعود استخدام النساء الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر تعرضهن للعنف المبني على النوع الاجتماعي بشتى أنواعه الى محطات عدة، وربما من المحطات الأولى “كلنا ليلى”، هذا العنوان المستلهم من ليلى بطلة رواية “الباب المفتوح” للطيفة الزيات.

بدأت المدوّنات المصريات بالحكي عن قضاياهم وحكاياتهم الشخصية في عام 2006، حين كتبت كثيرات منهن شهادات عن تعرضهن للتحرش اعتُبرت صادمة آنذاك، أنكرت الدولة المصرية وقرينة الرئيس المصري وجود التحرش.

 جاءت ثورة 25 يناير وبدأت الفتيات بالتدوين عن التحرش في شوارع مصر، وعن استخدام التحرش بصورة منظمة ضد المتظاهرات. ظهرت مبادرات عدة مثل “شفت تحرش” و”افضح متحرش” وغيرهما، ترصد التحرش والاعتداءات التي تواجهها النساء، ثم وصلت الدولة متأخرة جداً كالعادة وبدأت في إطلاق حملات هي الأخرى لمناهضة العنف الإلكتروني بحملات مثل “اتكلمي واحمي نفسك وغيرك”. 

بدأت الفتيات في سرد  شهادات عن تعرضهن لحوادث تحرش واعتداء جنسي في الطفولة، أو في العمل، أو في الجامعة أو من الأهل، أو من شيوخ دين، من خلال حملات  “أنا أيضاً” و” نصدق الناجيات”، و”دفتر حكايات”، و Assault police. وكان الغرض من ذلك أحياناً هو الحكي فقط، أو كزفرة تعبر بها النساء عما كتمن في صدورهن لسنوات. 

امتد الحكي وامتدت الشهادات عن أشخاص يعملون بالوسط الحقوقي، والثقافي، والفني، نجحت هذه الحملات أحياناً في الإيقاع بالمعتدين، وتعرضت لهجمات في أحيان أخرى بعدما حرر المخرج المصري إسلام العزازي بلاغاً يتهم فيه الصحافية رشا عزب والمخرجة سلمى الطرزي بالسب والقذف بعد تضامنهما مع شهادات اتهمت المخرج بالتحرش، وحُكم عليهما بغرامة مالية.

تستخدم النساء في أحيان أخرى الــ “لايف”  على “فيسبوك” لتقديم نداء  للنائب العام والمجلس القومي للمرأة عن تعرضهن لوقائع عنف زوجية. وكما تسببت وسائل التواصل الاجتماعي في فضح المتحرشين، تسببت كذلك في حصول الكثير من الإشكاليات والمناقشات والمعارك لعدم وجود ضمانات كافية لتحقيق العدالة. وتساءل كثيرون: لماذا لا تحرر الشاكيات محضراً ضد الشخص المعتدي. 

والحقيقة، إن هناك أسباباً كثيرة تجعل من تحرير الضحية بلاغاً ضد الشخص المتحرش أو المعتدي أمراً صعباً، منها طبيعة جريمة التحرش، وصعوبة الإثبات، والضغوطات الاجتماعية، وعبء إثبات الجريمة الذي يقع على المجني عليها.

ترى منار عبد العزيز، الباحثة القانونية في مؤسسة المرأة الجديدة، أن لجوء ضحايا العنف الى مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من قسم الشرطة يرجع الى اعتبارات مختلفة منها؛ أن حوادث العنف والعنف الجنسي ليست على قائمة أولوية القضايا بالنسبة الى الجهات الرسمية، فلا يتحمس محررو البلاغات كثيراً لتلقي بلاغات في قضية عنف، بخاصة في المراكز أو الريف، فيلجأون الى أسلوب النصح الأبوي  وإخبار الشاكية بأنه”هيربوه وهيبقى كويس مش هيعمل كده تاني”، فيرى متلقي البلاغ أنه بذلك يحافظ على “سمعة البنت”. 

وفي مكاتب المساندة التي تعمل فيها منار، تنصح المحاميات الضحايا بتحرير محاضر بأقسام الشرطة في البداية، وفي خطوة متقدمة يصطحبن الضحايا لأقسام الشرطة، حتى لا يشعرن بأنهن بمفردهن ولا يضطررن للمساومة أو التنازل.

ماذا بعد تحرير بلاغ؟

السؤال الآن: لماذا تلجأ الضحايا/ الناجيات لنشر استغاثات على مواقع التواصل الاجتماعي بعد تحرير بلاغات بالفعل؟ هل المسار القانوني عاجز عن حماية الضحايا وأسرهن؟

تختلف القضية التي أثارها الأعصر بشكل ما عن شهادات الفتيات في المبادرات السابقة، وذلك لأن الفتاة قد اتخذت بالفعل مساراً قانونياً ضد الشخص المعتدي، لكن الخصم لا يزال مستمراً في تهديداته.

في هذا السياق، ترى منار عبدالعزيز أن  هذه التجربة أو هذه الحالات التي حررت بلاغات، والتي لم يتم البت فيها، هي موجة متقدمة عن “نصدق الناجيات” وأنا أيضاً”، لأنها حالات سلكت مساراً قانونياً بالفعل، لكن لم ينتج منه تحفظ على الجاني، أو اتخاذ  إجراء جاد يحمي الضحية.

كيف يؤثر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على سير القضايا؟

اعتبرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن قرار إعدام محمد عادل، قاتل “نيرة أشرف”، تم تحت ضغط الرأي العام، وجاءت المحاكمة بشكل عاجل، إذ دامت لمدة ثلاثة أيام فقط. ولا تجادل المفوضية في وجود مبررات لهذه الجريمة، أو أن المتهم يستحق الرأفة، لكنها تؤكد ضرورة إعمال ضمانات المحاكمة العادلة والنزيهة، لتحقيق سيادة القانون. 

وفي هذا الصدد تقول منار عبد العزيز أن السوشيال ميديا تحرك مؤسسات الدولة، وترى أن  قضية نيرة أشرف التي انتشر  فيديو مقتلها على السوشيال ميديا هي السبب في التعامل مع القضية بهذا الحسم والسرعة، لكن في النهاية هذه الاستغاثات تخلق نوعاً من أنواع المناصرة وتنبه الجهات الرسمية وتحثّها على التدخل. 

وتختم عبد العزيز قائلةً: “الأثر الإيجابي لشكاوى النساء على الإنترنت بشكل عام هو قيام  الضحية بتحرك ما، ومشاركة ما حدث معها في العلن، وهو جزء من التعافي والكشف عن الواقع المؤسف ومشاركته مع المجتمع، ما يخلق حالة عامة من رفض العنف. كما أن استغاثات النساء على وسائل التواصل تؤكد رغبة النساء في مسار واضح وقانوني للحصول على حقهن، وعندما لا يجدنه يتخذن مساراً بديلاً”.

تقول تسنيم منير، الباحثة في الحقوق الرقمية، في حديثها لـ”درج”: “إن أي محتوى على السوشيال ميديا يخضع لقواعد السوشيال ميديا، سواء كان سلعة أو قضية”، وترى أن القضايا التي تظهر على وسائل التواصل تخضع لعوامل عدة، منها فكرة الامتيازات التي قد تمتلكها الناجية ودائرة المعارف، ولآفة الترند في الوقت نفسه،  فتنتهي كل قضية وينتهي الزخم حولها بظهور قضية  أخرى”.

 ترى تسنيم منير أيضاً أن المجتمع المدني يحتاج إلى القيام بالمتابعة والتقييم لحالات العنف بنظام واضح،  لكن لا يمكنه أن يتحمل العبء وحده ولا يستطيع أن يحل محل الدولة، فهو لا يملك إمكانياتها في ظل طوفان العنف الموجه للنساء، إذ إن مسؤولية حماية النساء وتطبيق القانون والحماية الرقمية هي مسؤولية الدولة.

وتختم قائلةً: “استخدام النساء وسائل التواصل للاستغاثة يعد وسيلة لإظهار القضية على السطح والتعامل معها قانونياً، لكنه يُفقد الناجية خصوصيتها، والقضية سريتها، ويجعل النساء عرضة للأحكام والمزيد من العنف”.

قد يفيد فضح المتحرشين أو المعنّفين في بعض الأحيان على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن لا توجد ضمانات كافية للوصول الى العدالة، العدالة التي تراعي النوع الاجتماعي، واختلال موازين القوى، ولا يمكن أن تُبنى العدالة -أي عدالة- على خوارزميات فيسبوك، وأن تموت بموت الترند.